رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والاربعون 43 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والاربعون 


كان ضغطها مرتفع بسيطًا وهذا ما يقوله جهاز الضغط، لكن حدس ابنتها يقول أن هناك خطب ما  فسألتها كارما: 

-ليه بس كدا يا ماما ضغطك عالى مش قولتلك تهدى نفسك شوية 

كلمات ابنتها قضت على كل ذرة صبر بداخلها دموعها 
هددت بالسقوط فحدثتها قائلة: 

-وازاى ميعلاش الضغط ياكارما ازاى 
لسه نهلة مكلمانى وقالتلى كنان مشى وساب المستشفى 
واخوكِ مش طبيعى عشان يمسك الشغل
 ابوكِ لما اتوفى يا كارما اتقدم ليا ناس كتير وأنا قولت لأ عيالى اهم حاجة عندى وعشت على ذكرى ابوكِ وكل احلامنا انا وهو كنت بحققها فيكم وفى الأخر كل حاجة كدا بتتهد عيالى بيضيعوا فرع دبى ماحدش ماسكه وهنا الشغل بيضيع وابنى كمان، أنا عملت اية غلط استاهل عليه العقاب دا 

مدت كارما يدها تمسك بكفها كانت باردة كالتلج مرتعدة
وترجتها بألم: 

-عشان خاطرى يا ماما متقوليش كدا 
ضياء وكنان كان لازم يبعدوا عن بعض 
وضياء شوية وهيفوق وبالنسبة للمستشفى انا هنزل وامسك الشغل

-وانتِ تفهمى ايه بس يا كارما فى شغل الطب

اغمضت عيناها خائفة تائهة لكنها تريد أن تقف بجوار اسرتها فى أسوء وقت تمر به، ابتسمت وهى تربت على كفها قائلة: 

-هو انا بقولك هدخل اوضة العمليات أنا هامسك الإدارة 
بس ولو فى حاجة وقفت قصادى هكلم بيسان لحد 
ما ضياء يهدى وهيرجع لشغله

ثم تابعت بحزن قائلة: 

-ومتنسيش أنا لو كنت كملت الكلية كنت زمانى 
فى آخر  سنة وانا إدارة  اعمال، اهدى بس انتِ 
وانا هأكلم بيسان وهانزل من انهارده الشغل 

ربما هى من تحتاج هذه الفرصة، لتتأكد أنها قادرة علي 
التحدى وأنها قادرة تكمل حياتها بعد طلاقها 
نهضت وهى تخفى حزنها بابتسامة هادئة، حملت 
جهاز الضغط ووضعته فى الخزانة وعزمت امرها

********

زمجر كرم بحدة فاستهزأ طاهر هو ينظر بعيدًا عنه 
فتح كرم عيناه بعصبية هاتفًا: 

-النور يا حيوا.ن انت

تجاهل طاهر حديثه واغلق الخزانة بقوة ثم انحنى يربط حذائه، فصرخ كرم ثانية: 

-طااااهر

-صوتك يا بغل انت مش عاجبك النور متجيش تتخمد
جنبى بالليل يابارد 

رمقه كرم بأعين ضيقة ثم سأله بفضول: 

-انت رايح فين كدا باللبس السبور دا على الصبح 

وقف طاهر امام المرآة يلقى نظرة على نفسه ثم ابتسم 
بغرور قائلًا: 

-انا رايح الجيم انا وبيسان هنلعب ماتش 

قفز كرم مسرعًا من على الفراش قائلًا: 

-انا جاى معاك 

-ايه شغل حشر الدماغ فى كل حاجة دا انت تيجى 
ليه ومش كنت عايز تتخمد 

ابتسم كرم بسماجة: 

-عيب يا جدع هاشجع اخويا 

تنهد طاهر وهو يسأله: 

-وبعدين يا كرم؟! وآخرته أيه؟! 

تحولت ملامح كرم واجابه بجمود: 

-مالك يا طاهر فى أيه؟! 
أنا باخد كل حاجة بضحك وهزار بس كلامك على طول ناشف فى الموضوع دا انت شايفنى حاجة صعبة حد يرضى بيها

نفى طاهر برأسه سريعًا قائلًا:

-مش قصدى والله بس يا كرم انا خايف على قلبك 
مش عايزك تتوجع زىّ الموضوع صعب 
هى مطلقة وانت عارف دماغ امك 
غير اخوها مش سهل يوافق 

-سيبك من امك اخوها مش سهل يوافق ليه ياطاهر 
لييه 

جذب طاهر خصلات شعره بعنف قائلًا: 

-اخوها حاسس انه قصر معاها اول مرة عشان كدا 
المرة دية هيبقى صعب فاهمنى 
موضوع السن هيشوفه ازمة وهيرفض 

اجابة كرم بضيق: 

-سن أيه هى ٢١ سنة وانا ٣٤ 

يعنى مش حاجة ليه محسسنى انى ماشى على عكاز 
انا شايف انه عادى، بعدين أنا حبيتها ومعرفش ازاى 
انا عمرى متهزيت  كدا غير قدامها هى أول مرة شوفتها 
تحت البيت كانت بتبص ليا بغباء ومش فاهم ليه 
تانى مرة حستها تايهة، حستها عايزه تعيط وفجأة حسيت 
انى عايز اخدها فى حضنى اول مرة يا طاهر فى 
حياتى احس كدا مش بأيدى اعمل ايه؟! 

لا يعلم يبكى ام يبتسم على حال اخيه لكزه فى كتفه وهو يبتسم قائلًا: 

-مش مكسوف ياجدع دية هى عقلة صوباع والباقى شعر
تعمل فيك كدا 

ابتسم كرم معترضا: 

-مسمحلكش تقول عليها كدا متعرفش دموع عقلة الصوباع دية مش بتنيمنى الليل 

-كرم انت بتكدب ياكرم انت صوت شخيرك بيجيب اخر 
الشارع، المهم الشعر اللى طلعلوا بنى ادمة دا بتبادلك
نفس الشعور 

ضحك هازئًا وهو يحك مؤخرة رأسه: 

-لا بس بتخاف منى

-اصدقك فى دية يابنى العلاقة دية مؤذية والله 

انهى طاهر جملته وهو يضحك وقطع ضحكته دخول 
والدته وملامحها لا تفسر فابتلع طاهر توتره وهو يرمق كرم بطرف عيناه قائلًا: 

-صباحوا يا نوجا يا قمر 

-اخرس يا واد انت 

اطرق رأسه ارضًا هو يهمس: 

-نكد بلا هدف

اخذت الملابس كى تغسلها واستدارت ثم عادت ثانية: 

-بذمتك انتوا مش مكسوفين من نفسكم كدا وانا فى سنى دا بغسل واروق ليكم 

اجابها كرم مسرعًا: 

-سن ايه دا انتِ لسه بطة، وبعدين لو تعبانة نجبلك واحدة تساعدك فى شغل البيت 

القت الملابس التى بيدها على الارض وهمست من بين 
اسنانها: 

-واحدة تساعدنى يابارد هو اللى بيجرى فى عروقك دا
ايه 

اجابها طاهر مازحًا: 

-شربات ورد 

اجابته بحنق بالغ: 

-وانت معندكش ريحة الدم يا طاهر 
واحدة تساعدنى ايه انا عايزاكم تغوروا و تتجوزوا افرح بعيالكم مافيش دم مافيش احساس عايزة اشيل
عيالكم 

اقترب منها كرم ثم تناول يدها يقبلها قائلًا: 

-قريب اوى يا نوجا وهتشيلى عيالى وعيال عيالى كمان

ابتسمت بسعادة قائلة: 

-بجد يا واد يا كرم يعنى فى واحدة، هى مين وانا اخطبها قولى 

-صبرًا يا ست الكل هظبط بس دنيتى واخدك انتِ 
والحج ونروح نطلبها واجبلك انتاج يعمل ازعاج

ابتسم طاهر بتهكم قائلًا: 

- انتاج يعمل ازعاج مش كفاية قرفك بعدين وانا ايه شفاف 

-آه شفاف ومش هتلاقى حد يعبرك لو ماشوفتش بنت حلال وخلصتنى 

نظر نحوها بألم قائلًا: 

-كله نصيب انجز ياكرم مستنيك تحت 

*****

كانت تقف فى مطبخها تقطف اوراق النعناع التى 
زرعتها بعناية ثم وضعت الاوراق الخضراء ذات الرائحة النفاذة فى كوب الشاى حتى قطع لحظاتها جرس 
الباب فتوجهت لتفتح ووجدته ابنها ابتسمت بسعادة:

-صباح الخير يا هاجد تعالى 

-صباح الفل يا امى 

-تعالى اشرب معايا الشاى 

قبل رأسها قائلًا: 

-لا يا ست الكل متأخر مش  هينفع هاجر زمانها نازلة 
تشرب معاكِ 

تأملته لبرهة ثم سألتها بقلق: 

-كلمت ابوها يا هاجد

-كلمتهُ كلمتُه وقالى استنى عليا شوية وهاتصرف 

تقلصت ملامحها قائلة بغضب: 

-وبعدين بقى كدا كتير هو مش شايف انه كدا بيجى عليك لا كدا اكلمه أنا الرجل دا 

رد هاجد بجدية: 

-متدخليش انتِ ياامى هو وعدنى انه هيتصرف وهعدى 
عليه تانى النهارده

******

مال كرم على طاهر يهمس فى اذنه بسخرية: 

-لا شكل بيسان جاهزة هى مش خايفة على نفسها 

اقترب كرم وطاهر منها ولا زالت ملامحها جامدة، تلف شريط حول يدها ثم رمقته بطرف عيناها قائلة: 

-أيه جايب اخوك يتوسطلك 

هز طاهر رأسه بيأس قائلًا: 

-انا اصلًا مش عارف وافقتك ازاى 
بقولك فكك يلا بينا نفطر فى أى حتة 

علت شفتاها ابتسامة ساخرة قبل أن ترد عليه قائلة: 

-طب ما تقول انك خايف اسهل 

توسعت عين طاهر بصدمة بينما اردف كرم: 

-انتِ شاربة ايه على الصبح مقوى قلبك مش شايفة 
فرق السعرات 

-انت لسه متعرفش بيسان لما تحط حاجة فى دماغها تعمل ايه، هتلعب يا طاهر ولا المسحوب مغلوب 
هما الحالتين واحدة لعبت او ملعبتش 

حدق بها لدقائق وملامح وجهه مشتدة الأوتار حانقة حرك رأسه لليمين قليلًا ثم لليسار قليلا وكور 
قبضت يده يضرب بها كفه قائلًا: 

-ابتدى يلا بينا 

وقف طاهر فى المنتصف بينما كانت بيسان تدور حوله 
وابتسامة السخرية تملئ وجهه وعلى حين فجأة لكمته 
فى انفه بقوة فانفجرت الدماء بغزارة بينما كان طاهر ممسكًا انفه يتأوه ضربته بركبتها فى بطنه غير عائبة بتلك الدماء
اعتدل طاهر وانفاسه تحترق ينظر لها بغضب ثم حاول أن يلكمها لكنها تفادته بخفة ومهارة حاولت أن تلكمه 
ثانية لكنه صدها ودفعها بحدة حتى كادت أن تسقط 
اقتربت منه فاسرع يلكمها لكمة قوية فى بطنها، 
فانحنت تتأوه  ولم تنظر كثير فاعتدلت كى تلكمه 
فقبض على يدها باحدى يديه، فقفزت فى الهواء 
وركلته بقوة بقدمها فى صدره ليختل توازنه ويقع
على الارض، بحركة سريعًا كان طاهر يمسكها من 
قدميها لتقع أرضًا ثم امسك كتفها كى يثبتها لتستلم 

كان كرم يتابع بصدمة لا يصدق أنها فتاة، كانت تقاتل بمهارة وحرافية عالية، المعركة بينهم حامية وفى لمح 
البصر بيسان كانت تضرب طاهر فى انفه بيدها الحرة 
ثم لفت يدها حول رقبته، حتى كف طاهر عن المقاومة
فتركته قائلة: 

-عشان متحاولش تقلل من قدراتى تانى 

رمش باهدابه هو ينظر لها يبتسم بداخله بتعجب هو 
كان من السهل أن يهزمها لكنه اراد فوزها، اراد ان تظل كما
هى لا تهزم من أى شئ او اشخاص، اوظروف اراد أن تبقى 
قوية، هى بالفعل قوية 

كانت تنظر له وقلبها يهتز من منظر الدماء التى تسيل 
من انفه على رغم من انها طبيبة جراحة تجيد استخدام 
المشرط ورؤية الدماء بالنسبة لها كرؤية الماء
فهى كانت دائمًا خالية المشاعر، قليلة الأحساس 
فركت مؤخرة رقبتها وهى تقول بأسف: 

-مناخيرك هتحتاج تلج عشان متورمش 

جثى كرم على ركبتيه قائلًا بطريقة درامية: 

-تلج! دا عايز كفن عشان نغسل عارنا طول النهار رايح 
الجيم وراجع من الجيم ويشرب ٥ كيلو لبن الصبح 
عامل لينا مجاعة فى البيت وفى الأخر تتهزم كدا 
بكل سهولة ياخى حسبى الله فيك 

قبل ان يجيبه صدح صوت هاتف بيسان فنهضت تخرجه
من حقيبتها ثم اجابت على هاتفها: 

-اهلا يا كارما 

-ازاى دا؟! طب وضياء؟! 

-اممم، طيب انا عندى شغل دلوقتى ممكن تروحى 
وانا كمان شوية هاجيلك ومش هتأخر 

انهت الاتصال واستدارت وجدت كرم فى وجها فانتفضت بفزع: 

-يامامى، ايه يا كرم خوفتنى 

-خوفتك ايه دا انتِ كان ناقص من شوية تطلعى نار 
من بؤقك انجزى مالها

 تنهدت وقصت له تفاصيل المكالمة
فحك ذقنه بتفكير قائلًا: 

-شايف الواد المتكوم دا تعالجيه عشان امه لو شافته كدا 
وعرفت انك السبب هتعلقك وهتقتلوا وتغسل عاره بايدها، هستناكِ هناك متتأخريش يلا سلام انا 

ثم تابع وهو يقول لأخيه: 

-قوم يا بابا امسح الدم اللى مطرطش فى كل حتة
برستيجك فى الجيم بقى شرشوبة والله 

انهى جملته وانطلق مسرعًا للخارج مدت يدها لطاهر
لتعاونه على النهوض وهى تقول: 

-اخوك دا مجنون مش طبيعى 

-حقيقة يلا نفطر اعوض الدم دا 

اغمضت عيناها بأسف: 

-اسفة بس عندى شغل لازم امشى مرة تانية بقى
متنساش التلج

*****

اخرجت الأكل من الفرن ثم نزعت القفازات والقتهم 
بوهن، فلم ترى عينيها طريق للنوم منذ امس 
ضائعة، مشتتة، خاوية الروح، منطفئة 
كأن الحياة نصبت خيمة العزاء لموتها، حياتها
سوادء هو كان طاقة النور لحياتها، وقعت اسيرة لحزنها
لكن السؤال الذى يطرق رأسها ماذا
لو عاد، ستعود إليه، لكن جرحها منه غائر 
وربما هو لا يريدها رفعت رأسها للأعلى تهمس:

-يارب، يارب انا كنت راضية بحياتى 
مش كان كفاينى الناس اللى رمونى وعاشوا حياتهم 
والله قلبى كان برد وعايشة وراضية، ليه اتعلق وقلبى
النار تولع جواه، يارب يارب 

صدح صوت الجرس فرمقت الساعة باستنكار ما زال 
الوقت مبكرًا، فتحت الباب لتجده ساهر

-ممكن ادخل

تنحت جانبًا تفسح له الطريق فولج للداخل واغلقت 
الباب خلفه ولحقته للداخل قائلة: 

-فطرت؟! 

-يعنى هتفطرينى؟! 

فبرغم هجره الفترة الماضية لكنها لم تغضب منه فهى 
تعى حجم المعاناة التى يعيشها، لكن اكثر ما جعل نياط 
قلبها يتمزق، انها كانت تود أن ترتمى بين احضانه هو 
كى تبث شكوى قلبها فابتسمت ودموعها ترقرقت بعيناها

-اه كله بثوابه بقى 

اجابها بارهاق بائن على ملامحه: 

-طب ليه الدموع دية؟! 

ساد الصمت ولم تجيبه فتنهد قائلًا: 

-انتِ وحشتينى اوى ياكيان 

رمقته بعدم تصديق فأكمل: 

-انا ممكن بعدى عنك الفترة اللى فاتت دية ترجمتيه 
غلط يا كيان، بس انا بعدى لكذا سبب، اولهم انى 
محبتش تشوفى حالتى وجعى على ميرا عمره
ما يبرد يمكن حاولت اكون ثابت بس جوايا نار 
نار بتزيد ومش بتقل موت ميرا مش موت عادى 
دي كسرة ضهر طول العمر، كان سبب فى تعب امى 
وموت ابويا غصب عنى ابويا يا كيان عارف انه مالوش
معاكِ غير الذكريات الوحشه، بس أنا كان ليا حاجات كتير طول الوقت ياكيان انا خايف على مشاعرك انتِ 

بس لما سمعت كلام الست دية وازاى اختِ بطيشها 
وقعت فريسة ليهم اتوجعت اوى وحسيت انى 
كنت بعيد عن اختِ ومش قد المسئولية هو الاكيد 
ذنبك، بس لو كنت جنبك بحالتى كنت هوجعك اكتر 
انا حسيت ان اختنا لسه ميتة حالا يا كيان ميرا كانت 
ممكن تتغير سهل اوى ياكيان، ومتموتش وهى خسرانة 
دنيتها واخرتها كانت لسه طفلة كيان غلطة ابويا 
دمرتنا مش عارف فاهمانى ولا لأ انا كنت محروق وكان وجودى جنبك وانهياري فى الوقت دا هيوقعك انتِ اناكنت بصرخ وبسب وبلعن فى اللى كان السبب 
أنا لسه ما أخدتش تارى ولا ممكن اهدى 

بئس قلبًا يكتم بداخله حزنًا لينفجر قهرًا انهى كلامه ببكاء مرير كان هشًا وضعيف للغاية، اقتربت منه تضمه
ودموعها تنهمر على وجوههم: 

-انا اسفة انا عارفة انه اللى المفروض اهلى هما السبب 
يمكن لو ماكنتش حملت فيا ماكنش حصل كل دا 

ابتعد عنها وهو يمسح عبراته قائلًا:

-عرفتى بعدت ليه؟
 انت مش السبب فى أى حاجة خالص انت ضحية 
زى أنا وميرا كمان صحيح هى كانت غلطت بس ضحية
اوعى تقولى كدا تانى انتِ وجودك نعمة فى حياتى 
انا رجعت لملمت نفسى تانى عشانك يا كيان عشان 
انا وانتِ مالناش غير بعض 

كيان بحنان: 

-طب يلا عشان نفطر وتوصلنى الشغل 

-يلا بينا، بس صحيح انا هسافر اسبوع وارجع 

انتهى ثباتها الزائف قائلة: 

-هتسافر فين وتسيبنى يا ساهر لوحدى تانى

اقترب منه يقبل رأسها قائلًا بحنو: 

-اسبوع واحدة اطمن على ماما وارجع اصلا ماقدرش اتأخر واسيب اختى القمر هنا لوحدها وعلى فكرة 
هارجع اعيش معاكِ هنا الواد الزفت تامر دا قرفنى 
طول الليل يكلم نفسه

-مش هتتأخر عن اسبوع 

-والله مش هاقدر يا كيان هو يا دوب اسبوع

********

وقفت فى المرحاض تحمل اختبار الحمل بيدها 
وابتسامة مشرقة تزين وجهها واضعة يدها فوق 
بطنها بسعادة هى حامل ستنجب طفل من ضياء 
ستكبر عائلتها، لكن فجأة تسلل البرودة بداخلها 
من رد فعل ضياء وهو بهذه الحالة لكنها ستحرص 
ان يكون اليوم مميز، خرجت من المرحاض

فى الخارج كان ضياء مستلقى على الاريكة فمنذ
ما حدث بينه وبين كنان وهو لم يخرج من غرفته 
شعور متناقض بداخله حزن، قهر، شعور بالذنب 
كان مغيب تمامًا ولم يترسخ بعقله سوى الاخذ 
بالثأر اعماه شيطانه، اصبحت ملامحه باهتة عيناه 
محمرتان، لأول مرة يشعر بالعجز، فقد سلب منه 
القدر رفيقه، قلبه يخبره ببراءته لكن كلما اراد التفكير
بعقله يخبره بأن كنان يرتدى قناعًا للبراءة، قطعت تفكيره
بيلا: 

-ضياء مش هتنزل تفطر معانا تحت 

-لأ افطروا انتوا 

تنهدت قائلة: 

-براحتك بس ممكن طلب يا ضياء عشان خاطرى 
مترفضش 
ممكن نتعشا بره لو سمحت انا محتاجة اخرج جدًا وانت
كمان 

-مش قادر بجد يا بيلا سامحينى 

اكملت بالحاح: 

-عشان خاطرى وحياة بيلا يا ضياء خلينا نخرج 
ساعة واحدة نتعشا برة 

-ماشى شوفى عايزة تروحى فين 

ابتسمت بسعادة وانقضت عليه تقبله بفرح، كانت ابتسامتها كشعاع من النور يضئ عتمة حياته

 القت عليه التحية وخرجت مسرعة لتستعد لسهرة 
المساء ولتجهز المفاجأة كما يجب أن تكون

*******

-يا فندم دية كشوفات القبض والمرتبات 
وفى ناس عاملة شكوى كانوا متابعين مع دكتور ضياء 
وكنان ومتفقين على العمليات وهم سلموا الشغل 
لدكاترة تانيين والمرضى رافضين، غير انه فى شحنات لازم
حد يمضى عليها المستشفى بقالها اسبوعين مش 
شغالة ورأفت مش موجود 

تلك كانت كلمات موظف الاستعلامات اغمضت كارما بارهاق ثم اردفت:

-سيب كل حاجة واخرج وانا هاتصرف اتفضل 

وضع الملفات امامها فرمقتهم بوهن ثم دفنت وجهها بين
يدها لا تعلم من أين تبدأ، نهضت متجهة للخارج فهى بحاجة للهواء سارت مسرعة فى اروقة المشفى 
حتى خرجت إلى الحديقة، ووقفت فى زاوية بعيدة 
تجهش فى البكاء حائرة، تائهة

وقف كرم بجوارها ونياط قلبه يتمزق لأجلها ثم همس:

-على فكرة هتقدرى

مسحت دموعها سريعًا قائلة بحدة: 

-هو فى أيه؟
هو حضرتك بتراقبنى؟

-ايوة 

كلمة واحدة نطق بها جعل عينيها تتوسع بدهشة: 

-وليه انت مالك ومالى 

كان قلبه يدق كالمجنون لأول مرة يشعر برجفة تجتاح 
روحه فهمس بصوت يكاد يكون مسموع:

-يادى النيلة على اللي بيحصلى 

-بتقول ايه؟! 

ابتسم على حبها الذى نبت بقلبه لها ولم يعرف له نهاية 
ابدًا فاجابها بخداع: 

-بصراحة بيسان كلمتنى قالتلى فى مكان شغل 
ليا هنا وانا جيت قالتلى هتيجى هى بعد شوية 

داعب الهواء خصلات شعرها الثائرة، واطلقت زفيرًا 
حارقًا لتخفف قليلًا مما ازدحم بداخلها: 

-تشتغل ازاى يعنى؟! 
هو انت محتاج انت بتشتغلنى

تلقى كلماتها برحابة صدر قائلًا: 

-عندى مشاكل مع اهلى وكنت محتاج الشغل فعلا بس 
لو وجودى هنا مش مرحب بيه طبعًا دا مكانك ومقدرش 
افرض نفسى 

اولاها ظهره مغادرًا فأوقفته متسائلة: 

-انت تفهم فى الطب 

-لأ، بس هامسك ادارة المكان، الحسابات، اى حاجة 
محتاجة تظبط انا محتاج الشغل 

تنهد قليلا ثم سألها: 

-قرارك ايه موافقة ولا اتكل على الله اشوف اكل عيشى 
فى حتة تانية 

-موافقة تعالى اوريك الملفات اللى هتستلمها

******

تهاوت الساعات سريعًا وحل المساء وقد حجزت بيلا 
طاولة على النيل مزينة بالزهور الفواحة كان عشاء
رومانسى على الطريقة الكلاسيكة واحضرت علبة 
وضعت بداخلها اختبار الحمل وارتدت فستانًا باللون
الازرق لون ضياء المفضل 

كان ضياء يطالع الطاولة بفتور ثم ثبت نظره 
على النيل الذى تكسيه ظلمة موحشة هل يقارن 
هذا الظلام بالعتمة التى بداخله لكنه يعلم أن هذا 
الظلام سيزول عن النيل فى الصبح عندما تشرق 
الشمس اما هو خيم بداخله اخذ نفسًا عميقًا 
فهمست بيلا: 

-هو النيل كان واحشك كدا ولا أنا اللى مش عايز 
تشوفنى 

-انت عارفة ايه انتِ اية بالنسبة ليا 

نفت برأسها متسائلة بدلع: 

-مش عارفة ممكن تعرفنى؟! 

 مرت دقيقة من الصمت وهو حقًا مرهقًا، مستنزفًا وقف قائلًا: 

-هادخل التواليت دقيقة واحدة وهاجى 

انتهزت الفرصة واشارت للنادل ليأتى بكعكة التى عليها 
صورة طفل رضيع وما أن انهت حديثها كانت تقترب 
منها احدى صديقتها من أيام الجامعة: 

-بيلا معقولة عاملة اية؟! 

ابتسمت بيلا بهدوء:

-الحمدلله انتِ عاملة

رمقت صديقتها الطاولة ثم سألتها بمكر: 

-عشا رومانسى ايوة بقى ياستى مستنيه البوى فريند 

-انا هنا مع جوزى هو دخل جوه التواليت 

-عن حب ولا يا بيلا 

تذمرت بيلا من كثرة اسئلتها تريد ان تخرج العلبة 
قبل مجئ ضياء: 

-حب 

شهقت الاخرى تزامنًا مع وصول ضياء الذى كان يقف 
خلفها قائلة: 

-حب يبقى طاهر تصدقى فرحتلك عشان اتجوزتى حب 
عمرك والله الجامعة كلها كانت بتقول اللى بينكم حب مبروك 

كانت كلماتها تقفز بين اذن ضياء هائجة ثائرة فى كل 
اتجاه لترتطم بداخله فى النهاية كمطرقة هوت فوق 
رأسه، اى صقيع هذا الذى انصب فى روحه فى هذه 
اللحظة حتى بيلا وحبها خدعة ووهم 

مادت الأرض ببيلا فى هذه اللحظة، شعرت بكل شئ
وضده اصابها الذعر من نظراته وهو يقترب منها 
قبض على يدها بحدة ثم تناول حقيبتها من على 
الطاولة همست بتوسل: 

-ضياء اسمعنى عشان خاطرى بليز 

اعارها الأذن  الصماء وسحبها بحدة كان النادل فى هذه 
اللحظة يحمل الكعكة متجهًا نحو طاولته كانت الدمعة 
تترقرق بعيناها وهى تطالعها كان الجو لا ينذر بهبوب 
عاصفة تبعثر احلامها هكذا، كيف تغير كل شئ هكذا
لحظة، كانت عينيها تنظر له تطلب الغوث منه لكن 
لم يسمع فتح باب السيارة ودفعها للداخل ثم اغلق 
الباب، وفى لمح البصر كان ينطلق يسابق الريح 

وضعت يدها على بطنها ودموعها تنهمر: 

-بالراحة يا ضياء هنموت بالراحة 

ظل كما هو حتى صف سيارته اسفل الفيلا فمدت يدها 
فصرخ بها: 

-كنتِ بتحبيه بتحبى طاهر وانا المغفل صح 

-ضيااء

-انزلى .. انزلى يا بيلا بقولك انزلى 

هبطت من السيارة فانطلق مندفعًا فوضعت يدها على فمها لتكتم شهقاتها

****

كان يقف تحت المياه الجارية ليغسل ترسبات الماضى 
فهو لن يفيده الصراخ والعويل على ما فات يجب 
أن يبدأ من جديد، انهى حمام وخرج للخارج 

وقد اعد فنجانًا من القهوة يراقب هذا العلو وسقوط
الثلوج من خلف نافذته، حتى طرق الباب توجه 
ليفتح فابتسم بهدوء فبادلته شاهندة الابتسامة 

-حمدلله على السلامة يا دكتور

*****

فى منتصف الليل مرت الساعات وهى تقف تنتظر 
ضياء فى الشرفة بشرتها البيضاء شاحبة عقارب 
الساعة تدوى فى رأسها كاجراس الكنيسة، دموعها 
تكوى وجنتها، تريد أن يأتى ليمسح دموعها، يربت 
على يدها يخبرها ان كل شئ سيكون بخير لماذا 
تركها هكذا القلق يقتلها هو يعرف كم هى ضعيفة
دونه كم تحتاجه كيف يتركها هكذا لافكار تخنقها 

****

كان ضياء فى احدى نوادى السهر محاولًا فتح 
عينيه فيطبق الألم على رأسه كل شئ زائغ 
امامه اول مرة يتناول زجاجة خمر، راح يسأل 
نفسه لماذا لم تخبره بحبها لطاهر، لماذا لم تخبره 
اخته بساد.ية زوجها، لماذا يكشف مكر زهير 
الاجابة ببساطة لأنها مغفلًا يشعر بالحسرة بداخله

نهض من مكانه ليذهب للبيت حتى يأخذ الاجابة 
على اسئلته، بعد مرور ساعة كان يصف سيارته 
لا يعلم كيف وصل حتى اكثر من مرة كانت السيارة
ستقلب به هبط من السيارة..

******

تعليقات