رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والاربعون 44 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والاربعون 

ولج للداخل واغلق الباب خلفه ومع صوت الإغلاق 
رفعت رأسها ولكنها لم تعيره انتباها ولا زالت تتفحص 
هاتفها، اقترب ببطئ وهو يتأملها باستنكار قائلًا: 

-السلام عليكم ياهاجر 

كانت تجلس على الأريكة بأريحية غير مكتدرة له وتمتمت ببرود: 

-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتة

حدجها هاجد بغيظ لعدة لحظات ثم سألها: 

-فى أيه يا هاجر مش شايفانى دخلت حتى مش رافعة 
عينك من الفون، مالك؟! فى أيه؟! 

-مفيش، عادى يعنى كنت بشوف حاجة

رفع حاجبه بسخرية: 

-مفيش وعادى يبقى كدا فى مصيبة 

ضيق زيتونته متسائلًا: 

-ايه اللى حصل مزعل روح القلب 

-عشان زعقتلى وتعصبت عليا امبارح 

اتسعت حدقتي هاجد من الصدمة: 

-مش انتِ اعترفتى انك غلطانة وانا صلحتك عادى

-ايوة، بس انا طول نهار بتسبنى لوحدى وبترجع بليل 

حل ازرار قميصه ومازال وجهه يحتفظ بالابتسامة: 

-دا شغلى، غير كدا قولتلك اشغلى الوقت الفاضى عقبال
مااجى بتصاميم الفساتين 

لوت شفتاها ثم اجابته بحنق: 

-اه، قصدك تقولى حلى عن دماغى وشوف حاجة تشغلك 
عنى 

طالعها بنظرات مستنكرة ثم اجابها باستهزاء: 

-لا شكلها طلبت نكد ومش لقيه حاجة تتخانقى وتنكدى 
عليها

ثم تابع: 

-بقولك ايه، طب ما الصباح رباح ونهار ليه عينين
واكيد هعمل حاجة الصبح تعرفى تنكدى عليا بيها 
واعتذر وتأسف كمان 

اجابته بحدة وهى تشير إلى نفسها: 

-قصدك انى بعمل نكد ومشاكل يا هاجد
انا نكدية  

اقترب منها اكثر مد يده محاوطًا خصرها ملاحظًا 
ارتعاشها ورجفتها ثم اقترب اكثر واكثر مخرجًا همسًا
مثير آثار بها الخدر كالمغيبة: 

-مين قال بس كدا
 انا مراتى قمر كفاية بس ضحكتها بتنور الكون

-شايفنى ازاى يا هاجد 

-شايفك لطف ربنا بيا  وكأن فى ليلة ربنا اراد تحقيق
كل دعوة مؤجلة ليا على هيئة هاجر
 فلحظة واحدة بس اول ما شفتك احتلتينى كلى

انهى جملته ثم لثم عنقها هامسًا بصوته الأجش: 

-يا هاجر هاجر القلب إليكِ فهل من واصل 

أطلقت تنهيدة بائسة، حزينة كتلك المشاعر التى تسيطر عليها، فقد تأخرت زائرتها الشهرية وكان لديها امل حتى صباح اليوم قبل أن تأتى ضيفتها الغير مرحب بها قائلة: 

-مش هينفع ياهاجد

تنهد بقوة فقد تأكد للتو ما سبب تقلب مزاجها فحدثها: 

-يا هاجر دية ارزاق ولسه ميعاد رزقنا مجاش بلاش 
كدا وقابلى الموضوع برضا وربنا هيكرمنا

-انا عارفة انه رزق بس نفسى فى بيبى اوى ياهاجد 
ويكون منك انا بحبك وكنت طول عمرى وحيدة

ابتلع غصة ثم ابتسم قائلًا: 

- فين الحب دا، واضح انك مش بتحبينى زى ما بحبك 
عايزه تجيبى بيبى يأخدك منى على فكرة من الاول شهر ينام لوحده فى اوضة تانية

توسعت عيناها بذهول قائلة: 

-ايه دا انت هتبقى اب مفترى ولا أيه؟!
انا ابنى هينام جنبى وانت بقى تنام فى اى حتة 
اقولك انزل نام عند سوسو تحت

اختفت ابتسمت هاجد هامسًا بضيق:

- انت ناوية تعملى فيا كدا بجد يا هاجر 
على فكرة انا بغير جدًا 

اهدته ابتسامة خدرته وهى تلف ذراعيها حول 
عنقه ثم طبعت قبلة على وجنته قائلة: 

-انت تغير من بيبى بردو دا انت القلب ودقاته، متقلقش هنزله هو عند سوسو وانا استفرد بيك حلو كدا 

كان مفقود فى بحور عشقها، تائه عن العالم والمنطق 
تحمحم وهو ينزل يدها قائلًا بانفاس ثقيلة:  

-بقولك ايه نكدى اسهل النكد دلوقتى مقدور عليه 

*******

ولج لغرفته واغلق الباب خلفه وهو يترنح، ثم نظر 
فى عينيها نظرة طويلة لم تفهمها، ولم تريد أن تفهمها
فلم تكن توحى بالخير ابدًا، دموعها الساخنة تنساب 
بين اهدابها فى صمت، تقدم نحوها لكنه كاد أن يسقط
فاسرعت إليه تسانده، فانبعث رائحة الخمر منه، 
شعرت بالغثيان يهاجمها، فاستجمعت بقايا صوتها الضائع وسألته باستنكار: 

-انت شارب يا ضياء؟! 

مشاعر متضاربة كل شئ ونقيضه، كاحتراق النيران
كبرود جسد غادرته الروح، كبكاء الملكوم، كالصمت
المرير للمفجوع

وبالحقيقة لم يكن غضبه وحزنه إلى هذا الحد بسبب
ما سمعه، او لم يكن هو السبب الوحيد على الأقل 
لكنه مل الألم، لم يعد بامكانه تحمل أى جرح اخر 
لم يعد قادرًا على الصمت امام ما تجرعه من مر 
الحياة، علقم فقد ومرارة جراح نازفة، امتلئ قلبه 
بوجع وقهر ولم قادرًا على التنفس سألها بصوت 
مختنق:

-كنتِ بتحبيه يا بيلا، طب ليه مقولتيش قبل الجواز

سؤاله ثقيل صعب ومؤلم، مسحت دموعها بظهر كفيها
قائلة: 

-لأ لأ انت أول واخر حب بحياتى يا ضياء 
لو سمحت خلينا نتكلم الصبح انت مش فى واعيك

نظر فى عيناها بضياع طويلا يمزقه الألم: 

-هو أنا مغفل اوى عشان كلكم تعملوا معايا كدا 

ثم صرخ بهياج: 

-كنتِ بتصدينى من الاول عشانه صح؟! 
طب ماانا سألتك وقالتى مفيش حاجة بينكم 
سألتك ولا لأ 

اشتد بكاؤها قائلة: 

-مفيش حاجة كان مجرد زميل مقرب، شوية اعجبت بيه لكن محبتش غيرك والله ياضياء مع بس عرفت الحب هو اول حد عاملنى من غير يبص على رجلى 
ويبحلق فيا وجعنى بس مش اكتر
 ممكن تهدى بلاش نتكلم عشان انت مش فى واعيك 
عشان خاطرى

-دا الوقتى بس بقيت فى وعى يا بيلا دلوقتى بس

ولا عندك حق واحد زى اصلًا مغفل 
قولى قولى كنتِ بتصدينى عشانه صح ولما هو 
قرب من كيان قولتى تغظيه بيا مش كدا، بس الموضوع 
قلب بقى وغصب عنك بقت جوازة، آآه وعشان كدا 
ماكنتيش بتطيقى كيان دبستك فيا وعشان البيه 
حبها هى وانتِ لأ

ران الصمت لبرهة بدت طويلة جدًا محملة باحاديث 
كثيرة طالعته بعينين مفحوعتان، كلمااته كانت تقحم اسنانها فى قلبها، مزقت روحها إلى اشلاء فى كل مكان 
شعور حارق بالخذلان لا تصدق أن هذا هو ضياء 
مسحت دمعة هاربة من عينيها: 

-انت بتشك فيا أنا يا ضياء مراتك بلاش بيلا حبيبتك 

ثم تابعت بحرقة وهى تمضى نحو الخارج

-أنا مش هرد عليك دلوقتى بس الصبح نتكلم لأنك 
مش فايفة وهخرج انا بره

جذبها من معصمها بحدة وهو يغرس اصابعه فى لحمها ثم سألها وهو يتألم: 

-قولى فيا أيه ماكنش يتحب عشان تحبيه هو 

نظرت له بغضب مختلط بما اضاف الكحل السائل على
ملامحها من وجع 
-اخرس بقى يا ضياء انا محبتش طاهر، فوق فوق انا هحسبك على كل كلمة لما تفوق اوعى ايدى  

هزها بعنف وهو يلتقط انفاسه قبل أن يفجر قلبها
قائلًا: 

-ليه خدعتينى زيهم ليها انا قصرت معاكِ فى 
أيه من يوم ما عرفتك وانا بتمنى رضاكِ حتى 
اعاقتك اتقبلتها ورضيت بها وهو مقبلهش ومفكرش فيكِ 

ارتعش بدنها ارتعاشة واحدة كلماته زلزلتها، جملة 
واحدة غرست ألف خنجر فى قلبها، حاولت التنفس 
فلم يكن يدلف الهواء إلى رئتها دخلت فى حالة هياج 
واخذت تضربه بيدها على صدره:

-اعاقتى؟! 
انت غبى ازاى تقولى كدا، انت ازاى توجعنى كدا 
عملتلك أيه تدبحتنى كدا؟! حرام عليك يا ضياء 
أنا هريحك من المعاقة دية نهائى

دفعته بحدة فسقط على الفراش خلفه واستسلم 
لتلك الغيمة التى سحبته، اما هى اخرجت حقيبتها
من الخزانة لتجمع ثيابها وآه تعتصر قلبها كانت اكثر ضعفًا اكثر وجعًا وهى تنظر لكل جزء بالغرفة وقفت 
امام المرآة تنظر لنفسها بمرارة هى حقًا معاقة
كم هى غبية ارادت أن تنسى ألم ماضى بحياة 
جديدة فانتهى الأمر بألم مضاعف

*****

فى صباح اليوم التالى

انتفض هاجد من رقاده العميق على صوت صراخ هاجر 
التى تجلس بجانبه نفض عنه كسل النوم متسائلًا بلهفة 

-فى ايه يا هاجر مالك 

زمت شفتها تبكى كالاطفال: 

-فى اية يا حبيبتى مالك 

بسطت يدها امام وجهه قائلة: 

-ضفرى اتكسر ياهاجد 

جز على اسنانه بغيظ قائلًا: 

-بالله يا هاجر الصراخ دا كله عشان الضافر اتكسر 
انا صحيت بفزع 

رمقته بملامح متجهمة، كئيبة قائلة بضيق: 

-هو أنا لازم تتكسر رقبتى عشان تحس انها حاجة 
كبيرة يعنى، على العموم شكرًا 

-يخربيت الهرمونات وسنينها
لا طبعًا يا قلبى بعد الشر عليكِ بس حقيقى اتخضيت 

انهى جملته وهو يتناول يدها يطبع قبلة ناعمة ثم اكمل: 

-صباح الورد يا قلبى 

-قصدك مساء الخير، بقالى ساعتين بصحيك عشان
تنزل الشغل 

سحب هاجد الغطاء وهو يقول: 

-لا مش نازل انهارده وسبينى اريح ياهاجر 

زفرت بضجر قائلة: 

-انت هتنام انا اصلًا كنت متفقة مع مرات خالى انى 
هروح عندها انهارده لو هتنام اروح ساعتين وارجع 

نفض الغطاء عنه بحدة قائلًا: 

-لأ مفيش روح هناك 

رمقته باستغراب قائلة: 

-فى ايه يا هاجد، هو كل ما اقولك اروح هناك تقولى 
لأ ليه؟

اجابها بانفعال:

-لأ وخلاص لأ يعنى مش فاضين ومن غير ليه 

ابتلعت غصة قائلة: 

-ماشى كمل نومك 

نهضت من على الفراش لكنها فجأة اصبحت بين يدها
وهو يضمها بتملك قائلًا:

-لأ عشان بغير ياهاجر ارتاحتى كدا

-من مرات خالى يا هاجد 

ركز نظراته على عينيها وانفاسه تحرق وجهها قائلًا:  

-من ابن خالك يا هاجر، اللى اسمه طاهر مش بحب 
بصته ليك

-بس انا ..

حاولت أن تنطق لكنه وضع يده على ثغرها هامسًا: 

-انتِ فوق اى شك يا هاجر بس انا بغير راجل زى اى 
راجل

كلماته اثارت لديه الكثير من الاحاسيس، سقط الأدراك
والتفكير العقلانى امام عناقه الملتهب انفاسه ونظراته 
ارسلتها لعالم اللاوعى وفقدت السيطرة، كالعجينة 
اللينة بين يده كانت كالمنومة مغناطيسية، فجأة 
شفتاها احتلت شفتها وغزتهم بعنف لكنه كان عنف 
رائعًا ابتعد عنها قائلًا: 

-قومى يا هاجر الله يسترك قومى يا بنت الناس 
اللى يعرفك لا يعرف نوم ولا راحة، ويلا اجهزى 
عشان فى مفاجأة ليكِ

نظرت لها بعدم تصديق فابتسم وهز راسه بالايجاب
فجذبته من يده قائلة: 

-طب يلا يلا عشان نلحق المفاجاة من اولها

هز رأسه بيأس من تصرفاتها الطفولية قائلًا:

-بموت فيكِ يا هاجر 

*******

اراد أن تستعيد كامل اتزانها أن يهدم الجدران بينها وبين 
الحياة، أن تصبح قوية بنفسها وليس بفضل وجود احد 
حتى هو نفسه، ضيقت بيسان عينيها متسائلة: 

-يعنى انت فهمتها أنك محتاج الشغل 

-ايوة مش عايزها تحس انى بساعدها خالص 
عايزها تحس بقوتها 

حكت مؤخرة عنقها حركتها المعتاد قائلة: 

-على ما اعتقد كدا أن كارما محظوظة 

ابتسم كارما بسخرية: 

-مش اوى كدا الكل شايف انه يا حرام تبص لو واحد 
زى عشان كدا حابب انه متحسش بمساعدتى 
عشان لو نصيب توافق بارداتها مش رد جميل
او مساعدة 

ابتسمت بأسف قائلة: 

-اسف لو كنت اتكلمت فى موضوع السن قبل كدا 
وضيقتك 

-عادى هو انتِ بس كمان طاهر 

سألته فى توتر: 

-هو عامل ايه؟!

قهقة كرم قائلة: 

-قاعد طول الليل فى شارع عشان نوجا متعرفش 
وجه بليل وقفشته الصبح بهدلته 

شعرت بالضيق لكن قطعها دخول كارما للمشفى 
كانت تزين ثغره ابتسامة هادئة ثم همست: 

-صباح الخير وهو انا تأخرت 

حاول كرم كبح ضحكاته فالساعة تخطت الثانية 
عشر ظهرًا فابتسم قائلًا: 

-لا فى ميعادك بظبط 

رفعت بيسان احدى حاجببها قائلة: 

-اتاخرتى يا كارما واتاخرتى اوى كمان انا هنا بقالى 
ساعتين وظبطت حاجات كتير والمفروض كنتى 
تعرفيها ومفيش وقت عندى اعدها تانى دا غير 
أنك عشان تبقى مسئولة عن مكان لازم تكونى
اول واحدة موجودة الصبح 

حاولت كارما أن تبرر لها لكن بيسان رفعت يدها 
امامها كى توقفها قائلة: 

-انا مش عايزة اسمع مبررات الشغل لازم تكونى 
قد المسئولية، ضياء وكنان عمرهم متأخروا 
الموضوع تقيل بس لازم تتعودى معاكِ الاستاذ
كرم هيقولك اللى عملتوا، هجى بكرة الصبح 
ساعتين وامشى حاولى تفهمى الشغل بسرعة
لانى مش متاحة على طول 

رمقت كرم بطرف عيناها وهى تشعر بالاحراج، بينما 
كرم كان بداخلة براكين من اسلوب بيسان التى حملت
حقيبتها ورحلت فلحقها للخارج مناديًا عليها فاستدارت: 

-افندم 

-ليه كدا 

طوت ذراعيها امام صدرها قائلة: 

-لأ جو اطبطب ودلع دا مش لونى انا اساعد بس 
مش فى كى جى احنا هنا، وهى كانت لازم تعرف 
واظن جو نانسى عجرم دا شغلتك انت سلام يا كرم انا مش فاضية

جز على اسنانه:

-انا نانسى عجرم

******

اخذت والدته تهزه بعنف ليفيق من نومه العميق، 
تململ ضياء فى نومته بانزعاج فوضعت يدها 
على فمها لا تصدق حالة ابنها رائحة الخمر 
تفوح منه صرخت بانفعال وهى لا زالت تلكزه: 

-ضياااء قوم، قوم يا ضياء 

فتح عيناه بصعوبة ورأسه سينفجر من الألم وضع 
يده على رأسه قائلًا بصوت متألم: 

-ايه يا ماما فى أيه خير؟! 

-خير!! فى أيه؟! انت بتشرب يا ضياء بتشرب 
أنا مش مصدقة نفسى فين ابنى ليه بتعمل كدا 
ليه بتهدنى حرام عليك 

يشعر برأسه ستنفجر فوق كتفيه، صداع مؤلم ودوار عنيف، اغمضت عيناها متحسرة على حال ابنها فهمست

-قوم معايا ادخل خد دوش وعقبال ما اعملك القهوة 
واجبلك مسكن 

بعد عدة دقائق تقدمت والدته وهى  تحمل صينية عليها 
فطورًا كوبًا من القهوة، جلست إلى جواره ووضعت الصينية امامها على منضدة وقدمت
له حبة المسكن ثم ناولته زجاجة الماء 

فاخذ المسكن وارتشف بضع قطرات من زجاجة ثم 
ناولته كوب القهوة، انهى كوب القهوة ووضعه امامه 
والبدء الألم يخف بعض الشئ، فسألته بعتاب ممزوج 
باللوم: 

-انت عملت ايه مع بيلا يا ضياء

رفع نظره إلى والدته برعب ثم نظر حوله فى الغرفة 
يبحث عنها ثم ابتلع فى خوف متسائلًا: 

-بيلا فين؟!

فهو اخر ما يتذكره حينما فتح الباب ووجدها تبكى 
غلف الصمت المكان ثم نظر لوالدته: 

-هى فين ياامى 

-هو اللى حصل ما تفهمنى 

سرد لها ما سار معه فشهقت اللعنة على ابنها حطم 
زوجته وحطم نفسه معاها دون أن يدرى، فرك 
وجه بحدة هو لم يتذكر شئ

-انت اتجننت تشك فى مراتك اللى حطنا كلنا فى عينها
مش دية بيلا اللى اتجننت عليها خلاص بقيت عايش 
جوا المؤمرة، طب ما اختك كانت متجوزة والمفروض 
كانت بتحب الزفت دا واتطلقت، هل حرم قلبها يحب تانى ويتفتح لبنى ادم محترم انت بتحسبها على ايه 
وكمان بتشرب انت اتجننت هو انت كنت مسكتها
بتخونك الواحدة بتخطب وتفسخ وتجوز عادى يابنى
خربت بيتك 

-انا مش فاكر حاجة والله بس اكيد مأذتهاش انا
اتوجعت بس قوليلى ايه اللى حصل

-انا سمعت صوتكم بليل ومفهمتش خرجت لقتها ماشية 
حاولت اترجها مرضتش تتكلم وكانت منهار اتصلت 
اطمن عليها ابوها قال لازم تروح هناك ضرورى وصوته
ماكنش مريحنى

هبط الدرج خاوى بلا قوة يتهاوى يكاد يسقط، كيف يمضى الحياة بدونها؟! كيف تتركه وحيدًا
يشعر بثقل على صدره مرارة العلقم فى حلقه باتت
حياته حزينة مؤلمة

*****

ياللمرارة التى كانت تحملها كلماته، تجلس على الفراش 
دون جهازها تنظر لساقها وتبكى منهارة دموعها شلالات 
انفاسها ستتوقف أن لم تتوقف عن البكاء شهقاتها تعلو 
ونحيبها يرتفع وصرختها تدمى القلب شعور بالخذلان 
والقهر يهاجمها بضرواة فهى اعتبرته وطنها الأوحد، لكنه طعنها بقسوة تنظر لساقها بقهر وتصرخ: 

-أنا ذنبى أيه فى دا؟! ليه يوجعنى باكتر حاجة بتعذبنى
أنا كنت عايزه افرح معاه، كسرتنى وكسرت فرحتى ياضياء

فى الاسفل كان والدها يسمع صراخها باسم زوحها وتأكدت شكوكه، استطاع أن يستنتج كل شئ 
بسببه صرخت لبنى: 

-هنسبها تموت نفسها كدا 

قاطعها طرق الباب فذهب يفتح وجد ضياء امامه 
فسحبه من يده وادخله واغلق الباب ثم قبض 
على تلابيبه وقال بغضب اشعل رأسه:

-عملت ايه فى بنتى من يوم ما دخلت البيت دا وانا 
عاملك ابنى ليه تأذيها ليه؟ لو كنت زهقت كنت سابها
ليا سليمة كنت متوجعهش ليه كدا 

انهى كلماته وخانته دموعه يبكى بحرقة على حال 
فلذة كبده بينما كان ضياء منكسًا رأسه على كسر الثقة انتفض ضياء على صوت صراخها من الاعلى
الذى اوقف نبض قلبه قائلًا: 

-والله العظيم، والله العظيم مش فاكر حاجة خالص 
انا ماكنتش فى واعى أنا هطلع اتكلم معاها 

اجابه والدها بصرامة قائلًا: 

-انسى مش هتشوفها حتى

تركه وذهب لوالدته يبكى كطفل صغير لكنها هوت 
بكل قواتها على وجهه بصفعة قوية لكن لم يهتز 
فقط اغمض عيناه بألم واكمل رجائه قائلًا: 

-ماكنتش حاسس والله هى اغلى من روحى وانتِ عارفة كدا

اقترب منها زوجها يضمها فهرول ضياء للأعلى 
وما أن فتح الباب وجدها تبكى بشدة وجهها أحمر متألم 
بمرارة وعيناها مثبت امامها فى نقطة ما، كان خنجرًا ينغرس بشراسة فى صدره، هيئتها المتألمة كانت اشد وطأة على قلبه: 

-بيلا 

اخترق صوته قلبها فانتفض من على الفراش مسرعة فوفعت ارضًا فهى لم تنتبه أنها دون الجهاز
كلماته كانت  تتردد فى عقلها تطعنها مثل سكين صدأ ينغرس عميقًا فى قلبها اخذت تجذب الغطاء مسرعة لتخفى قدمها المبتور، فجثى على ركبته مسرعًا حاول أن يهدأ لكنه لم يزيدها سوى هياج، كانت تصرخ وهى تجذب كل شئ حولها لتخفى ساقها

كان ضياء يطالع حالتها وفى قلبه ألف بركان ثائر، 
هبطت دمعة حارقة وهو يراه تختبأ منه بعد أن كانت
قطعة من روحه، نظراتها تبعث فى قلبه المرارة 
ما تفعله الآن اشبه باصدار حكم بموته همس 
بصوت متحشرج: 

-بيلا انا ماكنتش فى وعى، ابوس ايدك متدبحنيش كدا

-هشش متكملش متكملش انا مش عايزه اسمع منك 
حاجة خالص انت خلاص دبحتنى طلقنى لوجه لله 

كانت تنظر له بكره تكره كما لو تكره آدميًا فى حياتها
ألألم المبرح فى قلبه تفتك به: 

-بيلا انتِ عارفة انا بمر بأية انا ماكنتش فى وعى انا غلطان، انا موجوع بعد كنان هزنى اوى ضعفنى هدنى 
وانتِ اكتر حد حاسس بيا بلاش تعذبينى، مش فاكرة
اى حاجة صدقينى انا عمرى ما أذيكِ

انهى كلمته وحاول ان يلمسها لكنها تراجعت للوراء وهى 
تصرخ: 

-عايز تعرف أنت قولت ليا ايه؛ طاهر مرضيش بيا عشان اعاقتى، وانى احمد ربنا انك رضيت باعاقتى عرفت قولت ايه
وانا بحلك منى طلقنى طلقتى طلقنى 

تسمرت نظراته على وجهها الممتقع فى الألم الجمته الصدمة سياط يضربه بلا هوادة، شعر بروحه
تنسحب من بين خلاياه وانفاسه تتلاحق وجف 
حلقه كالصحراء قاحلة،اكملت صراخ يهز جدران 
البيت ويدمى القلب: 

-طلقنى طلقنى حرام عليك، حرام عليك انا مستهلش 
منك العذاب دا طلقنى طلقنى ابوس ايديك كل 
ما هبص فى وشك هفتكر كل حاجة

يابابا خدوه بعيد عنى ابوس ايديكم خليه طلقنى 
مش هقدر اشوفه تانى 

ولج والدها ومن خلفه والدتها
صعق من هول المنظر انحنى مسرعًا يحملها على 
الفراش فصرخت: 

-غطونى ماتخلهوش يشوفنى ابوس ايديكم ،طلعوا بره 

صرخت لبنى وهى تضربه على صدره بهياج:

-اطلع بره وطلق بنتى طلقها
هاتوا دكتور بنتى هتضيع منى 

سحبه والدها للخارج فصرخ ضياء لأحدى الخدم وهو يكتب ورقة قائلًا: 

-هاتوا الحقنة ديه بسرعة

مادت به الارض فجلس على الارض وهو ينظر لوالدها 

-ماكنتش فى وعى دا ربنا مش بيحاسب البنى ادم 
اللى مش بيكون فى وعيه 

كان والدها نظره مثبت على غرفة لكن كلمات ضياء 
اشعلت به نيران فصرخ به: 

-بس هى كانت فى وعيها وانت دبحتها شوفت حالتها 

ثم جثى بجواره قائلًا برجاء:

-طلقها يا بنى طلقها ابوس ايديك بنتى هتروح منى
ماليش غيرها لما امها رفضت اننا نخلف تانى 
انا كان ممكن اتجوز بس مهانش عليا اكسرها 
هى ولبنى، دلوقتى هما بيتكسروا قدامى أنا 
اعتبرتك ابنى هى مش هترتاح غير كدا يرضيك 
نقف فى المحاكم وتموت بيلا بالبطئ

-مقدرش، مقدرش اعيش من غيرها 

-لو بتحبها ارحمها هى مش هتقدر تكمل 
كل حاجة احنا متنازلين عنها ابوس ايدك متحرقش
قلبى عليها 

الندم شل تفكيره قلبه ينزف ويصرخ بلا رحمة، كان 
يحميها من كل اذى واصبح هو مصدر الاذى اجابه
بصوت مخنوق: 

-بتحكم عليا بالموت بالحيا اعتبرنى

-لو طلقتها يا بنى يمكن يبقى فى فرصة لرجوع 
بقولك كدا عشان بعتبرك ابنى ارحم ضعفها 

احضرت احدى العاملات الحقنة تناولها مسرعًا وولج للداخل، فوجدها تهذى بهستريا: 

-انا عندى اعاقة هو قالى كدا هو يامامى بعد كل دا 
مش عايزه، ابعدوا عنى، غطينى كويس، كان بيقرف
منى يامامى 

صرخ مقاطعًا اياها:

-محصلش انتِ اميرة فى قلبى والله ماكنتش فى وعى 
ارحمينى يا بيلا كفاية وجعى كفاية كفاية 

-ارحمنى انت وطلقنى ارحمنى طلقنى 

اخذت تشد خصلات شعرها بعنف وقف عاجزًا فى هذه 
اللحظة يبحث عن يد العون التى كانت دائمًا بجواره 
رفيق العمر، ظل واقفًا يرى انهيارها المفجع للقلب 
صرخت والدتها قائلة: 

-انا كنت مراهنة عليك وقالتلى لا انا مش عايزه اتوجع
قولتلها دا السند والضهر ليه يابنى 

-خلينى اديها الحقنة

-مش عايزه اشوفه يابابا هو انا مش بنتك هتسبنى
اتعذب كدا يا بابا

-انتِ طالق يا بيلا

انهى كلماته وهو يقترب منها حاولت النهوض والابتعاد 
عنه إلا والدها جذبها إلى احضانه قائلًا: 

-اهدى حبيبتى خلاص

كانت تبكى بنحيب اقترب ضياء من كتفاه ثم قام بحقنه فهمست: 

-ابعدوا يابابا عنى دا شايفنى معا...

استسلمت لمفعول المخدر وسحبتها غمامة سوداء

*****

سارا الاثنين متجاورين فى المحل وكانت السيطرة 
على ضجيج قلب كل منهم ضربًا من المستحيل 
تنظر إليه بسعادة مد يده يتناول يدها يتخلل اصابعه
اصابعها لم تكن هناك لغة لترجمة مشاعرهم سوى 
العيون فهمس لها: 

-ايه رأيك يا هاجر

-المحل حلو واللبس جميل اوى انت هتشترى هدوم ليا

قهقة هاجد قائلًا: 

-انتِ مش ملاحظة حاجة 

قطبت حاجبيها متسائلة: 

-فى أيه؟! 

-دية تصميمك يا هاجر الفساتين بتاعتك 
ودا محلك 

توسعت عيناها بسعادة ولم تصدق ما تسمعه هرولت 
تقلب فى الفساتين بفرحة طفلة صغيرة: 

-ديه فساتين ودا محلى بجد 

بس كدا كتير يا هاجد 

رفع يدها ولامسها بشفتاه قائلًا: 

-روحى مش كتير عليكِ يا هاجر 
تعالى اوريك المفاجأة التانية، اخرجها لتقف امام 
لافتة المحل فكانت اسمها "وصال"

تعلقت فى رقبته فانزل يدها قائلًا: 

-احنا يعتبر فى الشارع 

فابتسمت بخجل: 

-فرحة المحل نستنى 

-بقينا سيدات اعمال بقى

نحن لا نحتاج إلى رجلًا يبيع الحب كلامًا
أو رجلًا يجبرنا أن نتخلى عن انفسنا فى سبيل ارضاء
رغباته، نحن نحتاج إلى من نجد السكن والأمان بجواره، نحتاج لمن يمنحنا القوة
******
فى اليوم التالى 

الفراق شعور متناقض اكثر قسوة واشد راحة بعد العناء
فرقت جفنيها بصعوبة وجدت والدها بجانبها مسحت
دمعة فرت من عينيها ثم همست قائلة: 

-انا عايزه الطلاق يكون فى محكمة يابابا لو سمحت 

****

تعليقات