رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والاربعون
مر شهرين ولا زالت الكلمة تتردد فى اذنيها هو مع شاهندة، كانت تضم نفسها كأنها تواسيها، واجهشت فى بكاء صامت لا صوت له، الأمر كان بمثابة الموت شنقًا ولا أثر يدل على جريمة القتل، اهذا هو كنان ذاته الذى كان يغدقها بكلمات الحب والعشق، وحضنه الدافئ كان بمثابة الجنة هى تتمتع به اخر، شعور اليتم يجتاحها ليس يتم الابوين، هى بالفعل يتيمة لكن يتم اول حضن
دافئ بحباتها، لازالت تشعر برائحته تعلق بها ليس بجسدها بل بروحها
ارهقها البكاء وهى ضاغطة على نفسها، لا تعلم لِمَا تتألم هكذا هما بالأساس انفصلا وقد انتهى وهو بدأ حياة جديدة
*****
ولج كرم للمكتب ببعض الملفات كى يحصل على توقيع
كارما، وضع الملفات امامها بعد أن ألقى التحية تناولت
قلمها لتنقش حروف اسمها، فدفعها شعور غريب لتسأله
بفضول:
-هو انت مروحتش مع بيسان واخوك ليه؟!
كنت روح معاهم مش كانوا جايين عشانك الدنيا تمام وممكن تمشى
سألها بضيق جلى على ملامحه:
-امشى فين؟! الشغل مش ليه مواعيد؟! ولا وجودى مالوش لازمة
هزت رأسها بالنفى سريعًا وهى تنهض من مكانها فهو بعد
الله كان له الفضل فى ادارة المشفى ولم تقصد الاساءة كان يقف بهيبة لا يضاهيها أحد، ليسود الصمت بينهم حتى همست هى بتلعثم:
-لا لا أنا قصدى العكس، أنا يعنى قصدى أنك صاحب المكان ولو حابب تروح معاهم دا براحتك لأن الدنيا
ماشية تمام دا بسببك بردو
مرر عيناه على وجهها حتى نظر إلى عينيها الساحرة
تجعل من ينظر لهم يهيم لشدة جمالها كأعين ظبي:
-غزالة والله غزالة
-نعم
تحمحم وهو يقول:
- بسببك مش بسببى أنا شغال هنا وبقبض وهو كان
جاى يفكرنى بالمناسبة مش عشان اروح معاهم
حدثته باندفاع:
-عشان تشوف عايز تجيب لنوجا أيه
ابتسمت بسعادة أيعقل أنها تسأل من باب الغيرة اجابها:
-بصراحة محتار
استدارت تجلس على المكتب وهي تقول بتوتر:
-كنت محتاج تروح معاهم
-دا مصر كلها محتاجة تيجى معايا عشان اجيب حاجة
تعجبها
ابتسمت بشحوب قائلة:
-ربنا يخليكم لبعض يااستاذ كرم
-يارب هو فى أغلى من أمى وانهاردا عيد ميلادها
ابتسمت باتساع ولا تعلم السبب بينما هو لاحظ تغيرها
فوجدها فرصة ليحدثها قائلًا:
-ما بلاش استاذ كرم دية حاسس إنى عجوز وطالع على
المعاش، خليها كرم، كرم من غير استاذ
-لا طبعًا ميصحش
قطب حاجبيه بضيق:
-هو أنا كبير أوى كدا ولا ايه
-لأ، دا احترام مش قصدى حاجة بس عشان الشغل
لكن أنا مش بحب الرسميات خالص اصلا، وهقول كرم
تخبط قلبه كطفل صغير سمع نداء أمه فقال بصوت
محموم ومنخفض:
-هو واضح أن نجاة رزقها واسع وهاروح بالاحفاد
-بتقول أيه؟!
فرك وجه قائلًا:
-لا متركزيش معايا بقالى يومين منمتش
سألته بفضول:
-طب جبت أيه لنوجا ياكرم
تخربط وتعثر بالكامل حين سمع اسمه من بين شفتها:
-يخربيت الرقة، أنا جبت اخرى بصى أنا شايف لازم يبقى فى رسمية فى الشغل قوليلى يااستاذ كرم احسن
ثم تابع بصوت منخفض:
-احسن اقسم بالله احطك على كتفى واروح بيكِ وابقى
ورينى جدع مين هيجى يأخدك
كادت قدماها تخبطا فى بعضهم من شدة الخجل وهى
ترفع كتفاها بجهل ماذا تقول:
-بص انت عايز تروح تنام فعلا ممكن تروح عادى
وبلاش تفهم غلط أنا موجودة طول النهار
******
هاجر يا حبيبتى مقموصة ليه دلوقتى؟!
تلك كلمات قالها هاجد وهو يجز على اسنانه بينما هى اردفت:
-طبعًا مقموصة انت بتعملنى السواقة ولا بتذلنى
-أنا اسف نتعلم من الأول
لوت فمها بسخرية قائلة:
-ما خلاص أول حاجة عرفنها هنحط المفتاح فى الكالون
جز على اسنانه قائلًا:
-بردو كالون هو باب شقة يا هاجر ماشى ما علينا وبعد كدا بتجيبى الفتيس عند حرفr دا
تأففت بضجر قائلة:
- حرف r يعنى الدوغرى عارفة
-ماشى دوغرى ربنا يجعلنا من أهل الدوغرى ياستى، كدا هى دايرة دوسى تحت رجلك البنزين بقى وهى تمشى تمام يلا ورينى
وما أن وضعت قدمها على البنزين رجعت السيارة للخلف فصرخت:
-ألحقنى يا هاجد
-دوسى فرامل، دوسى فرامل
-راحت فين؟!"
-راحت فين دا ايه تحت رجلك دوسى
اوقفت السيارة بعصبية قائلة:
-هو انت بتزعق ليه مش فاهمة
ابتسم بهدوء محاولًا كبح غضبه:
-يا هاجر خايف عليكِ
-خلاص فهمت استنى شوف كدا
تحركت السيارة للأمام ببطئ ابتلع هاجد خوفه وهو يقول
الشهادة بدأت تسير فحدثها:
-لازم قبل ماتكسرى يمين تدى إشارة
-أنا ادى اشارة ازاى يعنى اغمز ولا أيه
-تغمزى لمين هو احنا بنلعب كوتشينة
ضرب كف بالأخرى وقبل أن يكمل كلامه مرت بجانبهم
سيارة ذو أحمال ثقيلة فهتف
- هاجر خدى بالك ياهاجر النقل دا يا هاجر
اقفى طيب سبيه يعدى النقل ياهاجر
اسرع هاجد يقف السيارة تجنبًا لوقوع حادثة، ففتحت
هاجر عيناها قائلة:
-افتح بقى
-افتح وهو انتى بتغمضى وانتى سايقة
هى تورتة عيد ميلادك وبتتمنى امنية ايه اللى افتح
دا، انت مش وش تعليم انتِ واخدة الغباء هواية
توسعت عيناها بالغضب قائلة:
-روحنى يا هاجد وحالا بقى
صر على اسنانه وهو يقول:
-انزلى يا هانم عشان نبدل الأماكن
*****
كان هناك صمت قليل، تجرعت كيان كوب الماء واسقطت بضع القطرات على ثيابها
علي أى حال فقد انتهى التصوير، كان يراقبها تامر وهى
تفرك يدها بتوتر، وجهها قد إحمر، فهمست:
-تشرب قهوة؟!
لاحظ صوتها المرتجف بينما هى استدارت تصنع القهوة
ثم وضعت كوب القهوة امام تامر وجلست هى على إحدى الكراسى تشرب قهوتها بشرود، سألها تامر
وهو يحدق بها وهى تشرب قهوتها:
-مالك يا كيان
ابتسمت قائلة:
-مفيش بس الجو برد
قهقة تامر ثم صمت وهو يطالعها بتهكم قائلًا:
-هو بعد كل اللى عشناه فاكرة مش هاعرف لو متضايقة
نظرت له مطولا ثم قالت:
-انت صح
هى صفصفت علينا تعرف يا تامر أنا كنت صح لما قولت
أنا استحالة حاجة تبعدنى عن تامر قولت مش كفاية
اللى شوفناه ، والدنيا اللى جاية علينا هنيجى أحنا كمان
على بعض، وأنا أهو مكذبتش وانت اللى فضلت
إحمر وجه تامر إحراجًا وهو يقول:
-انتِ فاكرانى طبعًا فضلت عشان ماليش حد مش عشان
حابب اكون جنبك فضلت عشان مفيش بدايل
لم تنظر له وتنهدت بضيق:
-انت اكتر حد كان عنده بدايل يا تامر ومبعدتش
كنت ممكن تبعد عشان تبدأ حياة جديدة، كنت ممكن
تبعد عشان أنت تعبت ومش لسه هتشيل هم تانى
حقك تعيش حياتك
-حياة أية بس هو أنا أعرف حد فى العالم كله غيرك
تفتكرى يا كيان أنا ابن حلال فعلًا ولا زى ماكانوا
بيقولوا
-يا تامر" إن اكرمكم عند الله اتقاكم "
أنا همشى معاك للآخر لو حتى كدا انت ممكن عند ربنا
احسن ربنا من واحد تانى نسبه معروف وبيعمل معاصى
ابتسم بتهكم:
-دا كلامى أنا وانتِ لكن الناس حوالينا مش معترفين
بكدا أنا ابن حرام أنا جرثومة أنا وباء
-أحنا اللى هنغير الفكرة دية ونحاول نساعد الناس اللى
زينا يا تامر يمكن حصل معانا كدا عشان نبقى سبب
لغيرنا
اغمض عيناه محاولًا اخراس صوته الداخلى لكنه تنهد
قائلًا:
-كيان هو لو أنا غلطت فى حقك ممكن تسامحينى
قطبت حاجبيها باستفهام بينما تابع هو قائلًا بأسف:
-أنا يا كيان كنت بتعمد أكون قريب منك فى وجود
كنان الأول كنت شايفك حقى من الدنيا، بتاعتى لوحدى
كنت بمعنى اصح بستفزه بس والله لما شفت حبك ليه
بعدت ياكيان أنا كنت
اشارت له بيدها ليصمت، بينما تامر كان يشعر بالصفعات
اللامرئية تتوالى عليه كان ينظر لها وانهاعلى مايبدو
غير متأثرة او مصدومة، حاولت كيان الحفاظ على
ثباتها قائلة:
-عارفة
ردها ألجمه فبقى يطالعها فى صمت وكانت الصفعات
لا زالت تتوالى على وجه كانت كلمتها بمثابة طعنة
بصدره بينما وجهه تحول للون الأبيض وقد شحب
شحوب الموتى فهمس:
-عارفة أيه؟!
-عارفة اللى قولتوا واللى كنت بتحاول تعمله كنت
فاهمة كل حاجة
اغمض تامر عيناه لعدة لحظات ولم يظن أن دموعه
ستهبط على وجنته سارع بفتح عينه وهو يقول:
-ولما انتِ عارفة وفاهمة ازاى قبلتى تكلمينى لحد دلوقتى ازاى يعنى مش فاهمة
-لأنك مكانش قصدك اذية وانا متأكدة يمكن شوية غيرة
زى ما أى أخ بيغير على اخته مش صح كدا
هز رأسه بالنفى وعيناه تلتمع بالدموع:
-الأول كان قصدى ياكيان بس بعد كدا صح
-لأ الأول كان كدا ياتامر كان كدا والله بس انت اللى كنت مترجم غلط لكن أنا عارفة قلبك انت استحالة تأذى
حد ما بالك لو أنا
لم تستطع أن تكون قاسية عليه، كما حال الدنيا على
قلبه، "فويلُُ للقاسية قلوبهم" فابتسم بوجع قائلًا:
-يعنى مش زعلانة ومسامحة
تود أن تجهش بالبكاء فهما ضحايا، بداخلها ألم سقيم
لم يشفى:
-مسامحة بس بشرط، هتمسك شغل الملجأ ومن غير
فلوس، يعنى ترجع من دا على دا قولت أيه؟!
-قولت أنك على طول هتفضلى الأحسن، موافق موافق
يلا بينا بقى
*****
وقفت السيارة امام دار الايتام فدخل إلى الساحة
الواسعة الملحقة بالمكان كانت الساحة مملوءة
بالألوان والالعاب كان الأطفال يلعبون فى مجموعات
ويصحبهم فى المجموعات افراد من الجمعية، فقد
افتُتح الدار منذ اسبوع اشرف طاهر على كافة
الأجراءات، ابتسمت بمرح طفولى وهى تقول
-أنا جيت
هرول جميع الأطفال إليها فجلست معهم ارضًا، وقف
تامر يراقبها فهى تركته وانخرطت مع الأطفال فطفولتها
الناقصة لا يشبعها إلا هؤلاء الصغار، ظلت هكذا لساعات
وسط الصغار، بينما يشعر بخنجر فى قلبه لما تسبب
فيه من مشاكل لكنه سيحاول أن يصلح أى شئ
****
يمضى النهار طويلًا ويمضى الليل اطول بين دموعها
واهاتها كان هاشم يراقب ذبولها يومًا وراء يوم، يتصنت
إلى صوت بكائها الذى لا تظن أن احد يسمعه، لذلك
قرر المواجهة اليوم فهو لن يتركها تدمر نفسها وجنينها
ويقف مكتوف الأيدى تحمحم:
-عاملة يا قلب بابا
ابتسمت بشحوب:
-الحمدلله
-بيلا، ضياء عرف بالحمل وهو تحت
تكلمت بيلا باندفاع:
-ليه يا بابى ليه كدا انت عايز تموتنى انا مش عايزة
لا لا مش عايزة اشوفه
اخذ هاشم انفاس طويلة ثم زفرها بقوة قائلًا:
-حرام، كان لازم يعرف وانتِ لازم تواجهي انتِ مش
ضعيفة واللى عايزاه هو اللى هيتم
*****
كانت تقف فى المطبخ بشرود وهى تتذكر سبب خلافهم
فاحتقن وجهها بالغضب وهى تجز على اسنانها اخذت
تقطع الخضراوات بحدة ثم وضعت المقلاة على الموقد
بعنف فاصدرت صوتًا عاليًا، وقامت باشعال النيران، وتناولت الخضراوات وألقتها فى المقلاة بعصبية مفرطة
كل هذا تحت نظرات حماتها، ولج هاجد للمطبخ وهو
يبحث عنها بعينيه فسألته والدته:
-داخل المطبخ ليه يا هاجد؟!
رمقها هاجد وهى توليه ظهرها ولاحظ مدى عصبيتها من حركاتها فتنهد قائلًا:
-اقولت اجاى اخد حاجة معكم
ناولته والدته بعض الصحون قائلة:
-رص الاطباق ديه وخليك مع عماتك واحنا هنجيب الأكل
وجايين
زفر بقوة شاعرًا بالأحباط فهى حتى لما تلتفت إليه
فحمل الصحون وانصرف للخارج، بينما وقفت
حماتها بجوار هاجر قائلة:
-الواد ماله قلب امه بيلف وراكِ من امبارح وانتِ
عاملة مش من هنا ايه مش هنتقى لله شوية بقى
غسلت يدها ثم جففتها بالمحارم الورقية وهى تقول
بنبرة اجرامية قائلة:
-لأ، كان على عينى بس ابنك الدحلاب دا أنا مش
هعديه ليه المرة دية
وبقولك أيه خليك فى صفى عشان بصفى
ضربت حماتها على صدرها قائلة:
-يا نهار اسود هى حصلت دا أنا خفت، بت يا هاجر
مالك انتِ بتتحولى
هزت رأسها بالايجاب قائلة:
-حصل، يلا خدى بقى العيش واطلعى وخدى بالك لو ضحكتى
فى وشه انا هزعل وانا زعلى وحش احنا هنسيبه كدا
مع نفسه لما يعرف غلطه ويجى يعترف
رمشت بذهول غير مصدقة ثم همست:
-احنا!!
هو أنا هزعل من ابنى دا عمروا ما غلط فيا، وكمان هكشر فى وشه هو عمل ليا حاجة
تناولت هاجر السكين وهى تنظر لحماتها بمغزى ثم بدأت فى تقطيع الخيار ببطئ درامى قائلة:
-قدرى عمل يا سوسو
توسعت عين حماتها وهى تتناول سلة الخبز قائلة:
-ربنا على مفترى، قلب أمك ياهاجد، هروح اودى العيش
هرولت حماتها للخارج، ابتسمت هاجر بانتصار ثم ضبطت وضع حجابها، وخرجت خلفها فى الردهة
لكن قبل أن تصل للخارج جذبتها يد قوية داخل المرحاض كادت أن تصرخ لكن يده عرفت طريقها إلى فمها
تنهد بقوة فقد اشتاق إليها، اشتاق لغنجها، إشتاق لضحكتها، تمنعت نظراته على كل شبر بها لتستقبلها
وجنتيها المتوردتين خجلا ثم عينيها المشتعلتين
غضب، لا تنكر أن إلحاحه فى ارضائها اشبع غرور
الانثى بداخلها، ازاحت يده عنها متسائلة:
-ممكن اعرف ايه دا؟!
ازاى تتدخلنى الحمام كدا؟!
-هو انت مش واخدة بالك من جروب الواتس
ابتسمت بداخلها ثم سألته بمكر:
-ماله؟!
يعلم انها تراوغه لكنه اجابه:
-ناحر قلبى اقول الخصام حرام، وأهمية صلة الرحم واهمية الزوج يمكن تحن يا بطل قلبى ومفيش فايدة
ابتسمت بالاتساع ثم تصنعت الجدية قائلة:
-اه ربنا يقعدوا فى ميزان حسناتك
غمز لها بعيناه قائلًا:
-طب ومفيش حسنة لينا عندك تمسح غلطة صغننة
تنهدت فهو يمارس سطوته عليها فتنهدت قائلة بصوت بالكاد يكون مسموع:
-ابوسوا عادى الواد مز لا وكمان جوزى
-بتقولى ايه؟!
-بقول معترف بغلطك يعنى
هز رأسه بالايجاب قائلًا:
-ايوة أنا غلطان يبقى انتِ اللى تصالحينى هغلط واصالح كمان
قهقهت هاجر فوضع يده مسرعًا على فمها هامسًا:
-هتفضحينى احنا فى الحمام والناس بره
عضت على شفتاها السفلى باستيحاء ثم رفعت بصرها
قائلة:
-طب كويس انك عارف احنا فين
يلا بينا بقى نتغدا ونبقى نتصالح بعدين
همت للخروج فجذبها من خصرها يضمها إلى صدره هامسًا:
-ابدًا، مفيش لقمة هتنزل معدتى غير لما اتصالح
ضحكت بخفوت قائلة:
-لو ماكنتش تحلف
اقتربت منه تطبع قبلة ناعمة على وجنته تزامنًا مع فتح
الباب فابتعدت عنه مسرعة لتشهق عمة هاجد ووالدته:
-انتوا بتعملوا ايه؟!
تلعثمت هاجر قائلة:
-كنا كنا ولا حاجة؟!
مصت عمته شفتاها قائلة:
-ولا حاجة ازاى هو الحمام بيدخلوا اتنين
كان يشعر بدلو ماء بارد سقط عليه فى ليلة ثلجية فاجابتها هاجر قائلة:
-كان بيعلمنى الوضوء الصح ازاى
اه هو شافنى بتوضأ غلط فكان بيصحح ليا
لوت فمها وهى تقول بخبث
-وخلصتوا وضوء بقى على كدا
اجابها هاجد ببساطة مختصرة:
-تعالى يا عمتى احنا خلصنا ادخلى
خرج هاجد ومن خلفه هاجر، فولجت عمته للداخل واغلقت الباب خلفها، بينما والدة هاجد سحبت يد هاجر هامسة:
-فين جوا عبده موته والاجرام بتاع المطبخ
كله دا ضاع كدا وتتقفشى القفشه الوحشة ديه
-كل منك
ولا مش منك كله منك انتِ
-انا يابت منى ليه يا موكوسة هو فى الهم مداعية
والفرح منسيه
اقتربت منها هاجر تطبع قبلة قوية على وجنتها قائلة:
-كله منك يا سوسو جايبه واد قمر مش بعرف اقاومه
*****
هبطت من الأعلى فوجدته يجلس فى الاستقبال
فقبضت على شالها تحمى روحها الصغيرة الاشبه
بالطفلة، تقلصت ملامحها بالألم وهى تقف أمامه
فقالت بصرامة:
-عايز أيه يا ضياء
كانت بداخله نيران الله وحده يعلم بحاله؛ نيران
لاتندمل، نيران مؤلمة إلى حد لا يطاق، تسرسبت
من بين يده كالرمال، اقترب اكثر وهو يمرر بصره
عليها لا يتخيل كيف تبتعد هكذا وكيف تحمل عدم
رؤيتها كل يوم، رباااه كم اشتاق أن يضمها لصدره
أن يقبلها، احتياجه لها بين ذراعيه الآن فوق طاقته
لا يعى شئ إلا هى، يتشرب ملامحها كان يرتوى
من عيناها، رمشت بعيناها التى تلتمع بدموع حتى
لا تسقط قائلة:
-لو معندكش كلام اتفضل امشى
نظر إلى عينيها بألم قائلًا:
-بتعملى فينا ليه كدا، انتِ اكتر واحدة عارفة بحبى
ليكِ ليه تبعدى كدا
-انا اكتر واحدة عارفة بحبك بس مش عارفة إذا كنت بحبك
ولا لأ صح؟! يبقى لازمتها ايه العيشة مع بعض
أنا عايزة طلاق محكمة عشان نخلص
ثبت نظره على بطنها وهو يقول بألم:
-أنا غلطان عارف، بس أنت عارفة أنا كنت بمر بأيه ساعتها، عشان ابننا يا بيلا اوعدك انى هنسيكى
ارجعيلى
ارتعش فكها وهى تقول بحدة:
-مالكش دعوة بيه، ابنى لوحدى، وانت روح دور على
واحدة معندهاش اعاقة خلف منها أما دا ابنى لوحدى
احتدت ملامح ضياء وهو يقول:
-ابننا او بنتنا مش لوحدك يا بيلا، أنا ممكن اردك حالا
بس عايزها برضاكِ اعقلى بقى
جاء والدها على صوت صراخهم فخطت إليه وقد تحررت دموعها كطفلة ضائعة ثم إرتمت فحضنه:
-مش عايزاه يردنى يابابى، قولتله ليه أنا مقدرش
اعيش معاه بعد اللى سمعته أنا موجوعة اوى انتوا
ليه مش حاسين بيه
ربت والدها على ظهرها وهو يوجه حديثه لضياء
قائلًا:
-وأنا بقولك يا قلب بابى استحالة يردك لو مش برضاكِ
مفيش حاجة هتم غير برضاكِ اهدى عشان البيبى
لم ينطق ضياء عيناه كانت تتكلم كان يحدق بها وهى
تحتمى بوالدها منه شعر برغبة فى انتزاعها من والدها
وضمها إلى صدره كى يهدأ، كان يجب أن تبقى وتشكيه
لنفسه، وكان سيفديها بروحه
ولجت والدتها قائلة بقوة:
-انت عملت اللى فى دماغك يا هاشم بس أنا بنتى
مش مستغنية عنها وحجزت تذاكر وهنسافر صحتها
عندى أهم
******
