رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والاربعون 47 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والاربعون 


-وأنا موافقة وعايزة اسافر يا مامى

انهت جملتها، لكنها انتفضت وهى بحضن ابيها على صوته، وفجأة قست ملامحه وهو ينظر إلى حماته قائلًا: 

-مافيش سفر يعنى مافيش احسن أنا هردك لعصمتى 
وعند بعند يا بيلا 

احتضنت والدها وقالت بصوت متحشرج من البكاء: 

-ليه يا بابى قولتله

ربت والدها على ظهرها وهو يقول: 

-عشان دا حقه يا قلبى لكن انتِ محدش يقدر يجبرك 
على شئ حتى لو رجعك وردك أنا ممكن مخلهوش
يعرف يشوف ضفرك تانى بس اهدى انتِ 

ثم تابع وهو يقول لزوجته: 

-خدى بيلا واطلعى بيها فوق 

اغمض ضياء عيناه يشعر باختناق وهو يتخيلها تبعد عنه 
ولا يعرف مكانها، فتح عيناه وراقب انصرافها ثم رفع
اصابعه وهو يقبِض على خصلات شعره وهو يهمس
كالمجنون: 

-مستحيل تسافر وتبعد عنى أنا عايزها فى بيتى عايز 
اكون جنبها وهى حامل 

-خد بالك أنك بتعلى صوتك عليها فى وجودى أنا مجبتكش وكلمتك عشان تتعامل معاها بالغشامة دية

تنفس بلهاث وهو يجلس امامه قائلًا بوجع: 

-ساعدنى ارجعها أنا ماليش حد ألجا ليه بعد ربنا غيرك 
أنا مش عايش بعيد عنها 

اخذ نفس طويل ثم زفره بقوة: 

-انا بحاول بس لازم ترجع زى الأول تعرف أمته تقرب
وتطبطب وامته تبعد اعتبر نفسك بتحاول تكسبها لأول
مرة، مش حقك وعايز ترجعه ويلا قوم روح عشان أحنا
رايحين للدكتور وهنشوف البيبى

لم يعجبه كلماته الاخيرة لكن هاشم كان قاصدًا متعمدًا 
فاجابة ضياء بحدة: 

-تشوف البيبى من غيرى ازاى؟! 

-احمد ربنا إنى عرفتك بالبيبى، أنا جيت قولتلك عشان 
أى حد ممكن يغلط بس وجع بنتى ودموعها كل ليلة دا 
مش بالساهل ابدًا كسرت بنتى دية كسرت قلبى بس بقول
يمكن لما تعرف تمسكك بيها تهدأ، فأكيد مش هضغط 
 عليها أكتر وتيجى معانا كمان، يمكن  هى لما تشوف البيبي تهدا شوية والدنيا تتحل فهمت، أنا اعتبرتك ابن ليا وانت لازم تحط نفسك مكانى وتفهمنى 

هبطت دمعة حزينة كراية استسلام، مسحها سريعًا، 
ونهض وهو يرمق الدرج للاعلى بقهر ثم اتجه للخارج حتى بات هو والألم وجهان لعملة واحدة

*****
انتهى الأجتماع وبقت كارما مع موظف الحسابات لمراجعة بعض الفواتير وكان معهم كرم الذى كان 
يشتعل بداخله، بينما هى كانت تتابع بتركيز تام غير
غير منتبهة لهيئته ولا وجوم ملامحه، يود أن يجذبها
من معصمها ويخرج بها، ربما جنون أو تملك أو راحة

انهت حديثها مع الموظف بابتسامة واسعة فبادلها 
الابتسامة وهو ينصرف للخارج، فحدجها كرم بنظرات
نارية فحاولت التهرب من نظراته 

فساد الصمت المطبق لعدة لحظات؛ لحظات لا تخلو 
من التوتر والارتباك عقب نظراته، قاطع الصمت دخول
إحدى العاملين بالمشفى متسائلًا: 

-تشربوا ايه ؟! 

اجابه كرم قائلًا: 

-قهوة سادة 

ونطقت كارما تزامنًا معه فى آن واحد: 

-نسكافية لبن خفيف معلقة سكر واحدة 

طالعته بذهول وخفق قلبها خفقة ليست عشق لكن مزيج متناقض من المشاعر، فكيف يعرف أدق التفاصيل بينما هو طالعها بابتسامة واثقة فهى من لحظة الأولى وشمت
على قلبه هم بالكلام لكن قطعهم صوت الهاتف فطالعت
الشاشة بارتباك ثم ضغطت على زر انهاء المكالمة قائلة: 

-أنا هشرب النسكافية فى مكتبى

تشنج فكه وهو يوزع نظراته بينها وبين الهاتف رامقًا اياها باستفهام ثم سألها: 

-ليه؟! 

صدح رنين الهاتف بإلحاح ثانية زفر بحدة قائلًا: 

-ما تردى 

-مكالمة مش مهمة عن إذنك 

هرولت للخارج كأنها تختبأ منه، أما هو كان يرمقها بغموض، لكنه اجبر نفسه على الصمود رغم تلك
النيران المشتعلة بداخله

*****

حصل كنان على قدحًا من القهوة يعيد إليه نشاطه فهو 
قضى ليلته فى غرفة العمليات، وها هو قد عاد لمكتبه 
ثانية، وقبل أن يرتشف أول رشفة كان رنين الهاتف يصدح: 

-أممم تمام أوى وأنا اخر الشهر هاكون موجود عندك
واخلص كل حاجة بنفسى

على الجانب الأخر كانت شاهندة تشتعل غيظًا من تصرفات كنان زفرت لهيب مشتعل لتهدى من روعها 
ثم اتجهت إلى مكتبه، طرقت باب الغرفة ودلفت 
بابتسامة واسعة: 

-بجد يا كنان العملية دية كانت مستحيلة أنت حقيقى 
عالمى 

-مش أوى كدا 

-هو أيه اللى مش اوى دا العملية السنة اللى فاتت 
كان فى دكتور حاول يعملها ونسبة نجاحها كانت
٦٠% أما انت النجاح بتاعها ٨٠% وديه نسبة مش 
قليلة، أنا بعت الفيديو لكذا مستشفى وجه الرد 
فورى أنه حابين يشتغلوا معاك فرصة ايه رأيك 

ابتسم بهدوء: 

-أنا راجع القاهرة يا شاهندة اخر الشهر 

سألته بحدة فشلت أن تكبحها: 

-عشان مين؟! 

نظر فى عمق عيناها ثم اجابة باقتضاب: 

-هو انتِ ناسية امى هناك 

-لا طبعا طنط نهلة بكلمها كل يوم بس هى ممكن تيجى 
معانا

-معانا؟!

سألها وهو يرتشف القهوة، لازالت انفاسها مشتعلة 
وهمست : 

-معانا على اساس اننا تيم واحد 

هز رأسه بتفهم قائلًا: 

-طبعا تيم واحد بس أنا مش هسافر 

-طب انا حابة اعزمك انهاردة على العشا والرفض ممنوع

-شاهندة أنا بقالى يومين منمتش ممكن نأجلها مرة تانية
اوعدك أنا اللى هاعزمك 

*******

بعض الليالى لا ترحل سريعًا تسير ببطئ لنبش الجروح 
تنهدت كارما وهى تمسح دموعها هى حقًا لا تهتم لتصرفات كرم  الواضحة وضوح الشمس، فعندما 
تنكسر اجنحتنا لا تعود تغرينا المرتفعات كما كانت 
فى الماضى بل تصبح مصدر ألم، ولجت هويدا وجدت
ابنتها شاردة فسألتها: 

-مالك يا كارما 

-ماليش يامامى بس حابة احكى على حاجات حصلت معايا ومش حابة تكون فى حاجة مش عرفنها

ابتسمت لها والدتها تشجعها على الحديث فسردت 
لها كارما منذ أول لقاء مع كرم، وما انتهت هزت هويدا 
رأسها بمرارة وهى تقول: 

-يااه يا كارما كل دا وانا محستش يا بنتى تبيعى دهبك
ويضربك ومفكرتيش مرة تلجأى ليا، طب بلاش اخوكِ 
أنا يابنتى امك 

ياللمرارة التى تحملها كلماتها والأسى فى نظراتها 
اخرجت كارما بتنهيدة معذبة: 

-كان مهددنى وكنت خايفة اجبلكم العار زى ما بيقول 
كان كابوس يامامى 

جذبتها بين ذراعيها فهى طفلتها المدللة تربت على ظهرها ثم بعدتها بهدوء وهى تضيق عينيها: 

-بس اللى اسمه كرم دا بيعمل كدا ليه معاكِ

-معرفش ومش فارق معايا بس حبيت اعرفك أنا 
خلاص مابقتش اثق فى حد 

ابتسمت والدتها وهى تراقب تعبيرها الباهت قائلة: 

-الناس مش زى بعض حقيقى أنا مش حابة أنك تنتبهى 
لحاجة غير مستقبلك ودراستك بس الحياة يابنتى 
تجارب والناس مش زى بعض وبردو متحطيش حاجة 
فى دماغك 

ثبتت والدتها نظرها عليها وهى تسألها بخبث: 

-هو أنا اصلًا شفته مرة واحدة وشكله جدع بس ممكن 
يبقى زى الزفت باهر

اجابتها بتلقائية: 

-لأ لأ مفيش وجه مقارنة دا بقالوا شهرين ماسك المستشفى الكل بيشكر فيه جدع مع الكل واخوه 
شريك بيلا شكلهم ناس محترمين 

ابتسمت والدتها وهى تتمنى بداخلها أن تنال ابنتها 
التعويض على ما عانته ثم قالت: 

-يلا بينا نشوف اخوكِ ماله

*******

هل تعلم أنك كلما اردت نسيان شئ بقوة ترسخ 
فى عقلك اكثر واكثر، وبالفعل هو ما يحدث معها
كلما حاولت دفع تلك الذكري باقصى ما تملك تعود
حاضر بداخلها بقوة تتقاذفها فى دوامة الوجع والألم 
محاولة لملمة روحها فى محاولة يائسة 

ولج والدها إلى الغرفة حتى انها لم تنتبه عليه فاقترب 
يجلس بجوارها فانتفضت وهى ترمقه قائلة: 

-بابى خضتنى

-أنا بقالى ساعة واقف وانتِ مش هنا 
وبعدين يا بيلا؟!

وضعت يدها أعلى اليسار وهى تقول:

-هنا وجعنى أوى يابابا، وجعنى ومش قادرة اتنفس 

انشق قلبه لنصفين على وجع ابنته ثم ابتسم ابتسامة 
باهتة قائلًا: 

-،وليه كل دا يا بيلا، أنا سايبك كل دا على راحتك بس كدا
كفاية لازم تفوقى لنفسك انتِ كام شهر وهتبقى أم 
فاهمة معنى الكلمة ولا لأ، مسئولية وروح معلقة فى
رقبتك، وفى الأول والأخر ضياء دا بشر وغلط 
وأن المحب لمن أحب رحيم
 دا ضياء مفيش حاجة تشفع ليه 

بكت بحرقة قائلة:

-عشان هو ضياء يابابا وجعنى عشان  ضياء قال 
عليا عندى أعاقة

-وليه تتوجعى اصلا انتِ مفيش فيكِ عيب نهائى
وأنا مش مقتنع بكلمة اعاقة دية خالص واياكِ تقولى
كدا تانى، انتِ زى الفل زيك زى اى بنت درستى 
واشتغلتى الاعاقة فى التفكير وانتِ لازم تتجاوزى 
الفكرة دية كفاية تحبسى نفسك جوها انتِ طبيعية
كلمة ضياء وجعاكِ كدا عشان انتِ مصدقها 
لو مش مصدقها المفروض تكملى حياتك، تنزلى شغلك 
مش تحبسى نفسك، انتِ اقوى من كدا عشان البيبى
اللى هيجى انتِ كاملة ومتسمحيش لحد يقلل منك 
انا ومامتك هنا معاكِ المفروض تكونى اقوى من كدا

مسحت دموعها وهى تقول: 

-أنا بحبك اوى يابابا 

-وانا اكتر يا قلب بابى رغم انى بحب حد اكتر منك شوية 

ابتسممت من بين دموعها قائلة: 

-لبنى طبعًا 

اخفض صوته وهو يقول: 

-مش لبنى بس وطى صوتك احسن تسمعنا 

-مين يابابا 

-البيبى دا اللى لسه ماشرفش روحى فيه هو لسه 
متحركش، اوعدينى تكونى اقوى من كدا عشانا 

انهى جملته وطفرت الدموع بعينيه فمدت يدها تربت
على وجنته قائلة: 

-اوعدك بس بلاش دموعك دية

*******

كانت نيران ضياء تشتعل بداخله، نيران الهوى ذاك الهوى الذى حرم عليه كما حرمت الجنة على ابليس فاق ضياء من شروده على صوت كارما وهى تغنى بمرح قائلة: 

-مين حبيب بابا؟! مين قلب بابا؟!
مين هيبقى بابا؟!

طالعها بابتسامة واسعة وهو يقول: 

-أنا 

قطبت حاجبيها قائلة بضيق: 

-بابا مكشر ليه كدا؟! عايزين بابا فرفوش 

ضحك ساخرًا: 

-فرفوش!! انهارده راحوا وشافوا البيبى وأنا اهو قاعد 
فى البيت

حملقت فى اخيها بعض الوقت قائلة: 

-عارف يا ضياء أول مرة شفت تعاملك مع بيلا حسيت 
قد أيه أنا غلطت فى حق نفسى وانت عارف تحتويها 
ازاى، ومتأكدة كمان أنك هتعرف المرة دية صحيح صعب
بس انت قدها 

-تفتكرى

هزت رأسها بتاكيد وهى تقول:

-جدًا، وكمان لو كنان 

نفرت عروق رقبته واحمرت عينيه قائلًا: 

-متجبيش سيرته، نهائى هو سبب كل دا فهمتى 

ابتلعت بصعوبة ثم هزت رأسها بالايجاب وانصرفت 
فى صمت

*****

كان يرمقها وهى تأكل باستنكار فرفعت عيناها باستيحاء قائلة: 

-طاهر بلاش تبص كدا حقيقى جعانة ومن امبارح 
صاحية من العمليات للعيادة للمستشفى تانى 

-السؤال بقى ليه كل دا، مش شايفة انه ضغط عليكِ 

نفضت يدها من الأكل قائلة: 

-اُمال هاعمل أيه فى حياتى دا شغلى يا طاهر كل 
حياتى هنا مكانى وماليش مكان تانى، فين اهلى؟!
فين اصحابى؟! فين جوزى؟! فين خطيبى؟! 
مافيييش، حياتى فاضية ومن غير الشغل اتجنن 

ظلت نظرتهما معلقة للحظات تبث هى حزنها الصامت 
ويبث هو وجعه عليها فابتسم قائلًا:

-يا شيخة منك لله، أنا جاى الساعة واحدة ونص بليل 
وجايبلك أكل عشان تقولى فين اصحابى

هربت بنظراتها قائلة: 

-ربنا يكرمك بجد كنت هاموت من الجوع ومحدش 
هينزل دلوقتى يجيب ليا أكل، شكرًا

-بس يكش يتطمر فيك 

-اممم شكلك عايز حق الأكل، ولا أقولك خدوا 

هز رأسه بيأس وهو يقول: 

-هو فى حاجة فاضلة انتِ حتى معزمتيش عليا يلا 
بالهنا والشفا

عضت على شفتاها السفلى بحرج: 

-اسفة بس كنت جعانة بجد اسفة

براءة لا تسع المرء إلا أن يبتسم تحدث طويلًا حتى طلوع الفجر لتخبره عن نفسها اكثر وهو كذلك 

******

بعد مرور عدة اسابيع 

وقفت كارما فى رواق المشفى وهى تتحدث فى الهاتف 
والابتسامة تزين ثغرها وما أن اقترب منها كرم ارتبكت 
واغلقت الهاتف مسرعة هامسة بتوتر: 

-صباح الخير

اشتعل رأسه حين رأها تغلق مسرعة، أيعقل أن تكون تحدث زوجها أو شخص اخر كاد أن يجذب الهاتف من بين يدها لكن استعادة هدوئة أوما فى الصمت وصدره يعلو ويهبط بانفعال فسألها: 

-الشغل تمام

هزت رأسها قائلة: 

-ايون وضياء كمان شوية وجاى عشان هيرجع تانى 

كانت نظراته ممثبته على الهاتف، هز رأسه محاولا 
اطفا الافكار برأسه حتى لا ينفجر بها 

******

-بيتحرك يا هاشم شايفه أهو على ااشاشة

كانت تلك الكلمات تقولها لبنى لهاشم بينما وقف ضياء 
يطالع الشاشة امامه والدموع تملئ عينيه فانتهت الطبية
واخرجت محرمة ورقية لتمسح بطن بيلا المنتفخ، 
فتحرك الجنين تحت لمساتها فهمهت: 

-البيبى شكله هيطلع شقى 

وضعت لبنى يدها على باطنها ثم صاحت قائلة: 

-هاشم تعالى بسرعة 

بسطت هاشم يده فوق بطنها المنتفخة وعندما استشعر
حركة الجنين اغمض عيناه، وشعور قوى يدهمه، 
أما ضياء كان ينظر لتعبيره بقلب يقطر دمًا ثم نظر 
إليها بوجع فانهمرت دموعها بألم فابتسم لها بضعف ثم 
انصرف للخارج وقف امام النافذة محاولًا سحب هواء
لصعوبة التنفس شعر بيد تربت على كتفه فاستدار
وجده هاشم قائلًا: 

-واحدة واحدة، وكويس انها اقتنعت انك تيجى معانا 

فى اعماقه تمنى أن تغفر ويغتسل من خطأه، يتبرأ
من صورة المذنب فى عينيها، أن يمحى ما سار 
كأنه لم يكن 

*******

ذهب ضياء لمكتبه وجلس خلفه غارقًا فى عالمه الخاص 
حتى بدأ الصخب وتوافد العاملين بالمشفى عندما علموا 
بعودته، فدخل كرم إليه فرفع عيناه وقد تحولت نظراته
بشراسةاخو طاهر ماذا يفعل بمكتبه ثوان وكانت كارما تدخل 
خلفه: 

-حمدلله على سلامة يا دكتور 

لم يعريها انتباه وظل محدقًا بكرم قائلًا بحدة: 

-انت بتعمل ايه هنا؟!

نظر كرم لكارما ثم تنهد قائلًا: 

-بشتغل 

-نعم!!

اسرعت كارما بتدخل قائلة: 

-دكتور بيسان رشحته للادراة وهو اللى ماسك كل حاجة 
ولولاه الشغل كان وقع 

نهض ضياء وهو يقف أمامه قائلًا: 

-مؤهلاته ايه عشان يشتغل فى مكان زى دا 

همت كارما برد فزجرها ضياء بنظراته فانهارت كل وسائل الدفاع لدى كارما فاشتعل كرم من طريقتها 
معها فاجابه بعلو: 

-أنا خريج تجارة والحسابات لعبتى أنا ابن سوق
وبعون لله ادير اتنين زيها نهيك على الحسابات 
اللى كانت كلها مضروبة وكل واحدة كان عامل 
مصلحة العبد لله مشى الشغل على شعره، يعنى
لو انت بطل فى مجالك أنا الاستاذ اللى بدرسهالك 
ومرة تانية حمدلله على سلامة وعن إذنك عشان 
عندى جرد 

وما أن اغلق الباب خلفه حتى توسعت عين ضياء 
قائلًا: 

-الواد دا ايه اللى شغله هنا 

-هو انت بتكلمه كدا ليه دا هو اللى مسك الشغل كله 
فى غيابك وأنا كنت بتعلم منه يدوب 

سألها مستفسرًا

-ايه اللى شغلوا هنا هو محتاج

رفعت كتفاها ثم اجابته: 

-كان متخانق مع اهله ومحتاج شغل 

ابتسم ضياء بسخرية وهو ينقر سطح المكتب قائلًا: 

-شغل!!
الواد دا بيصيع، ماشى 
من بكرة انتِ هتقعدى من المستشفى 

همت باعتراض لكنه قاطعها: 

-أنا خلاص موجود وبعدين الكلية بدأت ولازم تركزى 
وتنزلى فى الاجازة يا قلبى أنا تقلت عليكِ 

*****

شعرت بيد تكمم فمها وتسحبها للداخل توسعت عيناها
بذهول ما أن رأت كرم وبالكاد استطاعت الحفاظ على 
صدمتها قابعة بداخلها فهمست بتوجس قائلة: 

-انت ازاى تعمل كدا

كان كرم هادئ، بينما يضع كفيه فى جيب بنطاله الجينز 
باهت اللون قائلًا: 

-تتجوزينى 

كانت كتمثال صخرى وقفت مكانها دون فعل شئ كانت
تقف صامتة بينما هو يكاد يحترق نيران تحرق روحه
فهمس: 

-أيه خرستى 

-انت اتجننت انت شارب ايه؟!

لو فمه بسخرية قائلًا: 

-شارب المر، هو حضرتك مش واخدة بالك انى كنت بتهزق جوه 

فتحت عيونها الزيتونية وهى ترمقه بأسف: 

-آه، سورى بس ضياء الفترة 

تجاهل كلامها وهو يقطعها قائلًا: 

-هشش، أنا مش دكتور نفسانى هتحكى ليا مشاكل اخوكِ أنا بقولك تتجوزينى 

شعرها الاشقر ثار حولها مع تحركها فهمس لها: 

-شعرك اللى مجنن امى دا، المهم انا هجى اطلبك من اخوكِ انهارده، لأنه هو أكيد قالك مفيش نزول هنا تانى صح

-برافو عرفت ازاى؟! 

زفر بحنق وقال مع قبضة مشتدة: 

-بالله انتِ عديتى من كى جى تو إزاى

عرفت لأنه صايع مش تلميذ ما علينا ابقى قولى للحاجة 

تتلألأت الدموع بعيناها وهى تقول بوجع يمزقها من داخل::

-أنا مش بفكر فى جواز تانى خلاص
 لو سمحت وسع خرجنى كدا ميصحش 

تكلم من بين اسنانه بغيظ: 

-مش بأخد رأيك ومش وقت عقدك دية خالص، اخوكِ بظبط عشر دقايق وهيخرج يدور عليكِ عشان تروحى
ومش حلوة انه يقفشنا خالص هنا

صدح رنين فاهتزت حدقتيها بارتبارك فأظلمت عيناه
وهو يسألها بغضب: 

-مين؟ وليه مش بتردى قدامى 

-وانت مالك 

حاولت أن تتجاوزه للخارج لككنه سحبها بغضب: 

-ردى عليا اقسم بالله لو طلع جنانى مش هتعرفى 
تسدى معايا

نظرت إلى عينيه واجابته بوجع ولم تتحمل فكرة أن يهينها بهذا الشكل  : 

-دا كنان بس مينفعش اكلمه قدام ضياء ومش حابة 
ازعل ضياء بس دا كنان مهما كان، وانتِ مالك عشان
تتكلم كدا معايا

مسح كرم وجهه بكفه فى محاولة لأستعادة هدوء 
ثم اشار إلى موضع قلبه قائلًا: 

-دا قلبى كان فيه نار كل مااشوفك بتكلمى الفون 
بعدين نبقى نشوف حوار كنان دا بعض الجواز 

نظرة له كارما باستياء قائلة: 

-هو انت مش بتفهم مش هتجوز أنا 

ابتسم بسماجة قائلًا: 

-لأ أنا اللى هتجوزك مش انتِ وأنا مش بأخد رأيك هو
البعيدة مش حاسة بسحلتى وراها دا اخوكِ فاهم من 
اول مرة

-كرم

نطقت اسمه بكل نعومة كقطة صغيرة تتغلل بروحه
هز رأسه فقد اخذته افكاره إلى مكان لا يريد الذهاب
إليه، لا يريد التفكير فى نعومتها ودلالها فهمس: 

-بلاش جنان وتنادى علينا واحنا فى اوضة لوحدنا 
الله يسترك، خلينى اروح اطلبك من أهلك بدل مااخوكِ 
يدخل ويأخدنى على اوضة العمليات على طول 

-مش فاهمة يا كرم هو المشكلة فى اسمك كرم دلوقتى

-متقوليش اسمى خالص غير بعد كتب كتاب 

-كتب كتاب مين؟! 

-أمى، كتب كتاب امى، يلا كارما لأنه فعلًا لو حد دخل
هنا اخوكِ هيعملنى فأر تجارب وهى خلى كلية طب 
كلها تتدرب عليا

تركها وذهب نحو الباب، يخرج رأسه وهو يقول بخفوت:

- أنا هطلع وانتِ بعد شوية أول ما ارنلك اطلعى وربنا 
يستر 

*******

وما أن فتحت الباب حتى انهار كل شئ حولها جذبته 
إلى احضانها وهى تبكى بحرقة قائلة: 

-وحشتنى يا كنان استحالة تسافر تانى

****

تعليقات