رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والاربعون 48 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والاربعون 

ولجت كارما لضياء قبل أن ترحل وجدته مغمض العينين
يستند برأسه على المقعد وملامحه حزينة وما أن اقتربت تهمس بأسمه فاعتدل فى جلسته سريعًا وازال
دموعه قبل أن تراها اخته، ثم فتح قبضة يده وتناول منها خاتمه ليضعه فى اصبعه قائلًا بابتسامة باهتة: 

-تعالى حبيبتى 

سقطت دمعة على وجهها المبتسم وهى تقول: 

-هو انت بتعيط يا ضياء 

-لا مش بعيط دا عينى بتدمع عشان غفلت 

اقتربت منه تضمه بحنان اخوى قائلة: 

-عشان خاطرى متعملش كدا وكل حاجة هتتحل ممكن 

شعر باختناق رهيب قلبه كاد أن يقف من شدة الألم، 
والدموع حارقة تغزو عيناه فهمس بوجع: 

-كان نفسى إنهارده احس بحركة البيبى، كان نفسى أول
ماسمعت صوت دقات قلبه اضمها ليا، كان نفسى دموعها
تبقى فرح مش وجع حاسس بالدنيا بتضيق عليا أوى 
يا كارما هى وحشتنى ومش عارف حل 
أنا خذلتها وخذلت ابنى اللى لسه ماجاش الدنيا 

حل الصمت لثوان ثم مسحت دموعها قائلة بسعادة: 

-البيبى ولد يا ضياء؟!

هبطت دمعة اخرى لكنه مسحها وهو يقول باختناق:

-ايوه ولد 

-حبيبى عمتوا، بس أنا هاغير عشان هتحبه اكتر منى يا ضياء 

هز رأسه بعنف وهو يقول: 

-لا هو ولا أى حد ياخد مكانك فى قلبى يا كارما 

-حيث كدا يبقى نخرج مع بعض أنا بقالى كتير مخرجتش
ومش خرجت خالص فى مصر، ويلا كمان نجيب حاجات
للبيبى أنا عمته ولازم ادلعه

اخذ نفس عميقًا وهو يقول: 

-خليها مرة تانية لسه عايز اشوف الشغل 

اجابته بفخر: 

-الشغل ايه أنا مسيطرة وكله تمام ومافيش مفر هنخرج يعنى هنخرج هاروح اجيب حاجتى ويلا بينا

انصرفت من المكتب بينما هو حاول أن يقاوم مشاعره
ويتماسك أكثر

******

كانت تجلس على طاولة تطل على مروج خضراء 
تتابع طاهر بأريحية وهى ترتشف كوب القهوة
وانغام ام كلثوم تشدو فى المكان، اقترب منها 
طاهر متسائلًا: 

-ايه رأيك فى الشغل دا؟! 

رفعت نظرها وهى تقول باعجاب: 

-المكان روعة وجميل والشغل برفكيت يا طاهر 

-دا كله شغلى لأن بيلا مش موجودة 
ادعيلى  المؤتمر اللى فى شرم الشيخ الشركة بتاعتنا هى اللى تنظمه

-الشغل روعة يا طاهر، وانا واثقة فيك وانت تستاهل
ومتأكدة أنك هاتروح المؤتمر دا والشركة هتبقى عالمية

تنهد هو يتمعن في ملامحها متسائلًا: 

-بتثقى فيا!!

ضحكت وهى تهز رأسها بيأس هاتفة: 

-مش عارفة ليه بس أنا بثق فيك

-طب يلا اوصلك شغلك والحق اخلص بقية الاوردارت 
عشان حرام الواد تامر بيفرهد منى

*****

دلفت للمكتب واغلقت الباب خلفها، فرفع كرم عينيه 
بتعجب وتساءل بمرح: 

-هو صحيح الشوق غلاب ولا أيه؟!
طب ماانا قولت هاجى اخطبك بالليل مستعجلة ليه 
اقوم اروح لأخوكِ دلوقتى بدل ما نتقفش كدا

نهض من مكانه يقترب منها وهى لا زالت تقف عند الباب 
فهمست بتوتر: 

-هو انت ممكن تبطل لو سمحت مينفعش كلامك دا 

كان يسمع نبرتها المهتزة ويحارب نفسه بصعوبة أن
يضمها فسألها: 

-كلام ايه اللى مينفعش 

-أنك عايز تيجى وتقابل اخويا 

اجابها ببساطة: 

-كلام أيه انا راجل طالب الحلال والحلال يعنى
ادخل من الباب دا مضايقك فى ايه 

اخذت نفس بصعوبة وهى تتشبث بالباب خلفها قائلة: 

-ضياء حالته النفسية صعبة بيمر بحاجات مضايقاه بلاش
تكلمه فى حاجة، غير أنى مش عايزة اتجوز 

كان يرمقها وداخله بركان من التناقض ربما عشقه لها 
يعميه عن الحقيقة الواضحة على وجهها أنها لا تريده
لكنه لم ييأس فصدمها قائلًا: 

-وايه المقابل؟!

كانت تطالعه بصدمة هذا الرجل مخيف وغامض فهى 
لم تنجو بروحها المذبوحة سلفًا كى تقدمها له مرة 
ثانية: 

-انت اتجننت مقابل ايه؟! 

رفع كرم حاجبه قائلًا: 

-مش عيب تبقى هربانة من kg2
 ونيتك تبقى كدا 
المقابل انك تقنعى اخوكِ أنك تنزلى الشغل إلا هاجى
اطلبك حتى لو كلكم مش موافقين هتجوزك 

مرت لحظات وهما يتبادلان النظرات قبل ان يقطع هو
تواصلهما بنظرة اخيرة عميقة، ثم مد يده يفتح الباب 
قائلًا:

-يلا يا كوكو قبل ما اخوكِ يقفشنا 
لو مجيتيش بكرة هاكون عندكم بالليل

*****

فى مساء اليوم التالى

فتح هاجد باب الشقة وولج للداخل وكان الهدوء يعم 
المكان وما أن تقدم للداخل، حتى اسرعت هاجر تتعلق
برقبته تحضتنه بشدة هامسه امام شفتاه:

-وحشتنى اتأخرت ليه؟! 

اجابها وهو يلثم عنقها وانامله تتحرك على ظهرها بنعومة:

-إنهاردا اخر الشهر وتقفيل الحسابات

كانت عيناها السوداء تحملق فيه بهيام قائلة:

-كل شهر وانت طيب ياقلبى 

 يتابع حركة شفتاها وما أن انتهت اخفض 
رأسه مقبلا شفتاها برقة يتذوقهم بتمهل، ابتعدت عنه 
وحدثته بصوت مبحوح بفعل قبلاته: 

-روحنا انا وماما الحسين إنهاردا ولفينا فى المحلات 
هناك واشترينا حاجات كتير، وجبتلك مفاجأة 

-بجد يعنى اتبسطوا، جيبتى ايه ياترى سبحة، ولا جلابية

امتدت يدها لتحل ازرار قميصه وهى تهمس بدلال: 

-تؤ تؤ، لا دا ولا دا يا قلب هاجر حاجة تانية 
ثانية واحدة هاروح اجبها 

ابتعدت عنه ثم توارت داخل الغرفة بضع لحظات 
وكانت تخرج حاملة بيدها شئ مما جعل عين هاجد
تتوسع بصدمة هامسًا باستنكار: 

-ايه دا يا هاجر؟! 

اجابته وفى عيناها نظرة مرحة قائلة بخبث:

-ايه مش عارفه، دا الدُف 

-ايوة ما انا عارف ليه جايبه دا وعشان مين 
هو فى فرح قريب

وضعت الدف جانبًا لتستمر اناملها فى حل ازارر واحد 
تلو الأخر وهى تقول بمكر: 

-مش انت قولت ان الاغانى حرام طب بذمتك ارقص 
ازاى أنا بقى قولت اتصرف واجيب دا انت تطبل 
وانا ارقص

يشعر باناملها على حانية عنقه اغمض عيناه وانفاسه 
تتهدج ثم توسعت عيناه من كلماتها هامسًا بذهول:

-انا اطبل؟! وانتِ ترقصى؟! 

هزت رأسها بالايجاب وهى تتلاعب بحاجبيها، ازاح 
يدها وهو يسألها بريبة:

-اوعى تقولى ان امى كانت معاكِ وانتِ بتشترى الدف دا

اسبلت اهدابها مدعية البراءة، جز على اسنانه متساءلا:

-قولتلها ايه وانت بتشترى الزفت دا

التو ثغرها ثم اجابته بابتسامة واسعة:

-قولتلها هاجد بيحب يصوم اتنين وخميس 
وهشترى دا عشان ابقى اصحى بيه زى المسحراتى
اصح يا هاجد صحى النوم، اصحى يا هاجد احنا بقينا
فى شهر الصوم
ربنا ما يقطعلك عادة يا شيخ هاجد 

فرك وجهه بيده وزفر انفاسه بقوة متساءلًا:

-وهى قالتلك ايه بقى؟! اظنى معجبهاش وانتِ اصريتى
واتضايقت طبعًا 

تعالت ضحكاتها وهى تقول:

-قالتلى الست القوية متهزهش غير الطبلة 

ضرب كف بالاخر وهو يضحك ساخرًا:

-امى الست العاقلة هاجر ضيعتها وجننتها

-طبعًا يا حبيبى عاقلة عشان كدا اول ما رجعنا 
ادتنى الصاجات بتوعها قالتلى حاجة نحاس من الاصلى 
وحافظى عليهم عشان بنتك 

-هو انا لما اخلف بنت هسيبها ليكم 

زمت شفتاها بتذمر طفولى محبب لديه، ماكرة باتت تعلم كيف تتلاعب باوتار قلبه، تنهد ثم طالعها بابتسامة عاشقة وهو يأخذ وجهها بين راحتيه:

-هتجنيننى يا هاجر

نظراته تصل لقلبها قبل عينيها ضاعت من لمساته وذابت فى ضحكاته الرجولية وان كان للعشق اسم سيكون ممزوجًا باسمه، فقد ربت القدر على قلبها لتفوز به 
وقفت على اطراف اناملها وطبعت قبلة ناعمة 
كالفراشات على وجنته وهى تقول: 

-طب يلا عشان انا عايزه نجرب الدف 

ابتسم بخبث ولمعت فكرة فى رأسه وقام بتنفيذها 
على الفور، وضع ذراعيه تحت ركبتى هاجر حاملًا
إياها متجهًا بها إلى غرفتهم بينما هى شهقت بصوت
عالى متذمره: 

-مش هتضحك عليا هتطبلى وهرقص يعنى هرقص

اخذ صوت ضحكاته المتسليه فى التعالى:

-دا احنا هنطبل ونرقص للصبح بس كله بالدور
 
فى صباح اليوم التالى 

شعرت به يداعب خصلات شعرها برفق فرفعت رأسها 
التى تتوسد صدره هامسة: 

-صباح الخير 

-صباح الورد، شفتى اخرة مجهود الرقص بتاع امبارح
الضهر اذن ولسه نايمة

ابتسمت بخجل قائلة:

-بس بقى، هقوم احضرلك الفطار بسرعة

هز رأسه بالنفى قائلًا: 

-لأ، هفطر تحت مع سوسو  وخليكِ مريحة وابقى انزلى 
براحتك 

لمح طيف الحزن بعينيها فسألها: 

-أيه مالك اتضايقتى عشان هفطر تحت 

-لأ، طبعًا بس أنت ليه مش عايزنا نكشف احنا داخلين 
على سنة جواز ليه بترفض مش عايز تخلف منى

تنهد وهو يفرك وجهه قائلًا: 

-اللى يسامحك يا هاجر بقى أنا مش عايز اخلف منك
أنا بقول لو هنكشف يبقى بعد أول سنة وبلاش استعجال،و مش حابب تشغلى بالك عايز تكونى واثقة فى ربنا اكتر وانتِ قولتيها سنة  يا هاجر مش عشر سنين وعلى العموم بكرة هرجع وأخدك ونروح للدكتور
اتفقنا

نهضت تقبله فى وجنته بسعادة قائلة: 

-حبيبى يا هاجد اتفقنا، انت عارف أن الأطفال نقطة ضعفى 

ابتسم بضعف قائلًا وهو يضمها بتملك: 

-انتِ اللى نقطة ضعفى يا هاجر 

******

-أُمال يا هاجر كل ما اقول اتفرج على فرحك يقولوا
مش موجود 

قالت هذه الكلمات عمة هاجد بينما اردفت هاجر قائلة

-لأ ليه مش موجود، هو على الفلاشة اللى عالشاشة هنا 

تناولت هاجر جهاز التحكم وضغطت على زر التشغيل 
وبعد البحث فى القائمة قامت بتشغيل حفل زفافها 
تزامنا مع دخول حماتها التى تحمل صينية المشروبات
فتوسعت عيناها بفزع هاتفة: 

-ايه دا مين شغله 

-دا عمتوا كانت عايزة تتفرج على الفرح 

وضعت سوسن الصينية على الطاولة بينما ترمقها عمة 
هاجد بتحدٍ فهى باتت متأكدة أن رفض زوجة اخيها 
ورأه خطبًا ما، ابتلعت سوسن قائلة: 

-هاجر يا حبيبتى عندى غسيل فى الغسالة والبلكونة
عليها غسيل ممكن تأخدى تنشريه عندك 

نهضت واقفة وهى تهز رأسها بالايجاب واتجهت للخارج 
لتخرج الملابس من الغسالة وتأخذها للأعلى 

على الجانب الأخر 

-ما الفرح موجود اهو اُمال ليه بتقولى مش هنا 

كانت هذه كلمات عمة هاجد بينما لكزتها مايسة فى يدها
فسحبت يدها بحدة قائلة: 

-مالك يا بت فرح ابن اخويا حرام اتفرج عليه 

زفرت سوسن بحنق قائلة: 

-دا على اساس انك محضرتيش الفرح يعنى 

مصمصت عمة هاجد شفتاها قائلة: 

-وهو الفرح لما اتفرج عليه الدنيا هتخرب وبعدين 
ودا المهم الفرح كان اسلامى وأنا عايزة اشوف هاجد 

ران الصمت بينهم لدقائق وهما يشاهدون حفل الزفاف لكن فجأة توسعت عين عمة هاجد بصدمة قائلة: 

-هو مين اللى قاعد ايده فى ايد هاجد دا فى كتب الكتاب، مش دا مصطفى جوز اختك 

انهت جملتها تزامنًا مع وقوف هاجر على اعتاب الغرفة 
ولكن لم ينتبه لها أحد بينما ابتلعت سوسن بصعوبة 
وهى تقول: 

-ايوة هو ووطى صوتك هاجر متعرفش حاجة 

ضربت عمة هاجد على صدرها قائلة بحدة: 

-يعنى أيه متعرفش، أنا كنت حاسة أن الجوازة دية وراها 
حاجة وابن اخويا اتدبس فيها، يعنى اختك كانت غضبانة
هنا عشان متاخدش بنت ضرتها تعيش معاها عشان خايفة تخرب بيتها تقومى انتِ مجوزاها لأبنك ذنبه أيه ابن اخويا يبقى كبش فدا

-اسكتى بقولك متعرفش حاجة، وبعدين هاجد 

ابتلعت مايسة وهى تقول: 

-هاجر

كانت هاجر واقفة دمعة تسقط وراء دمعة حتى علت 
شهقاتها وكأن احدهم اشعل عود ثقاب بقلبها، شعرت 
بالأرض تهتز  أسفلها، وكل لحظة قضتها مع هاجد 
بدأت تأتى فى مخيلتها كشريط سينمائى، منذ بداية 
زواجها حتى هذه اللحظة، كل لحظاتها الحزينة والسعيدة
والمؤلمة، بينما صرخت والدة هاجد فى عمته: 

-ارتحتى كدا، ارتحتى انتِ بتعملى كدا ليه ها؟! 

قبل أن تجيبها كانت تسحبها ابنتها وتتوجه للخارج قائلة: 

-معلش يا مرات خالى حقك عليا 

انصرف الاثنين بينما بقت هاجر كتمثال تحدق فى حماتها مرت عدة لحظات ثم حاولت ان تلملم شتاتها
قائلة: 

-هاجر يا بنتى الموضوع مش زى ما انتِ سمعتى 
افهمينى يا حبيبتى

*****

خرجت هاجر من الغرفة مندفعة وكأن احدهم سكب عليها المواد المشتعلة، ثم اشعل عود ثقاب ورماها به، لتشتعل بها النيران وما أن خرجت حتى انصدمت بهاجد الذى قد وصل للتو، ظلت واقفة مكانها
والدموع تنهمر من عينيها تعذب روحها وهى ترمقه بوجع مُدمى، بينما لحقتها حماتها من الداخل فنظر هاجد لوالدته وعيناه تسألها فى صمت فاغمضت عيناها بأسف، فقبض على أصابع يده بقوة وحبيبات العرق تشكلت على جبينه، وعلى رغم برودة الجو إلا أن درجة حرارة جسده فاقت الاربعين وعلم أنها لحظة المواجهة، نظراتها التى ألقتها عليه، سحبت قلبه من بين ضلوعه بكل قسوة ودهسته دون رحمة

همست بنبرة لاحياة فيها وهى تحدق به: 

- أنت ازاى كدا، ليه عملت كدا فيا

قاطعتها حماتها وهى تجذبها من معصمها برفق قائلة: 

-اهدى يا هاجر عشان تفهمى الموضوع صح 

نزعت يدها بحدة وهى تصرخ بحدة قائلة: 

-انتِ تخرسى خالص انتِ كدابة 

 نيران مستعرة بالغضب شبت بداخله من فظاظتها مع والدته  فى لمح البصر كان يرفع يده للأعلى
ويهبط على وجنتها بصفعة قوية وشديدة،  شهقت والدته بفزع، أما هى ابتسمت بمرارة ولم يبدد ألم 
الصفعة، الألم الذى سكن يسار صدرها، كانت تهز
رأسها بهستريا، لعل هذا الكابوس ينقشع وينجلى 
فهذا هو حبيب القلب، لكنها أيقنت انها مستيقظة
وهذا هو الواقع المرير اجهشت ببكاء يمزق نياط القلب
كألم سقيم لا يشفى، اليوم هى قد ماتت أليس من العدل أن تتم مراسم الدفن، انطلقت نحو الباب 
اقتربت منه سوسن تضربه على صدره بقوة قائلة: 

-ليه عملت كدا ليه؟! ليه يا هاجد؟! ليه يا بنى؟! 

كان غير واعى وكأنه بعالم اخر علمت الحقيقة من
غيره همس لوالدته بقهر: 

-مستحملتش تغلط فيكِ قدامى بس انتِ ليه قولتلها ليه ياامى؟! ليه ياامى؟!

-مش أنا عمتك خلتها تشغل الفرح ولما شافت مصطفى 
قالت كلام ما يتقالش ألحقها يا بنى بالله عليك 
ترضيها روح 

******

اندفع هاجد داخل شقته يبحث بعينه فى الأرجاء كطير حبيس، وقد اخلو سبيله لتو، يبحث فى الغرف كالمجنون ولكنه، لم يجدها، رحلت اصابعه قبضت على خصلات 
شعره، وهو لا يعلم ماذا يفعل، مسح على وجهه عدة 
مرات  ثم هبط للأسفل مسرعًا حيث شقة 
والدته: 

-مشيت يا امى هاجر مشيت كل حاجة انهدت فجأة 

-كل شئ يتحل بس يلا نلحقها هى اكيد راحت بيتها 
واتصل على مصطفى يجى حالًا

أومأ لها والحزن يعلو وجهه فلم يتمالك قلبه من لهفته 
عليها، لم يعرف كيف خرج صوته من فمه المتجمد
فقط خرج اسمها من بين شفتيه بلوعة قائلًا: 

-هاجر هتسامحنى صح؟!

اغمضت والدته عيناها بأسى، بينما هو يشعر بإيادى 
قوية تكتف جسده بلا رحمة، ألم يفوق قدرته على التحمل، صرخات محمومة وآنات مكتومة، واصوات
متداخلة ومتشابكة بين الحزن والقهر والعشق والبكاء 
وطعم داخل فمه يشبه العلقم، حاول أن يحرك قدميه
التى تيبست بصعوبة

***

وصلت لشقتها وارتمت على المقعد تشعر بالاختناق وكأن 
الماء حولها من كل حدب وصوب ولا عليه سوى الاستسلام للغرق، دموعها تسيل محرقة وجنتيها، 
قلبها يحترق كأنها داخل أتون مشتعل،تناولت هاتفها بإيدى مرتعشة تضغط على زر 
الأتصال، قاطعها صوت الجرس تحاملت على نفسها 
لتفتح الباب وما أن وجدتهما أمامها سالت دمعاتها 
وهى تهذى بارتجاف: 

-انتوا جايين هنا ليه؟! 
ما خلاص مهمتكم خلصت خلاص مفيش داعى تتعبوا
نفسكم اكتر، خلاص كفاية كدا عرفت أنك اهم حاجة 
عندك صلة الرحم وأنك حافظت لخالتك على بيتها
كتر خيرك عايز أيه تانى 

اغتاله وجع عتيد مسرف فى عطائه حد الكرم وهو يرى
آثار اصابعه على وجنتها فمد يده ليلامس وجنتها قائلًا: 

-هاجر حبيبتى انتِ فهمتى غلط كل حاجة ممكن تسمعينى

ابتعدت عنه وهى ترسم ابتسامة عجفاء مبتورة وقد غلفها حزن معتق لتهمس بصوت خافت موجوع: 

-حبيبتك مش كفاية بقي ما بقولك سمعت كل حاجة

-والله العظيم اللى سمعتيه غلط، والله أنا طلعت مع 
عمى مصطفى بالصدفة وشوفتك، اقسم طلبتك 
منه عشان حبيتك من أول مرة، ومعرفش انك متعرفيش وحاولت والله إنى اقنعه نقولك قبل الجواز بس رفض، وقالى خلاص أجل الجواز دلوقتى، خفت تضيعى منى والله، حسيتك وافقتى فى لحظة
تهور يا هاجر، وهو قالى هيقولك أنا بعدين 

وافقت أنا دا أنا كنت نايم صاحى بحلم بيكِ، سبحانه من اول مرة حط محبتك فى قلبى، ياهاحر اللى عمتي  قالتهُ كله غلط، ومش هو دا سبب جوازنا والله 

وما انهى جملته حتى ولج ابوها وما أن رأى هيئتهم ارتجف 
قلبه على ابنته فألقى التحية ثم تساءل عما يحدث، 
صرخة فلتت من احبالها الصوتية بألم قبل قذفها
للهاتف بعصبية تجاه الحائط: 

-كفااااية بقى كفاية بتسأل فى أيه يعنى مش عارف 

اخذت تنحب وتصرخ بكلماتها قبل أن يهبط من الأعلى
خالها وطاهر على صوت الضجيج والصراخ، لكن الصدمة ألجمتهم من حالتها التى أول مرة يروها هكذا، فخرج 
صوت مصطفى كأنه فى بئر عميق: 

-طب خلينا نهدى ونتكلم ياهاجر 

بأعين تائهة تلتمع بالدموع: 

-نتكلم فى أيه ها ؟! طب خلينا نتكلم ماشى
 بعتنى ليه؟! بعتنى ليه؟!
أنت مراتك رفضت وجودى معاك صح، وانت جبتنى
هنا ورمتنى وأنا معترضتش عارف ليه؟! لأن قلبى 
كان حاسس والله قلبى كان حاسس أنك متجوز بس 
قولت حقه، وعمرى ما فى يوم قولتلك متسبنيش 
لوحدى عشان مابقاش بخنقك، رغم انى كنت بخاف 
أنام لوحدى والله وكنت أصحى اجرى على بيت 
خالى فوق، مرات خالى كانت بتعاملنى زى بنتها 
بس مش كلهم كانوا بيرحبوا بوجودى وكنت بقول 
عادى، ومرضتش اطلب منك تيجى ولا احملك فوق 
طاقتك ليه ترخصنى كدا، ليه أنا آذيت مراتك فى 
أيه عشان تعملوا فيا كدا 

اغمض طاهر عيناه بألم فهى تقصده هو بحديثها ، أما 
والدها كان قلبه ينقبض على فلذة كبده يعلم غلطته
الفادحة فاجابها قائلًا: 

-محصلش انا بس خبيت، لكن هاجد طلبك منى لما شافك مافيش اتفاق والله بيحبك وطلب كتير انى 
اقولك بس أنا 

اشارت إلى وجنتها المحمرة أثر صفعته قائلة: 

-بيحبنى، شايف اثر الحب على وشى، حقه يضربنى 
ويدوس عليا بجزمته انت رخصتنى ليه 
بعتنى ليه، هاجد ضربنى بالقلم على وشى

توحشت عين مصطفى وهو يرمق هاجد بينما الاخر رمقه بأسف، أما هى تحركت تقف امام طاهر قائلة بوجع: 

-انت صح، انت طلعت صح 

هو قالى انه بيشوف عمته فيا، قالى كل تصرفاتى 
بتفكره بيها، قالى نفس الجينيات انا اكيد وحشة وانتوا صح

اغمض طاهر عيناه يود أن يربت على كتفاها يهدأها يود صفع هاجد، لكنها انتفضت على صراخ هاجد: 

-هااااجر تعالى هنا يا هاجر واهدى يا وخلينا نتكلم واحنا هاديين 

تحركت وقفت امامه تطالعه بخواء ماذا ارادت سوى 
رجل يحبها ويحتويها لكنه كسرها، تزوجها مجبورًا 
يبدو أن قدرها أن تحيا هكذا حياة خاوية لا حق 
لا ان تحلم بالمزيد: 

-ليه عملت كدا، آه وعشان كدا مش عايز تخلف منى صح عشان كدا مش مستعجل صح والحقيقة أنك مش عايز منى عيال بس أنا غبية، مش انت بتخاف ربنا، ليه توجعنى كدا.. أنا كنت ممكن أوجعك تعرف قبل ما اتجوزك والله ما قدرت 

ثم توجهت تقف امام حماتها قائلة: 

-والله كنت ممكن اوجعه بس انتِ وهو مهنتوش عليا 
مقدرتش اكسر فرحتكم، انتِ عاشرتينى شوفتينى وحشة
اذيتكم، ليه مقولتيش ليها كدا، ليه حرام عليكم 

انهت كلاماتها وهى تقف امام والدها: 

-انا عندى اخوات صح، تعرف أنا بحسد كيان عشان عندها اخ وأنا لأ، يعنى انت كنت مبسوط وكل دا بيحصل ليا يابابا، طب ماانت رمتنى هنا وعشت
 لوحدى ليه وسكت ليه كل دا، انت كمان كنت خايف
منى ابوظ حياتكم

نطق خالها وهو يراها تنهار هاتفًا:

-كفاية يا هاجر وتعالى معايا فوق، اوعدك حقك 
أنا هجيبه والله بس اهدى يابنتى

اقترب منها هاجد ليأخذها بين احضانه فبكاءها يمزق
قلبه كل خلية به تنتفض وحديثها يصفعه مزيدًا مرارته
ووجعه فهمس بألم: 

-بالله يا هاجر مش دية الحقيقة أنا غلطت عشان مديت ايدى بس، حقك عليا انتِ غلطتى فى امى وكان غصب
عنى فكرى شوية هتفهمى كل كلامى، هاجر أنا كنت 
بتعذب كل يوم عشان يوم زى دا حسى بقلبى يا هاجر 

انتفضت كالملدوغة بعيدًا عنه تشعر انها فى بئر موحل  كانت تصرخ بقهر وتضرب صدرها وتنهمر دموعها 
بوجع  حتى شعرت ألم اسفل بطنها وشئ دافئ
يسيل على قدميها صمتت فجأة تنظر اسفلها 
وجدت دماء تسيل على قدميها،  رفعت بصرها
لهاجد قبل أن تخرج منها صرخة عالية من شدة
الوجع لتغيب عن الوعى 

*****

تعليقات