رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والاربعون 49 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والاربعون 


كانت تسير بجوار ضياء بسعادة طاغية، وهى ترى
تحسن حالته المزاجية، ابتسامته بدت مشرقة أكتر
لقد تحسن على ما يبدو وهو يختار أشياء صغيرة
بعد مرور وقت غادرا كلا من ضياء وكارما من المول
التجارى بعد جولة تسوق طويلة يحملون أكياس  
كثيرة بينما كارما كانت تضحك فى الخفاء فرمقها
ضياء بعيناه الذكيتان متسائلًا: 

-اية ضحكة الخبث دية؟! 

حركت كتفاها ببراءة قائلة: 

-ولا حاجة؟! 

تفحصها بنظراته لحظات ثم تنهد قائلًا: 

-إنجزى، اعترفى 

-اصل قولتلى مش هاحب حد زيك ودخلنا المول 
ومفتكرتنيش حتى بدبوس مشبك 

-أيه اللماضة دية كنت هاجبلك ايه أنا من محلات البيبهات 

زمت شفتاها كالأطفال قائلة: 

-اهو بترد على نفسك اهو كله محلات بيبهات 
المول مليان محلات كنا دخلنا محل تانى بس
يلا عشان حبيب قلب عمتو

-يا سلام وانا عينيا لعمتو تؤمر 

بعد وقت قليل وقفت أمام محل فضيات تنظر بسعادة 
وانبهار، وهى تتفحص المشغولات الفضية حتى لفت نظرها خاتم كان عبارة عن مجموعة من الفصوص 
التى تمازجت بين الأحمر والازرق فاشارت باصبعها
لضياء فقطب حاجبيه متسائلًا: 

-اشمعنا فضة يا كارما طب..

قاطعته وهى تجذب يده للداخل قائلة: 

-بحب الفضة أوى يا ضياء بليز هاته

صدح صوته الرجولى وهو يشير إلى الخاتم قائلًا: 

-لو سمحت عايزين الخاتم دا 

أجابه مالك المحل قائلًا: 

-تمام، واضح انك يا فندم بتفهم فى الفضة الخاتم اللى 
فى إيدك بيقول كدا 

ابتلع بمرارة متسائلًا بلهفة: 

-هو لو عايز اعرف اللى مكتوب على الخاتم تعرف ولا صعب 

امسك بالعدسة المكبرة وجال بها يتفحص الخاتم فكانت
كتابة مطبوعة بخط صغير على جانبى الخاتم ومن الداخل، بينما تسارعت دقات قلب ضياء ولا زال الرجل 
يتفحص الخاتم ثم نطق قائلًا: 

-الجانب الأول مكتوب

كن رفيقًا لدربى رحيمًا بقلبى فأنا تركت العالم لأجلك

أما الجانب التانى 
 لا تراهن على عشقى فأنا اقدس قلبى كأنه ديانة 
وارفض المساس به 

ابتسم بوجع وهو يلتقط الخاتم وقام بإدخاله فى اصبعه
وغمغم متألمًا: 

-شكرًا كام سعر الخاتم 

بعد ان انتهى زفر بحرقة وهو يتجه نحو سيارته، اغلق
الباب بعنف واستند على عجلة القيادة، ناظرًا أمامه 
بعينين غائمتين قائلًا بمرارة: 

-بيلا كانت عاملة حساب يوم زى دا كويس اوى 
كانت عندها النية انها تسيبنى وسط الطريق 

-ضياء، انت اكتر حد فينا عارف وجع بيلا يا ضياء 
لازم تصبر عليها شوية أنا متأكدة لما تهدى هتعذرك 

وهل يملك خيارًا اخر، سيحترق فى صمت، قاد سيارته
لكنه انتبه للإشارة فضغط الفرامل وارجع رأسه للوراء
وقد شعر برؤيته تتشوش وهو يعيد ألاف الذكريات 
التى حفرت فى اعماقه معها، صدره يختنق يشعر إنه 
يموت لكزته كارما برفق حين ارتفعت بوق السيارات
من خلفهم، مسح دمعة حزينة وهو يعيد تشغيل السيارة
ويتابع السير 

*****

كان هاجد مستمع بوجع لكلمات الطبيب وكأنه صوب نحو صدره سهمًا مسمومًا فاصاب نياط القلب بتهتك: 

-المدام كانت حامل لكن للأسف فقدنا الجنين 
متقلقوش الحمل كان فى الأول ومش محتاجة 
عملية 

تهدج صوته، وانهمرت دموعه بعد إفصاح الطبيب
أما عن حال مضغته فكانت تأن وجعًا، حاول أن يلملم
شتاته متسائلًا:

-هى كويسة أهم حاجة 

ربت الطبيب على كتفه قائلًا: 

-هى زى الفل متقلقش، بعدين اجمد كدا شكلكم لسه صغيرين وتعوضوا وتجيبوا عشرة 

انهى الطبيب كلماته وانصرف بينما هو اصابت الكلمات 
صميم قلبه، شعر بعبراته تجرى فى مجرى القناة الدمعية
وصدى ألمها يتردد فى صدره اردف يقول عاجزًا فى البكاء: 

-بتقولى ماكنتش عايز تخلف منى دا أنا كنت هتجنن على الخلفة أكتر منها، بس ماكنتش حابب اوجعها يا أمى كنت عايز افهمها أنها هى أهم حاجة فى الدنيا عندى لكن مفيش سجدة ما دعتش
فيها يرزقنى بطفل منها شبهها يملى حياتى وحياتها يعوضها عن وحدتها، كان نفسى بس ماكنتش حابب 
اوجعها وأقولها نفسى فى بيبى واخليها تشيل هم الموضوع دا 

نظرت له والدته بعجز وقلة حيلة ثم ضمته إلى صدرها
شدد من احتضانها وتماسك بها كأنها ملاذه الوحيد 
مغمغم فى توسل: 

-مش هاقدر اعيش من غيرها، هى فهمت كل حاجة 
غلط ودبحتنى ياامى 

-اهدى يا ضنايا ويلا بينا لازم تكون جنبها دلوقتى

تحرك هو ووالدته لغرفتها ليجدوا الممرضة تخرج من الداخل قائلة: 

-حمدلله على سلامتها تقدروا تدخلوا تشوفوها 

تحرك هاجد ومن خلفه طاهر، فتوقف هاجد يرمقه بحدة
مستعدًا للمعركة الوشيكة قائلًا: 

-انت رايح فين؟!

ضيق طاهر عيناه بعدم فهم قائلًا: 

-فى أيه؟! 

فى واحدة جوا مريضة وانت حضرتك مش محلل ليها ووجودك كله مالوش لازمة اصلًا 

تدخلت كيان قائلة بانفعال: 

-دا وقته، ارجع يا طاهر ارجع انت كمان وسع كدا

ولجت كنان ووقف هاجد على اعتاب الغرفة، حثته
والدته على التقدم للداخل، وما أن وقعت عيناه عليها
وجدها شاحبة، سياط الواقع يجلده والحقيقة المرة 

كانت ترمش بأهدابها وهى تصحو من غفوتها المرضية 
نظرت حولها تشمل المكان القابعة فيه، تغلق عيناها مرة
تلو الأخرى لتتأكد انها لا تحيا فى كابوس بل فى واقع مرير، رفعت عيناها
بألم ترمق كيان التى تجلس بجوارها، ومع الحقائق المشتعلة داخلها همست بتساؤل: 

-هو الدم اللى نزل دا كان من أيه؟!

ضمتها كيان قائلة: 

-المهم سلامتك انتِ ياهاجر وكل حاجة تتعوض 

وما أن انهت جملتها هبطت اناملها تمسد اسفل بطنها المسطحة وهى ترمق هاجد بنظرات عتاب ممزوج بقسوة
ثم ابتسمت بتهكم وهى تخبرها عن مدى خسارتها 

*****

الهواء اختنق فى صدره عيناه المتسعتان يهز رأسه بذهول، لا يريد حتى تمرير الخبر لموضع التركيز فى 
عقله، كيف يفعل وكيف يصدق إنها إنصاعت وراء
تهديدات والده وتركته، ابتلع كنان ريقه بصعوبة 
وهو يمسح فى دموعه المسترسلة قائلًا باختناق:

-كنتِ شايفانى إزاى يا كيان؟ يحصل كل دا من ابويا
وأنا معرفش، كنتِ شايفانى مش أمان وسند عشان 
تحكيلى 

ولجت والدته للداخل فإنهى كنان حديثه وهو يستدير
محاولا التغلب على دموعه، فتنهدت والدته قائلة: 

-وبعدين يا كنان انت رجعت عشان تحبس نفسك 
وتفضل تعيد فى السى دى، ولا أنا غلطانة 

-ليه عمل فيا كل دا أنا لو كنت عدوه مكانش آذانى كدا 
الغريبة أن مع كل اللى بيعمله وماكنش موافق عليها
عشان نسبها، نسب أيه وهو ايده مليانة دم ناس غلابة 
وانتِ كمان ماكنتيش عايزاها، كان نفسك مكملش معاها
انتِ كنتِ موافقة على بيسان مع علمك بأهلها اخلاقهم 
ايه، لكن كيان لأ، محستوش بقلبى اللى بيحبها ويتعذب
فى بُعدها، قولى يا أمى انتِ كمان فرحتى بطلاقنا 

رمقته والدته بنظرة غاضبة وهى تقول: 

-هو أنا هاخاف منك يا كنان أنا لما رفضتها، رفضتها قدام
الكل، لكن لما شُفت أنك بتحبها بجد أنا سكت رغم أني 
كنت بشوف كل محاولاتك وهى مش بتحاول بس قولت
ممكن عشان ظروفها ومحتاجة تكون أقوى، وروحت
لصديقة ليا جوزها صاحب اكبر قنوات فضائية ومن 
ضمنهم قنوات الطبخ، ورشحت كيان تشتغل هناك 
واديتهم لينك صفحتها وكلموها واشتغلت هناك وحاليا بقت شيف قد الدنيا، لما كنت رفضاها قولت
قدامك واستحالة أعمل حاجة ليها من وراك، ولما جات 
تسأل عليك قولتلها أنك مع شاهندة، عشان خلاص هى 
لو عايزاك تبقى هى اللى تدور عليك وتجرى وراك 
كفاية بقى لحد كدا هى لازم تكون قوية عشان تقدر
تكمل معاك وتفتح بيت، الحب بتاعك مش كل حاجة 
لازم تكون قد المسئولية والبيت وتعرف تواجه الدنيا

احيانا يكون فى جعبتك كثير من البكاء والصراخ يكفى العالم وهذا ما فعلته هى، أما هو تهدلت اكتافه
وهو يقول بصوت مهتز، منكسر، مهزوم: 

-أنا اسف يا أمى سامحينى بس أنا فعلًا مصدوم 

-واضح أن هتقابلنا حاجات كتير من عمايل زهير وهتصدمنا، وانت لازم تكون أقوى من كدا على 
الأقل تعرف ترجع للناس حقها، وتفكر كمان فى
مستقبلك 

تنهد مستجلبًا هدوءه قائلًا: 

-إن شاء الله، بس انتِ فعلًا عملتى كدا عشان كيان 

جلست بجواره وهى تحاول أن تهدأه بكلمات بسيطة 

-أنا ماكنتش حاباها وخايفة من اخلاقها بس هى اثبتت
ليا العكس، بس هى محتاجة تكون اقوى، و هى على 
فكرة ابتدت البرنامج بتاعها دلوقتى بقى رقم واحد فى مصر، بتطلع لايف كل يوم من عربيتها بتتكلم مع الشباب
وفتحت ملجأ، بتأخد خطوات فى حياتها وبتتقدم 
المهم انت بقى فين خططك للمستقبل بتاعك 

تناول يدها يقبلها هامسًا بحنو: 

-ربنا يباركلى فيكِ أنا دلوقتى ماليش غيرك 

أما خططى أنا بدور على عيادة صغيرة هافتحها وفى 
مؤتمردولي فى شرم الشيخ للشباب مدعوا فيه هارجع 
من هناك وافتح العيادة واشتغل

*****

مررت بيسان نظرها بلهفة على طاهر فور دخولها المشفى وكأنها تتأكد أنه لم يصيبه شئ ثم رمقت 
كرم الذى يستند على الجدار خلفه وملامحه لا تفسر
فهمست متساءلة: 

-فى أيه يا طاهر قولتلى تعالى المستشفى بسرعة ليه 
انتوا كويسين 

سرد لها طاهر ما سار مع هاجر بخليط من مشاعر ألم 
ندم، حزن، كانت عيناه تلتمع بالدموع وهو يتذكر هذا
المشهد، ليس بينها وبين هاجر شئ لكنها تشعر إنها 
تكرهها هى لم تمسها بسوء، مشاعر عدائية داخلها 
دون مبرر عقلانى فتجهمت ملامحها الرقيقة قائلة
بحدة: 

-أيوة يعنى دية مشكلة بين راجل ومراته انت دخلك ايه 
وجايبنى أنا هنا ليه؟! 

فرك طاهر وجه بعصبية مفرطة:

-عايزك تدخلى تطمنى وتطمنينى أنا حتى روحت للدكتور، قالى متقلقش انا طمنت جوزها 

-هادخل جوة بصفتى أيه يا طاهر

-بصفتك دكتورة يا بيسان فى أيه مالك 

-دكتورة!! ولنفرض بس أنا مش شغالة هنا 

-ماشى يا بيسان أنا اسف إنى ازعجتك واتصلت بيكِ

انهى طاهر جملته بتعب واضح، كانت تشعر باحتراق
داخلها لكن لا تعلم مصدره زفرت نفسًا ساخنًا بينما كانت الدماء تضخ داخل جسدها من الأعلى للأسفل ومن الأسفل للأعلى بلا هوادة ثم تحركت وهى تتجاوزه داخل الردهة من امامه فسألها: 

-انتِ رايحة فين؟!

 ابتلعت ضيقها متجاهلة هذه النغزة قائلة: 

-هاشوف الدكتور اللى ماسك الحالة هيقبل أدخل عندها 
ولا لأ

-شكرًا 

بعد مرور بعض الوقت

كانت تطرق باب الغرفة ولكن لا توجد اجابة فتنهدت بضجر حتى جاءها صوت من الخلف قائلًا: 

-دكتور بدر اقدر اخدمك ازاى 

استدارت له بابتسامة هادئة هاتفة: 

-دكتورة بيسان فى حالة جت هنا وعرفت إن حضرتك 
دكتور الطوارئ ممكن ادخل اطمن عليها 

صوتها كان هادئًا ناعمًا وقع على قلبه كوقع الماء المثلج 
على ريق صيفى شديد الظمأ فأجابها: 

-طب مش لما تطمنى عليا الأول 

-نعم!! 

-لا اوعى تفهمى غلط أنا بعاكسك عادى 

رفعت بيسان حاجبها المنمق قائلة: 

-دا ايه القلب الميت دا 

اجابها بفخر قائلًا: 

-اصلى أنا دكتور جراح متبلد المشاعر 

ابتسمت وهى تهز رأسها قائلة: 

-دية حقيقة احنا بعد فترة بنبقى فقدنا جزء من الشعور 

-متقوليش انتِ جراحة 

أومات برأسها ثم قالت: 

-تسمح ليا أدخل اطمن على المريضة 

ابتسمت له ثم تحركت متهادية بمشيتها الرقيقة التى 
تراقصت على اوتار قلبه 

بعد ساعة تقريبًا

 خرجت بيسان من الداخل ووقفت تتحدث مع 
كرم، هدؤها استفز طاهر فسألها: 

-بيسان أيه؟ مش المفروض تطمنينا 

-اطمنك يا طاهر على ايه ، هاجر فقدت البيبى واكيد 
مش في احسن حال حالتها الصحية كويسة مفيش قلق
لكن وضعها النفسى مش مطمئن خالص 

جاء صوت من خلفها ليؤكد على كلامها قائلًا: 

-نفس اللى قولته بالظبط 
هى عادى جدًا ممكن تخرج هى صحيًا مافيش حاجة
والنزيف وقف بس واضح أنها نفسيًا فيها حاجة 

التفتت بهدوء وهى تبتسم قائلة: 

-دكتور بدر شكرًا جدًا عشان سمحت ليا بالدخول 

كهالة من النور سكنت تفاصيل روحه وبعثرته كانت 
عينيه تطوف على ملامحها بإعجاب شديد فتخضبت
وجنتيها باللون الأحمر القانى فاجابها بمزاح: 

-فى اربع اوض فى الدور لو تحبى تدخلى كمان ياريت 
وعندى عمليات كمان ساعة لو حابة تيجى معايا ياريت 

رفع طاهر حاجبيه وهو يجز على اسنانه: 

-مين الاخ وتروح معاك فين؟! 

-أنا بدر، وبيقولى يا بيبو شوف انت تحب تقولى أيه اما تروح فين؟ أوضة العمليات

ثم تابع وهو يتجاهل طاهر: 

تصدقى يا دكتورة بيسان أنا طول عمرى نفسى أدخل سياحة وفنادق بس للأسف 
التنسيق دخلنى طب لأ ومش بس كدا بقيت جراح 
وأنا بدوخ من ريحة البنج 

قهقت بيسان وهى تقول: 

-يعنى مش كنت بتدح ولا خايف من الحسد يا دكتور 

هز رأسه بالنفى قائلًا: 

-وعهدلله ابدًا بس امى مجتهدة فى الدعوات شوية 

ضحكتها كانت كالوقود فى مراجل طاهر نيران بداخله
فحدثها طاهر بحدة: 

-بيسان مش كنتِ مستعجلة من شوية يلا عشان العيادة 

توسعت عين بدر متسائلًا: 

-دكتورة عندك عيادة، هاتى العنوان والرقم بيبقى 
فى حالات محتاجة تتابع برا ومش هلاقى احسن 
منك ابعتهم ليكِ 

زمجر طاهر متسائلًا: 

-هو انت تعرفها أيه العشم دا 

اجابه بدر ببرود وهو يلتقط يده قائلًا: 

-طب شبكة العشرة دول ولا كأنها بنت خالتى ومتربية معايا 

نزع طاهر وتحفز للاشتباك لكن كرم جذبه وهو يحذره بنظراته اما بيسان اخرجت الكارت ببشاشة قائلة: 

-شرف ليا يا دكتور اتفضل الكارت اهو 

استأذنت بيسان وتحركت نحو الخارج بينما بدر يسير 
بجانبها فلم يستطع طاهرالسيطرة على نفسه اكثر فنادها  بنبرة محترقة متوارية قائلًا: 

-استنى يا بيسان هاوصلك وارجع تانى، اقفى 

وقبل أن يتحرك قبض كرم على معصمه قائلًا بخبث 
وهو يحاول كبح ابتسامته: 

-رايح فين؟! ميصحش هتمشى ومش هتطمن على هاجر 

-هاوصلها وهاجى بسرعة 

-ابوك لو خرج و ماشافكش هيزعل 

زفر بغضب وهو يرمق يد كرم التى تقبض على معصمه 
فجاء صوت بدر من الخلف: 

-خليك يا تيتو المسافة هوصلها أنا لحد تحت ومش هسبها غير لما تركب 

انصرفت، بينما اتسعت عين طاهر وهو يسأله بعدم استيعاب وهو يسب ويلعن: 

-مسكتنى ليه؟! دا بيقولى يا تيتو دا ناقص يقولى انى انا
كمان ابن خالته

اردف كرم بحزن زائف قائلًا بعتاب: 

-ياجدع رايح فين مش لما نطمن على بنت عمتك الاول 

ثم همس بين نفسه:

-خليك هنا وولع مع نفسك براحتك

****

فى الغرفة بالداخل 

قلبها ينزف ألمًا، ليتها تملك القوة لبتره من داخلها 
لو كان باستطاعتها ما تعذبت لحظة لكنه ألتصق 
بقلبها كلعنة سوداء وصار وشمًا ابديًا على قلبها

كان يوعدها أنه لن يسمح لأحد أن يؤذيها فهى 
طفلته المدللة، لن يسامح من يبكيها وللسخرية 
 كان هو هذا الرجل، فرت دمعة من عينيه
مسحها سريعًا وهو يتذكر الألم الذى نبع من كل 
كلمة نطقتها، قلبه يعتصر من الألم ربما اخطأ لكنه لم يكن يملك خيار اخر والله وحده يعلم كما ترجى 
والدها لإخبارها، لكنه كان يخبره انه ينتظر الوقت 
المناسب وقد انتهى الوقت المناسب واسدل الستار بفقدانه لجنين تمناه وقلبيين مجروحين

كانت هاجر تحملق فى السقف واضعة يدها على 
اسفل بطنها، فاقترب منها حسين بألم وهو يضمها 
إلى صدره فدفنت رأسها فى صدره تبكى بحرقة 
لم يستطع هو ايضًا كبح دموعه فالخال والد بالدم
والقلب، تشبثت به اكتر وهى تنحب بهذيان ذبيح: 

-أنا كنت راضية يا خالوا ليه عملوا كدا فيا، ليه يعملوا
فيا كدا 

كانت كيان ترمقهما بوجع أتيًا من قعر قلب ملكوم 
لم تجد سندًا او أمان يومًا كانت تحيا وسط الاشواك 
ودمار، بلا هواية بلا جذور، ارتعشت شفتاها 
ببوادر بكاء بحسرة على حالها، فلماذا عمها تخاذل
فى البحث عنها، تريد أن تصرخ عليه فقلبها من كترة
ما مر به اصبحت مسنة فى الستون من عمرها لكنها
لملمت شتات امرها وهى تستمع لعمها قائلًا:

-أنا ليا كلام تانى صدقينى أنا هتصرف بس اهدى 
الدكتور قال الخروج دلوقتى عادى وهتروحى معايا 
عند مرات خالك هتتجنن عليكِ كل شوية اتصال 

انتقل هاجد مسرعًا من مكانه يقف أمام الفراش قائلًا 
بحنان وحزم: 

-هاجر مش هتبات برا بيتها وهتروح معايا 

أكدت والدته على كلامه قائلة: 

-هاجر بنتى وهتروح معايا وتقعد تحت لحد ما تتحسن 

تحمحمت كيان بحرج قائلة: 

-يا جماعة أنا شايفة هاجر محتاجة تبعد عن الضغط شوية وإنها تروح معايا دا احسن حل وانا هاخد اجازة 
واكون معاها 

اغمضت هاجر عيناها بوجع وهل يضر الشاة سلخها بعد أن ماتت ذبحًا فتحت عينيها لتنظر لذلك الذى يقف امامها قائلة: 

-أنا هروح بيتى الناس تعبوا وخططوا معقولة ابوظ 
تعبهم كدا عشان شوية زعل اهبل واضيع التضحية 
بتاعتهم 

دموعها كصاعقة كهربائية تنزل على قلبه وصوتها الحزين بكاؤها العالى رقدتها هكذا على الفراش لا حول ولا
قوة لها، كفها الصغير الذي تشبث بخالها نيران تنبش
بصدره، تنهدت والدة هاجد وهى تكتم البكاء فى صدرها
على حالهم قائلة: 

-هتروح معانا وإن شاء الله تبقى احسن 

*****

فى اليوم التالى 

نهض كنان من نومته بضيق شعور مخيف جاثم فوق 
صدره منذ أمس، تمتم مستغفرًا ثم تناول قميصه 
ليمرره فوق رأسه ليرتديه سريعًا وخرج من الغرفة 
بإكملها متجهًا إلى المطبخ ليصنع كوب قهوة وما أن 
سكبها تناول الفنجان بيده، فجأة فرقع الفنجان مكسورًا 
وجرح إحدى أصابعه تناول محرمة ورقية سريعًا 
ثم وضع يده موضع قلبه محاولًا تكذيب نفسه قلبه 
ينتفض وصورتها أمام عينيه 

*****

هبطت من الأعلى بخطوات متمهلة، فبطنها اصبحت 
منتفخة أكثر، تشعر بالجوع ستأكل أى شئ يقابلها 
وما أن جلست على الطاولة   هتفت: 

-أنا جعانة اوى يا مامى أنا حاسة انى عقبال ما أولد 
هاكون بقيت بيلا فى تلاتة 

-بالهنا يا قلب مامى المهم صحتك انتِ والبيبى بخير

صدح صوت جرس الباب لكنها لم تعيره انتباه وظلت 
تأكل بشراهة، حتى سمعت صوته، صوت من حطم 
قلبها؛ ظنته أمانها وسندها لكنه خذلها، حطم قلبها
وتناثر لشروخ من الألم

كان ينظر لها باشتياق لازال صدره يحمل عبقها قبل أن 
تطرده خارج مملكتها وتركه ليصبح شريدًا محرما 
عليه جنتها، فاضطر للابتعاد لكن قلبها يعلن العصيان 
متوسلًا البقاء لعل مرور الوقت يخفف خذلانها منه
لا يلومها فهو خذلها وطعن قلبها وضع الاكياس 
جانبًا وهو يقول: 

-أنا قولت الحق افطر معاكم قبل ما اروح المستشفى 

التو ثغر هاشم قائلًا: 

-مش كنا ارتحنا منك 

-يا هيشو عيب طب أنا جايبلك هدية وصارف ومكلف 
وجايب حبة حاجات لحفيدك عجب 

كان يتحدث وهو يرمقها بطرف عينه فنهضت واقفة 
وهى تقول بألم: 

-أنا شبعت وهطلع اوضتى 

زجرها والدها قائلًا: 

-اقعدى يا بيلا خلصى أكل كنتِ بتقولى جعانة

-شبعت 

ربت والدتها على  كتفاها وهى توجه حديثها لهاشم 
بتحدٍ قائلة: 

-وخلاص شبعت وسيبها تطلع تريح احسن لها 

جز هاشم قائلًا: 

لبنى بيلا هتكمل اكلها 

لم يستطع ضياء أن يسيطر على اختناقه اكثر فتح أزرار قميصه لمجرد تخيله أنها لم تعد تحل له  لم 
يستطع أن يضمها لصدره ولمس بطنها المنتفخ امامها كى يشعر بركلات
ابنه، الوجع يغتال اضلعه ضلعًا ضلعًا، بينما زجر هاشم
لبنى كى تتركهما سويًا فنهضت وهى ترمقه بحدة 
فهمس ضياء بضعف قائلًا: 

-وحشتينى يا بيلا، مش عارفة تفتكرى ليا حاجة واحدة
تحنن قلبك عليا، حاجة واحدة تخلينى أكون قريب منك
ومن ابنى فى اكتر وقت محتاجنى فيه

كانت صامتة وهى تستمع له رغم أن القلب كان يصرخ 
صراخًا كصراخ العويل، فهى أيضًا اشتاقت له وعلى ذكر 
الاشتياق انهمرت دموعها وانفلتت شهقة منها وهى تقول: 

-لا بفتكر حاجات مش حاجة واحدة بفتكر كتير 
فرحنا وخروجنا والدلع وقلبى يبقى بيحن وهيتجنن
لكن لما افتكر الكلمة بتاعتك بتهد وبتكسر ، اقسم بالله 
بحاول كل يوم، محتاجة وجودك جنبى تسندنى وأنا 
تعبانة، لما اقوم ارجع الصبح، عايزة انزل اشترى حاجات
للبيبى معاك عايزة افرح ومش قادرة وجعنى إنك شفتنى
كدا وجعنى اوى بتحرقى نفسى انسى هموت وانسى 

-ماكنتش فى وعى يا بيلا انتِ اكتر واحدة حاسة باللى 
كنت فيه، ازاى مش قادرة تستوعبى كدا 

قلبها يبكى ممزقًا لأشلاء داخل ضلوعها هامسة بحرقة: 

-ياريتك كنت ضربتنى كنت سامحتك ياريتك كنت قولتلى بكرهك أنت دوست عليا يا ضياء ودا 
قضاء ربنا ونهاية علاقتنا اقبل والوقت هينسينا 

كانت تبصق كلماتها عليه كمن يبصق السم فثار وهو يصرخ ويشير لخاتمه قائلًا: 

-الخاتم دا مكتوب عليه أيه ها 
كنتِ على استعداد فى أى لحظة ترمينى برا حياتك 
عشان غلطة دا اسمه غدر عارفة يعنى ايه يعنى 
كنتِ معايا فى حضنى ومستنية اللحظة اللى ترمينى
فيها، أنا مستاهلش القسوة دية حقيقي مستاهلش 
خذلتك عارف وعملت غلط بس جاى طالب الغفران
قلبك يشفعلى، مش متخيل ازاى قادرة تكملى حياتك 
عادى كدا 

نهضت واقفة تسير ذهابًا وايابًا وهى تصرخ بقلب ينقلع

-أنا غدارة، ليه ها عشان كنت بقعد احكيلك أنا الموضوع
دا تاعبنى ازاى وبحس بإيه، كنت اقولك أنا لو خلفت مش
هخلى عيالى يشوفونى ابدًا كدا انت، بس انت بس ياضياء، أنا حتى مش بخلى اهلى يشوفنى أنا اللى 
مستاهلش القسوة دية لو تعرف تنسينى قولى 

حاولت التقاط انفاسها بصعوبة وشعرت بشئ ثقيل 
يضغط اسفل بطنها فصرخت صرخه هزت جدران المنزل 

*****

خرجت من المصعد واطرقت رأسها تضع المفاتيح فى 
حقيبتها وشعرت بشئ ينغزها فى جانبها ثم يد 
تكمم فمها لتسحبها للمصعد مرة اخرى قائلًا: 

-الشيف كيان اللى لو خلصت عليها هورثها 

****

تعليقات