رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس
في صباح يوم جديد…
تسللت خيوط الصباح الأولى إلى الغرفة في هدوء خافت، كأنها تحاول أن توقظ المكان برفق دون أن تزعج ما يختبئ فيه من تعب ووجع، كان الضوء الشاحب ينساب عبر الستائر ليغمر أطراف الفراش بلون باهت، بينما كانت رنيم ما تزال غارقة في نوم متقطع، نوم لم يحمل لها الراحة بقدر ما حمل بقايا إرهاق ثقيل يسكن جسدها.
فتحت عينيها ببطء، وكأن جفونها أصبحت أثقل من أن ترفع بسهولة. كان الألم يسري في جسدها كتيار بارد، ومعه شعور غامض بالاختناق، شعور لم تستطع تفسيره للحظة، اعتدلت في جلستها ببطء، وأعادت شعرها إلى الخلف بحركة متعبة، بينما كانت ملامحها ما تزال عالقة بين النعاس والضيق.
لكن ما إن تسللت إلى ذهنها ذكرى الأمس، حتى تبدلت ملامحها فجأة.
تذكرت كلمات شاهين، ونبرته، والطريقة التي كانت تتحرك بها يداه على جسدها بصورة جعلت الاشمئزاز يتسلل إلى أعماقها كسمٍّ بارد، ارتسم الغضب على وجهها سريعًا، وانقبض فكها بقوة حتى بدت أسنانها كأنها تطبق على بعضها في حدة.
زفرت بضيق شديد، وكأنها تحاول أن تطرد تلك الذكرى من رأسها، لكن الشعور المقزز ظل يلاحقها، لم تحتمل البقاء في مكانها أكثر من ذلك، فنهضت من فوق الفراش بخطوات سريعة، كأن الحركة وحدها قادرة على إبعاد ما يثقل صدرها.
اتجهت إلى المرحاض مباشرة، وكأنها تبحث عن وسيلة تمحو بها أثر ما شعرت به، أدارت الماء البارد وتركت قطراته تنهمر فوق جسدها طويلًا، كان البرد يلسع بشرتها، لكن ذلك الإحساس القاسي كان أهون عليها من شعور القرف الذي ظل يلتصق بداخلها.
وقفت تحت الماء حتى شعرت أن جسدها بدأ يهدأ قليلًا، ثم أغلقت الصنبور وخرجت ببطء. ارتدت ملابسها بعناية هادئة، ومشطت شعرها في صمت، بينما كانت ملامحها قد استعادت شيئًا من صلابتها المعتادة.
بعد لحظات، هبطت إلى الأسفل بخطوات هادئة، كان المنزل ساكنًا بصورة غير معتادة، سكون ثقيل يحمل في طياته بقايا الحزن الذي خيم على المكان منذ رحيل حسام، ألقت نظرة سريعة حولها، فاكتشفت أن جواهر ما تزال داخل غرفتها، وأن سمية كذلك لم تخرج بعد.
تنهدت بخفة، ثم اتجهت نحو غرفة عمتها.
وقفت أمام الباب لحظة، وكأنها تجمع شتات صبرها قبل أن تطرق، ثم رفعت يدها وطرقت برفق قبل أن تفتح الباب ببطء.
دخلت لتجد سمية ما تزال نائمة فوق الفراش، ملامحها شاحبة، وجسدها ساكن بطريقة توحي بأنها لا تهرب إلى النوم طلبًا للراحة، بل هروبًا من الواقع.
اقتربت منها رنيم بهدوء، وجلست بجوارها، ثم مدت يدها تربت على ظهرها بحنو، محاولة أن توقظها بلطف دون أن تفزعها.
"عمتو، عمتو سمية، اصحي يلا يا حبيبتي علشان تاكلي لقمة."
حركت سمية رأسها بالرفض وقالت:
"لما عمك حسام يجي هاكل معاه."
تصلبت ملامح رنيم للحظة، وكأن تلك الكلمات سقطت فوق قلبها كحجر ثقيل، أغمضت عينيها بحزن عميق، وحاولت أن تتحكم في ارتجاف صوتها وهي تقول:
"يا عمتو فؤقي بقى، اونكل حسام ربنا يرحمه، هو دلوقتي فى مكان احسن من هنا."
لكن كلماتها كانت كافية لتفتح جرحًا لم يلتئم.
انهمرت الدموع من عيني سمية وهي ما تزال مغمضة الجفون، وبدأت تهز رأسها بهستيرية واضحة، كأنها ترفض الحقيقة بكل ما تبقى لديها من قوة.
"بس يا رنيم متقوليش كده، بس."
شعرت رنيم أن قلبها ينقبض بقسوة، لكنها لم تستطع التراجع. كان لابد أن تواجهها بالحقيقة، مهما كانت قاسية.
تكلمت بوجع وقالت:
"لا مش هسكت يا عمتو، لازم تفؤقي وتتقبلي الحقيقه، اونكل حسام خلاص مات، الشركه محتاجه وجودك فيها، أنا مش قادرة ادرها لوحدي، ارجوكي ارجعي زي الاول، وارضي بالحقيقه."
ما إن انتهت كلماتها حتى انفجرت سمية بالبكاء.
صرخت بهستيرية وهي تنادي اسم حسام مرارًا، ثم ارتمت فجأة داخل أحضان رنيم، كطفلة صغيرة فقدت ملاذها الوحيد.
تجمعت الدموع في عيني رنيم، لكنها قاومتها بقوة. لم تسمح لها بالسقوط. اكتفت بأن تربت على ظهر سمية بحنان عميق، محاولة أن تمنحها بعض السكينة.
"أدعيله يا عمتو، هو دلوقتي بين ايادي الله، ومش فى ايدينا حاجه، غير الدعاء."
تكلمت سميه بصراخ وقالت:
"اااه، يا حسام سبتني ليه ومشيت؟ انت وعدني انك هتفضل جنبي، الدنيا صعبه اوي من غيرك، اه يا عشرة عمري، يا حب فتحت عيوني عليه، يارب الصبر من عندك يارب."
ابتلعت رنيم مرارة كلماتها بصعوبة، ثم قالت بصوت مختنق:
"ربنا يرحمه ويصبرنا على فراقه يارب."
بعد لحظات نهضت من فوق الفراش، واتجهت إلى الطاولة الصغيرة القريبة. أخذت منها دواء سمية ثم عادت إليها، وأعطتها الحبوب مع كوب من الماء.
"خدي يا عمتو علاجك، الضغط عندك عالي جدا."
أمسكت سمية بالكوب بيد مرتعشة، وارتشفت منه بضعة قطرات فقط قبل أن تعيده إليها.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، انفتح الباب ودخلت ترنيم.
رفعت رنيم عينيها نحوها بنظرة ضيقة، ثم وضعت الكأس بجوار سمية وقالت ببرود:
"أنا ماشيه يا عمتو محتاجه حاحة؟"
حركت سمية رأسها بالرفض.
تكلمت ترنيم سريعا وقالت:
"عاملة ايه دلوقتي يا رنيم؟"
أغلقت عينيها بغضب وتكلمت من بين أسنانها:
"وانتي مالك، قلتلك ملكيش دعوة بيا، ده انتي لزقة، ومعندكيش دم."
تكلمت سمية بصوت ضعيف لكنه غاضب وقالت:
"رنيم، عيب كده، مش هقبل بأهانة ترنيم بأي شكل."
نظرت رنيم لها بضيق ثم تكلمت بصوت مختنق:
"أنا ماشيه يا عمتو احسن، افقد اعصابي اكتر من كده."
ثم خرجت من الغرفة بخطوات سريعة، والغضب يكاد يتفجر من ملامحها.
تكلمت سميه بأسف وقالت:
"حقك عليا يا ترنيم، انا عارفه ان رنيم زودتها معاكي اوي، بس احنا كلنا بنمر بفترة صعبه واعصابنا تعبانه."
ابتسمت لها بحزن وقالت:
"مش زعلانه منها يا سميه ومهما تعمل هطول بالي عليها، اللي هي شافته وعاشته مش سهل على واحده فى سنها تستحمله، ربنا يهديها."
ثم نظرت إلى علاج سميه وقالت بتساءل:
"اخدي علاجك؟"
اومأت رأسها بحزن وقالت:
"اه رنيم اديتهولي."
اومأت ترنيم رأسها وقالت:
"طيب يلا قومي معايا، هساعدك تخدي حمام سخن تنزلي بي تعب الايام اللي فاتت."
حركت سميه رأسها بدموع وقالت:
"مش عايزة، ولا قادرة اصلب طولي، موت حسام كسرني، وهدني يا ترنيم."
أمسكت يدها وتكلمت بنبرة حنونه:
"ادعيلوا يا حبيبتي بالرحمه واطلبي من ربنا يصبرك، وانتبهي لنفسك ولبنتك ولرنيم، انتي دلوقتي ام واب ليهم، وهما لسه برضه صغيرين، مش هيقدروا على الدنيا لوحديهم، اقوي علشان تقدري تكوني فى ضهرهم."
ثم ساعدتها على الوقوف وقالت:
"يلا يا حبيبتي، تعالي خدي حمام دافي يريح جسمك واخرجي اقعدي مع بنتك أفطروا سوا."
اومأت رأسها ببطء، والدموع ما تزال عالقة في عينيها، ثم تحركت معها نحو الحمام، بينما كانت ترنيم تسندها بحذر شديد، كأنها تخشى أن ينكسر ما تبقى منها إن تركتها لحظة واحدة.
***************************
في صباح آخر من ذلك اليوم…
كان البيت قد بدأ يستعيد شيئًا من حركته المعتادة، لكن الهدوء الذي يلف أرجاءه لم يكن هدوءًا طبيعيًا؛ بل ذلك الهدوء الذي يأتي بعد أيام ثقيلة، حين تحاول الحياة أن تعود تدريجيًا إلى إيقاعها، رغم أن الحزن ما يزال عالقًا في الزوايا.
هبط جواد من أعلى الدرج بخطوات متزنة، وعيناه تجولان في المكان باحثتين عن شيءٍ ما، كان واضحًا من نظراته أنه يبحث عن شخص بعينه. ألقى نظرة سريعة حوله، قبل أن تقع عيناه على والده غريب الجالس على المقعد في الصالة، مستندًا بظهره في راحة، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، بينما يعبث بهاتفه في هدوء تام.
اقترب منه جواد بخطوات سريعة، وما تزال نظراته تحمل شيئًا من الحيرة، قبل أن يقول بتساؤل واضح:
"امال ماما فين دورت عليها مش لاقيها؟"
أنزل غريب الهاتف ببطء من أمام عينيه، ورفع نظره إلى ابنه بنظرة جادة، تلك النظرة التي يعرفها جواد جيدًا، قبل أن يقول بنبرة حازمة قليلًا:
"فيه حاجه اسمها صباح الخير على الصبح."
أغمض جواد عينيه بضيق واضح، وكأن تلك الملاحظة جاءت في غير وقتها بالنسبة له، ثم قال بسرعة محاولة منه لتدارك الأمر:
"صباح الخير يا بابا! ماما فين مش موجودة؟"
ظل غريب ينظر إليه للحظة بنظرة غير راضية عن طريقته، لكنه في النهاية أجابه بكلمات مختصرة كعادته:
"عند خالتك سمية، راحت تطمن عليها وتديها علاجها وزمانها جايه."
ما إن سمع جواد ذلك حتى اقترب بسرعة أكبر، وجلس بجواره على المقعد، وقد بدا الاهتمام واضحًا في صوته وهو يسأله:
"ماما قالتلك؟"
أومأ غريب برأسه بهدوء وقال:
"اه قالت ليا بس المهم تكون انت مستعد للخطوة دي مش مجرد مواساة وخلاص."
عقد جواد حاجبيه قليلًا بعدم فهم، وكأن الكلمات لم تصل إليه بالمعنى الذي قصده والده، ثم قال بتعجب:
"مجرد مواساة! بابا أنا بحب جواهر والكل عارف ده من اللحظة اللي كبرنا فيها حتى عم حسام الله يرحمه كان عارف وقابل بعلاقتنا، هو انا بس كنت مستني ومش عايز اخد الخطوة دي غير لما اكون قدها، وأقدر افتح بيت وأصرف عليه، مكنتش هخليك انت اللي تصرف علينا يا بابا."
كانت كلماته صادقة، تحمل نبرة رجولية واضحة، كأن كل حرف فيها خرج بعد تفكير طويل، لذلك نظر إليه غريب بهدوء، ثم سأله بنبرة متزنة:
"وانت دلوقتي هتقدر تعمل ده؟"
أومأ جواد برأسه بثقة، وقال بصوت ثابت:
"ايوه طبعا هقدر، الدخل اللي بيدخلي من الشركة والقرشين اللي معايا فى البنك هقدر اتجوز بيهم واقدر اصرف على بيتي."
تسللت ابتسامة هادئة إلى شفتي غريب، وامتلأت عيناه بنظرة فخر صامتة بابنه. مد يده وربت على قدمه بحنان أبوي وقال:
"ربنا يسعدك يارب، وانا مش هسيبك برضه، هفضل وراك وفى ضهرك، أنا بس كنت عايز اتأكد أن يعتمد عليك، مش فرحان بالجواز علشان تبوس وتحضن وبس، ومش بتفكر فى مسؤولياتك اللي بعد كده."
ابتسم جواد بشقاوة واضحة، وقد عاد إليه شيء من خفة روحه المعتادة، وقال بمزاح:
"ما أنا برضه عايز اتجوز علشان احضن وابوس، الواحد ريقه نشف وخايف على البت مني."
انفجر غريب ضاحكًا، ضحكة صافية قلما تظهر في الأيام الأخيرة، ثم قال ساخرًا:
"لما نشوف، ربنا يستر وتشرفنا."
اعتدل جواد في جلسته وقال بثقة مازحة:
"عيب عليك يا ريس، حط فى بطنك بطيخه صيفي."
وفي تلك اللحظة، سمعت خطوات خفيفة على الدرج، قبل أن تظهر أروى وهي تهبط بخفة كعادتها، وعيناها تدوران بينهما بدهشة واضحة. توقفت قليلًا قبل أن تقول بمزاح صريح:
"هو فيه أيه حصل فى الدنيا؟ غريب وجواد بيضحكوا ويهزروا عادي زينا! ربنا يستر ومتقمش الحرب العالميه التالته."
استدار غريب نحوها وقال بنبرة مازحة تحمل شيئًا من العتاب:
"غريب!! يا بنتي انتي طالعه مسحوبه من لسانك كده لمين؟"
اقتربت منه بسرعة وقبلت رأسه بحب وقالت بدلال:
"طالعه ليك يا بابتي يا شقي."
ثم جلست فوق قدمه وكأنها ما تزال تلك الطفلة الصغيرة التي اعتادت الاحتماء به، وقالت بنبرة مدللة محببة لقلبه:
"انت عارف يا بابتي، أنا بدعي ربنا كل يوم اتجوز واحد شبهك و شبه خالو تامر، ياااه ده انا مش هيكون حد قدي وقتها."
هز غريب رأسه ساخرًا وقال:
"يا زين ما اختارتي، احنا الاتنين مرة واحدة طيب انا طبع وخالك تامر طبع تاني خالص."
أومأت برأسها بسرعة وكأنها كانت تتوقع رده، ثم قالت:
"ايوه ما أنا عارفه، أنا عايزة واحد ميكس ما بينكم يعني كاريزما وقمر شبهك، ودمه خفيف وحنين شبه خالو تامر."
ثم التفتت نحو جواد وأضافت بمرح:
"مش عايزة كئيب شبه جواد."
ابتسم جواد باستخفاف وقال بثقة:
"هه خفه، وبعدين متقلقيش مش هتلاقي زي لأن جواد ضرغام واحد بس، مافيش منه اتنين."
ردت عليه أروى ضاحكة:
"احمدك يارب أن مافيش نسخه تانيه."
مد جواد يده يداعب شعرها وقال بابتسامة رجولية:
"علشان كده جوجو حبيبتي محظوظة بيا."
تعالت ضحكات أروى وقالت وهي تنظر إليه بتعجب:
"لا لا انت النهاردة مش طبيعي ضحك وهزار، أنا عايزة ابخرك بجد."
اعتدل غريب في جلسته وقال بنبرةٍ عملية:
"يلا يا ولاد كل واحد على عربيته."
ثم نهض متجهًا نحو الباب، خرج من المنزل وصعد إلى سيارته وتحرك بها.
بعد لحظات قصيرة، نظرت أروى إلى جواد بنوع من التوتر لم يخفي تمامًا رغم محاولتها إخفاءه، وقالت بتردد:
"جوجو اخويا حبيبي! ه هو أنا ممكن اسألك سؤال؟"
رفع جواد أحد حاجبيه وقال متعجبًا:
"خير!! مش اخد عليكي كده؟ أسألي؟"
تنحنحت أروى قليلًا، وكأنها تحاول جمع شجاعتها قبل أن تتكلم:
"ه هو ينفع واحده تفكر فى واحد أكبر منها بخمستاشر سنه."
نظر إليها جواد بنظرة فاحصة، وكأنه يحاول قراءة ما تخفيه خلف كلماتها، ثم قال:
"مين دي أن شاءالله؟"
هزت رأسها بسرعة نافيه وقالت بتوتر:
"لا لا مش انا د دي واحده صاحبتي، شافت صاحب اخوها مرة واحدة، واتكلموا مع بعض شوية، ومن وقتها على طول بتفكر فيه ونفسها تشوفه تاني، بس هو يعني سنه كبير شويه عليها."
رفع جواد حاجبه مرة أخرى، ثم قال بنبرة جادة:
"والله لو الشخص ده كويس وواثقه منه، ايه المانع أنه أكبر منها شوية، المهم هي شايفه أنها هتقدر تفهم دماغه، هتتقبل غيرته عليها فى المستقبل، هتقدر تقرب وجهات النظر ما بينها وما بينه، يبقى عادي، يعني فى الاخر متوقف على حسب قدرتها على التحمل، لأن الراجل كل ما يكبر ومراته لسه صغيرة بيتحول لسجان اكتر من زوج، فهمتي."
حركت أروى عينيها بتوتر واضح، لكنها ابتسمت محاولة إخفاء ما بداخلها وقالت:
"ا ايوه فهمت وهقولها كلامك ده بالظبط، شكرا يا جوجو، اخدمك يارب يوم ما تقع فى مشكله وما تلاقي ليها حل."
مد جواد يده وضربها بخفة على مؤخرة رأسها ثم ابتسم وغادر المنزل.
وقفت أروى مكانها تنظر إلى أثره للحظة طويلة، قبل أن تطلق زفرة عميقة وكأنها تحاول تهدئة نفسها، ثم همست لنفسها بتوتر واضح:
"أهدي يا رورو، انتي مشفتهوش غير مرة واحدة بس، ومن يومها حتى مفكرش يقابلك لو صدفة، يعني انتي مش فى دماغه اصلا."
أنهت كلماتها بزفرة ضيق، ثم خرجت من الباب، صعدت إلى سيارتها، وانطلقت بها في طريقها إلى الجامعة، بينما ظل ذلك الوجه الذي رأته مرة واحدة فقط، حاضرًا في ذهنها بشكل لم تستطع تجاهله.
**************************
داخل فيلا شاهين الرواي…
كان الصباح قد تمدد في أرجاء الفيلا الواسعة ببرود غريب، كأن الضوء الذي تسلل عبر النوافذ لم يحمل دفء النهار المعتاد، بل جاء باهتًا، ساكنًا، يعكس ما يسكن ذلك المكان من أسرار أكثر قتامة.
انفتح باب إحدى الغرف في الطابق العلوي، وخرج شاهين بخطوات واثقة، يعدل ياقة قميصه بعناية واضحة، كانت حركاته هادئة ومدروسة، تحمل في داخلها ذلك النوع من الثقة التي لا تأتي إلا من شخص اعتاد السيطرة على كل ما حوله.
توقف لحظة أمام باب غرفة أخيه، وطرق عليه بقوة مقصودة، ثم لم ينتظر ردًا، بل استدار وتابع طريقه نحو الدرج. أخذ يهبط الدرجات بخطوات ثابتة، وكان جسده العريض وهيئته الجذابة يفرضان حضوره بقوة، حتى بدا وكأن المكان كله ينصاع لوجوده دون أن يحاول.
ما إن وصل إلى الطابق السفلي حتى اتجه مباشرة نحو والدته الجالسة على مقعدها المتحرك في منتصف الصالة. كانت تجلس بهدوء ظاهري، لكن عينيها كانتا تحملان شيئًا آخر، شيئًا أقرب إلى نار لم تنطفئ رغم مرور السنين.
اقترب منها شاهين وربت على ظهرها برفق، وقال بنبرة حنونة:
"صباح الخير يا ست الكل."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، وقالت بنبرة هادئة:
"صباح النور يا حبيبي، أخوك مروان صحي ولا لسة؟"
جلس شاهين على المقعد القريب منها وقال:
"اكيد لسه نايم، بس انا خبط عليه وانا نازل."
لم تدم تلك اللحظة الهادئة طويلًا. تنهدت مريم ببطء، لكن ذلك الزفير لم يكن عاديًا، بل خرج محملًا بوجع قديم تحول مع الوقت إلى حقد متجذر في أعماقها، قالت بصوت مختنق، كأن الكلمات تخرج من قلب يغلي:
"دوس على عيلة الدسوقي وضرغام بجزمتك يا شاهين، عايزة أشوف دموعهم وكسرتهم، عايزة أهبط نار قلبي من جوة."
أومأ شاهين برأسه في هدوء، وكأن كلماتها لم تكن جديدة عليه، بل وعدًا اعتاد سماعه منذ سنوات، قال بنبرة تحمل توعدًا واضحًا:
"هيحصل، بس واحده واحده أنا كنت السبب فى موت حسام ودي كانت بداية الطرف، وكله هيقع وراه بعضه بعدين."
اشتعلت عينا مريم بشر واضح، وتطاير الشرر من نظراتها وهي تقول بغضب يكاد يختنق في صدرها:
"اوعى والحب يا شاهين، البت دي طالعه سهتانه شبه امها وابوها، اكسرها، ذلها أحرق قلبها، خسرها كل حاجه شركتها، شرفها، كرامتها، واخوك يعمل كده مع بنت ترنيم وغريب يحرق قلبهم عليها، وفى لحظة انهيار الكل واستحواذ ولادي حبايبي على كل حاجه تخصهم، هظهر ليهم وانا راسي مرفوعه لفوق هشمت فيهم واعرفهم أن اللعب مع مريم مش بالساهل وان نهاية اللعبة خيوطها بأيدي أنا."
ارتسمت على شفتي شاهين ابتسامة باردة، ابتسامة غرور خالص، قبل أن يقول بصوت منخفض يحمل قسوة واضحة:
"هيحصل كل ده واكتر، ومتقلقيش على ابنك قلبه مفهوش غير الكره والانتقام من عيلة الدسوقي وضرغام وبس، وغلاوتك عندي هجيب حقك لحد عندك، وهخليهم كلهم تحت رجلك يطلبوا منك السماح والرحمة."
وفي تلك اللحظة، صدرت خطوات من أعلى الدرج.
هبط مروان ببطء، يضع يديه في جيبي بنطاله، ومظهره يعكس لا مبالاة واضحة، اقترب منهما، وقبل رأس والدته بسرعة قبل أن يجلس على المقعد المقابل وهو يقول:
"صباح الخير."
نظر إليه شاهين من رأسه حتى قدميه بنظرة ناقدة مليئة بالضيق، ثم قال بحدة واضحة:
"بذمتك ده منظر يشغل البت، يا ابني شكلك مايع بهدومك دي، ما ترفع بنطلونك ده بدل ما انتي ظاهر لينا البوكسر بتاعك، وايه منظر شعرك ده ولونه، اقسم بالله أنا لو بنت هتف على وشك ومش هديك قلم واحد ده انا هقلع اللي فى رجلي واقطعه فوق راسك."
ابتسمت مريم ابتسامة خفيفة على كلمات شاهين، ثم التفتت إلى مروان قائلة:
"اخوك عنده حق يا مروان، شكلك ده مش هينفع مع بنت غريب، حاول تغير طريقتك دي، مش عايزة غلطة واحده يا مروان بنت ترنيم وغريب تخسر شرفها وتكسرها فاااهم."
زفر مروان بضيق واضح، وقال بتذمر طفولي:
"يا ماما البنت دي مدلعه وشايفه نفسها اوي، ده انا خليتها تعجب بيا بالعافيه، بس عجرفتها بتقفلني منها، وبعدين انا سكت البنت اللي بحبها بالعافيه، بتغير عليا منها وكذا مرة كانت عايزة تروح تخنقها."
نهض شاهين من مقعده ببطء، وقال بسخرية لاذعة:
"امال ايه موضوع انك مقطع السمكه وديلها، والواد الكول الروش، وانت مش عارف تنام مع بنت قد النملة، ولا انت اخرك كلام وبس؟"
هز مروان رأسه بسرعة وقال:
"لا حاسب أخوك راجل اوي، بس زي ما قلتلك البنت دي مدلعه ومتعجرفة اوي، وكمان أنا بحب مرام، ومش عايز اخسرها."
لكن كلمات مريم قطعت أي مجال للنقاش. ارتفع صوتها بنبرة حادة لا تقبل التراجع:
"مافيش حاجه اسمها معرفش ولا بحب ولا الكلام الاهبل ده، اللي طلبته منكم هيتنفذ بالحرف فاااهمين؟"
ساد صمت ثقيل للحظة.
أومأ شاهين برأسه تأكيدًا دون أن ينطق بكلمة أخرى، ثم استدار وغادر المكان. أما مروان ففعل الشيء نفسه، متبعًا أخاه بصمت واضح.
بقيت مريم وحدها في الصالة.
حدقت أمامها بعينين تشتعلان بشر مكشوف، ثم تمتمت بصوت يحمل وعدًا مخيفًا:
"ساعتكم قربت، وهعرفكم أن مريم نهايتها متكنش بالسهولة دي، واللي معرفتش اعمله زمان، حتة مني هيعملوا فى ولادكم."
وفجأة، انطلقت ضحكة هستيرية حادة من بين شفتيها، ضحكة ملأت أرجاء المكان ببرودة قاسية.
ثم حركت مقعدها المتحرك ببطء، واتجهت نحو غرفتها، بينما ظل صدى ضحكتها يتردد في أرجاء الفيلا كأنه نذير بما هو قادم.
**************************
توقفت سيارة جواد أمام فيلا حسام، واستقر هدير المحرك في سكون الصباح الهادئ، جلس جواد خلف عجلة القيادة بثبات هادئ، كعادته دائمًا، ملامحه تحمل تلك الصرامة الرجولية التي تعطيه حضورًا قويًا، لكن من يعرفه جيدًا يستطيع أن يلمح خلفها قلبًا أكثر لينًا مما يبدو عليه، وضع نظارته الشمسية على عينيه، وأراح ذراعه فوق باب السيارة منتظرًا.
كانت تلك الدقائق القليلة من الانتظار كافية ليغرق في أفكار صغيرة متفرقة، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه دون وعي، ابتسامة لم تكن سوى انعكاس لاسم واحد يدور في ذهنه: جواهر.
وقبل أن يظهر أثر ذلك الاسم أكثر على ملامحه، فتح باب الفيلا.
خرجت ترنيم بخطوات هادئة، ملامحها تحمل ذلك الصفاء الذي يميز الأمهات حين يرين أبناءهن بخير. وما إن وقع بصرها على جواد حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة مليئة بالحنان، وكأن قلبها يطمئن بمجرد رؤيته.
اقتربت من السيارة، وانحنت قليلًا نحو النافذة، وقالت بصوت دافئ:
"صباح الخير يا حبيبي."
رفع جواد رأسه فورًا، وكأن صوتها أعاده من شروده. تبدلت ملامحه في لحظة، وتسللت ابتسامة حقيقية إلى شفتيه وهو يقول بلطف:
"صباح النور يا امي."
كانت العلاقة بينهما تحمل دفئًا واضحًا، ذلك النوع من العلاقات التي لا تحتاج إلى الكثير من الكلمات لتثبت عمقها.
تأملته ترنيم لحظة، وكأنها تقيس بعينيها مدى راحته وهدوئه، ثم سألت بنبرة مطمئنة:
"ابوك واختك مشوا ولا لسه؟"
ابتسم جواد ابتسامة خفيفة، تحمل في طياتها دعابة مألوفة بينه وبين والده، وقال:
"كان قاعد مش طايق نفسه علشان القمر بتاعه مش موجود، بس متقلقيش عليه فرفشته ليكي."
ما إن أنهى عبارته حتى انفجرت ترنيم بالضحك، ضحكة خفيفة خرجت من قلبها قبل شفتيها، وقالت بمزاح:
"جواد وفرفشة! طيب دي تيجي أزاي؟"
رفع إحدى حاجبيه للأعلى في حركة تجمع بين الاستنكار والمزاح، وقال:
"هو فيه أيه انتي وبنتك، هو انا كئيب اوي كده؟"
مدت ترنيم يدها تلقائيًا ولمست وجنته بحركة أمومية رقيقة، وقالت بمحبة خالصة:
"لا طبعا يا قلب أمك، انت كاريزما وتقيل كده ودمك زي الشربات."
كان في كلماتها فخر واضح بابنها، فخر لا تخفيه الأم عادةً حين تتحدث عن أحد أبنائها.
وفي تلك اللحظة، وصل إليهما صوت آخر، صوت يحمل إرهاقًا خفيفًا، لكنه يحاول أن يبدو مرحًا رغم ذلك.
كان صوت جواهر.
كانت قد خرجت لتوها من باب الفيلا، وشعرها يتحرك بخفة مع خطواتها السريعة وهي تقترب منهما، بدت ملامح التعب واضحة قليلًا في وجهها، ربما من قلة النوم أو من ضغط الأيام الأخيرة، لكنها رغم ذلك حاولت أن تشاركهما المزاح.
قالت وهي تقترب:
"انتي هتقوليلي! على يدي يا توتا، ده انا من كتر ما بقعد معاه، بقى دمي زي الشربات شبه."
خفض جواد رأسه قليلًا، ثم رفع عينيه من أسفل نظارته الشمسية بطريقة ساخرة، وقال بتهكم:
"وحياة امك! انتي ناويه تفؤقي عليا ولا اية؟"
ارتسمت ابتسامة على شفتي ترنيم، ثم التفتت نحو جواهر بنظرة حنونة مليئة بالاحتواء، وقالت:
"براحتك يا بت، ولو فكر يجي جنبك ولا يدوس ليكي على طرف قوليلي وانا هطلعلك عينيه."
لم تكن كلماتها مجرد مزاح عابر، بل كانت تحمل بوضوح تلك الحماية التي تمنحها الأم لبنتها، حتى لو لم تكن ابنتها بالدم.
أما جواهر، فقد نظرت إلى جواد بنظرة مختلفة تمامًا.
نظرة طويلة، ممتلئة بإحساس عميق يصعب وصفه، كان في عينيها امتنان كبير، وكأن وجوده في حياتها لم يكن مجرد علاقة عاطفية، بل طوق نجاة حقيقي.
قالت بصوت يحمل صدقًا واضحًا: "جواد يدوس ليا على طرف!! ياريت الدنيا كلها زي جواد، اطيب واحن وارق قلب عرفته، ده هو السبب الوحيد اللي خلاني أكمل لحد دلوقتي."
لم يكن جواد معتادًا على سماع كلمات بهذا العمق أمام الآخرين، لكن شيئًا في صوته الداخلي هدأ فجأة حين سمعها. نظر إليها للحظة، نظرة طويلة لم يحاول إخفاء ما فيها.
ثم قال بصوت منخفض دافئ:
"ده انتي العشق كله يا جوجو."
وقفت ترنيم تنظر إليهما بصمت لبضع لحظات، في قلبها امتزجت السعادة بالطمأنينة، فمشهد كهذا كفيل بأن يمنح أي أم شعورًا بأن أبناءها بخير.
قالت وهي تبتسم:
"ربنا يسعدكم يارب يا ولاد."
انتبه جواد فجأة إلى الوقت، فقال سريعًا:
"استني يا ماما أوصلك الفيلا وبعد كده نروح أنا وجواهر الشغل."
لكن ترنيم هزت رأسها برفض هادئ:
"لا يا حبيبي روح انت وجواهر، أنا هركب عربيتي."
اقتربت من جواهر وربتت على ظهرها بحنان واضح، وكأنها تتركها في أمان بين يدي جواد، ثم تحركت نحو سيارتها.
تابعتها جواهر بعينيها للحظة، ثم التفتت إلى جواد بابتسامة ناعمة، ابتسامة لم تستطع أن تخفي ما بداخلها.
فتحت باب السيارة وجلست إلى جواره على المقعد المجاور، ثم نظرت إليه مباشرة وقالت ببساطة صادقة:
"بحبك."
ضغط جواد على شفتيه السفلى قليلًا، وكأن الكلمة أصابت قلبه في مكان حساس، مال قليلًا نحوها وهمس:
"وانا بعشقك، لسه بقول لبابا، هموت واتجوزك علشان احضن وابوس براحتي."
اتسعت عينا جواهر بصدمة حقيقية، وارتفع الاحمرار إلى وجنتيها وهي تقول:
"نهارك مش فايت، اتلم يا جواد وبلاش قلة ادب."
انفجر ضاحكًا ضحكة رجولية صافية، وقال:
"هو ده مفهومك عن قلة الأدب، اخرك بوسة، ده لسه فيه."
وقبل أن يكمل حديثه، وضعت جواهر يدها بسرعة فوق فمه وهي تقول بصدمة:
"انت فيه ايه يا ابني على الصبح؟ اخد حباية جراءة قبل ما تخرج من البيت ولا اية؟"
بدلًا من أن يتوقف، أمسك يدها برفق وقبلها بخفة.
ارتبكت جواهر بشدة وسحبت يدها بسرعة وهي تقول:
"لااا انت حالتك ميؤس منها خالص النهاردة."
تعالت ضحكاته مجددًا، ثم اعتدل في جلسته ووضع يده بثقة فوق عجلة القيادة وقال بعشق:
"تبقى مراتي بس، وهطلع عليكي القديم والجديد."
أدار السيارة بعد ذلك، وانطلقت ببطء مبتعدة عن الفيلا.
أما جواهر فاستندت إلى المقعد، ونظرت من خلف زجاج النافذة إلى الطريق الممتد أمامهما. كانت ابتسامتها ما تزال مرسومة على شفتيها، ابتسامة صغيرة لكنها مليئة بالرضا.
في داخلها كانت تردد دعاء صامت،
أن يبقى جواد في حياتها دائمًا.
فوجوده وحده كان كافيًا ليجعل العالم أقل قسوة، وأكثر احتمالًا.
****************************
جلس تامر خلف مكتبه العريض، متكئًا بظهره على المقعد الجلدي الفخم، بينما كانت أصابعه تتشابك فوق سطح المكتب في حركة لا إرادية تدل على أنه ما زال يستوعب ما سمعه للتو.
كانت الغرفة هادئة إلا من صوت جهاز التكييف الخافت، لكن ذلك الهدوء لم يكن كافيًا ليخفي تلك الدهشة التي ارتسمت بوضوح على ملامحه.
ظل ينظر إلى أحمد للحظات طويلة، نظرة تجمع بين الاستغراب والدهشة، وكأن الكلمات التي خرجت من فم صديقه قبل لحظات لم تكن مما يتوقع سماعه منه.
ثم ارتسمت ابتسامة بطيئة على شفتيه، ابتسامة تحمل شيئًا من المزاح وشيئًا آخر من الغضب الخفيف، قبل أن يقول بنبرة تجمع بين الاثنين:
"انت جاي تقولي انك مشدود لبنت اختي، اللي هي لسه عيلة، ومن مقابلة واحدة!"
كانت نبرته تحمل دهشة واضحة، لكن أحمد شعر رغم ذلك أن خلف المزاح شيئًا من الحذر، حذر الرجل الذي يعتبر تلك الفتاة قطعة من قلبه.
فكان جالسًا أمامه فوق المقعد المقابل للمكتب، لكنه لم يكن جالسًا براحة. كان ظهره مستقيمًا أكثر مما ينبغي، وكأن جسده كله في حالة استعداد للدفاع عن نفسه.
بلع ريقه بخفة، ثم تنحنح قليلًا محاولًا ترتيب كلماته، وقال بتوتر واضح:
"تامر أنا كان ممكن اقرب منها من وراك ومكنتش هتعرف حاجه، بس انا مش كده ومجرد ما حسيت نفسي بفكر فيها، ومشغول بيها، جيت اعرفك بما انك اقرب حد ليها وبتعتبرها زي بنتك، علشان مكونش بعمل حاجه غلط، ولو قلتلي ابعد عنها وملكش دعوه بيها، اوعدك هنفذ كلامك ومش هقرب منها خالص."
كانت كلماته صادقة إلى حد كبير، وربما كان ذلك الصدق هو ما جعله يشعر بكل هذا التوتر.
فهو لم يأتي ليأخذ إذنًا شكليًا، بل جاء لأنه يعرف جيدًا أن كلمة تامر في هذا الموضوع تعني الكثير.
صمت تامر للحظات.
كانت عيناه مثبتتين على أحمد، يدرسان كل تعبير يمر فوق ملامحه. لم يكن مجرد صديق يستمع الآن، بل كان رجلًا يزن الموقف بعقله وقلبه معًا.
ثم فجأة تحرك، نهض ببطء من خلف مكتبه، وهو لا يزال صامتًا، وبدأ يسير بخطوات هادئة نحو أحمد.
أما أحمد فقد تابعه بعينيه في توتر واضح.
كل خطوة كان يخطوها تامر كانت تزيد من توتره أكثر، حتى شعر أن دقات قلبه أصبحت أعلى من أن تخفى.
كان يخشى في تلك اللحظة أن يسمع كلمة واحدة فقط:
"ابعد عنها."
لكن تامر لم يتوقف أمامه فقط، بل جلس على المقعد المقابل له مباشرة، قريبًا بما يكفي ليجعله يشعر بثقل الموقف أكثر.
ظل أحمد ينظر إليه منتظرًا.
لحظة، ثانيتان، ثم فجأة اتسعت ابتسامة تامر، وربت على قدمه بخفة وقال بثقة:
"طبعا موافق جدا على العلاقه دي، أنا واثق فيك وعارف انك هتحميها وهتكون قد الثقه دي، وانا مش هلاقي لبنت اختي، احسن منك."
احتاج أحمد لثانية كاملة ليستوعب ما قاله.
ثم اتسعت عيناه قليلًا، وكأن حملاً ثقيلاً سقط فجأة عن صدره.
لكن التوتر لم يختفِ تمامًا.
تنحنح مرة أخرى، وقال بتردد خفيف:
"ط طيب وبالنسبه لفرق السن اللي ما بينا، أهلها هيوافقوا عليه؟"
ابتسم تامر ابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي تدل على أنه يفكر في الأمر بعقلانية تامة، ثم قال بثقة:
"ايه المشكله فى السن مش فاهم؟ طيب ما أنا اكبر من اختك بنفس الفرق اللي ما بينك انت وأروى، يا عم مدام انت راجل وهتقدر تحافظ على بنتنا يبقى خلاص، وبعدين اصبر، لما أعرف مشاعر البت ايه من ناحيتك."
أومأ أحمد برأسه ببطء، وما زال التوتر ظاهرًا على ملامحه، ثم قال:
"ماشي، بس متحاولش تضغط عليها، يعني لو مافيش مشاعر، مش هزعل والله."
ابتسم تامر بثقة أكبر هذه المرة، وكأن الأمر بالنسبة له واضح أكثر مما يتصور أحمد، وقال:
"أنا عارف رد حبيبة خالها ايه، بس عايز اسمعها منها."
تسللت أخيرًا ابتسامة حقيقية إلى شفتي أحمد.
تنهد بارتياح واضح، وكأن صدره أخيرًا استعاد القدرة على التنفس بشكل طبيعي.
جلس أمامه للحظات دون أن يتكلم، لكنه كان يشعر بشيء مختلف في داخله.
كانت أنفاسه ما تزال مرتفعة قليلًا، ودقات قلبه أسرع مما ينبغي، ليس خوفًا هذه المرة.
بل بسبب تلك الفتاة.
الفتاة التي لم يقابلها سوى مرة واحدة فقط، ومع ذلك، استطاعت بخفة روحها وضحكتها العفوية أن تترك أثرًا غريبًا داخله.
أثرًا جعله يجلس الآن أمام خالها، يتحدث عن مستقبل ربما لم يكن يتخيله قبل أيام قليلة فقط.
*************************
جلست رنيم خلف مكتبها في صمت ثقيل، تحدق في الأوراق المنتشرة أمامها بعينين متوترتين، بينما كانت أصابعها تضرب سطح المكتب بضربات خفيفة لكنها متلاحقة، وكأنها تحاول تفريغ ما يتصاعد في داخلها من غضب مكتوم.
لم تكن تلك المرة الأولى التي تكتشف فيها خللًا في الحسابات، لكنها هذه المرة شعرت أن الأمر تجاوز حدود الخطأ العابر، كان هناك تلاعب واضح، مقصود، ومهين أيضًا.
انحنت قليلًا فوق الأوراق، تقلب الصفحات بعناية متزايدة، وكلما تقدمت في القراءة ازداد انقباض ملامحها، حتى تحولت دهشتها إلى يقين قاسي يضغط على صدرها، الأرقام لا تكذب، والمبالغ التي ظهرت أمامها لا يمكن أن تمر مرور الكرام.
رفعت رأسها فجأة، وقد اشتعلت عيناها بنار حقيقية.
نهضت من مقعدها بعنف حتى تحرك الكرسي خلفها قليلًا، ثم قبضت على الأوراق بين يديها بقوة وكأنها تمسك بدليل إدانة لا يقبل النقاش.
خرجت من مكتبها كالإعصار، خطواتها سريعة حادة، تتردد أصداؤها في الممر الطويل للشركة، لم تكن تهتم بنظرات الموظفين التي تبعتها بقلق واستغراب؛ كان كل ما يدور في رأسها سؤال واحد يطرق بعنف: من تجرأ على العبث بأموال الشركة؟
توقفت أمام مكتب مدير الحسابات، ولم تمنح نفسها لحظة تفكير أو حتى مجاملة بسيطة.
دفعت الباب بقوة، فانفتح على مصراعيه، ودلفت إلى الداخل بخطوات مشحونة بالغضب.
اقتربت من المكتب وألقت الأوراق أمامه بعنف، فتبعثرت فوق سطح الطاولة، ثم تكلمت بصوت غاضب:
"ممكن افهم ايه ده؟"
ارتبك الموظف فورًا، وبدت الصدمة واضحة في عينيه. ابتلع ريقه بصعوبة، ونظر إلى الأوراق المبعثرة أمامه وكأنها قنبلة انفجرت فجأة بين يديه، ثم رفع بصره إليها بتوتر واضح وقال:
"خ خير حضرتك؟"
ازداد غضبها أكثر، فقبضت على حافة المكتب بيديها، وانحنت قليلًا نحوه، بينما خرج صوتها هذه المرة صارمًا، حادًا، يحمل تحذيرًا واضحًا:
"مش أول مره ألاقي الاوراق والحسابات دي ملعوب فيها، بس اقسم بالله ما هعديها المره دي بسهولة، رد عليا مين عنده الجرأة اللي يحط مبلغ زي ده؟"
ساد صمت قصير في الغرفة، صمت ثقيل كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.
لكن قبل أن يجيب الموظف، وقبل أن يجد حتى الكلمات التي قد تنقذه من ذلك الموقف، جاء صوت رجولي من ناحية الباب، صوت واثق، بارد، يحمل قدرًا مزعجًا من الاستفزاز، قائلا:
"الفلوس تعمل كل حاجة، وانا بقرشين قليلين جدا شركتك كلها بقت تحت السفر."
استدارت رنيم بسرعة نحو مصدر الصوت، وكأن شرارة قد اشتعلت فجأة في أعصابها.
وقفت تنظر إليه بحدة، وعيناها تضيقان تدريجيًا عندما تعرفت على ملامحه.
شاهين.
الاسم وحده كان كفيلًا بأن يوقظ في داخلها غضبًا مضاعفًا.
اشتدت ملامحها، وارتسم على وجهها تعبير حاد وهي تقول بحدة واضحة:
"انت!! وأنت بقى مفكر أن البلد مفيهاش قانون، انت واللي ساعدك هتترموا فى السجن."
لكن شاهين لم يبدو منزعجًا، بل على العكس، تعالت ضحكاته بثقة مستفزة، تلك الضحكة التي تحمل يقينًا مزعجًا بأنه يمسك بخيوط اللعبة كلها.
اقترب منها ببطء، خطواته هادئة وكأنه يتجول في مكان يملكه، لا في شركة تقف صاحبتها أمامه مشتعلة بالغضب.
توقف بجوارها، ثم مال قليلًا نحوها، حتى أصبح صوته قريبًا من أذنها، هامسًا لكنه مشبع بالتهديد:
"هو بالنسبه للسجن، انتي اللي هتترمي فيه مش انا، علشان خطوط الانتاج بتاعتكم اللي هتقف، وعلشان مافيش سيولة للموظفين، وعلشان الشروط الجزائيه اللي مفروض تدفعوها على تأخير الاستلام، يعني داخله داخله."
تصلبت رنيم في مكانها، وشعرت بأسنانها تضغط على بعضها بقوة، محاولة كبح تلك الرغبة العنيفة في أن تصفعه على وجهه.
لكنها رفعت رأسها بعناد، وصوتها خرج مشحونًا بالغضب:
"شئ ميخصكش، وبرضه مش هسكت على السرقة دي وهحبسك واحبسه."
اقترب شاهين أكثر، حتى كادت المسافة بينهما تختفي، ثم مد ذراعه ليحيط بها في حركة امتزج فيها التحدي بالوقاحة، وقال بنبرة ملساء تحمل عرضًا خطيرًا:
"أنا في أيدي اخرجك من كل ده، بس بشرط واحد بس، تيجي تشتغلي عندي فى الشركة."
لكن رنيم لم تتراجع.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، ابتسامة مشحونة بالغضب والاحتقار في آنٍ واحد، ثم همست له بصوت خفيض لكنه حاد كالنصل:
"بعينك، لا عاش ولا كان اللي يكسر رنيم الدسوقي، وانت لو أخر راجل فى الدنيا مش هطلب مساعدتك، اطلع بره."
وللحظة بدت الأجواء مشتعلة بينهما،
لحظة قصيرة كان يمكن أن تنفجر فيها الأمور بأي شكل.
لكن ما حدث بعد ذلك جاء أسرع مما توقعت رنيم، وأشد وقاحة أيضًا.
فجأة اقترب شاهين منها على نحو مباغت، وقبل أن تتمكن من استيعاب ما يحدث، مال نحوها وقبلها عن غفلة.
اتسعت عيناها بصدمة قاسية، وكأن الزمن تجمد لثانية واحدة.
ثم انفجرت مقاومة شرسة في جسدها، راحت تدفعه بعيدًا عنها بكل قوتها، لكن ذراعيه كانتا تحيطان بها بإحكام، وكأنه يتعمد إذلالها أكثر من مجرد الاقتراب منها.
وأخيرًا تركها وابتعد خطوة إلى الخلف، بينما ارتسمت على ثغره ابتسامة واسعة، ابتسامة انتصار مستفزة.
توقفت رنيم لحظة تحاول استيعاب ما حدث، ثم بصقت على الأرض بتقزز شديد، وراحت تمسح شفتيها بكم ثوبها بعنف، وكأنها تحاول محو أثر تلك اللحظة المقرفة.
قالت بصوت مرتجف من شدة الغضب:
"هقتلك يا شاهين هقتلك."
لكن شاهين لم يتأثر بتهديدها، بل اتسعت ابتسامته أكثر، وهز رأسه بعدم رضا وهو يقول باستخفاف واضح:
"محبتهاش، مفيهاش حاجه مثيرة، بوستك مقرفه شبهك."
أنهى كلماته ببرود، ثم استدار متجهًا نحو الباب وغادر المكان وكأن شيئًا لم يحدث.
بقيت رنيم واقفة في مكانها للحظات، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وملامحها مشدودة بتقزز واضح.
ظلت تحرك رأسها بقرف وهي تمسح شفتيها مرة بعد أخرى، وكأنها تحاول التخلص من ذكرى تلك القبلة المقيتة.
ثم التفتت خلفها فجأة نحو الموظف الذي كان لا يزال جالسًا في مكانه مذهولًا مما حدث، لكن رنيم لم تقل شيئًا.
كل ما فعلته أنها اندفعت خارج الغرفة بسرعة، تكاد تركض نحو مكتبها، وكأنها تهرب من المكان كله، لا من الموقف فقط.
