رواية الاخطبوط الفصل الرابع
البنت اللي ملهاش حد يسأل عليها، بتبقى أحسن خدامة وأطوع زوجة، لأنها عارفة إن مفيش باب تاني يتفتح لها لو انطردت.
عزه كانت بنت غلبانه اتربت فى ميتم اهلها ماتوا ومالهاش اعمام وخلنها ودوها ملجأ بعد موت أهلها
البت كبرت ووصلت ل ١٦ سنه كان ابن قربتى ده شغال فى نفس المحافظة اللى فيها الملجأ شافها حبها وفضل يرسم عليها الحب صدقته وفضلت معاه لحد ما تمت ١٨ سنه ولما جه يتجاوزها اهله كلهم رفضوا لكن هو صمم وهددهم أنه هيسيبلهم البيت ويمشى ...
تخت ضغطه اهلوا وافقوا ظاهريا بس من بينهم وبين بعض هما مش معترفين بالجوازه دى أصلا هما شايفين إن الممنوع مرغوب وكل اما هيرفضو هو هيتعلق بيها أكتر
المهم راحوا خطبوها والدار سألوا عليهم ومحدش قال عنهم حاجه وحشه
الدار وافقت وفعلاً البنت اتجوزت الولد وسافرت معاه البلد بتاعتهم
طبعاً ماهتموش بعفش جابوا ارخص حاجه لانهم جايبنها جوازه مؤقته
وقدام الدار فرشوا الشقه ووصلوا البنت وعملوا اللى عليهم
تانى يوم الصبح حماه البنت طلعتلها فى الصباحيه
فتحت "عزة" الباب وهي لسه بيجامه بسيطه ، ووشها كان منور بابتسامة خجولة، كانت فاكرة إن حماتها طالعة تبارك لها أو تطمن عليها زي ما بتسمع عن الأمهات. لكن الصدمة كانت في ملامح "الحما" اللي مكنش فيها ذرة ود.
دخلت الست الشقة من غير حتى ما تقول "صباح الخير"، وبدأت تمشي إيدها على العفش الرخيص وهي بتلوي بوزها باحتقار، وبصت لعزة من فوق لتحت وقالت بنبرة خالية من الرحمة:
ـ أهو البيت اللي كنتي بتحلمي بيه يا بت يا مقطوعة من شجرة.. بس خليكي عارفة، البيت ده ليه قوانين، وإنتي هنا مش ست بيت، إنتي هنا عشان تريحي ابني يومين لحد ما يفوق لنفسه، والحد ده ما يجي، إيدك ما تلمسش لقمة غير لما تشوفي طلبات البيت كله الأول.. يالا يا عروسة، اقلعي شيفوناتك دي وانزلي امسحي السلم من فوق لتحت، أصلنا مش جايبينك عشان تقعدي تحطي رجل على رجل!"
عزة وقفت مذهولة، دموعها اتجمدت في عينيها. كانت فاكرة إن الجواز هيحميها وهيعوضها عن عليتها اللى فقدتها
لكن للأسف الخذلان
الخذلان لما بييجي من المكان اللي كنا فاكرينه "الأمان"، بيبقى طعمه أمرّ من اليتم نفسه
عزة في اللحظة دي حست إن الحيطان اللي فرحت بيها وهي بتفرشها، بدأت تضيق عليها وتتحول لقفص.
عزة بلعت ريقها ودارت ملامح صدمتها ورا ابتسامة باهتة مليانة رجاء، وبصت لحماتها بكل طاعة
ـ حاضر يا ماما.. اللي تؤمري بيه هعمله، من عيني، السلم دلوقتى يبقى زي القشطة.
دخلت بسرعة جابت طرحتها ولمت فستانها، وبدأت تشتغل بهمة ونشاط وهي بتقول لنفسها: "هي أكيد لسه مش عارفاني، وواخدة على خاطرها عشان محمود صمم يتجوزني غصب عنهم.. بس لما تشوف شطارتي ونظافتي، وتلاقيني شايلة البيت كله على كتافي وما بقولش لأ، قلبها هيلين.. بكره تحبني وتعتبرني بنتها ، هي بس محتاجة وقت."
سعيد وقف يراقبها من بعيد وهو حاسس براحة إنها "ريحت دماغه" ومعملتش مشكلة مع أمه، وسابها ونزل يقعد مع أبوه وإخواته، وساب عزة في أول يوم ليها في البيت غرقانة في المية والمنظفات، بتمسح السلم وهي بتغني بصوت واطي ومنكسر أغنية حزينة كانت بتسمعها في الملجأ، وكأنها بتهون على نفسها التعب.
حماتها كانت واقفة في البلكونة بتبص عليها، وبدل ما قلبها يحن، بصت لجوزها وقالت بلؤم:
ـ أهو ده اللي كنت خايفة منه.. دي واخدة على الشقا، ولا كأنها عروسة في صباحيتها! دي باين عليها هتاكل الجو وتعمل فيها المظلومة عشان تقلب ابنك علينا.. بس على مين، ده أنا هخليها تلف حوالين نفسها لحد ما تقول حقي برقبتي
ـ عايزك تشيليها كل الحمل لحد ما تهزق وتدبل وابنك بنفسه يكر.هها او هى تطلب الطلاق
عزة كانت بتتعامل مع البيت كأنه معركة لازم تكسبها بالحب والتفاني. كانت فاكرة إنها كل ما بتزود في المجهود، كل ما بتقرب من قلب حماتها خطوة.
عزة بقت شعلة نشاط مابتطفيش، "سعيد" يدخل البيت يلاقي ريحة النظافة واصلة لآخر الشارع
نزلت شقه حماتها
شالت السجاد وغسلته، مسحت الخشب بملمع عملته بنفسها، وغسلت الحيطان لحد ما بقت بتبرق. حتى النحاس القديم اللي مركون فوق الدواليب نزلته ولمعته لحد ما رجع جديد.
دخلت المطبخ وعملت الأصناف اللي "سعيد" وأمه بيحبوها؛ المحشي اللي بياخد غلبة، والبط والرقاق.. وقفت طول النهار على عشان توفر اللقمة الحلوة ليهم
لما خلصت كل حاجة، ولقيت إن مفيش فتفوتة تراب في البيت، ومفيش معلقة مش في مكانها، وقفت قدام المراية ثواني، حاولت تعدل طرحتها وتمسح وشها اللي بقى شاحب وعرقان، وقالت لنفسها بابتاسة منكسرة: "أكيد النهاردة هترضى عني.. البيت بقى زي القصر، والأكل ريحته تجوع
. أكيد يا عزة لما تدخل وتشوف اللي عملتيه، هتقولي تسلم إيدك يا بنتي.. هي بس كانت بتختبر صبري."
أول ما سمعت صوت مفتاح "سعيد" في الباب، وشها نور، وحماتها دخلت وراها. عزة راحت عليهم بلهفة:
ـ حمد الله على السلامة يا ماما، حمد الله على السلامة يا سعيد.. ادخلوا شوفوا البيت، أنا عملت كل اللي طلبتيه وزيادة، والأكل سخن ومستنيكم."
سعيد دخل وبص للنظافة وقال
ـ تسلم إيدك يا عزة، البيت فعلاً يفتح النفس
عزة فرحت جداً وبصت لحماتها مستنية الرد، فحماتها بصت لسعيد واتكلمت ببرود
ـ "ما هو ده الطبيعي يا سعيد، ده الواجب اللي عليها، هي يعني هتعمل إيه غير كدة؟" ولفّت لعزة وقالت بنبرة فيها تعالي: "ماشي يا عزة، كويّس.. بس ادخلي اغسلي وشك وغيري لبسك ده قبل ما نقعد ناكل، مش عايزين ريحة الكلور تكتم نفسنا على الأكل .
عزة رغم الكلمة اللي قطمت فرحتها، لكنها ردت بادب
ـ حاضر يا ماما، ثواني وأكون جاهزة.
ودخلت أوضتها وهي بتقول لنفسها
ـ مش مهم.. المهم إنها قالت كويس، المرة الجاية هعمل أكتر، وأكيد بكرة هبقى في نظرها زي بنتها
عزة اتحولت بقت عاملة زي "النحلة" اللي مش بتعرف طعم الراحة، طاقتها كلها استنزفتها في البيت، وصحتها بدأت تروح وهي مكملتش ال ٢٠ سنه ، وكل ده عشان "سراب" فاكره كل اما تدى اكتر حماتها واهل جوزها يحبوها ويرضوا عنها اكتر وكل أما تكلمها حنان مديره الدار تطمن عليها
كانت عزه بطمنها أنها كويسه وبخير
ـ يا عزه انا قلبى واكلنى عليكى
ـ اطمنى يا ماما انا مرتاحه وسعيد بيعاملنى حلو
ـ طيب وأهل سعيد
سكتت عزه مش عارفه تجمل الكلام ازاى لانها ماتعدوتش على الكدب
ـ كويسين هما لسه ماتعودوش عليه كل مش بيعاملونى وحش
ـ عزه لو حصل حاجه او احتاجتى حاجه كلمينى فوراً احنا هنا أهلك
ـ حاضر يا ماما حنان ماتقلقيش عليه
قفلت عزه مع حنان التليفون وقعدت تعيط
الدموع اللي نزلت من عزة بعد المكالمة دي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع الوجع والقهر اللي شايلاه لوحدها. هي مش عايزة تقلق "ماما حنان" ولا عايزة تعترف لنفسها إن الحلم اللي حلمت بيه في الملجأ بيتحول لكابوس، لأن الاعتراف ده معناه إنها ترجع الملجأ تاني، وهي نفسها فى اسره وعيله حتى لو هتتعب فى الاول
في يوم، عزة كانت لسه مخلصة تنظيف البيت الكبير من فوق لتحت، وواقفة بتغسل إيدها بتعب، دخلت عليها حماتها وقالت لها ببرود
ـ بقولك إيه يا عزة هناء بنتي كلمتني، والمسكينة تعبانة في بيتها والعيال مطلعين عينها، والبيت عندها يضرب يقلب ومافيش حد بيساعدهت واختها مشغوله فى عيالها وجوزها .. البسي طرحتك وروحي ساعديها يومين، أهو تكسبي ثواب فيها ، وسعيد جوزك مش هيمانع."
عزة في الأول اتفاجئت، لكن بسرعة لمعت في دماغها فكرة تانية خالص، وبدأت تكلم نفسها بنية صافية: "أيوة.. دي فرصتي! أنا هروح عند بناتها وأشيلهم في عيني، ولما يشوفوا شطارتي ووقفتي معاهم في شدتهم، هيحبوني ويحكوا لأمهم عني بالخير.. وساعتها بس الست الكبيرة هتعرف إن مفيش حد بيخاف على مصلحة بناتها زيي، وأكيد قلبها هيحن وتعتبرني واحدة منهم."
بصت لحماتها بابتسامة واتكلمت بلهفه
"من عيني يا ماما، ده هناء غالية ومن ريحتك.. ثواني وهكون جاهزة، ومتقلقيش، هخلي لها بيتها زي الفل واريحها على الآخر
راحت عزة بيت بنت حماتها، وبدل ما تروح "ضيفة" بتساعد، راحت "خدامة" بمعنى الكلمه. بنت حماتها كانت بتقعد تحط رجل على رجل وتأمرها: "يا عزة اغسلي المواعين.. يا عزة غيري للعيال.. يا عزة اطبخي لجوزي عشان جاي من الشغل تعبان."
عزة كانت بتعمل كل ده وهي بتضحك في وشهم، كل ما يزودوا الحمل عليها، تزيد هي في العطاء، وهي حاطة في بالها إن "الطريق لقلب الحما بيمر برضا بناتها". مكنتش تعرف إن حماتها وبناتها في التليفون بيضحكوا عليها وبيقولوا: "دي مابتصدق تلاقي شغل، كأنها كانت محرومة من المسح والكنس في الملجأ
ردت امها بتريقه
ـ أو يمكن الشغل اللى بتشتغله ده كانت بتشتغله فى الملجأ اضعاف مضاعفه
مش يمكن يابت يكونوا بيودوها البيوت تخدم فيها ؟؟
ـ ممكن مش ممكن ليه ..
بقولك ايه يا ماما خلاص سبيها عايشه معانا اهى بتخدمنا وسعيد لو حب يتجوز بعد كده وذهق منها قاعديها معاكى تحت واحنا هنلاقى فين واحده زيها بتشتغل بضمير كده
دى لو جاتلى مره بس فى الأسبوع هتشيل عنى الهم
ـ أنا أصلاً مرتبة كدة، سعيد بكرة يمل منها، ونقعدها هي في عندى تحت ونجيب له ست ستها أهي منها تكون "خدّامة بلقمتها ، ومنها نكون عملنا فيها ثواب وبدل ما تترمي في الشارع
عزة بقت زي "المرسال" بين بيوت بنات حماتها، وكل بيت تدخله تسيب فيه قطعة من صحتها ومن روحها. خلصت عند "هناء" ومنها على "وفاء"، وبنفس الحماس والنية الصافية، قلبت الشقة التانية جنة. غسلت، وطبخت، ونظفت النجف، وشالت السجاد.. كانت بتشتغل وكأنها بتبني لنفسها مكان في قلوبهم.
وقفت عزة في نص صالة "وفاء" وهي بتسند ضهرها اللي مابقاش بيفرد بسهولة، بصت حواليها بفخر وهي شايفة كل حاجة بتلمع. وفاء دخلت وشافت المنظر، وبخباثة ابتسمت لها ابتسامة عريضة وقالت
"يا حلاوتك يا عزة! والله يا بنتي إنتي مفيش منك، ده البيت رجع جديد، أنا مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك."
الابتسامة دي كانت بالنسبة لعزة "كنز". نستها التعب، ونستها الوجع اللي في مفاصلها، ونستها إنها بقالها يومين مابتنامش غير ساعات قليلة. عزة كانت بتتعامل بقلبها، والكلمة الحلوة كانت هى اللى بتديها امل انهم يحبوها وبيبقوا عيلتها
ردت عزة بلهفة وهي بتمسح إيدها المبلولة في طرف جلبيتها
ـ ولا تشيلي هم يا وفاء، أنا اتفقت مع ماما إني هجيلك يوم في الأسبوع، ويوم عند هناء، .. أنا مش عايزة حاجة غير إني أشوفكم مرتاحين وراضيين عني.
في اللحظة دي، وفاء بصت لملامح عزة اللي دبلت وقارنتها بالبنت اللي شافتـها أول يوم فرحها؛ كانت وردة مفتحة، ودلوقتي بقت خيال مآتة من كتر الشغل والخدمة في بيوتهم. فجأة، وفاء حست بغصة في قلبها، وانكسرت عندها حدة اللؤم اللي أمها زرعتها فيها.
من غير مقدمات، وفاء قربت من عزة وأخدتها في حضنها بحب خالص وبندم حقيقي، وضمتها بقوة وكأنها بتعتذر لها عن كل مرة استغلوها فيها. عزة اتجمدت مكانها، دي كانت أول مرة حد من عيلة سعيد يلمسها بحنية مش بأمر.
عزة وقفت مذهولة من حضن وفاء، كأنها كانت عطشانة لحضن أم أو أخت بقالها سنين، ووفاء هي اللي فتحت لها طاقة الأمل دي.
وفاء شدت عزة من إيدها بحنية وقعدتها على الكرسي، وشالت من قدامها الجردل والمنظفات وهي بتقول بحزم ممزوج بالرحمة
ـ والله ما إنتي مادة إيدك في حاجة تانية النهاردة يا عزة.. كفاية كدة وزيادة، إنتي خليتي البيت زي القشطة."
ـ "يا وفاء بس ماما قالت
لكن وفاء قاطعتها وهي بتحط قدامها طبق أكل سخن وقالت
ـ مالكيش دعوه بماما أنا اللي بقولك اقعدي كلي يا عزه .. شوفي إيدك بقت عاملة إزاي! وشك مابقاش فيه نقطة دم، كلي لقمة تسند طولك.
وفاء قعدت جنبها وبدأت تأكلها بإيدها، وعزة كانت بتاكل وهي مش مصدقة، الدموع كانت بتنزل في طبقها من الفرحة إن في حد حس بيها وبوجعها. وفاء بدأت تتكلم معاها بلين
ـ احكيلي يا عزة، إنتي بتعملي في نفسك كدة ليه؟ وليه اى حاجه تتقالك تنفذيها من غير نقاش ؟
ـ أنا بس يا وفاء خايفة أرجع وحيدة تاني، خايفة ماما أو سعيد يزهقوا مني.. أنا ماليش حد يسأل عليا لو خرجت من الباب ده هرجع الملجأ تانى والبنات فى الملجأ مسيرهم يتجوزوا
انا عايزه أعمل عيله واخلف عيال كتير يبقوا اهلى وامك تحبنى وانتوا كمان انا بحاول اخليكم تحبونى عشان احقق حلمى ويبقالى عيله
وفاء قلبها اتوجع أكتر، وطبطبت على كفتها
ياترى وفاء هتعمل ايه وهيكون ليها دور ولا هتسكت عشان ماتجرحش عزه ؟؟
