رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والخمسون 56 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والخمسون 


نهض كرم من مقعده ودار حول الطاولة حتى اصبح 
فى مواجهة تامر، لا يحرك عينيه من على عيناه 
ثم سأله مستنكرًا: 

-انت عايز ايه؟ وانت مالك؟ وايه اللى جابك هنا؟

اخرج تامر سيجارة من علبته واشعلها ثم قال وهو ينفث
دخان سيجارته: 

-اخوها خلص الفون وجاى وأنا قولت اعرفك 

-ايوة وايه يعنى؟
انت مالك؟ 

رمق التى تجلس خلفه بتوتر ثم اجابه باستهزاء: 

-أنا قولت اقولك جدعنة يعنى عشان مصلحتك

تغضنت ملامح كرم وتطلع نحو تامر بغيظ فما كان من 
تامر إلا انه اكمل باستفزاز: 

-بس طالما اخوها عادى ومتفهم يامان خليك

جز كرم على اسنانه بغضب وهو يطالع التى تجلس على 
مقعدها بذعر ثم استدار يحدثه بغيظ: 

-اتفضل قدامى

سار تامر بجوار كرم ثم سأله: 

-هنقول مبروك امته؟ 

-هكلم اخوها انهارده وربنا يكرم 

حك تامر رأسه وهو يقول:

-لا ما هو لو انت مسيطر يبقى هنقول مبروك فى ساعتها
اهم حاجة هى 

-والله مش عارف احساسى ومشاعرى وصلوا ليها ولا لأ 

التو ثغر تامر بسخرية: 

-لأ لو مشاعر مش بتوصل نطلبها ليها دليفرى

رمقه كرم بغضب وهو يقول:

- أنا ازاى بتكلم مع واحد زيك سنجل ومش بيحس

****

لم يسيطر طاهر على حواسه من شدة الانفعال، واضغًا 
الهاتف على اذنه ينتظر الرد، لكنه لم يأتيه الرد هاتفها 
خارج نطاق التغطية، انهى الاتصال بزفرة عنيفة من 
شفتيه وهو يسب ويلعن واخذت الافكار تعصف برأسه
والعديد من الافكار عن سبب رحيلها مع بدر دون علمه 

إلى أن قابل كرم وتامر، فنظر كرم لأخيه بتدقيق وشعر بريبة من هيئته الغاضبة فسأله: 

-مالك ياض فيك ايه؟

غمغم طاهر بضيق: 

-مفيش

 ضيق كرم عينيه بقلق قائلًا: 

-ماتنطق يابنى ايه اللى قالب خلقتك كدا على الصبح

يشعر بضغط كبير داخل صدره فأجابه بضيق: 

-بيسان سافرت من غير سبب الفجر وسفرت مع بدر
حتى مفكرتش تقول لحد 

صمت كرم بتفكير ثم سأله: 

-ازاى مشيت من غير ما تقول لحد طب انت ضيقتها 
فى حاجة امبارح، دا المؤتمر لسه مخلصش

قبل أن يجيبه قاطعه تامر قائلًا: 

-أنا شفتها امبارح الفجر كانت شكلها منهارة ومعيطة
جامد وبعد كدا قابلها بدر تحت شكله  كان بيحاول
يهديها وبعد كدا طلع ونزل بشنطته

إنصدم طاهر من الكلام الذى قاله تامر فرد عليه بخشونة: 

-ولما شفتها كدا مجتش قولتلى ليه؟
وازاى تسبها وهى منهارة كدا

رفع تامر كتفه ببرود ثم اجابه بخبث: 

-واقولك انت ليه واتدخل أنا ليه أصلًا ما كان معها الدكتور 
بدر وبصراحة الرجل مقصرش معاها وكان بيهديها 

رشقه طاهر بجمر غضبه وهو يقترب منه اكثر، فجاءه الرد سريعًا من كرم قبل أن يخنقه طاهر

-ايه ياض البرود اللى انت فيه دا انت حد مسلطك علينا

غمغم تامر بحنق ليقول بجدية ماكرة: 

-برود ايه؟ أنا قولت اللى شوفته وانا ماكنش ليا انى اتدخل ومعرفش انها تخصك كنت بلغتك 

رمقه طاهر بغيظ فتجاهله تامر قائلًا: 

-أنا خلصت الشغل اللى كان ورايا وهطلع على القاعة 
التانية اخلص الشغل فيها وابقى انت شوف ايه اللى 
ناقص 

راقبه كرم وهو يجز على اسنانه فتامر يعلم كيف يكون المرء خبيث بل ويستغل خبثه معهما،  أما طاهر كان فى عالم اخر  ضغط على زر الاتصال للمرة التى يعلم عددها وصدره يعلو ويعبط بحدة فحدثه
كرم: 

-طب ما تسأل تارا عليها 

-اتصلت على الاوضة بتاعتها ردت وقالت انها 
نايمة شوية وهتنزل

-اكيد بيسان عندها شغل واضطرت تمشى يعنى متقلقش
هى مش عيلة صغيرة

*****

ضمت هاجر سترتها التى ترتديها فى محاولة تخفيف 
رجفتها التى لم تتوقف منذ أن عرفت من التى تقف امامها
تشعر بالبرد فعلًا لكنه برد من نوع اخر، برد يتسرب لقلبها

لكن مايثير السخرية بداخلها، أن هاجد قال لها سيدعها ريثما تهدأ ثم يحدثها مرة اخرى لكن كلامه ليس ألا
طبطبة على جرج حديث لا يتحمل اللمس والآن ارسل 
خالته إليها

حاولت أن تتحرك لكنها كانت جامدة لا تقوى على الحراك
قلبها مكبل بالوجع، رباه ماذا تريد منها؟ 
ماذا تفعل هى؟ 
ماذا تقول لها ؟ 
قلبها يؤلمها، يؤلمها كثيرًا وكأن أحد يضربها بمطرقة 
حديدية، كيف يفعلها ويرسل خالته، تنهدت زوجة 
ابيها قائلة: 

-مش هتدخلينى

صارت كجسد دون روح، مجرد ألة تحرك قدميها بصعوبة، مضت للداخل وتركتها خلفها، ولجت هى واغلقت الباب خلفها لتلحقها، كانت هاجر تجلس على الاريكة وهى تنظر
لخطواتها التى تقترب منها خطوة تليها خطوة مع 
كل خطوة ينغرس خنجرًا بداخلها فهى فى صدى 
استقبال جرح جديد واقع لا محالة، رفعت هاجر بصرها تسألها: 

-نعم، خير

تنهدت زوجة ابيها وجلست امامها قائلة: 

-أنا عايزة أننا نتكلم بالعقل عشان تستوعبى موقفى 

ظلت هاجر كما هى ترمقها بنظرة جليدية فتابعت: 

-أنا الليلة ديه كلها ماليش فيها اتحطيت غصب عنى فيعا
أنا وهاجد ابن اختى مالناش ذنب 

أنا ابويا زمان قالى أن مصطفى متجوز بس مراته مش هتعرف وانا وافقت وعشت بعيدة محاولتش اقرب خالص لأن مصطفى كان بيعمل حساب ليكِ ولمامتك بس طبعا 
كنت عارفة شخصيتها من كلامه ولما اتوفيت طلب
منى أنك تيجى تعيشى معايا، أنا خفت على بيتى 
وعيالى وقولتلوا زى ما كنت طول عمرك محافظ
على مشاعرها هى ومامتها، دا حقى أنا كمان احافظ
على بيتى، أنا احترمت رغبته ومطلبتش منه ولا 
لحظة انه يعرفكم انه متجوز وحقى انى اخاف على
بيتى، أما هاجد هو شافك وحبك ودا مالوش علاقة 
باللى بينا لأنك كدا بتظلميه

 
تحاشت كلامها على هاجد وسألتها مستنكرة

-تخاف على بيتك اللى هو ابويا واخواتى منى؟! 

اجابتها بجدية: 

-لأ من مامتك، ايوة منها أنا عارفة انها كانت ست قوية
وخفت تكونى زيها وبعدين هو مصطفى كان رماكِ ما
هو كان سايبك مع اهلك 

تريد أن تتنفس تريد أن تبكى تريد أن تصرخ بأعلى صوتها
حتى تنقطع احبالها الصوتية، لكنه اجابتها بعكس ما بداخلها قائلة: 

-لما تكلمى عن امى اتكلمى باحترام 
واتفضلى لو خلصتى كلامك انا عايزة انام 

الغضب حين يتملك من النفس يعميها، يجعلها معصوبة 
العينين، فلم تر أو تسمع لصوت العقل والضمير، نهضت واقفةصرخت بها: 

-انتِ اتجننتى بتطردينى من بيت ابن اختى اللى بسببك 
معرفتش افرح بيه ولا احضر فرحه، بتطردينى وشايفة 
نفسك على أيه؟ مستغربة أنى رفضت ليه ما أمك وانتِ
عارفها، احمدى ربنا على هاجد وبلاش افترى وتتبطرى
على نعمة ربنا، راعى الست اللى اعتبرتك بنتها، واللى
انتِ هتكونى سبب فى موتها بحزنها على ابنها

امتزج صوت صرخها مع صوت نحيبها، امتزجت اهاتها
المكدومة مع دموعها الفائضة

فى الأسفل سقط قلب هاجد من صوت صراخها، اسرع 
يركض على الدرج إلى شقته ووالدته تلحقه، توسعت 
عين هاجد بصدمة هو يرى انهيار هاجر وخالته تقف 
فى الزواية تشعر بالذعر والندم، ظلت سوسن ترمق
هاجر التى تتألم بحسرة ووجع ثم اقتربت من اختها
وهى تصرخ بها: 

-أيه اللى جابك هنا يا ماجدة؟ ايه اللى طلعك عند هاجر

قبل أن ترد عليها كانت سوسن تسحبها خلفها لتهبط 
بها إلى شقتها، بينما كان هاجد يقف كتمثال صخرى

أما هى كانت تصرخ من اعماقها تود أن تكسر المنزل فوق رؤوسهم جميعًا، لكنها تشعر انها مربوطة مقيدة لا تستطيع فعل شئ، ضاقت عليها الدنيا، ضاقت من كل صوب، يالله 
ضاقت عليها، ضاقت بشدة لقد خذلها زوجها واهلها
اختنقت من عبراتها وهى تحدق به بضياع اقترب
مسرعًا يضمها، فأخذت تضربه فى صدره بقوة وهى تصرخ 
اغمض عيناه بألم وقهر وتركها تخرج كل ما بداخلها 

-أهدى يا هاجر والله ماكنتش اعرف 
اهدى عشان خاطري 

-انتوا عملتوا فيا كدا ليه أنا مأذتش حد فيكم 
أنا بكرهك وبكره اليوم اللى وفقت فيه عليك يارتنى
كنت موت 

جذبها بعنف إلى صدره وهو يهمس بأنين معذب: 

-بعد الشر عليكِ يا هاجر بعد الشر أنتِ حياتى ياهاجر 

بضعف استندت برأسها على صدره ودموعها تسيل 
دون مقاومة، قلبها يختنق بتلك الغصة التى ترافقها
من سنين، صارت حياتها سلسلة من الوجع والألم
والفقد، همست قبل أن تفقد وعيها بضعف: 

-مش مسامحك ياهاجد 

كلماتها مست روحه من داخل، تصريحها بعد السماح 
وكرهها منه ونفورها، مزقته تمزيقًا 

*****

ارتدت تارا تنورة قصيرة مع قميص ابيض وسترته جلدية
ووضعت القليل من مستحضرات التجميل ثم هبطت 
للأسفل تبحث عنه بعيناها، حتى وجدته يجلس بمفرده 
على الطاولة يدخن سيجارته، فمضت نحوه ثم جلست
دون استئذان رمقها بطرف عيناه فالتو ثغرها ثم همست

-صباح الخير طيب

-خير؟

حدجته بنظرات لائمة وهى تقول: 

-هو انت ليه بتعاملنى بطريقة ديه؟
ليه طريقتك معايا صعبة كدا؟

امتعضت ملامحه ثم اجابها  بحنق: 

-وانتِ ليه مصممة تحتكى بيا لو سمحتى لو مش حابة 
اضيقك بطريقتى ابعدى عنى وبلاش حتى صباح الخير 

شعرت بصفعه قوية على وجهها لتهدر بقهر وغضب: 

-أنا مستغربة طريقتك العدائية ديه معايا طب انقذتنى 
امبارح ليه؟ وليه اصلًا بتعاملنى كدا

نهض واقفًا ثم سحب نفسًا عميقًا من سيجارته وهو يتظر 
لعينيها ثم مرر بصره على ثيابها التى تريديها قائلًا: 

-عشان مش بحب الرخص 

نهضت بعينين ثائرتين غضبًا لكنه فجأها بتصرفه، القى 
سيجارته سريعًا ودعسها ثم تهللت اساريره ليبتسم 
كطفل ضايع وجد والدته وسار بخطوات واسعة بعيدًا
عنها، وقفت ترمقه بتفحص هو وتلك الفتاة 

على الجانب الأخر 

-صباح الخير يا كيان 

ابتسمت كيان بهدوء: 

-صباح الخير ياتامر 

-انتِ كويسة انهارده

اسبلت اهدابها وهى تقول: 

-بحاول اكون احسن، انت عامل ايه مرتاح مع الشباب 

قطع لحظاتهما وصول طاهر وكرم وساهر، فوضع كرم 
يده على كتف تامر يجذبه بخشونة: 

-طبعًا مرتاح معانا مش كدا يا تيمو

حك طاهر ذقنه وهو يقول بخبث: 

-طبعًا مرتاح دا ملاك فى وسطنا لدرجة كنا عايزين 
نعلموا الشقاوة نمسكوا مطوة وهو ابدًا من البيت 
للجامع ومن الجامع للبيت 

لكزه ساهر وهو يقول بمكر: 

-إلا فين سبحتك يا شيخ تامر

رمقهم تامر بشراسة وقد تحولت ملامحه فطالعته 
كيان بريبة وهى تقول: 

تامر انت بتتحول كدا ليه؟

طالعهم تامر بغيظ ثم ابتسم قائلًا: 

-مفيش حاجة دا هزار شباب، هو احنا مش هنتغدى 

قهقة كرم وهو يقول: 

-طب يلا نتغدى عشان عايزكم فى موضوع مهم 

تقدم الجميع نحو الطاولة أما هى جذبت تامر من معصمه 
وهمست بجوار اذنه: 

-تامر انت معاك المطواة صح؟! 

-كيان

احمر وجهها من فرط انفعال وهى تقول: 

-ليه طيب هنا وفى المؤتمر والكل بيتفتش، اتفضل
نتغدا وبعدين هتصرف

غافل على من يقف يراقبها من بعيد، سيجن ويفقد عقله
يحترق ويتجمد، يكون كل شئ قاسي ومؤلم، غيرته عليها
تعذبه بل هى فى حد ذاتها تعذبه، ماذا يفعل لتتمتثل لأوامره دون عناد رؤيتها مع كل هؤلاء الشباب تحرقه
وبالاخص تامر، لكنه سيحاول أن يتحكم بغضبه حتى لا يخرب اتفاقهما الجديد اقتربت تارا منه هامسة: 

-صباح الخير 

ابتسامة باهتة ونظره مثبت على كيان:

صباح الخير ياتارا عامله ايه؟! 

-الحمدلله، هى مين ديه وليه مسكت تامر كدا 

اجابها بنيرة قاسية دون أن يفكر بحجم كلامه: 

-دية مراتى، والزفت دا صديق طفولتها المنيلة على دماغه وبتمنى اصحى 
من النوم وما شوفش خلقته تانى يخفى من الموجود 

شعرت بقلبها ينقبض من كلماته، لماذا هذا الألم؟ 
هو منذ قليلة وصفها بالرخص، كرامتها تؤلمها لكنها
حدثته: 

-حيث انها مراتك يلا بينا نفطر معاهم 

بعد دقائق سحب كنان مقعدًا لتارا ثم لنفسه وجلس معهم 
وهو يقول: 

-لو مش هيضايقكم هنفطر معاكم 

رفعت رأسها ببطء لترى كنان ثم اخفضت رأسها سريعًا 
وارتفع صخب الموسيقى فى قلبها وهى تراه مثبت 
نظره عليها، دقات قلبها فقدت السيطرة عليها 

قطع كرم تواصل نظراتهم وهو يقول: 

-جماعة أنا قررت اطلب ايد كارما انهارده 

ابتسمت كيان بسعادة قائلة: 

-بجد دا خبر حلو اوى أنا فرحتلك 

ابتسم كرم وهو يرمق كنان قائلًا: 

-عقبالك 

همست بتوتر حاد وهى تنظر إليهم بخجل: 

-ماشى 

قهقة كنان فخجلها يهيبها جمالا من نوع خاص، فرؤيتها
هكذا بعثرت كيانه فيود لو يخطفها الآن ويسحق عظامها
بين ذراعيه ليعبر عن جنون افكاره التى تتسيطر عليه 
من خلالها وحدها، اراد أن ترفع عيناها ليرى جمال العقيق
الأسود خاصتها

-فين بيسان يا تارا وسافرت ليه؟! 

كان هذا سؤال طاهر فارتسمت تارا ابتسامة شاحبة: 

-معرفش سافرت ليه ممكن شغل أنا معرفش أنا كنت
نايمة بليل 

كانت تتهرب بنظراتها من الجميع، حاولت جاهدة أن تتحكم 
فى رجفتها ثم نهضت واقفة وهى تقول: 

-هطلع اريح شوية

إنذهل تامر بقدر ما اشمئزازه منها انها تكذب بمهارة 

****

فى المشفى فى قسم الطوارئ كانت حالتها مزرية 
لم تستطيع التقاط انفاسها، تحول لونها الابيض
للازرق كان علاجها الوحيد جلسات الأكسجين كل
بضع ساعات بسبب ضيق نفسها، وقد استقرت حالتها جزئيًا لكنها لا زالت نائمة جلس هاجد بجوارها على الفراش يضمها إلى صدره، حاله لم يكن افضل من حالها 
كاد قلبه أن يتوقف وهى كالاموات بين يديه 

-قلبى يا هاجر الرحمة حرام اللى بتعمليه فيا 

قلبك ازاى متحمل البعد عنى كل دا، أنا اهون 
عليا الموت ولا أنى اشوفك كدا، كنت اعمى 
يا هاجر حبك عمى على قلبى ساعتها بس أنا 
بموت ياهاجر من طريقتك قولتلك انك نقطة 
ضعفى وبتدوسى عليا ياهاجر، محتاج اضمك
ياهاجر ليا بعدك عنى معذبنى 

صادقًا بكل كلمة يحتاجها يحتاج قربها؛ أن يمرمغ انفه
فى جيدها يحتاج أن يشعر بها تئن من قوة العناق 
ظل ينظر لها، وتعب يملأ عينيه كأنه يتوسلها 
الغفران، لكنه يخشى ان تفتح عينيها ويرى نظرات الكره
والحقد ثانية، لو تدرى ما الذى تفعله به هذه 
النظرات، مد يده يتلمس اسفل بطنها فهذه المرة 
الاولى التى يقترب منها منذ خسارة حملها، يحرك انامله 
بلطف وهو يبكى بحرقة موجوعًا مقهورًا هامسًا بتعب
وهو يتطلع إليها بزيتونة عيناه منصهر عشقًا:

-أنا موجوع اوى يا هاجر 
كنت نفسى فى بيبى منك اوى

رمشت باهدابها وهى تفوق من غفوتها مرضية: 

-حمدلله على سلامه خضتينى عليكِ

انتفضت بعيد عنه وهى ترمقه بانفعال: 

-ابعدى عنى.. متقربش منى فاهمة 

ثم تابعت: 

-انا عايزة اروح حالا ومش هروح بيتك تانى

******

كانت كارما تجلس برفقة ضياء يتناولا الغداء معًا
وكل منهما شارد فى ملكوته حتى جاء كرم وطاهر فامتعضت ملامح ضياء وهو يقول: 

-نعم واقفين كدا ليه؟! 

ابتلع كرم وهو يقول: 

-كل خير بصراحة أنا كنت جاى طالب ايد الانسة كارما 

لم يرفع رأسه من صحنه ثم اجابه: 

-كارما مدام مش انسة ومش هتتجوز ولما تتجوز اكيد 
مش انت اتفضل خد اخوك وامشى من هنا 

اغمضت كارما عيناها محاولة أن تتغاضى عن كلمة اخيها 
التى شقت قلبها نصفين، غمر قلب كرم احساس بشفقة
عليها من كلمات اخيها فحدثه طاهر بجدية: 

-طب ليه لأ، أحنا مش هتلاقى انسب من كارما لكرم 
ونسبك انت شخصيًا شرف لينا

رفع ضياء بصره إلى طاهر وكل ما يسيطر عليه أنه هو 
السبب فى بعده عن بيلا فاجابه بغل: 

-وأنا مايشرفنيش 

ضرب طاهر الطاولة بيده وهو يقول بعصبية: 

-لأ بقى دية مش طريقه 

فى لمح البصر كان ضياء يلكمه فى صدغه بعنف فسقط 
طاهر فتوحشت عين كرم فمد يده يعاون اخيه 

كان كنان على الجانب الآخر يراقب الموقف فهتف مسرعًا

-ساهر اتدخل بسرعة ومتخليش كرم يقرب من ضياء 
عشان الدنيا متخربش اكتر 

ركض ساهر لفض الاشتباك بينهم هامسًا فى اذن كرم 
فرفع كرم بصره لكنان فهز رأسه بأسف، وقف طاهر 
امام ضياء وهو يميل على اذنه بكلمات بهدوء: 

-انت وأنا جربنا النار ليه نكوى بيها غيرنا أنا مسامح 
فى حقى دلوقتى بس متوجعش قلبه وتكويه بنار الفراق

****

وقف بجوارها فى المصعد كان يبتسم وهو يرى توترها 
وبالفعل قد ضغط على زر المصعد فتوترت وهى ترمقه

-كنان أيه اللى حصل 

-مش عارف شكلنا هنموت هنا 

-طب لو سمحت خليك بعيد 

ضيق كنان عيناه وهو يسألها: 

-هو انا جيت جنبك ولا هو تلكيك عشان اقرب 
وانا بتلكك من غير حاجة

اغمضت عيناها هى تضغط على شفتاها على فكرة انا مش
مراتك وميصحش كدا يا دكتور

هز رأسه بيأس مأخوذ بجمال هيئتها الطفولية والبراءة 
السائلة من عينيها 

-ابعت اجيب المأذون هنا وحالًا 

فتحت عيناها وهى تزجره بغضب قائلة: 

-وبعدين معاك يلا شوف حل فى زفت دا 
لأن كدا اسمه تحرش

-اقسم بالله افترى أنا فعلا كدا زى المتحرشين طب 
ما تحنى واردك لعصمتى واهو يبقى تحرش بالحلال
على سنة لله ورسوله

-انت بقيت وقح اوى 

قهقة وهو يحرك يده على صدره قائلًا: 

-طب واللى خلق الخلق أنا وقح طول عمرى بس مش 
واخد فرصتى

****

بعد مرور اسبوع 

نأت بنفسها عن الجميع الايام الماضية، تقضى يومها فى 
المشفى والعيادة فقط، حتى أنها لم تجيب على 
اتصالات طاهر المستمر

ارجعت رأسها للوراء بارهاق وهى تتذكر موقفها هى 
واختها، هل كانت انانية ومسها حب الذات
اما هى التى عاناة النبذ والتجاهل

كانت ترتجف من الداخل ومن الخارج روحها تهتز 
وتشقق، صمت مطبق فى الغرفة قبل أن يقطعه 
طاهر بملامح منفعله، اول شئ فعله فور وصله 
من شرم الشيخ المجئ إليها، انتفضت هى أما 
قلبها كان يفرفر بين ضلوعه عند رؤيته وهمست اسمه باشتياق 
ولوعة دون أن تشعر: 

-طاهر 

اجابها بعصبية وهو يضرب سطح المكتب: 

-طاهر وزفت، هو فى ايه مش بتردى ونزلتى من 
غير ما تقولى، ممكن اعرف سبب واحد يخليك تعملى
كدا، اقل مافيها تطمنينى انك بخير دا حتى لو أنا زعلتك
او اى حد لكن ازاى تنزلى كدا 

اجابته بضعف: 

-كانت نفسيتى وحشه يا طاهر وكنت لازم ابعد 

ابتسم بسخرية وهو يقول: 

-وبدر بقى هو اللى بيظبط نفسيتك ويروقك عليكِ صح

نهضت واقفة تقف امامه تحدثه بحدة: 

-طاهر ألزم حدودك واعرف انت بتكلم ازاى أنا مش 
عيلة صغيرة 

ولج بدر ثم قطب حاجبيه وهو يرى حرب النظرات
المشتعلة فتحمحم فانتبهت له بيسان بتوتر فهى نست وجوده معاها:

-بدر

اما طاهر ظل كما هو يرمقها بشراسة وما أن وقعت عيناه 
على بدر توسعت عيناه بذهول  ونفرت عروقه 

*****

تعليقات