رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والخمسون
جافه النوم وهو يسمع خطرفته طوال الليل، يخطرف بكلمات غير مفهومة لكنها مليئة بشجن دفين فى اعماقه
لم يتحدث معه كصديق من قبل ولم يفعل فهو لم يتقبله
منذ أول لقاء، لكنه يشعر بالشفقة لأجله، طرق على الباب
ولم يجد اجابه، فتح الباب وولج للداخل ليجده فى حالة
انهيار تام لم تتوقف عيناه عن ذرف الدموع، وجسده ينتفض بشكل مريب تلك النهنهات التى تخرج منه كطفل صغير تمزق نياط القلب، اقترب منه وهو لا يعلم رد فعله هامسًا:
-ساهر، مالك فى أيه؟
ازداد فى البكاء اكثر وهو مغمض العينين هامسًا
-تعبان اوى
لم يتوقع استسلامه هكذا، توقع معافرته أن يصرخ فى وجهه لبتعده عنه، لكن أن يفضفض له بين شهقاته ونحيبه
اخر ما توقعه:
-ابويا وحشنى اوى، ابويا هو ابويا رغم كل حاجة هو
ابويا عمره ما قسى عليا، عمره ما زعلنى حتى لما قولتلوا
مش عايز اشتغل فى الدهب عمره ما زعلنى أنا بموت
أمى حالتها واجعه قلبى، واختى ماتت غدر، عارف انها
غلطت بس ياريتها كانت قالتلى والله كنت هحافظ عليه
أنا عارف مين اللى عمل كدا فى اختى ومش عارف
اوصله، أنا مش قادر اتكلم قدام كنان مش حابب
اوجعها او اخسرها بس خلاص مش قادر عايز ابويا
أنا والله كنت هحاسبه لو عاش، بس مش قادر اكمل
كانت كل كلمة يتفوه بها تقطع القلب إلى أشلاء،
اما تامر اغمض عيناه فهو يكره عاصم اكثر من أى شخص لما تسبب به من معاناة لكيان وانكاره لنسبها، اعاد فتح عيناه ثانية وهو يربت على كتفه:
-وحد لله يا ساهر، اكيد ابوك وليك حق تزعل عليه
بس ديه ارادت ربنا، حاول أنك تتجاوز اللى حصل
دا قضاء ربنا، واحمد ربنا عوضك بأخت زى كيان
تبقوا سند لبعض، وافتكر أن حالك احسن من غيرك
رمقه بطرف عيناه وتلك الدموع اللعينة لا تتوقف:
-بيتهيألك، اللى حصل لأختى هيكسرنى طول العمر
ظل تامر معه طوال الليل يواسيه بكلماته، حتى لاحظ
انتظام انفاسه، ليجده قد غفى فنهض منصرف للخارج
واغلق الباب خلفه
****
كان يقف فى الشرفة متشنج الجسد والملامح، لما
حياته بهذا الشكل لما يحدث له كل هذا فى وقت
واحد، إن طاقته كبشر اوشكت على نفاذ، اقترب
كرم يقف بجواره فرمقه بلا مبالاة، ابتسم كرم بخبث
-مالك سهران تعد النجوم
-أيه روقت وجاى تفوق عليا
-طول عمرى رايق يا برنس وانت طول عمرك كئيب
قست نظرات طاهر ثم حدثه:
-طب ما تفك منى ولا عشان امك خدتك على حجرها خلاص
-ياض أنا طول عمرى على حجر وايه الجديد انت بقى مالك؟
تنهد ليتحرر من الاعماق ليسمح لمشاعره أن تحرر هاتفًا:
-بيسان انهارده عصبتنى فوق الوصف
-اشمعنا
وضع يده فى جيب سراوله قائلًا بنبرة جادة :
-وربنا لو انت فايق انا مش مستحمل
-خلاص اتكلم وهسمع وانا ساكت
اعقب جملته صمت لدقائق ثم حدثه هو ينظر امامه:
-انت متخيل اللى بيحصل، العيادة اللى هى عايشة فيها
بدر يشتغل فيها معاها، وقال روحت اعيش عند اهلى
اصلا بعد الكلام اللى حكيتوا على اهلها المفروض
كانت فضلت جوا عيادتها، اهلها دول مش أمان عليها
هز كرم رأسه بضيق زائف:
-طب مش يمكن بردو يا طاهر فى حاجة بينها وبين بدر
يعنى مشروع جواز وانت عارف أن دكاترة بيتجوزوا من
بعض
حدجه طاهر بنظرات ساخرة:
-اي الدكاترة مش بيتجوزوا غير من بعض، بطل جهل
هى تحت اى سبب كانت لازم ترفض اصلا، بعدين
بدر دا ملزق
-طاهر انت غيران
داخله شعور ضارى يحثه أن يدفع عنها بكل قوة وبريرية ولا يعلم سبب ذلك الضيق قلب عيناه من حديث اخيه:
-انت متعرفش حاجة عن المرؤة أنا خايف عليها وعلى
سمعتها زى اختى
-طب حد يكره الخير لاخته هو بدر عريس يترفض
ولا انت اللى بترسم
اجابه بنبرة تحذيرية::
-كرم فكك منى على اخر ليل
ضحك كرم بضحكه ساخرة وهو يقول:
-وليه لأ يعنى وانت تطول
-بيسان مش زينا هى كدا فاكرة نفسها ملتزمة فى كل
حاجة وأنا نص تصرفاتها شايفها غلط
بتر حديثه اتصال من كنان ليجيب:
-ايوة، كنت عايزك فينك، تمام هنزل قابلك
انهى اتصاله موجهًا حديثه لأخيه:
-تعالى معايا هنقابل كنان
-كنان دلوقتى
-ايوة ما هو الدليفرى انجز
****
تشعر بالغربة داخل روحها، الندم يجتاح نفسه هى من
فعلت هذا بنفسها، تتمنى أن يكون ذلك كابوس سئ
تستيقظ منه، ماذا ستفعل الآن فى حياتها حتى اخيها
وضعها داخل سجن مطلقة
ظلت كما هى غارقة فى تفكيرها انياب الوجع مغروسة
فى قلبها لتنزف إلى ما لا نهاية، ضلوعها منقبضة
مشاعر كثيرة تتخبط داخل قفصها الصدرى، ياليتها
لم تكن بهذا الحبن، ياليتها كانت تثور على وضعها
المخزى قبل أن تنطفأ روحها، لكن هذا لا يغير
شئ الآن، لمحت شاشة هاتفها تضئ للمرة التى لا تعرف
عددها وقلبها يخفق بقوة فوضعت يدها على صدرها
هامسة:
-يارب بلاش أنا مش عاوزة اوجعه معايا
******
وقف طاهر يطالع كلا من كرم وكنان باشمئزاز وهما يتبادلا العناق هامسًا:
-صحيح الكيف بيذل
قهقة كنان وهو يقول بمكر:
-بكرة الكيف يذل زينا، بس احنا على الاقل الكيف بتاعنا
سهل انت الله يعينك
قلب طاهر ملامح وجهه من حديثه العابثى قائلًا:
-طب اسمع بقى يا دكتور جو أنك تسلك لكرم وهو يسلكلك دا ما يكلش معايا
جز كرم على اسنانه وهو يرمقه بغيظ:
-جرى ايه يا بير العكننة ما تنهد بقى
-انت مش مكسوف ياض على دمك تسمح تخرس
لم يتحدث كنان كان يرمقه بنظرات متفحصة ثم سأله:
-طب عايز ايه؟
-هتيجى تتطلب ايد كيان منى أنا والبغل دا واخوها وهنشوف رأيها ونرد عليك، حضرتك هنمشى بأصول
ولازم حاجة رسمى
اجابها كنان مسرعًا لدفاع عن نفسه:
-على فكرة ديه كانت مراتى انا مستنى تهدى واردها
خطوبة ايه انت هتكبرها فى دماغها
التو ثغر كرم قائلًا:
-لا بقى خطوبة هى كبرت فى دماغنا بقى
حك كنان ذقنه وهو يرمق كرم:
-وماله خطوبة
ابتلع كرم وهو يقول:
-لأ انا مالى بلاش ادخل بين رجل ومراته وياريت انت كمان يا طاهر متتدخلش
-انت ياض بتفهم مالقتش دليفرى غير كنان واخوها مش بيطيقه
اشار كنان لنفسه بذهول وهو يقول:
-أنا دليفرى؟!
ضغط كرم على شفتاه السفلى وهو يرمق اخيه بغيظ ثم حدثه:
-وايه يعنى دليفرى مش يمكن عند ربنا احسن مننا
صمت الثلاثة ثم انفجروا يضحكوا بصخب تنهد كنان
فهو عاشق ومازال، هى ساكنة بالقلب وسيجاهد بكل
السبل كى يستردها ثانية، لقد منحته الحياة فرصة
ثانية سيستغلها بطريقة الامثل
*****
كان يحتاج أن يتحدث معاها، ليضع النقاط على الحروف، فالخدوش التى خلفها فى ابنته لا تمحى بسهولة
صمت مطبق محاولا أن يختار كلماته المناسب فهمس:
-يا هاجر صدقينى ماكنتش اعرف انها هتجيلك
ابتسمت بسخرية وظلت صامته فتابع:
-زمان كانت لينا محلات دهب جنب محل جدك الله يرحمه، وامك الله يرحمها كانت بنت مفيش منها فى جمالها طبعًا كان محلى ولا حاجة جنبهم، وكان الكل بيتمناها وكل اتقدم
يخطبها وهى ترفض لحد ما اتجرأت وتقدمت انا
بعد سنين حب صامت، والمفأجاة انه وافقت وقالت
انها كانت معجبة بيا، واتجوزنا وحبيت اننا يبقى لينا
حياتنا بس هى فضلت زى ما هى موجودة مع جدك
فى محلات، قولتلها انا مش حابب كدا وزادت مشاكلنا
وكانت حجتها أن اخواتها واحد يأكل مال اليتيم والتانى
يتضحك عليه، وفضلنا كدا فى مشاكل والجفا والبعد بينا
يزيد
كنت ساعتها بشوف ماجدة كانت هادية عكس مامتك الله يرحمها وحصلت مشكلة كيان وقولتلها متتدخلش مالناش
دعوة اصلا عاصم معروف، لكن كلامى زادها عند
تعبت كنت عايز احس بالاستقرار وفى الاخر اتجوزت
معرفش ازاى، المهم لقيت مامتك رغم كل البعد اللى بينا حست وعرفت
ولقتها سألتنى مرة بليل انت اتجوزت عليا يا مصطفى
سكت لقتها، بتقولى طب أنا اتأكدت من عينيك عملت
كدا ليها، استغربتها ازاى تسأل وكله بسببها، قالتلى طلقها
يا مصطفى، بس للأسف كانت حامل، قولتلها كدا
قالتلى طلقها بردو وعيل هيتكتب على اسمك يا مصطفى
كان ردى صعب الطفل اللى جاى ذنبه ايه لسه جاية تفوق
دلوقتى، لقيتها ضحكت وقالت يبقى أنت اخترت وانا ولا
كأنى عرفت الموضوع دا هيفضل بينا ولا حتى مراتك تعرف، نبرتها وطريقتها كانت غريبة، ومن ساعتها هى
راحت ومعرفتهاش ارجعها، قفلت على نفسها حاولت ايام وليالى
وسنين لحد ما جيت قولتلها هطلاقها انا مش قادر على البعد، قالتلى
خلاص ماعدش ينفع، اليأس اتملك منى كانت نظرتها بتدبحنى وعشت كدا شبه عايش
لأن مفيش ولا يوم حبى ليها أقل لحد انهارده هى اللى
سكنت قلبى، فجأة عرفت بتعبها حتى دا استكتروا عليا
وخبته عنى مالحقتش حتى اكون معاها واطلب سامحها
ودا كان سبب اساسى من خوفى لتعرفى تكرهينى زيها
لكن هاجد حبك من قلبه وكان عايز يقولك من أول يوم
بس أنا اللى اصريت يتأجل عشان تكونى عرفتيه وتصدقى
حبه، صحيح مراتى رفضت بس دا ماكنش السبب الاساسى، كنت خايف يابنتى، واللى خفت منه حصل
اللى صبرنى بعد موتها انك من ريحتها
-كنت قولتلى أنت دوست عليا رمتنى رخصتنى، أنا كان
ليا اخوات وانت بتقضى ليالى وايام معاهم وانا كنت
بموت من الخوف بليل وفى الاخر تبعنى كدا، مراتك
جت هنا وقالتلى انتِ مين عشان تطردينى من بيت
ابن اختى، وصرخت فى وشى عشان انتوا رخصتونى
كانت تحدثه بحنجرة غير حنجرتها تلتقط انفاسها بصعوبة
ذلك الشعور القمئ نفس نظرات والدتها التى دبحته،
لم تزيده إلا ضراوة خليط كريه من العجز والقهر
-صدقينى هاجد اخدلك حقك اول مرة اشوفه كدا
جه لحد البيت هناك وبهدل الدنيا عشانك،
شوفى أى حاجة ترضيكِ وأنا اعملها جوزك يا بنتى بيحبك
كل اللى عايزه انك تصدقى انى ضهرك وسندك وعملت كدا عشان كنت شايفك ضايعة بس انتِ قلب ابوكِ يا هاجر ، أنا مقدرش على بعدك
ابتسمت بمرارة ثم حدثته:
-ماشى، انت ابويا وضهرى وسندى وأنا هاجد بقولك مد
ايده عليا وجعنى، أنا مش عايزة اكمل معاه انت ابويا
طلقنى منه مش عايزه
تدفقت عليه الذكريات الكرهية، فاجابها بخيبة:
-بلاش تحكمى عليه بقسوة كدا هو بيحبك حتى
سوسن كانت على طول تقولى ربنا عوضنى بهاجر
نظرت له هاجر طويلًا بنظرات تحمل الكره ثم نهضت
-أنا تعبانة وهنام واللى عندى قولته طلاقنى عشان اعرف
انك سندى وكنت خايف عليا، طلاقنى عشان
اعرف انك ابويا وضهرى رغم الايام اللى سبتنى اعيشها
لوحدى، صدقنى فرصتك عشان اقدر اقولك بابا تانى
****
