رواية عهد الذئاب الفصل الخامس 5 بقلم نون

 

رواية عهد الذئاب الفصل الخامس بقلم نون

 ارجعي يازينة والمرة الجاية اللي هنقابل فيها بعض هتكون فوق جثث اللي ظلموني


سقط منصور الهواري كجذع شجرة خاوية بجوار القبر الفارغ

 وتناثر الغبار على وجهه الذي صار بلون الكفن.

 النجع كله كان يقف خلف السور عيونهم تلمع بفضول مسموم وصدمة لم يسبق لها مثيل. 

كيف يختفي الميت؟ هل ابتلعه القبر؟ أم أن لعنة الظلم قد بدأت تأكل العظام؟

صرخ عزام في الغفر بصوت مبحوح وهو يلوح بمنديل يمسح به عرق الرعب

واتجه نحو منصور قوم يا زين الرجال قوم يا عمي منصور النجع كله بيتفرج علينا

الذيب بيلعب بينا واحنا زي العرايس في إيده قوم يا هواري

فتح منصور عينيه ببطء لكن نظرته كانت غريبة 

لم تعد تلك العينين اللتين ترهبان النجع

 بل كانت عينين مسكونتين بالأشباح همس بصوت مرتجف
ياسين.. ياسين عزام

القبر فاضي عشان صاحبه لسه بيمشي وسطنا

في تلك الأثناء كانت زينة قد عادت إلى السرايا

 لكنها لم تدخل من الباب الكبير كانت تعلم أن بدر لن يترك النجع الليلة قبل أن يكمل الوليمة

وبينما كان الجميع مشغولاً بالفضيحة عند القبور رأت خيالاً يتحرك خلف مخازن الغلال القديمة. 

لم تتردد سحبت عباءتها وجرت نحوه
 هناك في الظلام الدامس وجدت بدر يربط لجام حصان أسود وعيناه تراقبان الطريق بحدة الصقر

بدر صرخت بصوت مكتوم.

التفت إليها وفي حركة خاطفة كاد أن يسحب خنجره لكنه عرف صوتها

تراجع خطوة وهتف بقسوة
إيه اللي جابك يا بت الهواري؟ القبر اللي انفتح ده 

 انفتح عشان ياخد كل واحد سكت على الظلم ارجعي سرايتك قبل ما الدنيا تولع

جرت نحوه وأمسكت بجلبابه والدموع تحرق عينيها

بدر.. بوي هيموت من الرعب

القبر فاضي ليه؟ إنت اللي نبشته؟ قولي الحقيقة يا بدر.. أخوك فين؟

ابتسم بدر ابتسامة مرة وأمسك بيدها بقوة أوجعتها

أنا منبشتش قبور يا زينة.. أنا بس عارف اللي بوي وأبوكي عملوه زمان. 

القبر ده طول عمره فاضي أخوي ياسين مدفنش فيه.. أخوي جثته اترمت في (بير الغدر) 

عشان محدش يعرف إنه مات برصاص أبوكي مش برصاصي أنا

وقعت الكلمات على رأس زينة كالصاعقة شهقت وهي تضع يدها على فمها

بوي؟ بوي قتل ياسين؟

أيوه.. عشان يورث الأرض والمخازن

 ولبسني التهمة وأنا عيل لسه

 والجبل كله صدق. ودلوقت.. القبر الفاضي ده هو اللي هيحاكمكم قدام النجع كله

وفجأة شق سكون الليل صوت مكبرات صوت المساجد. 

لم يكن أذاناً بل كان صوت عزام وهو يصرخ في الميكروفون ليسمع النجع كله

يا أهل النجع اللي خرق حرمة القبور هو الهارب بدر
والنهارده مفيش نوم

 اللي هيجيب راس بدر له مية فدان وشنطة ذهب

 الجبل النهاردة ملك للي يقتل الذيب

تحول النجع في لحظات إلى خلية نحل هائجة

مئات الرجال خرجوا ببنادقهم وسيارات انطلقت تمسح مداخل الجبل. 

نظر بدر إلى زينة وقال بلهجة حاسمة

سمعتي؟ خطيبك عاوز راسي

 ارجعي والمرة الجاية اللي هنقابل فيها بعض.. هتكون فوق جثث اللي ظلموني

قفز بدر فوق حصانه وانطلق كالبرق نحو وادي الظلال حيث كان عزام ورجاله قد بدأوا يطوقون المنطقة

المعركة بدأت عند مضيق الصخرة كان عزام يقود سيارته بجنون ويطلق الرصاص في الهواء وهو يصرخ

اظهر يا جبان اظهر يا ولد الشوارع

من فوق المرتفعات كان بدر مثل الذئب المنفرد

لم يطلق رصاصة واحدة من بندقيته بل كان يدفع صخوراً ضخمة تم تجهيزها مسبقاً من قِبل الشيخ فراج

 سقطت الصخور على سيارات الغفر فانقلبت واحدة تلو الأخرى.

في وسط الدخان والشرر ظهر بدر وهو يمتطي حصانه فوق قمة الصخرة

 وظله يمتد بفعل كشافات السيارات كأنه غـــول 

صوب عزام بندقيته نحوه وصرخ يا قتّال القتلة

لكن قبل أن يضغط على الزناد انطلقت رصاصة من مكان مجهول.. رصاصة لم تكن من بدر بل كانت من الشيخ مهران

 الذي قرر أخيراً أن يتكلم بالرصاص بعد صمت السنين.

أصابت الرصاصة كتف عزام فسقط أرضاً يصرخ

 تراجع الغفر رعباً وهم يرون أشباحاً تظهر من كل جانب في الجبل

 كانوا مطاريد الجبل القدامى الذين ظلمهم منصور الهواري والذين جمعهم بدر في الخفاء.

عاد بدر إلى النجع ليس هارباً بل فاتحاً

 دخل الساحة الكبيرة أمام السرايا حيث كان منصور الهواري يجلس محطماً

 ترجل بدر عن حصانه والكل وقف مشلولاً من الهيبة

ألقى بدر بـ الخاتم الذهبي تحت قدمي منصور

 وقال بصوت هزّ أركان السرايا

النهارده يا منصور.. النجع كله عرف إنك بنيت ملكك على الجثث

 السلاح اتحرق والمخازن بقت رماد وعزام اللي كنت ساند ضهرك عليه واقع في الجبل ينزف

 قولي يا كبير الهوارة.. فاضل إيه تخسره غير روحك الخسيسة؟

خرجت زينة من خلف الأبواب ووقفت بين بدر ووالدها

 نظرت إلى بدر بعيون ملؤها التحدي والوجع

لو عاوز تقتله.. اقتلني أنا الأول يا بدر

 الثأر مبيخلصش بالدم.. بيخلص بالحق

 وإنت أخدت حقك والكل عرف الحقيقة سيبه يعيش في عاره العار أطول من العمر

نظر بدر إليها ثم إلى منصور الذي كان يبكي كالأطفال

سحب بدر بندقيته وصوبها نحو رأس منصور

 صمت العالم كله في تلك اللحظة ضغط بدر على الزناد لكن الرصاصة لم تخرج في رأس منصور بل خرجت في الهواء صرخةً للنصر.

وقال بمرارة

الموت رحمة ليك يا منصور.. وأنا مش رحيم

 أنا هسيبك تعيش وتشوف النجع وهو بيسميك (الخاين). 

هسيبك تمشي في الشارع والناس بتبص للقبر الفاضي وتفتكر غدرك
 
التفت بدر وركب حصانه وقبل أن يغادر نظر إلى زينة وقال

الجبل لسه فيه أسرار يا بت الهواري.. والذيب مبيسكنش في البيوت عهد الذئاب لسه في أوله

انطلق بدر نحو الجبل والضباب يلفه تاركاً خلفه نجعاً لم يعد كما كان

 وحكاية ستتناقلها الأجيال عن الرجل الذي عاد من الموت ليحيي الحقيقة.

ماذا سيفعل عزام بعد أن يشفي من إصابته؟ هل سيخطط لعملية غدر 

تعليقات