رواية روح بلا مأوى الفصل الستون 60 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الستون 

اقترب كرم من طاهر فهو لا يعتبره اخيه الاصغر بل 
توأم روحه، قضيا سويًا اجمل سنين عمرهما معًا دائمًا
على الحلوة والمرة، مما يجعلهما شخص واحد تنهد 
كرم وهو يرى حالة اخيه فى الايام الاخيرة، يدرك ما
يثقل قلبه، لكنه يود أن يكتشف ما فى قلبه دون ان يوجه
أحد، ضرب كرم كتفه

مسد طاهر ذراعه الملكومة بيده الاخرى متأوهًا بألم  
قبل أن يستنكر رد فعل اخيه هاتفًا: 

-ايه يا بغل هزار البوابين دا 

ابتسم كرم بتهكم هاتفًا: 

-حبيبى تسلم، وبعدين ما تنشف ياض انت
من يوم ما بيسان غلبتك وبقيت نايتى اوى 

حرك طاهر كتفه ببطء وهو يقول: 

-على فكرة أنا اتغلبت بمزاجى

عقد كرم حاجبيه وهو يقول بصوت متلاعب:

-بمزاجك ليه دا حتى عيب فى حقك بنت تغلبك 

حاول السيطرة على الإنفعالات المتناقضة بداخله، وقال
بصوت متحشرج: 

-محبتش أنها تتكسر أو تتهز ثقتها بنفسها 

-اشمعنا يعنى؟ 
دا انت البعيد قطر وبتطلع نار من بؤقك ايه الذوق دا 

انعقد لسانه، سؤاله المباغت شتته من الداخل وهو يلكز اخيه فى صدره بخفة هاتفًا: 

-مين ياض اللى قطر 
عملت أيه فى موضوعك 

-دكتور الغفلة كنان وقف ليا زى العمل متكلمهاش
أنا بتواصل معاها بلاش تخليها تخون ثقة ضياء
وقال بيتصل بيها وهى كويسة، لأ أنا مينفعنيش
الكلام دا أنا هروح لأجدع دليفرى بيسان، ما تيجى
معايا

زفر بغضب وهو يكاد يجن بما يشعر به، كل ذرة فى عقله 
تشتتت، اخذ نفس عميق محاولا تهدئة نفسه قائلًا: 

-لا روح انت أنا مش فاضى 

-ما تبطل شغل العيال دا يا طاهر هو انت عشان زعلان منها

أخذ نفسًا عميقًا يزفره على مهل وهو يقول: 

-شغل عيال تنزل من غير ما تقول، تقلب العيادة هى وبدر

-طاهر انت فكرت سبب نزولها ايه طب سألتها عن السبب
مش تامر كان بيقول انها كانت بتعيط يمكن حد ضايقها 

اجابه بنفاذ صبر: 

-أول حاجة عملتها روحت اطمن عليها لقيت ايه، الأخت 
دخلت بدر معاها

ارتفعت زاوية فم كرم وهو يقول بتهكم: 

-مالك ياض بدر بدر بدر، أيه هو جوز أمك، يلا بينا 
قوم، مش المفروض تقف جنب اخوك 

**★**

-أنا عارف أنك لسه بتحبينى مستحيل تنسينى فى يوم
وليلة، عشان خاطر ابننا اللى جاى يا بيلا 

قال ضياء جملته وينتظر ردًا واحدًا يريح قلبه، بينما هى
كان يزداد ألم الولادة عليها
الادراك لديها مصاب بنوبة صدمة وتعجب، تأوهت حين شعرت بتقلص شديد فلامست بطنها بخوف ووجع وزاد
بكاؤها هامسة بتقطع: 

-بولد أنا، ضياء أاانا هاموت 

اقترب منها يضمها والدها فتشبثت به باحثة عن السند 
والأمان أو ربما لتهرب من مشاعرها او باحثة عن من يدواى كسرها، رفع ضياء عيناه لها ينظر بصمت مدمج بالحزن، ثم نظر إلى والدها، فتح الباب وولج الطبيب
قائلًا: 

-يلا يا ضياء مش مستعجل على البيبى ولا أيه 

بالداخل فى غرفة العمليات

ارخت جفنيها من تأثير المخدر، كانت قريبة منه إلى حد كبير، يزداد الاقتراب ويزداد اشتياقه، دون أن يشعر 
مسد بيده على خصلات شعرها الذهبية ثم أنحنى 
بجذعه يقبل رأسها باشتياق، ينشد احتوائها، يترقب 
عناق منها قطعه، لكنه انتفض على صوت صراخ الطفل
فانتصب فى وقفته ومشاعر غريبة تسيطر عليه
 تحمحم الطبيب قائلًا: 

-ضياء تعالى اقطع الحبل السرى 

ابتسم ضياء هاتفًا بشكر وتأثر حقيقى بنبرة مشبعة بالامتنان: 

-بجد شكرًا اووى 

ألتقط المقص الطبى المعقم ثم اقترب بخوف وهو 
يحمل المقص وقام بقطع الحبل السُرى فناول الطبيب الصغير
للممرضة ، وهز رأسه بعملية ليخبره سلامة الصغير 

لحظات وكانت الممرضة تقترب تناوله الصغير فضمه لصدره واقترب من بيلا يهمس بجوار اذنيه: 

-بيلا فتحى عينيكِ، ابننا وصل 

بدأت ترمش بعيناها لتفيق من غفوتها المرضية ونظرت 
نحو الصغير والدموع تملأ عينيها: 

-قربهُ منى 

مال بجزعه يقربُه منها فأغمضت عيناها تستنشق رائحته
ثم قبلته وهى تتفحص كل أنش به 

-ضياء البيبى لازم يطلع الحضانة عشان يطمنوا عليه

هذه الجملة قالها الطبيب فهز ضياء رأسه وهو يحمل الصغير للخارج لكنه لم يكمل فقد اعطاه للممرضة

بينما بالداخل وقف الطبيب امامها هاتفًا: 

-حمدا لله على سلامة وولادة بدون ألم ولا حستى بحاجة
اهو 

بللت شفتها هامسة: 

-لو سمحت يا دكتور مش عايزة حد يشوف رجلى كدا 
ولا حتى ضياء لبسنى الجهاز قبل ما اخرج من الاوضة 

تشنجت عضلاته كأن الصقيع انصب فوق رأسه، مسح 
دمعة غافلت جفونه وهو يسمع كلامها، شعر بأن الهواء 
ينفُذ من حوله، تحمحم ثم همس بنبرة جاهد أن تخرج
ثابته: 

-البيبى اخدته الممرضة، هتخرج هى امته 

ابتسم الطبيب بعملية قائلًا قبل أن ينصرف 

-خلاص هتخرج حالًا مبروك عليكم 

ابتسمت وهى تغمض عيناها لا زالت  تحت تأثير المخدر بينما هز ضياء رأسه بامتنان وما أن انصرف الطبيب 
ظل ينظر لها لتشبع عيونه المشتاقة منها 

***

أوصد عينيه وملامح وجهه متقلصة للغاية محاولًا 
صرف تفكيره عن وجود بدر، ليخترق اذنه اثناء محاولة
ضبط نفسه سماع صوتها المتمرد وهى تحدث الممرضة: 

-تمام لو جت الاشاعة ابقى دخليها

ثم تابعت وهى تنظر لكرم: 

-منورين

 ابتسم كرم بحفاوة: 

-دا نورك انتٍ يا أجمل دكتورة فى الدنيا وحشتينى والله 

ردت عليه بابتسامة صغيرة مرتسمة فوق شفتيها 
وبصوت هادئ ورقيق: 

-هحاول ابلعها واصدقك

-طب على فكرة عيب انتِ حاجة تانية عندى ويعلم ربنا 

-وأنا متأكدة من دا يا كرم 

سحب طاهر نفسًا مطولًا وسحبه على مهل، فرمقته بطرف عيناها ثم اكملت: 

-وأيه الجديد بعد الرفض

-أنا كلمت كنان وهو قالى هيتصرف، بس يا بيسان عايز 
اشوفها وحشتنى أوى

ابتسمت بوداعة وردت بكلمات محاولة إبعاد الحرج: 

-احممم، تمام بس اللى اعرفه أن ضياء من اسبوعين 
اخدها لدكتور نفسى وعلى فكرة الخطوة دية ضرورية 
فلازم تستنى، وعلى فكرة كنت لسه مكلمة كنان وقالى 
هى بتاخد خطوات سريعة 

ظهر الامتعاض على ملامح طاهر وعدم تقبله لم تتفوه به، 
اردف كرم: 

-كل دا بلح، أنا مش مقتنع بإى حاجة غير أنى اقابلها 
هتساعدينى ولا اتصرف بطريقتى 

غمغمت وهى ترفع كتفاها: 

-هاحاول بس مش أكيد يا كرم 

تهللت اسارير كرم من موافقتها، ليوجه نظره للجالس 
امامه بتوتر ممزوج بعصبية فحدث بيسان قائلًا: 

-طب أحنا لازم نتغدا مع بعض وممنوع الإعتراض
يا بيسان أنا بعرفك مش بأخد رأيك ومش هينفع
أى اعذار 

كان طاهر منتظر ردها على احر من الجمر، فحدثت كرم وهى لا زالت تتجاهل طاهر : 

-مفيش اعذار موافقة 

غامت نظرات طاهر خلف شرارات غضبه بسبب تجاهلها 
الغير مبرر بالنسبة له، نهض طاهر واقفًا بتحفز وهو يقول

-أنا مش فاضى عندى شغل 

اسندت ظهرها للخلف وهى تحرك مقعدها يمينًا ويسارًا فى 
صمت ظهرت الصدمة جلية على ملامحها من طريقته
فجز كرم على اسنانه بغيظ: 

-وأنا قولت اقعد ومفيش اعذار يا طاهر 

****
ما زالت ذكرى الولادة والذعر يتملكه، وهو يراها أمامه تعانى  عاجز عن فعل ما يخفف عنها ألمها، رغبة ملحة 
لسحقها الآن بين ذراعيه ليهدأ البركان الذى بداخله، قطع 
افكاره بكاء الرضيع، اقترب برهبة من الفراش الصغير
يتأمل ملامح صغيره الناعمة، براءة ونقاء يُريحان قلبه
من وجع الماضى، يتأمله والدموع تفيض بمقلتيه، مال بجذعه ليحمله برهبة وخوف عكس عيناه التى تمتلأ
بالفرح، ملامحه جعلت ابتسامته تتوسع صغيره يشبه 
عمته، نفس لون عينيها، مشاعر ابوية فياضة لأول مرة 
يختبرها يصعب وصفها أو تحديد ماهيتها، قربه منه
ليقبل مقدمة رأسه، تعالت صرخة الصغير حتى حدثته
والدته: 

-ضياء يا حبيبى البيبى بيعيط  عايز بيلا 

تغضنت ملامحه وهو يضم الصغير اكثر هامسًا: 

-اشمعنا، طب ما أنا شايله اهو 

جاوبته لبنى بحنق: 

-عايز يرضع هاته بقى 

رمقها بإمتعاض ثم قرب الصغير يطبع قبلة اخيرة على
جبهته، اقترب هو يتأملها بعشق وهو يوزع نظراته 
بينها وبين الصغير ثم وضعه بين يدها، بينما هى 
كان كل انتباهها مع الطفل الذى لم يهدأ مطالبًا بطعامه 
فعقد حاجبيه لأنها لم تقم بإرضاعه، كانت توزع 
نظراتها بينهم ثم ثبتتها عليه وهى تقول: 

-انا عايزة ارضعه 

-ايوة لازم ترضعيه دا مش فاصل عياط 

التو ثغر لبنى وهى تقول: 

-عايزة ترضع البيبى، هو أنت مش واخد بالك عدتها خلصت والطلاق وقع، اتفضل اطلع برا

رمق هاشم بطرفه الذى اغمض عيناه بتوتر ثم دس يده
فى جيب سرواله قائلًا: 

-لأ خدى راحتك أنا ردتها لعصمتى خلاص، يعنى هى 
مراتى وترضع عادى قدامي

ألجمت الصدمة حواسها من جملته الأخيرة، لحظات وعادت للواقع متسائلة: 

-انت بتقول ايه؟! 

-ردِتك يا بيلا قبل ما العدة تخلص يعنى انتِ مراتى

قفزت كارما من مقعدها تتعلق فى عنق اخيها بسعادة: 

-بجد يا ضياء، مبروك يا حبيبى 

وقفت والدته بجوار بيلا تربت على كتفاها قائلة: 

-مبروك يا بيلا وإن شاء لله يبقى وش الخير عليكم 
البيبى وتبدوأ صفحة جديدة

تملك الغضب منها عندما تأكدت من الخبر وقبضت على الفراش وصاحت بصوت هادر: 

-انت اتجنتت ازاى تردنى أنا مش موافقة أنا مش عايزاك
كل اللى بينا انتهى

احتدمت ملامح لبنى بعصبية وصاحت هى الأخرى: 

-انت فاكر نفسك ايه؟! هى سايبة تردها من غير موافقتها
ومن غير علمنا أنت هتطلقها وطلاق محكمة وهتبعد عنها 
خالص 

تجاهلها ضياء وهو يوجه حديثه لبيلا: 

-الرضاعة على زعل وحشة على البيبى يرضيكِ
يتعب ولا يزعل مننا من الأول مش عملين حساب لوجوده 
لو مكسوفة منهم اطلعهم 

رمقته بنظرات خيبة وتفوهت بنبرة مائلة للبكاء 
متحاملة تلك الغصة بحلقها: 

-ردتنى ليه ماكنش وعدك أنك مش هتردنى غير بمزاجى
ليه عملت كدا 

اجابها ببساطة وهو يغمز لها: 

-رضعى قبل ولما هنروح اقولك ليه 

ابتسمت كارما متسائلة: 

-انتوا هتسموا البيبى ايه يا ضياء 

فى هذه الاثناء فتح باب الغرفة ووقف كنان على اعتاب الغرفة، التفتت جميع الانظار إليه فابتسمت هويدا ومضت 
نحو الذى تغضنت ملامحه بالغضب هامسة بجوار اذنه: 

-ولا تفتح بؤقك يا ضياء وابقى ورينى هتعمل ايه

انهت جملتها وهى تتوجه نحو كنان لتحضتنه بفرح هامسة:

-أنا بقيت تيتا يا كنان 

واحلى تيته فى الدنيا 

ابتسمت كارما متسائلة: 

-طب يا تيتا حد يقولى البيبى دا اسمه ايه 

اقتربت هويدا من بيلا وحملت الصغير لتضعه بين يد 
كنان هاتفة وهى تربت على ذراعه: 

-هسميه أصيل زى عمه كنان 

استدارت تسأل بيلا: 

-أيه رأيك يا بيلا لو مش عاجبك نغير الأسم 

ابتسم هاشم وهو يقول: 

-حلو اسم اصيل شكله هيطلع ليه فى الفروسية من اسمه 

-حلو يا طنط 

احتقن وجه ضياء فحدثها: 

-أنا مش موافق طبعا 

قبل أن ينهى جملته كان الباب يفتح ثانية التفتت الأنظار 
كان كرم يقف بابتسامة واسعة ويحمل بيده باقة زهور
قطع ضياء الخطوات الفاصلة بينهم واقفًا امامه يسأله: 

-انت ايه اللى جابك هنا 

التو ثغر كرم ثم اجابة بتلقائية: 

-جاى اخد بقية حسابى انت رفضتنى من غير ما تدينى 
حقى 

اغمض كنان عينيه من تصرفات كرم الهوجاء، بينما شعر هاشم بتوتر الأجواء، فتخطى ضياء متحركًا نحو كرم 
هاتفًا: 

-اتفضل يا كرم تعالى

انهى جملته ومال على ضياء هامسًا: 

-عدى اليوم معانا وبعدين 

زوى ضياء ما بين حاجبيه وجاوبه باستهجان وسخط

-ما عنه ما عدى هو فى أيه الواد دا أنا رفضته 

أما هى كانت تقف فى الزاوية تشعر برجفة تحتلها كأنها
تسقط فى بئر عميق لا قرار له، ضغطت على شفتها السفلى
محاولة أن تستجمع ثباتها كلما همت بقول شئ، يتعرقل 
لسانها، اسمه ليس بهذه الصعوبة، نطقته وكأنها تقطع 
اميال فى الصحراء 

-كرم 

أما هو من بين الجميع رأها، انحبست انفاسه، كانت عيناه تتفحصها بأعين مشتاقة متلهفة، لم يراها منذ شهر 
ازدادت فتنة وجمالًا، اغمض جفنية لثوانى ليمنع تأثيرها
عليه، نيران متأججة بداخله، تنهد بضيق لو كان بمفردهم 
لفعل اشياء كثيرة يرغب بها عقله الخبيث، 

كل هذا تحت نظرات كنان الذى كان يراقب ردة فعل كارما وإرتباكها ومدى تأثير دخول كرم وابتسم وهو يلاحظ لمعة عينيها 

أما كرم نفض هذه الافكار ثم توجه نحو هويدا وهو يمد يده بباقة الورد 

-بجد مش عارف ازاى انتِ تيتا بس مبروك

رمقت هويدا احتقان ابنها فابتسمت لكرم بهدوء وهى تقول: 

-الله يبارك فيك يا حبيبى عقبالك 

-ادعيلى من قلبك ربنا يهدى العاصى 

زمجر ضياء من خلفه فهمست هويدا: 

-طب يلا كلنا عشان بيلا ترضع البيبى 

كانت تتهرب من نظراته بينما هو كان يشبع عيناه منها 
طفولتها مع انوثتها الناضجة، ارتسم طيف خفيف على 
شفتيه قبل أن يغمز لها وهو يغادر الغرفة، انصرف 
الجميع وبقى ضياء مع بيلا فى الغرفة تجمدت تعابير
وجهها الغاضبة عندما بدأ الرضيع بالصراخ فهمست: 

-اطلع بره يا ضياء 

-اصيل بيعيط خلينى معاكِ 

-لأ اطلع يا ضياء 

ازداد صراخ الرضيع وكأنه لايريد مغادرته، فتناول غطاء الفراش ومد يده به هامسًا: 

-طب خدى دا ورضعيه 

تناولته  لتحجب نفسها عنه، عواصف عاتيه ضربته 
ضم قبضة يده حتى ابيضت ُسُليماته وهو يحاول التحكم 
فى غضبه، رفعت بصرها إليه بعد أن القمت صغيرها صدرها  
والدموع تملأ عيناها: 

-سكت 

-بحبك 

تقوست عضلة فكها وهى تبتلع غصة مؤلمة فى حلقها 

****

-واضح أنك مش طايقة نفسك من ساعة ما كرم 
مشى 

قال هذه الكلمات طاهر، رغبة حمقاء تلح عليها بالبكاء 
لكنها تمالكت نفسها وابتسمت بسخرية قائلة: 

-عادى يعنى 

كان يلاحظ اضطراب وجهها وصدرها الذى يعلو ويهبط
هامسًا: 

-لأ ما هو واضح 

اغمضت جفنيها وهى تستمع إلى كلماته، لسانها اصبح 
ينعقد ولا تعرف كيف ترد عليه، فسألها بحدة: 

-ممكن افهم انتِ بتعاملينى كدا ليه 
هل صدر منى حاجة ضايقتك أنا قولت كلمة غلط 
تخليكِ تنزلى من شرم بدون ما تعرفينى وكمان مترديش
عليا، مش المفروض كنا قريبين يعني لو عملت حاجة 
غلط عرفينى 

كانت تخشى مقلتيه برغم برودهما ظاهريًا إلا أن 
خلفهما غضب دفين فهمست: 

-كنت مخنوقة ياطاهر ومقدرتش اقعد 

-من أيه يا بيسان 

دمعت عيناها بتأثر وهى تقول:

-أنا اتخانقت انا وتارا جامد أوي

-غريبة يعنى هى مقلتش، بس بردو كان لازم تعرفينى 
او حتى تردى عليا، مش اعرف انك نزلتى لا وكمان فتحتى 
انتى وبدر العيادة، حبتى الثقة ديه منين فى بدر 
وليه تفتحى مع حد وازاى متأخديش رأى 

ضيقت عيناها قائلة: 

-طاهر أنا مش عيلة صغيرة ومتعودة اخد قرارتى لوحدى
وبدر بنى ادم كويس وهو نفس التخصص وفتحنا مشروع 
مع بعض 

نظر إليها معاتبا وهو يشعر بنغزات فى الفؤاد فابتلع 
متسائلًا: 

-المهم انتِ احسن دلوقتى؟ وجودك مع اهلك مريحك 

صمتت قليلًا ثم تابعت: 

-الحمدلله أنا اصلا بروح ساعتين 

-كدا كتير يا بيسان عليكِ

-خلينا نفكر فى حل لكرم احسن 

اصدر ضحكات قوية رنانة وهو يقول: 

-احنا ندعيله دا اللى نقدر عليه احنا هالكنا 

*****

بعد يومين 

كان ينهك نفسه فى تصميم الافراح وفجأة جاء صوت
من خلفه، مرر عينيه عليها وسألها بعداونية: 

-ايه اللى جابك لسه الاسبوعين مخلصوش

اجابته بحدة: 

-فى ايه مالك كل ما تشوفنى تجنن أنا جاية اشتغل 
مش اشحت منك 

تجهمت ملامحه على الفور وقذف القلم الذى يمسكه 
ارضًا ثم قال بامتعاض: 

-انتِ مش بتفهمين انا بقرف منك ومن اشكال 
ولو هتشتغلى انتِ هنا أنا هسيب الشغل 

اجابته بلهجة يلفها البرود وتنافى ما بداخلها: 

-قررك وانت حر 

نهض واقفًا وهو ليتناول سترته متجهًا للخارج تزامنًا 
مع دخول بيسان وكارما فحدثتها بيسان: 

-تارا بتعملى أيه هنا 

-وانتِ مالك 

اقتربت منها تسألها بتهجم: 

-انت متعرفيش تتكلمى زى البنى ادميين ابدًا 

صرخت بها لتخرج ما فى جعبتها: 

-لأ مش بعرف ومعاكِ انتِ بذات لأ، عارفة ليه عشان 
عمرك ما كنتِ مصدر ثقة ليا انت عارفة كويس أن
كارما باعتنى عشان الواد الصايع اللى عرفتوا كسرت
بخاطرى وبعدت عننى وكأنى ولا حاجة بالنسبة ليها 
وفالاخر كلكم رجعتوا تطبطوا عليها عشان هى اللى
كيوت، صح لكن هى مش كيوت ولا أنا رخيصة زى 
ماانتِ شايفنى انا روحت لشلة ديه عشان هى سبتنى
بقيت بخرج وألبس زيهم بدل ما كنا اخوات واصحاب ومش بنفارق بعض، على فكرة هى كانت بسهولة ممكن تفرط فى نفسها لكن أنا ولا 
يمكن اعمل كدا أنا اللى ملقتش اختى تقف جنبى انتِ حتى مكلفتيش خاطرك تعرفى سبب الخلاف اللى بينا 
كل كلامك كان ازاى تبعدى عن كارما ليه سبتى كارما 
خليكِ ماسكة فايدها وابعدى عنى بقى

انهت كلامها وهى تهرول للخارج غافلة عن عيون تراقبها 
هبطت مسرعة تقطع الطريق دون انتباه 

***
تعليقات