رواية روح بلا مأوى الفصل الواحد والستون
فاقت من شرودها، ولحظة واحدة تفصلها عن الصدام
كادت أن تدعسها تمامًا، لولا أن ضغط فرامل السيارة
فى الوقت المناسب، اخرج صاحب السيارة رأسه
من شباك وعينيه تكاد تخرج من محجرهما قائلًا:
-مش تفتحى ايه عميتى، كنتِ هتودينى فى داهية
بتعدى الشارع ومن غير ماتبصى، شكلك شاربة وطينة
على الاخر
ابتلعت ريقها وهى تتأهب للهجوم عليه:
-ما تحاسب على كلامك ماكنتش واخدة بالى
-نعم مش واخدة ايه، انت فاكرة نفسك بتعدى طرقة
بيتكم
صدح صوت من خلفها وهو ينهى المشاداة بينهما:
-خلاص اتكل على الله وحصل خير
رمقته بغضب ثم سارت مسرعة محاولة الهرب لكنه لحقها ونادى عليها فتوقفت بغضب قائلة:
-ايه عايز ايه؟ الشركة وسبتها اشبع بيها
تحركت من امامه وهى تود الأرض تنشق وتبلعها فلحقها
وأوقف سيارة هامسًا:
-اركبى
-لأ
نظر لها بعصبية ودفعها بعصبية ثم أمر السائق بالانطلاق
*****
خرجت الأفعى من جحرها ومعها ابناءها الصغار لتبث
سمها، دقائق ومرت عليها كأعمار طويلة وهى تسترجع كابوسها المرير اخيها من أمها وصل إليها بداخل شقتها ليهددها لم يكفيه ما فعله بأختها ليزيد البله طين ليبتزها
ويهددها بالقتل، لوهلة اصاب ثائر جسدها شلل تمام، تشعر بانفاسها الثقيلة المحملة بالخوف
لكن يكفى هروب.. وقد حان وقت المواجهة ستخبر كنان
بكل شئ ليقف معها
دقائق وكان كنان يصف سيارته امامها وهبط منها ليفتح الباب بحركة مسرحية فابتسمت رغمًا عنها وصعدت
فأغلق الباب خلفها ثم استدار واستقل السيارة فسألته
-شكلك مبسوط
-اوى، أنا لحد دلوقتى مش متخيل أن حضرت ولادت
ابن ضياء أنا حسيت أنه ابنى أنا، كان نفسى وهى بتأخد
منى اقولها دا هيروح معايا
منعت النظر به فهو سيكون ابًا رائعًا، وجوده بحياتها يشبه مصباحًا يضئ فى وسط عتمة الصحراء، العصا التى تتكأ
عليه فتابع هو قائلًا:
-ومش بس كدا فى مفاجأة تانى
-وصلنا
قطبت حاجبيها باستنكار بينما هو صف سيارته امام إحدى
العمارات الفاخرة وأشارة إلى لافتة مكتوب عليها
"عيادة كيان" هزت رأسها متسائلة:
-أيه دا؟!
-سر الانبساط، عيادتى كيان، أيه رأيك
رفعت وجهها مقابل وجهه وسألته والدموع تملأ عيناها ومقلتيها لم تفارق عينيه:
-كنان انت كاتب اسمى أنا على العيادة
-مغرم صبابة..دا الحب قادر .. واحنا غلابة
اطرقت رأسها بخجل واغمضت عيناها كلماته اذابت اوتار قلبها، ارتسم طيف على شفتاه وعينيه لم ترحمها وهو يراقب، حركتها وخجلها الطفولى فهمس:
-يلا عشان نطلع نشوف العيادة
تجمدت تعبير وجهها وهى تسأله بذهول:
-هو أنا هطلع معاك فوق لوحدنا لأ ميصحش
قهقة كنان وهو يقول:
-خايفة من أيه دا احنا قاعدنا متجوزين تسع شهور
فى شقة واحدة فى واوضة واحدة على سرير واحد
وفى الاخر اتطلاقنا واحنا اخوات يا كيان متقلبيش
عليا المواجع الله يكرمك
اشتعلت وجنتيها باللون الأحمر القانى وهمست:
-على فكرة كدا مطمنتش ومش هطلع
تركها ثم توجه نحو حارس البناية حدثه وبعد ثوانٍ
قليلة كانت تنضم له وصعدت معه بصحبة زوجة حارس
العقار، فهمس لها
-حلوة كدا أنا جبت محرم اهو
التقط اذن زوجة حارس العقار كلماته فردت عليه:
-امم محرم يعنى هى مش مراتك حيث كدا
وسع شوية انت لازق فى البونية ليه خليها تتنفس
توسعت عيناه بذهول وهو يقول:
-لأ ديه مراتى على فكرة
اطرقت كيان برأسها للأسفل قائلة:
-لأ احنا مطلقيين
التو ثغر هذه السيدة وهى تسحب ذراع كيان وتتحرك
بها خارج الغرفة:
-هما كدا يا حبيبتى بعد الطلاق بنحلى فى عينيهم
وياترى اتطلجتوا ليه، شكله خانك يا قلب امك
هزت رأسها وقبل أن تنطق:
-لو مش خاين يبقى عنده مشكله لا مؤاخذة وكويس
أنك اطلقتى هتدفنى نفسك معاه
صرخ كنان وهو يقول:
-بس بس، أنا لا مؤاخذة اتفضلى انزلى من هنا اتفضلى
انتفضت من صوته، وانصرفت وهى تسحب كيان معاها
فصرخ ثانية:
-سحبها معاكِ على فين سبيها وانزلى
نزعت يدها بحدة قائلة:
-اهى عندك يا اخويا انا غلطانة انى بقول كلمات الحق
وقف الاثنان ينظران فى اثرها بتعجب هز كنان رأسه:
-عجبك عمايلك كدا
-أنا مالى
خلل اصابعه فى خصلات شعره وهو يزفر بحنق هاتفًا
_انت مالك ما المفروض انت الدليل، وسمعتى بقت على
المحك وكدا مينفعش ولازم نجيب مأذون واتنين شهود
قطعته بتحذير:
-كناااان، وبعدين،
انا اتفرجت يلا بينا بقى كفاية كدا الست ديه هتفضحنا
غمغم كنان بمشاكسة:
-عارفة انا نفسى فى ايه؟!
صمت لتفكر ثم سألته بجدية:
-فى أيه؟!
-عارفة اللبن خالى الدسم
-ايوة
حك ذقنه ثم تابع:
-والعصير الخالى من السكر
أومات بعبوس وهى عقد مابين حاجبيها:
-ايوة مالهم
عض على شفتاه السفلى وهو يغمز بعينه قائلًا:
-أهو أنا بقى نفسى فى قاعدة خالية من الادب
شقهة وهى تضع يدها على ثغرها ثم هرولت قائلة:
-يا طنط استنى انا جاية معاكِ دا طلع نوع تالت
لم يصدق مايسمعه اطرق كفًا بالأخر وهو يقول:
-أنا نوع تالت، ياعمرك اللى بيضيع هدر يا كنان
*****
الألم النفسى من ابشع أنواع الألم، يجعلك فاقد الشعور
والأحساس، يجعلك تعانق الألم، وتستمر فى جلد الذات
الذى يعود بسلب عليك وعلى من حولك فتشعر أن روحك
مغلفة بالجليد ومشاعرك فى بئر سحيق لا قرر له
كانت كتمثال صخرى لا تتحرك انسابت دموعها لتروى
قحط روحها، اقترب منها طاهر وسهام مسموم تفتك
بقلبه قائلًا:
-بيسان أنتِ بتعيطى، طب اهدى اهدى تعالى معايا
خلينا نتكلم
همست بمرارة وحسرة شديدة:
-عايزة اكون لوحدى لو سمحت يا طاهر
-وأنا استحالة اسيبك كدا تعالى المكتب أما ننزل مع بعض
-خلينا ننزل حاسة انى بتخنق هموت
فى السيارة مسحت دموعها وقد تبدلت ملامحها من ملامح هادئة لحزينة هامسة:
-أنا وحشة أوى كدا، أنا مش عارفة ازاى
بس هما كانوا اصحاب وهى رفضت تعرفنى سبب زعلهم
من بعض حتى لما قولت أكلم كارما قالتلى ما تدخليش
فسكت وسابتهم وكان عندى امتحانات ومركزتش ساعتها
فى الموضوع كنت مضغوطة لوحدى فى كل حاجة، وكنت
بشوف كارما بحكم انى بقابل كنان وضياء وهى معاهم
وبكلمها عادى، ولما عرفت اللى مرت بيه فى جوزها اتعاطفت معاها ومش قصدى اجاى على تارا أو انها
رخيصة زى ما قالت، هى كانت على طول معاملتها
معايا جافة أنا تعبت والله تعبت أنا حاولت وأنا اللى
كنت بتصل بحاول اتواصل على طول بس كان فى
حلقة مفقودة يا طاهر
انتهت من سرد قصتها المحزنة، دموعها تزلزل كيانه تحرق من الداخل ويود أن يمد يده ليمسح دموعها تنهد قائلًا:
-على فكرة بقى المفروض متعيطيش خالص وتفرحى
ديه بداية جديدة ليكم، هى طلعت اللى فى قلبها من وجهة
نظرها وانت كمان كلميها صدقينى انت الاتنين بتحبوا
بعض جدًا بس سوء تفاهم يا بيسان مش محتاج لكل دا
كلماته مست قلبها وصميم روحها الدامية، كم تطمئن فى
حضوره، تسمح لنفسه أن تكشف حقيقتها كاملة امامه
ابتسمت بألم ثم همست بضعف:
-شكرًا
ابتسم وهو يشاكسها:
-شكرًا بس، دا لو استشارة عند دكتور نفسى كنتِ دفعتى
قد كدا
راقبت حركت عيناه الاكثر من رائعتين ومظهره الرجولى
شديد الوسامة:
-طب عايز كام
-تعزنينى على الغدا يومين
ضحكت بيسان بسخرية:
يعنى عايز توفر على حسابى تمام
****
تشعر باختناق شديد، كرامتها هدرت، انوثتها جرحت كأنها بزوبعة ألم تلتهمها دون شفقة او رحمة، روحها تنزف من الداخل، كانت تقف وسط الغرفة كورقة ضلت وجههتها وبقيت بلا هوادة وسط الطرقات، بينما هو اقترب بخطوة
متهملة حتى وقف امامها هامسًا:
-كارما ارفعى رأسك وبصى عليا
لم ترد عليه فاصر قائلًا:
-سامعنى ارفعى رأسك وبصى عليا
رفعت عيناها المحمرتين بشدة والدموع تغرق وجهها
وليتها لم تفعل دموعها فعلت به الافاعيل فهمس:
-ممكن ما تعيطيش عشان نتكلم
رمشت باهدابها الكثيفة قائلة:
-مفيش كلام، انت سمعت أنا عملت ايه مع صاحبتى
عشان واحد، وفى الاخر هو عمل فيا كل حاجة وحشة
أنا منفعش ليك أو لغيرك لو سمحت ابعد عنى أنا واحدة
رخيصة
اشعلت فتيل غضبه بكلماتها فصرخ بها:
-اسكتتتى وإياك اسمعك بتقولى كدا على نفسك تانى فاهمة، غلطى زى أى حد بيغلط والغلط يتصلح تارا
زعلانة ومعاها حق، وانت المفروض تحاولى تصلحيها
وتبدأى من جديد بلاش سلبية مش عشانى، بس لازم
عشان تكملى، وموضوعنا لازم اسمع منك رد مش هتسبينى كدا كتير، اللى عدى
انتهى احنا فى الجديد، عايزك قوية حتى لو قررتى
متكمليش معايا ساعتها هبعد واحترم رغبتك
تقضم شفتها فى محاولة بائسة منها لتحكم فى دموعها
أو ربما لتحكم فى نفسها كى لترتمى بين ذراعيه فهى
بحاجة لعناق فهمست وهى تنصرف من امامه:
-ممكن متحاولش توصل تانى كفاية اللى خصل انهارده
تحركت من امامه وقبل ان تفتح الباب كان يغلق الباب
بيده ثانيةً
******
ولج للغرفة وجدها تضع الصغير فى فراشه فوجدها فرصة
فاقترب منها محاوطًا خصرها، مستنشقًا عبيرها الذى سلب
انفاسه وقد حرم منه طيلة الشهور الماضية، دفنًا وجهه
بين ثنايا عنقها، ارتجف جسدها من قربه فحاولت الابتعاد
لكنه منعها بعد أن اصبح وجهه موجهًا لوجهها يتطلع
إلى الفيروز خاصته هامسًا:
-وحشتينى، وحشتينى يا بيلا
اغمضت عيناها من همسه الذى اذاب اعترضها، قلبها يدفعها لوصاله بينما عقلها ينهر بشدة فمد انامله
على وجنتيها الغاضبتين:
-قلبك أنا وحشته أنا متأكد ادينا أنا وقلبك فرصة
يفرض نفسه عليها كعادته المهلكة، مد انامله ليحركها
على شفتيها هامسًا:
-ما شفتش النوم اتعذبت فى بعدك، روحى فرقتنى
بفراقك
حاولت فك حصرها من براثينه لكنها لم تقدر، لثم عنقها
قبلات متفرقة حتى وصلا إ إلى شفتاها لثمهما بنعومة
ثم افترس شفتيها باشتياق يبث لها شوقه وعذابه
بينما هى ذابت بين يده كقطعة شوكولاته ناعمة
لكنها انتبهت على حالها سريعًا فدفعتها بحدة فى صدره
-ابعد عنى، وإياك تلمسنى، أنا مش مجرد ألة لمتعة
بتاعتك وبس، وبعد كدا تدبحنى بكلامك إياك تقرب
منى كدا، مش معنى أنك ردتنى غصب أنك تعمل
كدا، أنا بقرف من نفسى
ألقت كلمتها عليه كالجمر فاشعلت صدره وتهدجت
انفاسها
*****
ولج للداخل يبحث عنها ولم يجدها حتى برزت عروق
رقبته
