رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والستون 62 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والستون 


قبل ساعتين 

خضعت لقلبها ملبية جميع اوامره، وقعت فى عشقه حتى 
الثمالة، كانت كقطعة شطرنج يحركها كيفما شاء

لملمت هاجر ذاتها بثبات ظاهرى ثم تناولت كوب العصير ترتشف منه، ليقطع شرودها صوت ساهر: 

-بقيتى احسن دلوقتى يا هاجر؟! 

ضحكت بهستريا مما جعل ساهر يرمق المكان حولهم
ثم توقفت فجأة قائلة: 

-هبقى أحسن ازاى يا ساهر بس، طب انت عارف ايه اللى قاهرنى؟!

رفع ساهر بصره إليها بإهتمام منتظر اجابتها فتابعت: 

-ياريته كان قال قبل الجواز، او بعد الجواز بكام شهر 
لا دا استنى لما أنا حبيته من قلبى، لما هو بقى ابويا
واخويا وصاحبى وحبيبى وكل حاجة، عشان لما اعرف
الحقيقة معرفش اخد موقف عشان افضل كدا موجوعة
مش قادرة اعيش مش قادرة اتنفس حتى أنا كنت موجوعة بس عايشة بضحك واخرج ومتأقلمة مع الوجع
لكن دلوقتى مدبوحة، مش عارفة ازاى بيقول انه حبنى واستنى نوصل للمرحلة ديه 

قاطعها ساهر بغموض: 

-يعنى ياهاجر بقى ابوكِ واخوكِ وصاحبك وكل دا ومش 
قادرة تسامحيه، اظن أنك لو حاولتى تحطى نفسك مكانه
هتعذريه 

زفرت زفرة قوية لتطرد معها وجعها: 

-سيبك منى صوتك كان مضايق عشان كدا نزلت اقابلك 

-موجوع اوى يا هاجر، ابويا وامى واختى فجأة بقيت لوحدى قلبى محروق 

طافت هاجر عينيها بحزن هامسة: 

-ربنا يرحمهم انا عارفة انت علاقتك بخالى عاصم كانت 
عاملة ازاى وهو بيعاملك ازاى بغض النظر عن اللى عمله 
مع كيان، بس يا ساهر بص للموضوع دا أنه رحمة ربنا
بيك قبل أى حد لو خالى عاش كان هيتعذب بذنب
كيان وكان هيبقى الحمل اتقل عليك، هو ربنا خده 
عشان يعذبه عنده 

رد عليها بسخرية يشوبها بعض بتهكم: 

-الصراحة اخترت الشخص  الصح اللى افضفض معاها ربنا خده عشان يعذبه

صمت وهما يتبادلا النظرات ثم انفجرا من الضحك فسألها: 

-يا هاجر احنا الإتنين بنفشل اننا نحزن واحنا مع بعض 
واكتر إتنين فاهمين بعض ليه متجوزناش 

اتسعت مقلتاها بصدمة هامسة: 

-ايه السؤال دا، اكيد عشان أنا مش بطيق امك

هز رأسه بأسف: 

-انتِ صح، وأنا كمان مش بطيق امك 

اردفت هاجر بسخرية: 

-معقولة دا كل الناس بتحبها 

حك ساهر مؤخرة رأسه ليقول: 

-عمتى!!! دي كان فاضل مقشة وتقلب البيت مراجيح 
زى الساحرة الشريرة 

همست بنبرة يشوبها الحزن:

-الله يرحمها بقى مش باقى غير السيرة الطيبة 

-من قلبك؟! 

التو ثغره هامسة: 

-جت عليا ما انت زعلان عاصم 
المهم أنا  نزلت من غير ما حد يعرف هقوم اروح 

-‏انتِ متغدتيش 

تناولت حقيبتها قائلة: 
هأخد معايا أكل وأنا مروحة 

*****

ساد الصمت الرهيب إلا من صوت انفاسه العالية 
طوق ملامح وجهها الهادئة، ونظرة الخوف بعينيها
التى تزيد من ثورته الجامحة ليتوهج ذلك البريق
العاشق بعيناه، فقد تيقن انها ملكت مقاليد عرش
الفؤاد، ذابت بين دمائه واحتلته، ابتلعت خوفها وهى تتراجع
للخلف هامسة: 

-انت فى أيه؟! 

جز على اسنانه بغيظ: 

-اقولك لو عايزانى ابعد أنا هابعد تقوليلى ابعد 
البعيدة معندهاش دم، مبتحسش، قلبها دا شيلاه وحطتي مكانه حجر

ابتعدت كارما عنه قليلًا ودمعاتها تشق طريقها لتقول باندفاع: 

-هو انت شايف ايه أنا مش شايفاه فى العلاقة دي 
أنا واحدة مدمرة نفسيًا وجسديًا أنا تايهة وضايعة 
بس بحاول أكون بنى أدمة عادية ومش قادرة

نظرات متألمة سرعان ما محاها بنظرات جدية هاتفًا: 

-أنا مش طالب غير القبول، وأنا هستنى أنا عارف 
أنك ابتديتى مع دكتور نفسى، ودي خطوة كبيرة 
فى طريق التعافى وأنا جنبك هنعدى كل دا بس 
بلاش تصدينى وادينى امل

-أنا اصلًا معنديش أمل 

ليردف بنفس الجدية قائلًا: 

-وأنا هديكِ الأمل وعندى ثقة أن دا هيعدى قريب 

ثم تابع بمكر ليقول: 

-بما أن كنت شغال عندكم واخوكِ طردنى، أنا ممكن اخد 
بقية حسابى أى حاجة ومش شرط فلوس 

-يعنى هتأخد بقية حسابك أيه؟ عايز تعمل عملية 
تجميل فى المستشفى 

اردف كرم بجدية: 

-تجميل أيه دا أنا قمر آه لو نوجا سمعتك كانت قرصت الخدود القمر دي 

وضعت يدها على وجنتيها بريبة قائلة: 

-خدودى ؟! اومال انت عايز ايه؟! 

-كلك نظر 

قطبت كارما حاجبيها مرددة: 

-ايه دا، ايه دا انت قصدك منحرف صح

لتتعالى ضحكته المرحة مرددًا بمشاكسة: 

-منحرف أيه؟! أنا كان قصدى تحوليلى رصيد 
لأ نيتك راحت فين كدا انا هبتدى اغير رأى 

فلتت منها شهقة وهى تفر هاربة خارج المكتب وسط ضحكات كرم الذى ارتمى على أريكة خلفه هامسًا: 

-بكرة تروق وتحلى وتحويلى رصيدى بوس 
لأ وكمان هتقوليلى سلفنى بوسة شكرًا، يانهار احضان

****

أعلى المقطم 

على طاولة بلاستيكية يجلسان بصمت ليستدير هو بوجهه
 لعله يستنشق بعض من الهواء البارد ليثلج صدره،
فملابسها تثير حنقه، أما هى نظرت نحوه لتتمرد تلك 
الدمعات اللائمة، لتمسحها مسرعة حتى لينكشف ضعفها
وانكسارها، كان يرمقها بطرف عينيه فهمس: 

-أنا شايف أنك غلطانة 

نهضت بعنف قائلة: 

-انت جايبنى هنا عشان تقولى غلطانة شكرًا

ليهتف تامر بغضب جامح: 

-لما أكون قاعد معاكِ إياكِ تقومى كدا تانى، وايدك متترفعش فى وشى أنا مش زى الناس اللى تعرفيها
أنا تربية ملجأ دا لو اتربيت اصلًا، اقعدى وبلاش تطلعى
عفريتى 

جلست بإمتعاض وسخط: 

-افندم 

نفرت عروق رقبته وغلت دمائه: 

-متعرفيش تكونى مرة واحدة محترمة 

-تصدق بالله أنا غلطانة انى قعدت مع واحد زيك أنا محترمة غصب عنك 

تعالت نيران غضبه، وبركان ثورته ليسألها: 

-محترمة غصب عنى وشرم يشهد 

-قصدك أيه؟!

اغمض عيناه يزفر بعنف فهو ملطخ بسواد لا يوازى سواد
حياتها بل اشد فهمس:

-أنا مش قصدى حاجة كل واحد عارف نفسه 

ردت من بين اسنانها: 

-عارف نفسه فعلا أنت بقى بتجرى ورايا ليه؟ 
نزلت من فوق ورايا ليه؟! 
انت مريض نفسى 

بدأ يدخن بشراهة واضعًا قدمًا فوق الأخرى ويهز قدمه 
بتوتر واضح قائلًا: 

-أنا اللى غلطان انى قدّرت واحدة زيك 

ضربت الطاولة وهى تنهض لتنفجر تلك الذرة المشحونة 
بغضبها وقهرها المكتوم: 

-الكلمة دي بتعصبنى أنت قاصد صح اللى زى مالها 
مالى أنا رخيصة شكرًا، 
أنا زبالة أنا عارفة حاجة تانى 

انصرفت من امامه مهرولة بينما هو اتسعت عيناه بصدمة
كان يعلم أن قسوته غائرة، احترق جوفه من دموعها 
فاسرع يلحقها جاذبًا أياها من معصمها لتستدير له 
وخصلات شعرها تلتصق بوجهها بسبب دموعها رفعت 
عيناها بتباطئ هامسة بألم: 

-سيب ايدى أنا همشى ومش هخليك ولا انت ولا هما 
تشوفوا واحدة زى تانى 

حدق فى وجهها الشاحب شحوب الموتى، بها شئ غريب
يسبب ضجيج عالٍ بمواطن مشاعره، يشعل فتيل مشاعره
بنار ظنها لم تشتعل يومًا، بها شئ يسلب عقله ويثير اعصابه، اقترب اكثر هو يردد بصوت اجش: 

-اهدى واثبتى 

قالت دون تفكير وهي تكتم حشرجة البكاء: 

-لو بعدت عنى أنا هبقى هادية 

-طب بقولك اهدى أنا مكانش قصدى 

ابتلعت وهى تراقب الظلام المخيم بعيناه، تشعر أنها 
معراة أمامه، تخوض حرب سوادء مظلمة 
مع مشاعرها فهمست بسخرية: 

-مكانش قصدك كل مرة
مش هصدقك سيب إيدى بقى 

اقترب منها اكثر لدرجة أن انفاسه الثائرة كانت تلفح وجهها 
ليدك حصونها المزعومة: 

-على فكرة أنا بمد ايدى على ستات عادى جدًا أنا 
ولله الحمد متربتش 

لا تنكر تلك الرجفة التى هاجمت سطو جوارحها بسبب
حروفه المسلحة غضبًا و توعدًا فابتلعت هامسة: 

-ابعد ميصحش الناس بتبص علينا 

-وعلى سيرة الناس أحنا فى المقطم يعنى الوضع دا 
خطر وأى بوكس يلمنا، ترجعى تقعدى على الترابيزة 
بكل ادب واحترام 

لا تعلم السبب لكنها انصاعت لأوامره وجلست امامه 
فحدق فى ملامحها الهادئة هاتفًا: 

-أنا مش بعرف اقول نصايح لحد بس لو حبيتى 
تفضفضى أنا موجود 

-أنا فضفضت واظن سمعت كل حاجة خلاص أنا هروح 
دلوقتى احجز واسافر لدبى مفيش داعى لقعدتى هنا 
طولت على الفاضى 

يحدق بها بهدوء تام حتى سألها: 

-انتِ دارسة فنون جميله 

هزت رأسها بنفى: 

-لأ 

نظر لعمق عيناها وهو يقول: 

-بكرة تكونى موجودة فى الشغل الساعة ٨ 
واشوف هتنفعى ولا لأ وعينى هتبقى عليكِ

غمغمت باعتراض: 

-لا أنا هسافر 

نهض واقفًا ليخرج بعض الوريقات المالية ليضعها على 
الطاولة قائلًا: 

-قومى والساعة ٨ تكونى موجودة 
ولبس هيفا وهبى دا متجيش بيه الشغل 

رفعت حاجبيها مستنكرة: 

-هيفا وهبى؟! 

فسحبها من يدها وهو يقول: 

-ظلمنا الطاهرة معاكِ لبس شاكيرا

-سيب إيدى كدا

-برافو احب اللى يقول حاضر 

نفضت يدها بحدة: 

-أنا مقولتش حاضر 

وقف يطل عليها بهيئته الرجولية وهو يقول: 

-والله وما ليكِ عليا حلفان المطواة فى جيبى هتتجنن وتطلع عشان نقص حتة من لسانك، امشى جنبى من غير
نفس 

******

ولجت لشقتها بألم، أحقًا اصبحت حياتها بائسة؟ 
أحقًا ستكمل حياتها مثل والدتها؟ 

رمقت المكان بحزن فهى كانت تغمرها السعادة كلما 
خرجت وولجت لشقتها، ضحكاتها النابعة من القلب
كانت هنا، وضعت اكياس الطعام على الطاولة وجلست
تنظر إليها وتمسح دموعها التى تهطل، حتى سمعت 
حركة من خلفها فاستدارت: 

-انت هنا ليه؟

رد على سؤالها بسؤال اخر: 

-كنتِ فين يا هاجر 

نهصت واقفة تتجاوزه للداخل هاتفة: 

-اتخنقت نزلت اتمشيت فى مانع انت ايه اللى طلعك هنا

ضغط على يدها هامسًا بحدة: 

-انتِ لسه على ذمتى لو ناسية يعنى المفروض مفيش 
طلوع من غير اذنى 

-خلاص طلقنى ومبقاش على ذمتك وريحنى وريح نفسك 

زمجر بحدة ونفرت عروق رقبته: 

-هاجر، كنت فين انطقى 

-نزلت قابلت ساهر ابن خالى 

قطب حاجبيه باستنكار وهو يسألها بانفعال: 

-ازاى يعنى، وكنتوا لوحدكم، وازاى تقابلى راجل غريب 
ومن غير اذنى، اتجننتى يا هاجر

ابتسمت بتهكم قائلة بصوت متحشرح وهى تمنع البكاء: 

-لا ازاى كنت هاقولك بس بعد كام شهر كدا 

انهت جملتها وتوجهت لغرفتها مسرعة، فرك وجهه بعنف 
ثم لحقها للداخل، كانت قد حلت حجابها وبدأت فى نزع
حليتها لتضعها فى صندوق خشبى فاقترب هو منها 
يحضنها من الخلف ويستنشق شذا عطرها الذى 
لازال يسكره ويحيه، أما هى كانت كالمغيبة اشتاقت رائحته لمساته، حاوط خصرها 
وجعل وجهها مقابلًا لوجهه، ثم ضمها اكثر لتستكين 
على صدره موطنها الذى افتقدها، ليتخبط ذلك الأهوج
النابض بين ضلوعه طالبًا وصالها فهمس لها بكلمات 
تشى بمدى عذابه

-قلبى ياهاجر يشكو هجرانك وجفائكِ، لما هذا البعد؟
لما تنفينى شريدًا بعيدًا عن قلبك؟
 اصرخى بى،
احرق العالم بأكمله من أجلك 
فقلبى والله لا يقبل ولا يرضى إلا بكِ أنتِ مختصر الحياة 

اغمضت عيناها بعذاب فقربه اهلكها، لكنها استجمعت 
نفسها ولملمت شتاتها ودفعته فى صدره بغضب: 

-كفاية بقى كفاية متعبتش وأنت بتكدب عليا 
وانت كل ليلة بتكدب وتغشنى
كل ليلة بتطلب الوصال فيها، مفكرتش في العذاب اللى 
هااحسه لما تكدب وتخون ثقتى 

-مش عايزة تصدقى ليه؟! 
انتِ حبتينى يا هاجر من قلبك فعلًا؟!
 طب ازاى مش حاسة بيا ومش مصدقة اللى بقوله

-يمكن عشان معرفتش منك انت الخقيقة، عشان مديت ايدك عليا 

عندما يعجز اللسان عن التعبير تبوح العيون بما فى الصدور، ما يسكن بين جنابات القلب وثنايا الروح، 
لغة لا تعرف الغش أو الخداع او التزييف 

كلمات وكلمات نطقت فى صمت نظرات عتاب واسف 
واعتذار ووجع، لكن دموعها اخترقت صميم قلبه فاستدرات مولياه ظهرها وهى تمسح دموعها هامسة: 

-طلقنى ترحمنى وترحم نفسك 

اغمض عيناه فهذه الكلمة تقبض على قلبه من فولاذ فتحرك لخارج الغرفة بل خارج الشقة بأكملها

******

وقف فى منتصف الصالة الرياضية يرتدى القفازات بينما 
هى تقف واكتافها متهدلة خاوية الروح، كانت نظراتها 
الحزينة ثقيلة على قلبه، مؤذية لروحه فاقترب منها

-جاهزة 

كان صدرها يعلو ويهبط بتوتر: 

-طاهر بلاش انهارده 

ضيق عيناه محاولًا مشاكستها: 

-انتِ خايفة اغلبك واخلص حقى من المرة اللى فاتت 

هزت رأسها بهدوء: 

-لأ بجد مش قادرة مرة تانية 

وقف امامه يرمقها بحزن، ثم بحركة مفاجئة لكمها برفق 
وهو يتحرك يمينًا ويسارًا قبل أن يلكمها ثانية لكن هذه 
المرة صدتها بيدها، لكنه اسقطها ارضًا بضربة مفاجئة فانتهزت الفرصة لفت ساقيها حول ساقه ليترنح فى 
وقفته وسقط بجوارها فنهضت مسرعة لتثبته بمكانه 
واضعة معصمها على عنقه
بينما هو كان ينظر  لعيناها كلما ازاد تعمق فى عيناها 
شعر انه يغرق، يغوص وهو فاشل في السباحة وسط الأمواج 
لا يعرف ماهيتها، انفاسه كانت تداعب وجهها مستسلمًا 
تمامًا، حتى نظر إلى شفتاها التى كانت تضغط عليها 
رغبة ملحة بداخله لتبديل الأدوار فى لمح البصر 
وبحركة سريعة كان هو من يضغط على عنقها، 
رجفة سارت بجسدها بسبب نظراته التى كانت تخبرها 
شئ لا تريد أن تصدقه فدفعته بعنف وهو لازال تحت 
تأثير الموقف هامسة: 

-كفاية يا طاهر لازم اروح وعايزة اطمن على تارا 

أومأ دون رد وهو يخلع القفازات بذهول محاولًا ترتيب 
تلك الأحداث المتراكمة والاستيعاب 

*****

همس بصوت حانى وهو يقود سيارته: 

-كارما مالك 

-ماليش 

كان كنان يتفحصها بنظراته متسائلًا: 

-هو انتِ كنت فين؟ 

شعرها الطويل يغطى وجهها اطرقت رأسها بتوتر: 

-كنت مع بيسان 

صمت مطبق بحتضن صراع غامض مبطن من النظرات هو يعلم من توترها كل شىء لكنه لن يضغط عليها 
دقائق وهمست: 

-روحنا الشركة بتاعت بيلا 

ضحك كنان بتهكم قائلًا: 

-شركة بيلا اممم 

-بس بقى يا كنان هو كان هناك وأنا قولتله ابعد عنى 
مش عايزة اشوفه تانى 

ارتخى قناع البرود الزائف ليقول بغضب: 

-وربنا لأنفخك يا كرم عشان بيتخطانى ماشى اصبر عليا 

كانت ضربات قلبها كالمطرقة فى حرب مجهولة النهاية: 

-قوله يبعد عنى أنا مش عايزة حد 

-لأ أنا هنفخوا عشان بيعمل ناصح عليا مش عشان 
 قرب 

-أنا مش عايزة اتجوز تانى أنا لحد دلوقتى فاكرة كل اللى 
حصل معايا أنا موجوعة اوى أنا كان بيضربنى على طول 
أنا بعت الدنيا عشانه وهو خذلنى وأهاننى أنا مش هانفع 
لحد تانى حرام خليه يشوف حاله بعيد عنى، أنا بحاول 
اكون عادى بس عشان خاطر ماما وضياء 

اوقف السيارة ومد يده يمسح عبراتها ثم ألتقط يدها 
بين يده قائلًا: 

-انسى يا كارما وفكري فى الجديد كرم بيحبك وهينسيكِ
الماضى اديلُه فرصة يكون دوا ليكِ افتحى قلبك

الدكتور بيقول أنك بتستجيبى اكتر فى الجلسات وأنك 
متعاونة ودي بداية مبشرة، عارفة بيقول أن استجابتك
احسن من كيان انتِ هتقدرى وكلنا معاكِ، حتى كرم 
ابن ناس وبيحبك وأنا متأكد أن فى مشاعر ناحيته بدليل
حرام خليه يشوف حاله 

هزت رأسها نافية وهى تمسح دموعها فأبتسم قائلًا: 

-طب سيبنا منك، بذمتك فى واحد زى القمر كدا يتساب 
عيون خضرا وشعره الاصفر ودكتور وعضلات وحاجة كدا 
قمر، كل دا مش بيهز حاجة فى كيان، لو واحدة تانية كان 
زمانها اتحرشت بيا، والدكتور يقولى تحسن بسيط دي 
واقعة على قلبها وهى صغيرة ومش بتحس، أنا حتى 
كلمة حلوة مش بسمعها 

-انت صعبان عليا اوى انت وضياء 

رفع كنان عيناه ليقول: 

-ضياء مين بس، دا اخوكِ والعة معاه 
الواد اتجوز والدنيا كانت زى الفل، ولما طلق لقى الاستاذ
اصيل، وقبل ماتخلص العدة ردها، وبيلا مش هتأخد فى ايده يومين 

انهى جملته وهو ويقود السيارة ثانية وعلى وجهه ابتسامة
سخرية فتوسعت عيناها متسائلة: 

-دا حقد 

-اوى حقد اوى يا كارما 

قهقت وهى تهز رأسها بالنفى: 

-ضياء ميهونش عليك أنا عارفة 

اغمض عيناه يريد أن يعترف بكثير من الاعترفات اشتاق
لضياء وجلستهما معًا، بداخله جروح لم تشف بل تتقيح 
يود أن يشاركه وجعه 

*****

فى اليوم التالى 

خرج من المرحاض أما هى كانت نائمة بملامح متعبة 
لم يستطع أن يمنع عيناه المشتاقة من أن يتفحص 
ملامحها الناعمة مرر يده على وجنتها وهو يتذكر 
كلمات والدها 

(وأنا موافق ردها يا ضياء، بس خد بالك دي المرة الأولي 
والأخيرة اللى توجع فيها بنتى، بيلا اللى حصلها وهى 
صغيرة عاشت نص عمرها فى المستشفيات والتأهيل 
النفسى، حاولت اعوضها بكل حاجة بس هي لسه جواها 
حتى مش بتنسى، لسه العيلة اللى عملت الحادثة
بتحاول تقول انها قوية وشخصية ومش محتاجة لحد 
بس هى العكس ضعيفة وهشة ومحتاجة طبطبة
ومع كل دا بحبك انت علاجها الوحيد، ردها وخليها
تسامحك وأنا متأكد أن البيبى اللى جاى هيغير حياتكم) 

تنهد ثم اقترب يطبع قبلة على شفتها فتململت فهمس: 

-صاحية نايمة بتقطعى حبل افكارى 

تركها وتوجه نحو فراش اصيل: 

-الباشا الصغنن اصيل واحلى اصيل 

اقولك على سر أنا اتوقعت أن جدتك هتسميك كنان على 
اسم عمك كنان بس سميتك اصيل 

ابتسم بوجع وهو يقول: 

-ايوة عمك، كان نفسى أنا اللى احطك فى حضنه 
واحضنه اصله واحشنى للأسف، بس مش مشكلة 
انت تسد 

يبدو أن الصغير لم يعجبه حديث والده فصرخ مما جعلها 
تنتفض مفزوعة فحمل الصغير وتوجه نحوها ومال بجزعه
العارى فابتلعت وهى تقول: 

-انت ايه اللى جابك هنا؟ وايه منظرك دا؟

تركها وتوجه نحو المرآه يصفف خصلات شعره بدقة 
مهلكة، ثم تناول قنينة العطر لينثر عطره الآثر على 
صدره العارى وهو يراقب ردود افعالها المرتبكة وما أن انتهى تناول قميصه الأبيض وبدأ 
يغلق الازارر هامسًا: 

-دا مكانى، وهو منظرى مش عاجبك؟!

-لا مش عاجبنى خالص

-الكداب بيروح النار وعيب قدام اصيل مامى تكدب

اردفت بتلعثم: 

-مش بكدب وشكلك كدا مش عاجبنى اتفضل اطلع بره 

-طب عيني فى عينيك كدا 

اشاحت وجهها بعيد قائلة: 

-لأ واطلع بره

اقترب اكثر وهو يقول: 

-بلاها عيني فى عينيك خليها شفايفى على شفايفك كدا 
وساعتها البوسة تكدب المشتاق

اغمضت عيناها وكلماته تردد فى اذنيها قاطعها صراخ 
اصيل فانتبهت له فامتعضت ملامح ضياء: 

-جرى أيه اصيل وانت جاى تحلها ولا تخربها

****

ايه دا يا كيان؟! 

تلك الكلمات نطق بها كنان فهمست كيان: 

-هدية للعيادة الجديدة 

كانت عبارة عن ساعة رملية باللون الأزرق والرمال باللون 
الاصفر مريحة للعين فابتسم وهو يقول: 

-جميلة اوى، بس دي هدية العيادة
فين هديتى 

حمحمت بإرتباك وهى تقول: 

-هديتك؟! طب عايز ايه هدية؟! 

نظر امامه مدعيًا التفكير هامسًا: 

-أى حاجة فوق الركبة تبسطنى أنا مش طماع 

-فوق الركبة يعنى أيه؟ 
قصدك بالطو ابيض 

غمز لها بعيناه وهو يقول: 

-الأبيض حلو برضوا بس من غير بالطو، ومجربتوش فى الحلم خالص اللون دا بس هيبقى يجنن عليكِ

هبت واقفة بفزع وهى تقول: 

-انت قصدك، كنان احترم نفسك بقى 

تحمحم وهو يقول: 

-طب واللى خلق الخلق دا اللى أنا بقولهُ كل يوم فى الحلم 
ليكِ عيب يا كيان ميصحش، كيان عيب، بس اخلاقك فى الحلم ايه خالية من الادب دا أنا بتصدم والله 

كتمت انفاسها بيدها مردفة: 

-أنا هموت والله هموت 

التو ثغره بتهكم: 

-هتموتى من حلم، شكلى مش هخش دنيا هقف بره كتير 
يلا عشان اوصلك 

****

 
فى الأسفل 

-كرم كلمنى وعايز ميعاد عشان يجى يتقدم 

تلك كانت كلمات هويدا بينما اردف ضياء باقتضاب 

-لأ 

فسألته كرما بتوجس: 

ليه لأ

صرخ بهياج وهو يركل الطاولة التى امامه قائلًا: 

-تانى يا كارما، تانى محرمتيش 
بس ورب الكعبة المرة دي لو كملت الجوازة هتنسى حاجة 
اسمها ضياء، تعتبرينى مُت ياكارما لأني تعبت ومعدش فيا 
حيل لأى مشكلة جديدة يعنى ببساطة يا اما أنا اخوكِ او هو والإختيار كله فى ايديكِ يا كارما
 

صرخت هويدا بحدة اكثر: 

-ايه ضياء بتعتبرنى مُت وبتتحكم فيها، انا المرة اللى 
فاتت كنت رافضة زيك بس المرة دي كرم ه‍يجى وتقابله
إلا انت تنسى ان ليك ام، واعتبرنى مُت واتحكم فى 
اختك براحتك 

اطرق رأسه بأسف وهو يقول: 

-حقك عليا مش قصدى، أنا خايف عليها 

-لا متخافش وانتبه لحياتك وركز مع ابنك

****

تعليقات