رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والستون 63 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والستون 

فتح كرم باب المنزل فى الساعة العاشرة وملامحه تغمرها 
السعادة وما أن وجد والدته فإرتمى بين ذراعيها هامسًا 
بسعادة: 

-نوجة قلبى ست الكل 

ربتت على كتفه متسائلة بفرح: 

-أيه يا قلب أمك فرحان ومبسوط خير 

ابتعد عنها ليتناول كفها ويقبله بسعادة هامسًا: 

-يومين وهنروح لعروسة ابنك المستقبلية 

انهى جملته تزامنًا مع خروج اخيه من الداخل فلكمه 
طاهر فى كتفه قائلًا: 

-أيه ياض الأخبار الحلوة دي؟! 
طب مش تقولى عشان اعمل حسابى 

تحمحم كرم قائلًا:  

-تعمل حسابك على ايه معلش؟! 

ضيق طاهر عيناه وهو يقول بثبات: 

-أروح معاك ياجدع

-دا بدل ما تقف جنبى وتقطع علاقتك بيا لحد ما نكتب الكتاب 

ضربت نجاة صدرها وهى تشهق قائلة: 

-يقطع علاقته بمين يا واد انت؟
بعدين اخوك ميروحش معانا يعنى أيه؟ 

حك كرم مؤخرة رأسه هو يقول: 

-الصراحة اخو العروسة مش بيطيق ابنك لله فى لله 

-نعم!!
مين دا يا واد اللى يكره ابنى اللى يكره ابنى يكره هدومه 
ولما اخوها بيكره اخوك انت عايز تجوزها يا عديم الدم 

قهقه طاهر وهو يقول: 

-اخوه يبقى جوز بيلا والموضوع شوية غيره مش اكتر
يا نوجا 

احنت ظهرها قليلًا وهى تتكأ بمرفقيها على ركبتيها وقالت

-طب ما حقه يغير هو طاهر أى حد 
هنروح نطلبها أنا وابوك واخوك واخوها غيران دا 
يبقى ميجيش هو مراته يا فالح 

صفق كرم بيده وهو يقول: 

-يا نوجا يا مسيطرة 

التو ثغرها قائلة: 

-ايوة يا اخويا مسيطرة ومش من اولها هيمشوا كلمة علينا 
مين يروح ومين يجى 

****
دلفت إلى الشركة بكبرياء وشموخ، ترتدى بنطال اسود 
وستره جلدية سوداء، دلفت لداخل مكتبه، فرفع 
بصره وظل صامتًا لبعض الوقت، دقائق صمته دبت
القلق والتوتر بداخلها، حمحمت قائلة: 

-أنا جيت فى ميعادى 

رمقها من اعلاها لإدناها وهو يبتسم، ثم اعاد بصره للأوراق 
وهو يبتسم بسخرية: 

-بس متقوليش فى ميعادك انتِ متأخرة ساعة 

تحولت نظراتها لشراسة وهى تقول: 

-معلش هو انت صاحب الشركة يعنى؟! 

كتف ذراعيه أمامه يستند بمرفقه الأخر عليه يعقد حاجبيه بسفاهة للحديث وقال ساخرًا: 

-يعنى انتى جاية هنا عشان واسطة مش عشان تعرفى 
تشتغلى لو كدا تفرق واعتبرى نفسك جيتى فى ميعادك 

عضت على شفتها واحنت رأسها خجلًا: 

- مش هتأخر تانى عن الميعاد

وضع كفيه فى جيبيه وشد جسده فى وقفته فإزداد طوله 
اكثر هاتفًا: 

-أهم حاجة أنك بدلتى ملابس الداخليه اللى كنتى ماشية
بيها وكدا اكيد هنتفق 

اختفى اللون من وجهها وفرت الدماء منه، رمشت عدة مرات من الوقاحه التى لم تراها من قبل ثم تابع مستفزًا 
أياها: 

-لما أتاخرتى قولت تبقى سافرت

قال جملته الأخيرة بتلاعب بسخرية، لن تجعله ينول 
مراده بإثارة غضبها ليفتك بها من الداخل فتلاعبت بخصلات شعرها قائلة: 

-مفيش حجز وهسافر مع بابى ومامى اخر الشهر انت 
عارف بقى واسطة وبمزاجى اشتغل شهر يوم أنا ومزاجى 

طريقتها المستفزة جعلته يستشيط غضبًا، وصوتها المغيظ
باستفزاز وقبل أن يرد عليها ولج طاهر وألقى التحية 
ثم حدثها: 

-تارا كويس أنك جيتى حابب نتكلم لوحدنا بخصوص
بيسان 

ابتسمت قائلة بهدوء ممزوج بتحدى ومغامرة: 

-وقت تانى نتكلم، دلوقتى فى حاجات مش عجبانى 
فى الشغل حابة اظبطها مع تامر 

تحركت من امامهما تجلس خلف مكتب تامر بعد أن 
جذبت فتيل غضبه، وخزت الوحش النائم دون وعى 
فوضعها فى رأسه ونصب عينيه

****

ضعف، ألم، شعور بالذنب 

اسبوع مر منذ اخر لقاء بابنته، شعور الضعف والذنب 
يقتلانه، ما بيده حيلة يعلم أن هاجد على حق، ولا 
ينتظر منه أكثر يكفيه ما تحمله، سيكون ظالم أن 
طالبه هو بإصلاح هذه العلاقة، استسلم اخيرًا يعى 
انتهاء مدة صلاحية اللامبالاة 

ولجت زوجته وجدته يجلس فى صمت تام، مما جعلها 
تجلى حنجرتها وهمست: 

-مصطفى

لم ينتبه لها وظل صامتًا كما هو، فكررت اسمه: 

-مصطفى 

اجابها ببرود: 

-عايزة ايه؟! 

ضغطت على اسنانها بغيظ وهى تقول: 

-هو انت بتكلمنى كدا ليه؟ 
هو أنا ذنبى أيه فى اللى حصل؟ 

ضحكة ساخرة وهو يقول: 

-لأ مالكيش ذنب، الذنب ذنبى أنا ومن زمان 
 بنتى أنا كنت جبتها هنا غصب عن أى حد 

قاطعت لهجته الساخرة وهى تقول: 

-عايز تفهمنى أنك ماكنتش خايف زى بدليل أنك كنت 
بتأجلها 

صمت محاولًا التحكم فى غضبه قائلًا: 

-أنا ماكنتش خايف على كل دا أنا كنت خايف على 
بنتى، خايف على مشاعرها، بس الغلط ملحوق

نهضت واقفة وهى تسأله بحدة: 

-مش فاهمة 

زفر بغيظ شديد وهو ينظر إليها بجدية، مشددًا على
كل كلمة: 

-يعنى بنتى اولًا وقبل أى حد واللى هيريحها هاعملوا 
لو حتى على حساب مين

ارعبتها طريقته العدائية التى صرخ بها فسألته بتقطع:

-يعنى أيه يا مصطفى؟ 
أى كان اللى هتعمله مش هتيجى على هاجد صح
ابن اختى مالوش ذنب فى أى حاجة 

كان رده جاف وكأنه لايطيق الرد عليها: 

-أى حاجة تخص بنتى متخصكيش 

هب واقفًا ينظر لها من فوق كتفه بتهكم، أما هى اطبقت على شفتيها بشدة حانقة.

*****

بعد مرور اسبوع 

كانت جالسة خلف المكتب بينما تضع يدها على 
سطح المكتب ومالت بجسدها قليلًا فهو انهاك 
فى العمل، عينيها العسلية بدت شاردة وكأنها بعالم 
اخر غير الذى هى به، بداخلها رغبة قوية فى اغضابه 
بسحقه بين يدها، نفضت رأسها سريعًا من تلك الأفكار
الدموية، انتفضت على فتح الباب بقوة فرفعت بصرها
تقابله بتحدٍ: 

-انتِ أيه الزفت اللى هببتيه دا؟! 

كان نبرته غاضبة، وكأنه قريب منها للحد الذى جعل شعر 
بدنها يقشعر، لكنها بعناد واضح لم ترفع رأسها بقيت تستريح، لكنه خبط الطاولة بعنف، مما دفعها لترفع 
رأسها مجبرة، وجدته يقف بجانب الطاولة ووجهه
لا ينذر بالخير، قالت من بين اسنانها: 

-خير

ضرب المكتب ثانية وهو يميل بجزعه عليها ثم حدثها 
بنبرة صوت تحمل الكثير من الغضب: 

-اتكلمى عدل، وبعدين مين قالك تعدلى الشغل 
اللى عملته 

حدثته ببرود مستفز: 

-مين اللى يتكلم عدل أنا ولا انت
بعدين غيرت الشغل عشان ماكنش عاجب العروسة

جز على اسنانه وعينيه تضيق عليها، فكان ذلك يعتبر إهانة له مما جعله يسألها مستنكرًا: 

-عروسة ايه اللى مش عاجبها هى اللى كانت مختارة 
أنا هغصبها على حاجة يعنى 

-لأ بس اظن الأول حماتها هى اللى غصبتها 
وهى قررت تفاجئ حماتها بالتغيير، أو تجيبلها ذبحة
يوم الفرح 

ابتسم وهو يهز رأسه، اتسعت عينى تارا وهى تنظر إلى 
ابتسامته، وملامحه الرجولية الخشنة، ذلك الشنيع
يبتسم، سألته ولا زالت الابتسامة تملئ شفتاها: 

-انت بتضحك زينا أهو 

اجابها بجفاف وهو يزيح عينيه عنها قائلًا: 

-بس المفروض تبلغينى والمفروض مفيش أى حاجة تتغيير
غير لما أعرف 

قال جملته وجلس على المكتب المقابل لها يعمل على 
الحاسوب، بقيت تارا جالسة امامه تطالعه لا تعرف لما 
يعاملها هكذا عكس معاملته مع الأخرين، رفع تامر رأسه
عن الحاسوب فاحتقن وجهها بحمرة قانية 

*****

اغمضت عيناها بوجع شعرت بلذوعة فى حلقها تريد 
خنقها لكنها ابتلعتها تنهدت بشدة وجلست على المقعد
مع تنهيدة تعبر عما بداخلها روحها تصرخ بوجع تطالب
الإنصاف ثم سألت الرجل الذى أمامها: 

-ومامتها عارفة ولا انت بتتصرف من دماغك 

اجابها الرجل الجالس امامها: 

-يا استاذة البت مالهاش حول ولا قوة، ابوها مات بعد 
سنة من ولادتها وامها اتجوزت وجوزها مش عايز البت 
وابوها مقطوع من شجرة، واهل امها مش عايزينها 
وهى مرمية ليل نهار فى الشارع أنا والناس قررنا 
كدا 

حل صمت مطبق مؤلم بقدر ألم روحها الذى لم يندمل 
بعد، فأبتلعت هامسة: 

-تقدر تسيبها من دلوقتى وأنا بنفسى هخلص الأجراءات 

-كتر خيرك هتكسبى فيها ثواب 

انصرف الرجل وعادت كوابيسها تداهما بشدة، وكأن 
أحدهم رماها فى البحر وهى لا تجيد السباحة، لتغرق

بدأت انفاسها تضمحل وكأن صخور فوق صدرها، عينيها تذرف الدموع، جسدها بدأ ينتفض، تلك الذكريات التى 
تتمنى أن تنساها تهاجمها بضراوة

بعد مرور ما يقارب ساعة ولج كنان مندفعًا فرفعت رأسها
إليه تبكى وتبكى كأنها لم تبك من قبل، تقلصت ملامح كنان
مستفسرًا، أنها ليست مجرد دموع هى خناجر تغرز بقلبه

-كيان حبيبتى أهدى وفهمينى أيه اللى حصل 

كانت تهز رأسها يمينًا ويسارًا، هذا العالم الغير عادل 
غير رحيم بأحد، غير رحيم بطفلة خمس سنوات 
حتى أن والدتها باعتها من أجل الزواج واكمال حياتها 
غير رحيم حين تخلى جميع الأهل عن طفلة لا حول 
ولا قوة لها ليرموها بالشارع، العالم غير رحيم عليها هى 
نفسها حتى هذه اللحظة، سردت له ما سار، شعر بأنفاسه
تنحصر فى صدره، رؤيتها هكذا ولم يجوز له بضمها 
نوع من العذاب واحراق لروحه، لملم شتاته وهمس لها

-دموعك دي بتعمل فيا اللى مفيش عدو يقدر يعمله 
فيا، بتدبحينى من جوا، واللى بيعذبنى ان أنا بعيد كدا 
لو سمحتِ اهدى، عارفة ساعة ما عرفت أنك هتفتحى 
ملجأ كنت رافض وقولت دا غباء، ازاى وانتِ مش قادرة 
تتجاوزى اللى حصل، هتعيشي جوه نفس الظروف تانى 
مع كل طفل، بس مع مرور الوقت فكرت، أنك اكتر شخص
مناسب انتِ مريتى بنفس الظروف وصعب تأذى حد زى 
اللى بنسمع عنه فى دور الرعاية، انت سند للاطفال دي 
ربنا اختارك، وعشان البنت دي وغيرها لازم تقوى عشان 
تقدمى أحسن حاجة ليها ولغيرها، مش كل حد داخل 
المكان بنفس الظروف يحصل معاكِ كدا، انت اقوى 
ودموعك بتعذبنى يا كيان ارحمي قلبى

مسحت دموعها بظهر يدها لكن لازالت شهقاتها مستمرة 
فهمس لها: 

-قومى اغسلى وشك ويلا بينا نهلة مستنيانا على الغدا 

نهضت فى صمت تام بينما هو فرك وجهه بعنف مزقته 
ببساطة، والحقيقة أن الملجأ يلمس النقطة الأضعف بداخلها مما يعرقل شفاؤها 

****

صوت بكاء الصغير يملأ الغرفة ولم يهدأ فترك ضياء كل 
ما بيده واسرع للأعلى 

فرقت جفونها بإرهاق، اصيل بالكاد يغفو مدة لا تتجاوز
ساعة لا تستطع أن تنعم ببعض الراحة، كل خلية بجسدها 
تأن، رفعت الغطاء واستقامت تجلس على حافة الفراش
مسرعة تبحث بيدها عن الجهاز وهى ناعسة فجأة 
وجدت يد تعاونها، فأنتفضت لتستعيد وعيها كاملًا 
توسعت عيناها بصدمة عندما وجدته ضياء، صرخت 
وهى تنتفض للخلف وتدثر نفسها بالغطاء: 

-انت ايه اللى جابك اطلع بره، اطلع بره لو سمحتِ
اطلع أنا مش محتاجة مساعدة منك، أنا مش عاجزة

تزعزع قلبه من مكانه، تحطم كل شئ بداخله، بدأت 
الدموع المالحة بالسقوط، شعر بإنهياره، بعد كل رباطة 
جأشه الذى حاول أن يصمد لكنه ينهار، صرخة عالية 
من الصغير وكأنه يحتج على الوضع، فمضى نحو فراش
الصغير ومال بجذعه ليحمله ثم توجه به خارج الغرفة 
لكنه لم يقدر على الحركة فجلس على الدرج وهو 
يحتضن صغيره يحركه يمينًا ويسارًا، فى بعض 
الأحيان يكون صعب للغاية ازالة وجع تسرب بين 
العروق، نظر ضياء إلى الصغير الذى تشبث فى اصابعه
واستشعر كأنه يعاتبه على عذاب والدته فهمس بتحشرج: 

-والله ما كان قصدى، بكرة تكبر وانت الوحيد اللى هتعذرنى ومش هتلومنى

شعر بيد تربت على كتفه ثم جلست بجواره: 

-حبيبى، وحد الله شوية والدنيا هتهدى وهتشوف الأيام 
بتنسى بس أنت متستعجلش عشان تبقى راجعة بإرداتها 

تنهد بألم: 

-تعبت يا أمى 

تناولت الصغير من بين يديه تهدهده قائلة: 

-عيب لما تقول تعبت قدام ابنك كدا 
هات اصيل وقوم يلا على شغلك واعمل حسابك 
الجماعة جايين قريب 

-بردو يا أمى، اللى انتِ شايفة صح اعمليه أنا تعبت 

*****

بعد مرور يومين 

ظهر الضيق على ملامح ضياء حتى أنه لن يستطيع 
مسايرتهم بكلمتين فقط، كانت جلسة عائلية بين 
العائلتين لكن ضياء اصر على وجود هاشم معه، 
كانت بيلا تحمل صغيرها وملامحها باهتة 
ولم تفرق كارما عنها شئ بينما كان يجلس كلا من 
كرم وطاهر وامامهما حسين ونجاة، فهمست هويدا 
باحراج: 

-منورين يا جماعة 

التو ثغر نجاة وهى ترمق ضياء بطرف عينيها قائلة: 

-بنوركم طبعًا 
عاملة أيه يا بيلا وحشتينى يا حبيبتى
 كدا بردو الجواز ياخدك مننا 

ابتسمت بيلا بهدوء: 

-وانتِ اكتر يا طنط، أسفة لو قصرت 

-اسفة أيه دا انتِ بنتى، هاتى حبيب تيتة اشوفه 

ابتلع طاهر وهو يرمق كرم الذى سيطر عليه التوتر بينما  ضياء كان يجلس على جمر حمم بركانية قد شبت بصدره، وجع ينهشه وهو يرى ابتسامتها، يحدج والدته بنظرات نارية وهو يقبض على كفه لعله يريح ذلك الألم 

نهضت بيلا وهى تحمل الصغير لتضعه بين يدها فابتسمت
نجاة قائلة: 

-ماشاء لله قمر، دا شبه مامتك أوى 

ابتسمت بيلا باستيحاء وهى تقول: 

-لو حضرتك ركزتى فملامحه هتلاقيه شبه عمتو كارما 

كانت كارما تنظر موضع قدميها فابتسمت نجاة وهى 
توجه حديثها لهويدا: 

-ما شاء لله عروستنا قمر 

اشفق عليها كرم كثيرًا محبوبة قلبه، كل مرة يرها بها يزيد حبًا فوق حبه، بدت وكأنها حاربت كل شئ بها عقلها ونفسها لتجلس فى هذا التجمع، ابتسم حسين بتودد
وهو ينظر إلى ضياء: 

-احنا جايين نطلب ايد اختك وبنتنا لأبنى كرم 

لم يجيبه ضياء ووزع نظراته بين كلا من كارما والدته 
اغمض ضياء عيناه بإرهاق وهو يتذكر زواجها السابق
وما عانته اخته لا يريد تزوجيها لم يحتمل الفكرة 
استأنف حسين حديثه وهو يرى حيرته: 

-يابنى أنا عيالى والحمدلله مطلعوش مرتاحين حصلت 
لينا ازمة وهما صغيرين وكنت بشتغل كل حاجة وباخد 
كرم معايا ايد بايد فى كل حاجة، ولما سافرت سيبتهم 
ورايا رجالة سدوا مع امهم، أنا مسكت محلات ابويا 
ورثى بعد ما توفى، يعنى شقيوا على القرش وشافوا 
تعب امهم وعمرهم ما يّجوا على حد 

ابتسمت هويدا وهى تجيبه بإحترام: 

-ودا شئ يرفعهم فى نظرنا اكتر 
بس حابة اعرفكم أن كارما سابق ليها الجواز ومرت
بظروف صعبة و

قاطعها كرم قائلًا بحزم: 

-هما عارفين وباقى التفاصيل تخصنى أنا مفيش داعى 
للكلام دا، أنا طالب ايدها وكل طلباتكم أوامر 

ابتسمت مرة اخرى وامتلئت عيناها بالدموع وهى تقول: 

-ماليش طلبات غير تحافظ عليها وتصونها، والقرار كله 
يرجع لأخوها 

الجميع أعينهم منصبة على ضياء لكنه كانت نظراته مصوبة  على بيلا وكأنه يستمد شجاعته منها فابتسمت وهى تهز 
رأسها بالإيجاب، رمق كارما بخوف اخوى، فربت هاشم 
على قدمه كى يطمئنه لا يعلم لما توقع أن يرفع بصره
يجده كنان، فقال بنبرة احترام وتقدير لا تخلو من 
الوجع: 

-أنا ماليش طلبات غير راحة كارما 

قلب كرم سيخرج من مكانه فهمس: 

-مش محتاجة تقولها راحتها أهم منى أما طلباتك بخصوص أى شئ أنا معنديش اعتراض علي أى حاجة 
أنا موافق 

ضحكت نجاة وهى تقول: 

-بما أن ابنى مدلوق على الآخر كدا وعمره ما كان مدهول 
كدا نرأف بحالته ونقرأ الفاتحة 

ابتسم هاشم وهو يقول: 

-نقرأ الفاتحة والله عندك حق 

رفعت الكفوف جميعًا يقرأون الفاتحة وما أن انتهوا 
حتى قال كرم: 

-والفرح الشهر الجاى 

هز ضياء رأسه بالنفى قائلًا: 

-لأ فى خطوبة الأول وبعد كدا الفرح عاجبك 
عاجبك مش عاجبك انت حر 

زمجر كرم فمال طاهر على اذن اخيه وهو يقول: 

-اثبت الواد دا بيطفشنا بالطريقة 

اجابه طاهر وهو يقول: 

-دا عين العقل عقبال ما نجيب البدل اومال هنحضر بالترنجات

***
بعد مرور شهرين 

-مالك؟! 

تلك الكلمة نطقتها تارا بشفتاها متيبسة، بينما اجابها تامر 
بفتور: 

-ماليش

عينيها العسلية حدقت به بقوة وهى تقول بعناد: 

-ايه هو اللى ماليش شكلك متضايق 

رفع رأسه ببطء وهو يقول بحزم: 

-أحنا خلصنا شغل يلا أروحك 

هزت رأسها وقالت له بعناد اكثر: 

-لأ بقى احنا مخلصين شغل بدرى وأنا مش هاروح غير
لما أعرف ايه اللى مضايقك 

جذب خصلات شعره بعنف واطبق شفتيه بقوة على بعضهما حتى اصبح خط رفيع ليجيبها بهمس بطئ 
لكنه كان اخطر من أى صوت صخب: 

-اللى مضايقنى ميخصكيش 

-لأ يخصنى أحنا بقينا تيم واحد مفيهاش حاجة لو فضفضت شوية، أنا هسمع واوعدك مش هقطعك

حدق بها بعين محمرة وهو يقول بتألم: 

-أنا موجوع 

جملته هزتها قبضة حديدية اعتصرت قلبها فسألته 
متألمة: 

-طب ليه ما تحاول تقولى وتفضفض معايا يمكن ترتاح 
يمكن اطلع أنا ثقة جرب 

تصلب جسده، واكفر وجهه بتعابير مظلمة لا تُقرأ، ماذا 
يقول لها؟ كيف يخبرها بعذاب روحه التى تتعذب منذ 
ولادته بعذاب سادى، رفع بصره لتلك الدخيلة التى 
تتخطى الحواجز وتتسلل وتتعمق إلى داخله 
فتنهد يسرد لها قصة حياته ثم انتهى قائلًا: 

-اللى وجعنى اكتر البيبهات اللى بتيجى كل اليوم الملجأ

دموعها تقف فى حنجرتها كغصة تأبى النزول تألمت لأجله
لكنها فاجأته  هامسة: 

-ممكن أطلب منك طلب ولو سمحت مترفضش

ضيق عينيه وهو يحدق بها قائلًا: 

-طلب!!

لقد كانت أجابته تعبر عن استنكاره من ردة فعلها فتابعت 

-هو انت ممكن تودينى الملاهى 

ارتفع حاجبه الأسود الكثيف كما ارتفعت نبرة صوته بتشدق:

-ملاهى!!
ملاهى أيه؟! 
أنا فاضى للكلام دا؟! هاوصلك ولا هتروحى 

رمشت باهدابها الكثيفة قبل أن تجيبه: 

-مش هاروح، وانت هتودينى أنا شغالة من فترة ومعرفش
حد هنا ومحتاجة اغير جو 

ارتفع حاجبه وهو يقول بسخرية: 

-انت مدركة أنا بقول ايه وانتِ بتقولى أيه؟! 

بعد مرور عدة ساعات كانت تقف خلفه وهى ترتدى سترته 
بينما هو يقوم بألتقاط عدة صور لهما بعد أن انتهى سألته
بريبة: 

-طب بذمتك مش حاسس أنك فكيت؟ 
مش حاسس أنك مبسوط

لا يعلم كيف وافقها وكيف أثرت عليه، فهى كساحرة 
مغوية، غرق معها فى عالم لم يختبره من قبل، تنهد 
مسترخيًا قائلًا: 

-رغم أنك لوحدك قادرة تعصبينى وتجننينى، لكن أنا 
اتبسطت أوى، حاجة أول مرة اجربها كنت مبسوط

صمت كل منهما وهى تنظر لعينيه ذلك القاسى الاشبه بالحجر، قلبه حجر صوان بدا كأنه طفل صغير يتألم 
يقطع نياط القلب، ابتسمت وهى تقول بهمس: 

-أنا جعانة

سكنت ملامحه من أى تعبير وواقف أمامها بطوله 
الفارع: 

-لأ كدا كتير أنا اللى معايا مش هيكمل تأكلى فى أى 
مطعم 

اطرقت رأسها باستيحاء وهى تقول: 

-مش مهم اى مطعم، أنا جعانة 

*****

بحث عنها فى غرفتها ولم يجدها، فتغضنت ملامحه 
واصبحت لا تنذر بالخير، طرق باب غرفة بدر وولج 
دون استئذان، ليتلاقا حدقتياه الغاضبتين بعيناها 
التى تشبه جرة العسل، ليتوجه ليجلس فى المقعد 
المقابل لها، وحدثها وهو يحاول إلا يفقد اعصابه: 

-انتِ هنا ليه؟! أنا دورت عليكِ فى الأوضة بتاعتك 

قاطعه بدر بهدوء: 

-ايه طاهر يا جدع طب قول السلام عليكم 

ابتسم باقتضاب ثم نظر إلى ساعة يده يتفقدها 
ثم رفع بصره إليها وتابع توجيهاته: 

-ازيك يا بدر بس مستعجل، قومى يا بيسان عايزك 

توسعت عينيها بصدمة من طريقته ثم اجابته: 

-أنا وبدر فى حالة مهمة كنا بنتكلم عنها، أنت محتاج حاجة ضرورى؟! 

جز على اسنانه وهو يرمقها فى غيظ محاولًا أن يكبح غضبه ثم هتف محذرًا: 

-آه ضرورى وأنا معنديش وقت اتفضلى قومى

رمقته بغيظ ثم جذبت هاتفها من على المكتب ووجهت
بصرها إلى بدر وهمست بإحراج معتذرة: 

-أسفة، عن اذنك يا بدر

ابتسم طاهر بسماجة: 

-اسفين بقى يا بدور

بعد قليل فى غرفة الكشف الخاص بها 

نفخت فى عصبية، وشعرت بدمائها تغلى فى عروقها، من
شدة استفزازه إليها ثم مررت اصابعها فى خصلات شعرها 
القصير فى حنق هاتفة: 

-أيه قلة الذوق دي يا طاهر؟! 
انت بتعامل بدر كدا ليه؟! 

تفحصها فى منتهى الهدوء هامسًا: 

-انتِ أيه اللى مقعدك كدا مع بدر لوحدكم 

هزت رأسها بيأس من تصرفاته هامسة: 

-بربرى وبجح كمان 
دا شغل يا طاهر وكان فى حالة مهمة بناقشها معاه 

سيطر الغضب عليه ليجد نفسه أنفاسه تلهث قائلًا: 

-شغل أيه قاعدين واخر روقان وقال بنتناقش بصى
بيسان اتقى شرى دلوقتى 

بداخلها سعادة من طريقته هل يغار عليها، يالسخرية 
 مشاعرها الصلبة طيلة حياتها قد انصدمت فى 
ذلك الجبل لتتفتت وتتبدل تلك الصحراء الجرداء 
إلى جنة، هى انثى نقية ذات قيم ومبادئ انجرفت 
نحوه فى غضون أيام قليلة ليتها لم تقابله ليتها 
لم تعرفه قط، ألجمت مشاعرها تسأله:

-انت ايه اللى جابك دلوقتى؟! 

-هشترى بدلة وقولت تيجى معايا 

جلست بارهاق على مقعد خلفها: 

-أنا تعبانة ومش هقدر كنت معاك أمبارح مقولتش ليه؟!

حدقها بنصف ابتسامة وهو يقول بثقة: 

-ربع ساعة وتكونى تحت فى العربية 

****

-احنا هنأكل هنا؟! 

قالت تارا هذه الكلمات متسائلة فالتو ثغر تامر بتشدق

-اه هنأكل على عربية الكبدة عاجبك أوك مش عاجبك يلا 
أروحك 

ارتفعت حاجبيها وهى تقول بعتاب: 

-هو انت بخيل بتتلكك عشان متأكلنيش أنا كان نفسى 
اجربها من زمان يلا اطلب 

مجددًا الجمود غلف ملامح وجهه فنهض واستغرق
الأمر بعض الدقائق وكان يضع امامها الصحن الخاص
بها وصحن اخر امامه، دقائق وكانت قد انهت كل ما فى
الصحن فهمست بخجل: 

-هو أنا ممكن أكل معاك 

رفع تامر حاجبه باستغراب وخالطته الدهشة، ثم قرب 
طبقه منها فى صمت واشعل سيجارته، كانت ترمقه 
باستنكار كتلة صخر امامها، لا يملك ذرة مشاعر 
لكنها هزت راسها نافية وهى تطلع امامها، فمشاعرها 
بشكل عام، حب، اعجاب، حزن، احترام، خوف 
وهو لديه بعضها فابتسمت وهى ترمقه: 

-على فكرة مش هرجع الجاكت دا، الشتا خلص واحنا 
فى الربيع، ربنا يكرمك وتجيب الشتا الجاى جاكت 

-انتِ مجنونة

ادعت التفكير لتسأله: 

-هو دا سؤال ولا انت بتعرفنى عشان اعرف ارد 

-خلصتى أكل قومى عشان عندنا  شغل الصبح 

*****

عدة امتار يفصلونه عن المرأة التى يعشقها بجنون ولا 
يستطيع الأقتراب منها، المتمردة، المجنونة بدت 
هذه الكلمات ضئيلة جدًا مقارنة بأفعال هاجر الجديدة
سليطة اللسان بل الأنانية، القاسية

غزت انفه رائحة يعرفها جيدًا فاستدار وجد والدته تحمل
بيده صينية البقلاوة هاتفة: 

-صينية بقلاوة تستاهل بوقك انت وهاجر عملتها وأنا بدعى ربنا يقرب البعيد 

انهت كلماتها وهى تبكى مما جعله يزفر بقوة 

-مفيش داعى يا أمى، مفيش داعى 

هتفت بقوة لا تعلم من اين أتتها: 

-يعنى ايه بقالك اكتر من شهر وانت ومراتك فى بيت واحد 
متعرفش حاجة عنها، هتفضل قاعد كدا، البعد دا بيعلم 
الجفا قوم اتحرك واطلع ليها شوف حل اومال حياتك 
هتقف كدا 

هتف بقوة مماثلة: 

-عايزة ايه منى؟ عااايزة ايه ارحمينى 

اللى فوق دي مش هتحن بصينية بقلاوة، مش هتحن 
اصلًا، هاجر بتحاسبنى انا على اخطاء الكل، خلاص 
لما بقيت اشوفها كدا بتعذب ياامى ومحدش حاسس
بالنار اللى جوايا، أنا مش قاعد هنا بمزاجى أنا هاريحك 
منى لو تاعبك وهامشى عشان أنا اللى تاعبك صح 

انطلق مندفعًا فاصطدم بالصينية دون قصد فوقعت على
الأرض، وضعت سوسن يدها على فمها تكتم شهقاتها على 
حال ابنها 

****

يوم الخطبة 

يبدو جذابًا حد اللعنة بينما هى كانت أجمل ما رأت عينيه 
يجلسان على الأريكة سويًا فتناول كرم خاتم الخطبة 
ليضعه فى يدها فتعالت الزغاريط، وقف بدر فى المنتصف
وصاح بصوت عالى ليلفت انتباه الجميع: 

- يا جماعة عايز اقولكم وتشهدوا عليا 
أنا بطلب ايد الدكتورة بيسان اجمل بيسان قدامكم

تعليقات