رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والستون
بعد مرور شهرين
كان كرم يجلس فى محل الصاغة يتابع عمله، وعقله يعمل
فى كل الأتجاهات فهى لم تحدثه منذ قراءة الفاتحة
واليوم موعد اختيار خاتم الخطبة قطع تركيزه صوت
طاهر هامسًا:
-فى أيه ياض مال ايدك بتترعش كدا ليه؟!
الحوار كله أنها هتختار خاتم الخطوبة، لازمتها ايه
الرعشة دي ، أومال لو دخلة الله يكسفك شكلك
مش هتسد وتفضحنا
التو ثغر كرم بتهكم قائلًا:
-مين اللى مش هيسد ياض انت، ولا تحب اثبتلك
قهقه طاهر ثم انحصرت ابتسامته فجاة هامسًا:
-وفر اثبتاتك لحد تانى، عشان متزعلش
-طاهر روح أنا مش ناقصك
اشفق على حالة اخيه، فابتسم وهو يقترب منه متسائلًا:
-أيه يا جدع مالك مش دي اللى بتحبها وهتتجنن عليها
وبكرة الخطوبة مالك؟!
اغمض عيناه، تائهًا، عاجزًا عن فهم تصرفاتها، يخشى
وأد حلمه قبل تحققه، قبل الوصول لعبقها فتح عيناه
هامسًا:
-مش طبيعى يا طاهر رافضة تكلمنى من قراية الفاتحة
أو حتى تنزل من البيت، حتى ميعاد الدهب أمها اللى
حددته، متخيل أنى اروح البيت كل مرة ترفض تقابلنى
أخر مرة مامتها، قالتلى أنا اسفة من طريقتها ولو مش
حابب تكمل حقك
ابتسم طاهر بهدوء:
-طب روق كدا دا حقها وانت عارف ظروفها واكيد الجواز
كفكرة بتخليها قلقانة عشان اللى مرت به، فاصبر معلش
بعد كتب الكتاب الدنيا هتروق عن كدا وهتطمن وتثق
اكتر
ثم تابع مازحًا:
-آه لو أمك شافتك كدا وانت متشحتف هتجيب
البت دي من شعرها
ابتسم كرم ولم يعقب على اخيه ثوانٍ وكانت تدخل هى
ووالدتها، اسرع كرم يتحرك من خلف مكتبه ليرحب بهما
كان ينظر إلى كل أنش بوجهها فهى تسربت إلى قلبه
كالذئبق بكل سهولة ليسقط صريعًا لهواها دون رحمة
أو شفقة منها بادلته هويدا الترحاب ثم جلست فابتسم
طاهر قائلًا:
-تشربوا أيه؟!
-أنا قهوة وانتِ يا كارما
زفرت كارما بقهر، لتتحدث بحزن بعد تنهيدة ألم اخترقت
سكون حزنها
-مش عايزة حاجة
استشعر طاهر توتر الأجواء فحدث هويدا قائلًا:
-أيه رأيك فى المحل؟!
فى دور فوق كمان تحبى تشوفيه؟!
أومأت له بإنكسار وهى ترى الحزن مخيم على ابنتها
نهضت واقفة تتحرك معه للأعلى، بينما جلس كرم فى
المقعد المقابل لها هامسًا:
-وحشتينى
ظلت صامتة فاحترم صمتها يعلم بان حزنها وصمتها
خلفه كارثة وأن تحدثت ستحرق قلبه، فسألها بتوتر:
-تحبى تتفرجى على أيه الأول؟!
أجابته بتخاذل هامسة:
-مش عايزة، أنا مش هقدر أكمل فى الموضوع دا
أنا مش عايزة، لو سمحت قدر ظروفى واوعى تفتكر
أنى كنت بلعب بيك أنا لما قعدت مع نفسى وفكرت
لقيته صعب، أنا مش هنسى كل حاجة عملتها معايا
كل وقفاتك معايا
مدت يدها تلامس السلسال بعنقها وهى تغمض عيناها
بألم وعقلها يستحضر صور اراد دومًا نسيانها، زفرت بوجع
هامسة:
-جميلك هيفضل فى رقبتى، ومش هنساه مهما حصل
أنت تستاهل تبدأ حياة جديدة مع حد طبيعى مش أنا
على فكرة انا مقررة كدا من قبل ما اجى هنا وبلغت
ماما كمان وفاضل ضياء
نظرات الحسرة بعينيه وهو يتمتم بتهكم:
-كملى؟!
يعنى انتِ مفيش أى مشاعر ناحيتى؟!
-لأ مفيش
-كدابة يا كارما
ارتفعت نبرة كرم وهو يقول مستأنفًا:
-عينيكِ اللى أول ما بتشوفنى بتقول كلام لسانك بيقول
عكسه وعشان كدا بتبعديها، الدموع اللى فى عينيك يا كارما دلوقتى
فرت دمعة هاربة لتشاطرها حزنها، ماضٍ اسود يلاحقها
بعد أن كانت حياتها وردية، حسرة على حب اعتبرته
اعظم انتصارتها لكنه كان جحيم، مسحت دمعتها
-بغض النظر ينفع ولا مينفعش ياكارما، كفاية اللى
عدا وانتِ خايفة ومش بتاخدى خطوة كفاية
تدفنى رأسك زى النعام، عشان مستقبلك وحياتك
-أنا هاحاول صدقنى ومش حابة اظلمك، اتجوز وشوف حياتك
ابتسم كرم وحدثها بألم:
-محبتش غيرك ومش عايز اتجوز لو مش عايزانى
بس فى طلب وياريت توافقى، عايز فرصة لخطوبتنا
شهرين مش أكتر، لو مقتنعتيش يا كارما أنا رجل
دمى حر واستحالة افرض نفسى على واحدة مش
عايزانى
-أنا مش حابة اظلمك
قالت كلماتها الاخيرة بنبرة طفلة تائهة ، دقائق وكان يهبط
طاهر ووالدتها من الأعلى فنظر إلى كرم ثم إلى كارما متسائلًا
-شكلها كارما اختارت خلاص يا ست الكل
هزت رأسها بنفى سريعًا:
-لأ لأ مخترتش
حك كرم ذقنه وهو يقول بمكر:
-نفى النفى اثبات
غمز لها طاهر وهو يجذبه لاحضانه قائلًا:
-مبروك يا كوكو عقبال البكارى
توسعت عين هويدا من طريقتهما يعرفان جيدًا كيف
يضعا الأمور فى صالحهما، مهما كانت الظروف
******
فى المساء
الصمت يكبلها مهما حاولت التوضيح لا تسعفها
الحروف تشعر بالعجز، تلك الرجفة المصاحبة لنبضات
القلب الهادرة، تؤكد أنها مصابة بمرض الخوف الذى
يدمر الأمل ويؤيد الراحة، لذلك هى تجد راحتها في العزلة عن الأخرين خوفًا من أن تجرحهم، هزت رأسها بيأس
وهى تحسم امرها تتوجه نحو غرفة اختها::
-تارا انتِ صاحية؟!
رفعت تارا حاجبها وهى تجيبها:
-انت شايفة أيه؟!
حكت مؤخرة رأسها حركتها المعتادة وهى تقول بحرج:
-صحيح، بقولك أيه؟! هتيجى الخطوبة بكرة
كارما قالتلى حاولت تكلمك كتير ومرديتيش
ابتلعت غصة فى حلقها لتقول بكبرياء:
-لأ مش هاروح
-ليه لأ كارما عرفت غلطها وحابة علاقتكم ترجع تانى
وانت بتحبوا بعض، ولا عشانى أنا سوء التفاهم دا
صدقنى انتِ اختى الصغيرة وأنا ماكنتش اقصد
اللى وصلك
-أقولك ليه؟!
عشان هى كارما اكتر واغلى صاحبة ليا لو حد تانى كنت بقيت عادى ولا همنى
بس هى وجعتنى اوى وأنا مش هاسامح وقلبى اتوجع
كدا
اقتربت منها اكثر لتقول بطريقة مستفزة:
-على فكرة، لو كنت انتِ اللى عملتى نفس اللى عملتهُ
كارما مكانتش هتأثر لأنك مالكيش وجود فى حياتى
اتفضلى عن إذنك
خرجت تارا من الغرفة بانتصار واهى وحزن يمزقها من الداخل
تلعن نفسها من تمادى الأمور وتعقدها هكذا
أما بيسان ظلت مكانها والكلمات كانت كالرصاصة سكنت بداخلها
لا تعلم ماذا يمكنها أن تفعل لكنها كانت تتألم فعلا
******
فى اليوم التالى بعد الظهيرة فى الشركة
اما اصعب التألم حين يكون الجرح من المقربين
ما اسوأ من أن تعيش داخل دوامة انت سببها الرئيسى
كانت تجلس فى المكتب وحيدة ودموعها تنهمر فى صمت
كيف تلوم اختها وهى ذنبها اقبح من عذرها لكنها هى اختها الكبرى وتقع عليها مسئولية، هزت رأسها بألم
فى بعض الاحيان يصعب عليك فهم مشاعر من هم حولك
كان تامر يقف فى زاوية يراقب دموعها هى من كانت بالأمس تملأ الدنيا نشاط وحيوية الآن تبكى فى زاوية وحيدة كطفلة ضائعة، هى مزيج غريب؛ كل شئ ونقيضه،
تحمحم قبل الوصول إليها، فمسحت دموعها وهى تنظر
نحوه فحدقها قائلًا:
-يلا اتأخرنا
رمقته باستفهام:
-اتأخرنا على أيه؟!
-الفرح يلا بسرعة
تنهدت للمرة التى لا تعلم عددها قائلة:
-أنا مش هاروح وقولت كدا من أمبارح والشغل كله خلص
خلاص وهناك انت وطاهر وبيلا واظن انت مش محتاجنى
نظر لها بغضب قبل أن يقول:
-دا شغل ومش بمزاجك، يلا عشان لازم نكون موجودين
هناك بدرى
اضطربت قليلا من ملامحه الغاضبة ولكنها اجابته بحدة
-لأ مش هاروح الفرح دا اعتبرنى اجازة
نظر لها بغضب مماثل وهو يقول بعصبية:
-اعتبرك اجازة وانتِ قدامى ازاى؟!
انتِ لازم تكونى قد المسئولية وبلاش الاستهتار بتاعك
اندهشت من كلماته الحادة ورفعت بصرها قائلة:
-بتعمل معايا كدا ليه أنت عارف أنا مش عايزة اروح
ليه؟ انت عارف ليه بتتعمد تجرحنى
عم الصمت أرجاء المكان وهو ينظر فى عيناها المتألمة
سكون تام ألا من صوت انفاسهما، فابتلع قائلًا:
-أنا مش قاصد اجرحك دا شغل زى أى شغل ولازم
تتعودى تشتغلى تحت أى ضغط انت ماليكش دعوة بحد
صمت قليلًا وهو يقول بنبرة صوت هادئ:
-انتِ شغلك جامد ودي حاجة محدش يقدر ينكرها
ووجودك هيفرق، خايفة ليه؟
وبعدين أنا معاكِ ودا شغلنا وهنخلصه
نظرت فى عمق عينيه السوداء كأنها طفلة صغيرة تتلقى المدح من مثلها الأعلى فى الحياة
ثم اجابته وهى تمسح بقايا الدموع العالقة بأهدابها
قائلة بصوت مهزوز وحاجبيها تعكفهما بتألم:
-طالما انت معايا مش خايفة
تلاشت ابتسامته وحل محلها تجهم واضح، وعينيه تحكى أنها بالمنطقة الخطأ، ضغط على فمه ليتها تعلم ان ما به ليس بأحد هو به داء لا يشفى
استدار فجأة دون أن يضيف كلمة واحدة أخرى، سمعته
وهو يقول من وراء ظهره:
-خمس دقايق وتكونى تحت
****
رائحة البخور تعبق بكل ثنايا المنزل، نجاة اشعلت البخور
منذ الصباح، ولجت للغرفة فوجدت كلا من طاهر وكرم
بحلتهما السوداء ترقرقت الدموع بعينيها وهى تمتم
بأيات قرأنية:
-ربنا يحفظكم ويبعد عنكم العين ويتملك على خير
ياحبيبى وعقبالك يارب ياطاهر
-أن شاء لله يا نوجا
تمتم بهذه الكلمات طاهر فغمز له كرم وهو يوجه حديثه
لوالدته:
-دا احنا شكلنا هنفرح بتيتو قريب يا نوجا
-أنا بقول أن شاء الله مالك
قهقه كرم وهو يقول:
-انت بتتكسف يا واد والله يانوجا دا شكله هيتجوز قبلى
-حبيبى النق بتاعك دا اللى موقف حالى خد بالك
رفعت نجاة يدها للأعلى وهى تدعى بتضرع :
-يارب افرح بيكم فى يوم واحد واطمن عليكم قبل
مااموت
ارتمى كرم بين ذراعيها وهو يهز رأسه بنفى:
-بعد الشر احنا من غيرك ولا حاجة ربنا يبارك فيكِ
انتِ وسحس
اجابها طاهر بصوت متحشرج:
-ليه يا امى الكلام دا احنا من غيرك ولا حاجة
وبعدين مش طالبة تنكدى على كرم هو واخد المادة
الخام للنكد اصلا
قهقه كرم وهو يبتعد عن والدته لاكزًا طاهر فى كتفه
****
نظر إلى ساعة معصمه هو يستند على السيارة ينتظرها
سحب نفسًا عميقًا وهو يتخيل زفافهما سيقيم لها
زفافًا اسطوريًا، ارتفعت حرارته من خيالاته الكثيرة
التى يرسمها لهذا اليوم، سيغويها لتسقط صريعة هواه
وترفع راية الاستسلام، سمع صوت حذاء انثوى رقيق
بجواره، اتسعت ابتسامته وهو يدير عيناه عليها
جمدت ملامحه وومضت عيناه بوميض حارق
وهو يطالع ملامحها بافتنان:
-ايه الجمال دا قلبى حرام عليكِ مفيش إحساس
عضت على شفتاها بإستيحاء واخفضت رأسها هامسة بخفوت:
-كنان كدا بتكسفنى ولو سمحت يلا عشان هنتأخر
-والله ما حد مكسوف غيرى، كارما هتتخطب وانا لسه
وضياء خلف وأنا لسه فى مرحلة الخطوبة عارفة
لو ضياء خلف بيبى تانى قبلى هولع فيكِ
ابتسمت بغنج عفوى هامسة برقة:
-مش ههون عليك أنا عارفة
زمجر بصوت أجش هامسًا:
-لأ اثبتى مش ناقص الدلع دا براحة عليا احسن والله مش
مسئول عن اللى هيحصل
ضحكت بخبث انثوى ألهب مشاعره ثم همست بجوار اذنه
وهى تتجاوزه لتستقل السيارة:
-لأ ميصحش بردو ضياء يسبقنا ويجيب بيبى تانى قبلنا
التفت ينظر فى ظهرها غير مدرك قصد جملتها، فرائحتها
شوشت على تفكيره وهو يسحبها داخل أوردته، استدار
مسرعًا وصدره يعلو ويهبط من فرط التوتر، انطلق بسيارته
وهو يطالعها بأعين تشتعل بالحماس، غافلين عن اعين
حاقدة ناقمة، قلوب سوداء، نفوس خبيثة تحيل حياة
الاخرين لسواد، لكن يبقى القدر طوق النجاة الوحيد
وهل سيقف معهما هذه المرة
****
يقف أمام المرآة ينظر لنفسه وهو يرتدى حُلته، فتحت الباب
كانت ترتدى فستانًا من اللون الأخضر،وشعرها الذهبى
ينسدل على ظهرها بانسيابية ابتسم بسخرية، فهى
اصرت على أن ترتدى فستانها فى غرفة كارما
حدثها بتهكم:
-انتِ بردو لبستى هناك؟
تسمرت مكانها ولم تنطق فاستدار ليقترب منها فكان
قادرًا على رؤية ارتجاف جسدها، الفستان الذى احضره
يحتضن جسدها وهو بعيدًا عنها، انفلتت ضحكة حزينة
من بين شفتاه أيغار عليها من فستانها، اقترب اكثر
ليواجهها وقلبه يلتهمها بشوق، بينما هى كانت تطالعه
بنظرات مشتاقة، اهذا هو الشوق الذى يراه فى عينيها
هل ارهقها الفراق مثله، هل اشتاقت بالمثل، رفع يده
ليمرر أنامله على وجنتها برقة، ابتسم وهو يتذكر يوم
زفافهما فهمس بلوعة واشتياق:
-مش كفاية بعد يا بيلا
-اخفضت رأسها وهى تقول بمرارة:
-بحاول ومش قادرة يا ضياء كل يوم أقول خلاص
هبتدى من جديد مش قادرة وانت مش مصدقنى أني
بحاول اوى، وأن وجودى معاك هنا اكبر عذاب ليا
اختنق بغصته وهو يسمعها تتحدث بكل هذا الألم والمرارة
فحدثها وهو ينصرف:
- هستناكِ تحت
راقبه قلبها الملكوم ودموعها تنهمر وهى ترى شحوب
وجهه، تحول من ضياء المرح المشاكس إلى ضياء
الحزين، كل هذا بسببها هى، ارادت ان تندفع خلفه لتحضنه
لتمسح وجعه وألمه، هو لا يستحق أن يكون وحيدًا
لكن شئ فى اعماقها كبلها ومنعها
****
الجميع فى الأسفل
فى انتظار العروس فتوسعت عين طاهر بصدمة وسرعان
ما تحولت للغضب هو يتفحص بيسان من اعلاها لأخمص
قدميها المزينتين بحذاء أنيق احمر اللون ذو كعب عالى
يعلوه فستان باللون الأسود وشعرها بثنياته يتطاير خلفها
وتزيحه عن وجهها، أول مرة يراها هكذا بكل هذا الجمال اقترب منها مسرعًايسألها بحدة:
-أيه اللى انتِ لابساه دا ؟!
بللت شفتيها بتوتر وهى تنظر حولها باحراج متسألة:
-أيه مش لايق عليا وحش
-مش وحش دا زفت انتِ ازاى تلبسى كدا
فين لبسك العادى ازاى تنزلى كدا
احتقن وجهها وشعرت بغصة فى حلقها هامسة
-زفت!!
شكرًا بس عاجبنى
وقبل أن يبرر موقفه تعالى التصفيق من حولهما هبطت
كارما تتأبط ذراع اخيها الذى وقف بها أمام كرم
فاحتضنه كرم ثم مد يده لها وجلسا سويًا
قبل أن يلتفت طاهر لبيسان ليحدثها كانت تنصرف بعيدًا عنه فزفر بعصبية
**
عدة امتار يفصلونه عن المرأة التى يعشقها بجنون ولا
يستطيع الأقتراب منها، المتمردة، المجنونة بدت
هذه الكلمات ضئيلة جدًا مقارنة بأفعال هاجر الجديدة
سليطة اللسان بل الأنانية، القاسية
غزت انفه رائحة يعرفها جيدًا فاستدار وجد والدته تحمل
بيدها صينية البقلاوة هاتفة:
-صينية بقلاوة تستاهل بوقك انت وهاجر عملتها وأنا بدعى ربنا يقرب البعيد
انهت كلماتها وهى تبكى مما جعله يزفر بقوة
-مافيش داعى يا أمى، مفيش داعى
هتفت بقوة لا تعلم من اين أتتها:
-يعنى ايه بقالك اكتر من شهر وانت ومراتك فى بيت واحد
متعرفش حاجة عنها، هتفضل قاعد كدا، البعد دا بيعلم
الجفا قوم اتحرك واطلع ليها شوف حل اومال حياتك
هتقف كدا
هتف بقوة مماثلة:
-عايزة ايه منى؟ عااايزة ايه ارحمينى
اللى فوق دي مش هتحن بصينية بقلاوة، مش هتحن
اصلًا، هاجر بتحاسبنى انا على اخطاء الكل، خلاص
لما بقيت اشوفها كدا بتعذب ياامى ومحدش حاسس
بالنار اللى جوايا، أنا مش قاعد هنا بمزاجى أنا هاريحك
منى لو تاعبك وهامشى عشان أنا اللى تاعبك صح
انطلق مندفعًا فاصطدم بالصينية دون قصد فوقعت على
الأرض، وضعت سوسن يدها على فمها تكتم شهقاتها على
حال ابنها
****
يبدو جذابًا حد اللعنة بينما هى كانت أجمل ما رأت عينيه
يجلسان على الأريكة سويًا فتناول كرم خاتم الخطبة
ليضعه فى يدها فتعالت الزغاريط، وقف بدر فى المنتصف
وصاح بصوت عالى ليلفت انتباه الجميع:
- يا جماعة عايز اقولكم وتشهدوا عليا
أنا بطلب ايد الدكتورة بيسان قدامكم اجمل بيسان
سهم مسنن انغرس بقلبه فعليًا، مُكذبًا نفسه وعينيه
للمرة الثانية التي يجرب بها هذا الشعور القاتل
كانت نظراته جمرات من النار، أما كرم كانت عيناه لا تحيدان عن اخيه، يشاركه الألم والوجع يقسم انه يرى
دموعه دون أن تسقط، أما بيسان كانت تشعر انها على
شفا حفرة من الانهيار والجميع ينظر إليها:
-بدر
قاطعها أن مش مستعجل على الرد
الصمت يخيم على الجميع بينما ضياء كان يطالعه بأسف
تعاطف معه
***
بعد أن جاب الشوارع بسيارته عزم أمره وعاد إلى شقته
ولج للداخل ثم ذهب إلى المرحاض توضأ، ثم خرج ووقف أمام غرفتها بألم فهى كانت دائمًا تصلى معه
قيام الليل، كانت تضع السجادة ليصلى بها حتى
انها كانت دائمًا تقول له "إمامى"، مضى نحو الاستقبال
ومد سجادة الصلاة، وبدأ فى صلاته ووجهه ينُم
عن ما يشعر به من ألم
انتهى من صلاته، ثم استند على الأريكة خلفه يقرأ
القرأن، رفع رأسه لصوت فتح الباب، فأغلق القرآن
واستقام من مكانه يلحق بها وقف خلفها
-هاجر
استدارت بفزع وتركت كوب الماء فوق رخامة
المطبخ، وشعرت فجأة بأن اكسجين الكون قد نفذ عندما
نظرت فى عينيه لكنها سألته ببرود عكس ما بداخلها::
-انت ايه اللى طلعك هنا؟
اجابها بصوت مختنق من العاطفة:
-مراتى وحشتنى، بيتى وحشنى، كل حاجة هنا وحشتنى
كفاية يا هاجر، كفاية بُعد، عايزك جنبى تنامى على صدرى
افضفض معاكِ زى كل ليلة
حاولت أن تتجاوزه للخارج وشعرها الأسود يتحرك حولها
كالخيل بدون خيال هاتفة بحدة:
-وسع من طريقى يا هاجد بلاش كلامك اللى ضحكت عليا بيه أول مرة تفضل تعيد وتزيد فيه
ضاع مجددًا فى عالمها عندما اقتربت منه، فتنفس عبيرها
الذى سبق وتغلغل برئتيه، وترجل بين عروقة كالدم، فهمس
بتألم:
-يا هاجر واخرة اللى احنا فيه دا ايه احنا بقالنا شهور
متعبتيش من كل اللى احنا فيه
-السؤال دا تسألهُ لنفسك شهور ما تعبتش من الكدب عليا
شهور وانا فى حضنك بتخدعنى وبتكدب عليا، الحل
أنك تسيبنى امشى من هنا انت مش حابسنى هنا على فكرة
كان ينظر لها وهى تتنفس بغضب وعيناها العسلية تتسع
وصدرها يرتفع ويهبط بسرعة، ثم قال لها بحدة:
-طلاق مش هطلقك يا هاجر لأن انتِ دنيتى وكل حاجة ليا غير أنى أنا قولتلك روحى مع كيان يومين يغيروا نفسيتك روحى بس وانتِ مراتى على ذمتى، عشان نعرف نتكلم عايزة ايه تانى اعملهُ
ألم اطبق على صدرها بثقل متين حتى انها لم تستطع أن تتنفس حاولت كبح دموعها، فهذا ليس من العدل هى
احبته، لماذا كان يطعنها كل ليلة وهى بين ذراعيه بسكين
الغدر، لم يترأف بها بعدما عاشت وحيدة فى عالم عرفت
به كل معانى القسوة، والآن هى بقايا إمرأة بعدما جعلها
تشك بأنوثتها، اجابته وصوتها يهتز من الغضب:
-وأنا قولت مش عايزة اروح عند كيان
مش دا المكان اللى هيريح نفسيتى
اظلمت عينيه بالكامل قبل أن يقول لها بصوت خشن
يخلو من اللين:
-عايزة تروحى فين يا هاجر عشان يريح نفسيتك
ارتفع حاجبها للأعلى وهى تقول بوضوح اكثر:
-عايزة اروح عند مرات خالى
ضرب الحائط بجواره وبدا متوحشًا عنيفًا وهو يقول:
-عايزة ايه يا هاجر؟
قولت بيت خالك دا لأ يعنى لأ
ختم كلامه بحدة وعصبية مفرطة، مما جعلها تجيبه
بتحدٍ:
-هو انت فاكر يعنى لما تحبسنى هنا دا الحل
انت أخرك تتحكم فى وجودى،
لكن قلبى وعقلى انى افكر فيه متقدرش
زمجر بغضب كحيوان جريح ثم ثبت عنقها من الخلف بيده، ثم اطبق على شفتيها يقبلهما
بل يمزقهما، كان تعذيب جديد لم تختبره من قبل، ندمت
اشد الندم انها اهانت رجولته بكلماتها لم تكن تقصدها
كانت تدفعه لكنه كان كالحجارة فوق صدرها، وهى تتلوى
بين يديه، ابتعد عنها ليسحبها خلفه لغرفة نومهما رماها
على الفراش وحل ازرار قميصه ونيران جهنم كلها تستعر بداخله الآن، كلماتها نسفت صبره كليًا، لم يتحمل النيران
التى ألتهمته و الخيالات التى رسمتها كلماتها السامة
هى له وحده زوجته وليس لرجل اخر كل ما يسيطر
عليه جسدها بين يديه، أما هى انكمشت على نفسها
وهى تغطى وجهها تنحب بألم هامسة:
-لأ بلاش عشان خاطرى
صرخ وهو يجذبها من يدها لتقف امامه:
-الست المحترمة متجبش سيرة رجل تانى قدام جوزها
أما أنا عمرى ما قربت منك غير وانا طالب الوصال وعمرى
ما قربت غير وأنا شايف االرضا فى عينيك يا هاجر
لكن دلوقتى أنا اللى مش عايز
دفعها بعيدًا عنه وهو يلتقط قميصه وينصرف للخارج
****
-ممكن صورة
قال هذه الكلمات ضياء وهو يحمل أصيل فاستدرات بيلا
تنظر له فتابع بألم:
-هى صورة يا بيلا واوعدك بعد الخطوبة هرجعك بيتكم
وانفذلك اللى انتِ عايزاه وكمان هاسافر يا بيلا بس خلينا
نأخد صورة للذكرى أنا وانتِ وأصيل
انقبض قلبها من كلماته فنظرت فى عمق عينيه وهى تهز
رأسها بالايجاب
****
بالخارج
بعد عدة ساعات انتهى حفل الخطبة بمشاعر متناقضة على
الجميع فرح، حزن، وجع، خذلان
وقفوا بالخارج قبل أن ينصرفوا، فجذب كنان
كيان لينصرفوا فاستدارت هى لتستقل السيارة بجانبه
لكن فى لمح البصر كانت تصرخ، وانصعق الجميع
كان اخيها يضع سكينًا على راقبتها ويبدو أنه بحالة
غير طبيعية تحت تأثير المخدر
انتفض قلب كنان مرتعبًا وهو يتقدم منه فصرخ اخيها
-ارجع مكانك والله ادبحها قدامك
رفع كنان يده دليل علامة الاستفهام قائلًا:
-تمام تمام سيبها ونتفاهم واللى انت عايزه انا هاعملوا
بس سيبها
ضحك بهستريا وهو يقول:
-مافيش تفاهم خلاص معنديش أنا هاخلص عليها
همس بدر لكنان قائلًا:
-دا شارب مش طبيعى متحاولش تستفزه او تقرب نهائي
ابتلع كنان خوفه وهو يقول:
اللى انت عايزه هاعملوا بس سيبها الفلوس اللى تطلبها
هتاخدها
لكز كيان بحقد من الخلف وهو يقول:
-كان من الأول انا بقالى كتير بطلب منها وهى عاملة
فاندام أنا خلاص مبقتش عايز الفلوس أنا عايز رقبتها
اغمض طاهر عيناه ثم اعاد فتحهما ليقول له:
-ليك كل اللى تطلبه أنت واهلك كل حاجة لو عايز تسافر
من بكرة اطلعلكم جوازات بس سيب كيان
ضيق عيناه على الصوت فقهقه عاليًا :
-هو انت بقى حامى الحمى اللى خطفتنى صح
أنا هاحرق قلبكم عليها زى اختها
صرخ ساهر وهو يقول :
-اقسم بالله لو اذتها هيكون اخر يوم فى عمرك
-أنا قولتلها هاتى فلوس وخافى على الناس اللى بيحبوكِ
ورفضت
رمقها كنان بخيبة أمل وعدم تصديق لا زالت تعتبره غريب
عنها لم تخبره بأمر شديد الخطورة مثل هذا، تألمت
من نظراته فصرخت فى اخيها:
-انت مستنى ايه موتنى وخلصنى موتنى موتنى وريحنى
أنا تعبت من الحياة ومن الناس خلصنى بقى
صرخ بها كنان:
-أخرسى بقى اخرسى
ضحك اخيها ضحكات هيسترية اخرى وكأنه بعالم اخر
عالم الهلاوس والمخدرات، اغمض عيناه وهو يقول بتقطع بسبب المخدر:
-حاضر حاضر هريحك هبعتك للاخرة على طول
توسله كنان وهو يتقدم نحوه بحذر لكنه هز رأسه وبدء بغرس السكين
فى لمح البصر كان ضياء ينقض عليه من الخلف، دافعًا كيان بعيدًا عنه، لكن فجأة انفجرت الدماء فى المكان
هرول الجميع وكان كنان أول من جثى على ركبتيه
يصرخ:
-ضياء ضيياء رد عليا، عملت كدا ليه
اجابه بتحشرج:
-عشان ميهنش عليا وجعك يا صاحبى ميهنش ياكنان
وأنا عارف انت بتحبها ازاى والفراق صعب اوى يا كنان
احتضنه كنان وهو يضغط على بطنه موضع ضرب السكين:
-ومش عارف بحبك انت قد أيه؟!
قول أنك قاصد تعمل كدا عشان تنتقم منى قول
قصدك تحرق روحى صح؟
والله يا ضياء ماكنتش اعرف ماكنتش اعرف حاجة انا زى زيك
والله متعملش فيا كدا
-أصيل امانة فى رقبتك اوعى تسيبه ابدًا
خرجت هويدا وبيلا من الداخل على صوت الصراخ واسم ضياء يتردد بينهم، تسمرت هويدا مكانها بينما ركضت بيلا وجثت على ركبتيها وهى تلامس وجه
ضياء تسأله:
-ضياء نايم كدا ليه ؟
قوم يلا ولا انت بتعمل كدا عشان مش عايزنى امشى مش همشى خلاص،
قوم عشان خاطرى مش انت بتحب تخضنى صح قوم يلا
وجهت حديثها لكنان:
-دي خطة منكم ضياء مش هيسيبنى صح
بكى كنان والأرض تحتهما اصبحت بحيرة دماء فرفع
ضياء بصره نحو بيلا ثم مد يده يمسك يدها هامسًا
-المهم أنك تسامحينى، وتعرفى بحبك قد أيه؟!
متعرفيش اصيل اللى حصل بينا عشان ميزعلش
منى لما يكبر
انهى كلامه ثم اعاد بصره لكنان قائلًا:
-شوفت اعترفت بحبها قبلك وأنا كسبت الرهان أنا على طول سابقك
حتى المرة دي هسبقك
انسحبت انفاسه، وجفت الدماء بشراينه، استحال جسده الي البرد، حاول النطق لكن لم يخرج صوت من حنجرته
كل شئ حوله يضمحل ويتماوج امام عينيه، فلت يد
بيلا واسبل اهدابه، صرخ كنان
-ضياء
****
هبط من الأعلى وداخله نيران الجحيم وما أن فتح الباب
ووجد والدته ممددة على الارض اسرع يحملها وهو يصرخ
-امى امى ردى عليا أنا هاجد حبيبك
حاول يتفحص نبضها وهو يصرخ بأعلى صوت:
-لأ لأ مقدرش على العقاب دا ماكنش قصدى أعلى صوتى
هبطت مسرعة على صوت الصراخ لكنها تسمرت وهى تهمس:
-لأ لأ
****
