رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الرابع والستون 64 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الرابع والستون 

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
دلفت ميرال بوهنٍ يكاد يُسقطها أرضًا، تتشبَّث بذراع ابنتها كغريقٍ..وجهها شاحب، وعيناها زائغتان، روحها تسبق جسدها حيث يرقد ابنها.
ما إن رآها إلياس حتى اندفع نحوها، وقال بصوتٍ يحمل رجفةَ خوفٍ حاول إخفاءها:
_ميرال..حمد الله على سلامتك.
تحرَّكت شفتيها بصعوبة، وهمست بصوتٍ خرج مكسورًا، كأنَّ كل حرفٍ يُنتزع من قلبها: 
_يوسف..عايزة أشوف يوسف.
ترنَّح جسدها فجأة، وكادت تسقط، فالتقطها سريعًا، يضمُّها إليه: 
_يوسف كويس يا حبيبتي، ما ينفعش تقومي كده.
هزَّت رأسها بعنفٍ ضعيف، تدفعه بيديها المرتعشتين: 
_سيبني…عايزة أشوفه دلوقتي.
انسحبت من بين ذراعيه، تخطو كأنها تمشي فوق فراغ، تتعثَّر، تكاد تسقط، ثم تُكمل بإصرارٍ موجوع..لم يعد جسدها يملك قوة، لكن قلبها كان يجرُّه جَرًّا.
أسرع خلفها، وحين مالت وكادت ترتطم بالأرض، لحق بها، أحاطها من جديد، واتَّجه بها نحو الغرفة.
فتح الباب…وتجمَّدت، عيناها وقعتا عليه.
على جسد ابنها الساكن، هادئًا بشكلٍ مرعب، أنفاسه لا تُرى، وجسده مُحاطًا بأسلاكٍ وأجهزةٍ تصدر أصواتًا باردة، كأنها تعدُّ اللحظات بدلًا من أن تحفظها.
شهقت…شهقة خرجت كطعنة.
تقدَّمت خطوة، ثم أخرى كأنها تخشى أن يكون مجرَّد وهم، أن تختفي صورته إن اقتربت.
لكن حين وصلت، خانتها قدماها..
فسقطت على ركبتيها أمام الفراش، وكأنَّ العالم كلُّه انهار تحتها.
_يوسف!..
خرج اسمه صرخةً ممزَّقة.
مدَّت يدها المرتعشة تلمس وجهه، باردًا كبرود الموتى، ساكنًا بلا رد.
ارتعش جسدها كلِّه، وانحنت فجأةً تضمُّه إليها، تحتضن رأسه بعنفٍ يائس، وكأنها تحاول أن تعيده للحياة داخل صدرها.
_اصحى يا حبيبي افتح عينيك، أنا هنا ماما هنا…وحشتها.
قبَّلت جبينه، خدَّيه، عينيه المغلقتين، بلهفةٍ مجنونة، ودموعها تنهمر عليه كالمطر:
_ يالَّه حبيب ماما افتح عيونك، هوَّ نايم من زمان..قالتها وهي تمسِّد على خصلاته. 

جلس إلياس بجوارها؛ يحاول أن يبعدها قليلًا عن الأجهزة الموصلة بابنه..
وأردف بصوتٍ مبحوح: 
_ميرال..خلِّي بالك، الأجهزة يا حبيبتي.
_أجهزة إيه؟..تمتمت بها بجهل دون أن تشعر، مرَّرت يدها في شعره، بأصابع ترتجف كأنها تخشى أن تختفي ملامحه:
_بردان كده ليه؟ حد يغطِّيه، يوسف ما بيحبش البرد. 

خرجت كلماتها مشوَّشة، كأنَّ عقلها يرفض تصديق أنَّه ما زال بغيبوبته. 

نظرت إلى إلياس فجأة، عيناها غارقتانِ في رعبٍ حقيقي:
_ هوَّ مش سامعني؟ قولِّي إنه سامعني، قولِّي إنه حاسس بيَّا.
اقترب إلياس، أمسك وجهها بين يديه، يحاول أن يثبِّتها:
_ سامعك، أكيد سامعك، ادعي له هوَّ محتاجك.
انهارت بين يديه، تبكي بخوف، لا تصدِّق أنَّه ما زال غائبًا، استدارت إلى ابنها في محاولةٍ ضائعة، وهمست بصوتٍ متكسِّر، يخرج من قلبٍ يُحتضر:
_طب اصحى، علشان إنتَ وحشتني أوي.
ثم عادت تضمُّه، كأنها تخاف أن يُسحب منها في أي لحظة، تشبَّثت به بكلِّ ما تبقَّى فيها من حياة، تردِّد بجنونٍ خافت:
_يوسف حبيبي، اصحى يلَّا. 
مسَّد إلياس على شعرها المبعثر، دون إرداةٍ منها:
_ميرال..قومي حبيبتي علشان ترتاحي، هوَّ هيصحى قريب إن شاءلله، مش هيقدر يغيب عنِّك أكتر من كده.
قالها إلياس بصوتٍ مبحوح، كأنه يقنع نفسه قبل أن يقنعها.
تاهت ملامح ميرال بضياعٍ من كلماته، التفتت إليه ببطء، وكأنَّ الكلمات لم تصل، أو وصلت لكنَّها مخيفة لدرجة أنَّها لا تريد فهمها:
_ يعني إيه؟..
همست بها بجهلٍ مرعب، ثم عادت بعينيها إلى جسد يوسف، تحدِّق فيه، تنتظر منه أن يشرح لها: 
_يعني إيه، يعني هوَّ مصحاش؟

صمتٌ ثقيل، خانق لا يُحتمل.
رفع إلياس عينيه إلى أرسلان، نظرة عاجزة، يطلب النجدة من كلمةٍ لا يستطيع قولها.
تقدَّم أرسلان بخطواتٍ بطيئة، ملامحه مشدودة، وصوته حاول أن يكون ثابتًا:
_ميرال الدكاترة طمِّنونا، هوَّ محتاج شوية وقت، وإن شاء الله هيرجع تاني.
التقطت الكلمة وكأنها طوق نجاة، لكن عقلها لم يفهمها، أو ربَّما رفضها:
_ محتاج شوية وقت؟
التفتت إليه فجأة، عيناها تلمعان برعبٍ يتضخَّم تردِّد بجنون: 
_يعني إيه محتاج شوية وقت؟!
لم يجب أحد..تردَّد الصمت مرةً أخرى، أقسى من الأول..وفجأةً قطعه بلال بصوتٍ خرج حادًّا، مباشرًا، كطلقة: 
_يوسف في غيبوبة يا طنط.
سقطت الكلمة على قلبها كنيرانٍ تحرق صدرها.
توسَّعت عينها بصدمةٍ أفزعتها، بعدما صفعها بلال بالحقيقة بكلِّ قوته. تراجعت خطوة، ثم أخرى، تهزُّ رأسها بعنف، ترفض، ترفض بكلِّ ما فيها:
_لا…لا…لا…
اقتربت من الفراش بسرعة:
_ابني مش في غيبوبة…
انحنت عليه، يداها ترتعشان وهي تمرِّر أصابعها على وجهه، على بشرته الشاحبة، على عينيه المغلقتين: 
_هوَّ أنا بس..أنا اللي اتأخَّرت عليه، صح؟
انكسر صوتها، ودموعها سقطت فوق وجهه:
_ زعل منِّي، وقرَّر ما يكلمنيش
اقتربت أكثر، جبينها لامس جبينه، وكأنها تحاول أن تعيده للحياة:
_ بس خلاص أنا جيت، افتح عينيك بقى كفاية عليَّ.
مرَّرت يدها على شعره بحنانٍ يذوب ألمًا:
_يوسف…بصِّلي حتى لو زعلان بصِّلي بس…لم يتحرَّك، لم يرتعش، لم يرد.
توقَّفت أنفاسها للحظة، ثم شهقت، وكأنَّها تغرق.
رفعت رأسها فجأة، تنظر حولها بعينينِ ضائعتين:
_ ليه مش بيرد؟!
لكن الإجابة كانت الوجوه المتألِّمة التي تراها.
عادت إليه، تضمُّه بعينيها:  
_يارب..لا، يارب مش حمل اختباري في ابني، غيبوبة لا..لا، يارب خد من عمري..
قالتها بصوتٍ باكٍ منكسر، ظلَّت تهمس بها كأنفاسٍ تُحتضر.
انحنت وضمَّته أكثر كأنها تحارب العالم كلِّه.
غير مصدِّقة أن ابنها بجسدٍ منهك، وقلبٍ يرفض الحياة، لا يسمع، ولا يجيب، ولا يعود.

ارتفعت أنفاسها وهي تستند على إلياس، حينما شعرت بأنَّ الارض لم تعد ثابتة تحت قدميها، احتواها بين ذراعيه وقال بصوتٍ حاول أن هادئًا:
_ميرال…وبعدين، فين إيمانك بربِّنا؟ يوسف كويس قدَّامك أهو…يلَّا يا حبيبتي علشان ترتاحي…وإن شاء الله هيبقى زي الفل.
تمتم بها وهو يرفعها من على الأرض، فنهضت بصعوبة، جسدها ثقيل كأنَّ الحزنَ سكب داخله رصاصًا، وعيناها معلَّقتان بابنها…لا ترى سواه، ولا تصدِّق أنه ما زال لم ينج.
لكن فجأة…
وقعت عيناها على ضي التي كانت جالسة على الأرض، تضمُّ ساقيها إلى صدرها، تضع ذقنها فوق ركبتيها، تنظر إلى اللا شيء…نظرة خاوية، من يراها يقول أنَّ روحها انسحبت وتركَت جسدًا فقط..دموعها تنزل بصمتٍ مؤلم، بلا شهقات، بلا صوت..حتى أصبح البكاء ملاذها.
توقَّفت ميرال مكانها، وتجمَّد جسدها، ونظراتها على ضي. 
وعادت بها الذاكرة  إلى تلك الليلة، بعد انتهاء فرح شمس..
دخلت عليها بخطواتٍ متردِّدة، وقلبٍ مثقل بما لا يُقال..
_عايزة أتكلِّم معاكي.
تنهَّدت ضي بعمق، كأنها تستعدُّ لجرحٍ جديد، وأشارت لها أن تجلس.
رفعت ميرال عيناها للحظة نحو غرام، كأنها تستمدُّ منها شجاعةً لم تعد تملكها، ثم عادت بنظرها إلى ضي..
وقالت بصوتٍ خرج متردِّدًا، محمَّلًا بالاعتراف:
_أنا عارفة إن يوسف غلط في حقِّك، وعارفة إنِّ من حقِّك تزعلي منه.
صمتت لحظة، تفرك كفَّيها بتوتر، ثم تابعت بصوتٍ أضعف:
_بس أكيد إنتي مش مصدَّقة إنه ممكن يغدر بيكي، إنتي بتقولي كدا من وجع قلبك، وحقِّك.
رفعت ضي عينيها ببطء، نظرة باردة، لكنها مليئة بشيءٍ أعمق من الغضب:
_ممكن تقولي عايزة إيه يا طنط؟
سؤال آلمها..جرحها، لكن ابتلعت ألمه، وتابعت: 
_تصبري على يوسف شوية، بلاش تضغطي عليه يا حبيبتي، هو بيحبِّك، صدَّقيني، يمكن عمل كدا غصب عنه.. مكنش له لزوم رقصك وضغطك عليه النهاردة.
ضحكة مكسورة خرجت من ضي، أقرب للبكاء:
_غصب عنه؟؟.
ردَّدت الكلمة كأنها تذوق مرارتها، ثم نهضت فجأة، تدور حول نفسها :
_غصب عنه إزاي يا طنط، يعني لو كان عايز يسافر يحقَّق حلمه، كنت همنعه؟ آه، ما بحبش الغربة، بس كنت مستحيل أقف في طريقه!
توقَّفت، وأنفاسها تتقطَّع، ودموعها تنهمر دون رحمة:
_ابنك ماكنش في دماغه يكمِّل الجواز أصلًا..سنتين! سنتين وهوَّ بيخطَّط لكدا!
وضعت يدها على صدرها، تحاول أن تمسك قلبها قبل أن يسقط:
_نسيتي إحنا اتجوزنا إزاي؟
اقتربت منها ميرال، تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه:
_انسي كلِّ دا، المهم هو بيحبِّك ولَّا لأ، وإنتي أكتر واحدة تقدر تحسّ بده.
هزَّت ضي رأسها ببطء، و ضياعٍ كاملٍ في عينيها:
_بعد اللي عمله، مبقتش عارفة أحسّ بحاجة أصلًا.
ربتت ميرال على كتفها، تتشبَّث بأي أمل:
_لا بيحبِّك أوي كمان..ادِّيني يومين بس وأنا هأكِّدلك إنه بيحبِّك وبيموت فيكي.
صمت للحظات، ثم قالت ضي بنبرةٍ خالية من الحياة:
_خلاص يا طنط، مبقاش فارق.
رفعت عينيها، لكن لم يكن فيهما رجاء، فقط قرار موجع:
_هوَّ بنى حياته، وأنا كمان من حقِّي أبني حياتي.
تجمَّدت ميرال:
_يعني إيه؟
جاءها الرد…كطعنةٍ بطيئة:
_هرتبط بواحد تاني.
شهقت ميرال، تهزُّ رأسها برفضٍ مذعور:
_متعمليش كدا يا ضي يا حبيبتي!
لكنها لم تعد تسمع، انفجرت باكية، تضغط على قلبها تحاول إسكاته:
_دا بيوجعني أوي يا طنط، حاولت أهرب من شبح يوسف، بس قلبي بيموت، مبقتش بحسّ بحاجة غير الوجع وبس.
اختنق صوتها، ثم همست كأنها تقنع نفسها قبل أيِّ أحد:
_لازم أتخطَّاه…لازم أبني حياة بعيد عنه.
النهاردة وأنا برقص معاه، اتمنِّيت بس يقولي سامحيني، والله كنت هسامحه، وأخده في حضني، بس معملش كدا، راح وداس عليَّ بكل قوِّته.
اقتربت من ميرال، تنظر بعينيها:
_تعرفي قولت له إيه وأنا برقص معاه الرقصة اللي حضرتك حكيتي مرارتك عنها؟. 
_قولت إنتي وعمِّي رقصتوها، لمَّا قرَّر يوجعك، حاولت أفوَّقه لكن هو مصرّ يدوس وبس، أنا خلاص أخدت قراري حتى لو هعيش بجحيم، هيكون أهون من إنِّي أموت كل يوم وأنا اسأل نفسي، ليه بعد العشق دا كلُّه يوجعني كدا، خلاص أنا هتجوز، وقولي له كدا، يمكن مفهمش كلامي. 

نظرت لها ميرال بذهولٍ وألم:
_يعني عايزة ترتبطي، وإنتي بتحبِّي واحد تاني؟!.
_أومأت ضي، ودموعها لا تتوقَّف:
_آه وهو عارف..مش فارقلي الحياة أصلًا، بعد ابنك حياتي زي موتي. 
ابتسمت ابتسامة باهتة موجعة أكثر من البكاء:
_وياعالم  يمكن الشخص دا يقدر ينسِّيني يوسف.

التفتت ميرال إلى غرام، وعيناها مشتعلة بوجعٍ لم يعد يُحتمل:
_إنتي راضية على كلامها؟
نظرت غرام إليها بصمت، ثم هزَّت  رأسها بضياع، وكأنها تردُّ على نفسها قبل أي أحد:
_اهي قدَّامك، مبقتش عايزة تسمع حد.
استدارت ضي ببطء، عيناها فارغتان… لكن كلماتها خرجت قاطعة، حاسمة:
_يوسف مبقاش فارق معايا يا طنط، ومن هنا ورايح مش هشوفه غير ابن عمّي وبس..لو هشوفه أصلًا.
شهقت ميرال بألم:
_كدا يا ضي؟
رفعت ضي ذقنها، وابتلعت غصَّتها بصعوبة:
"مش أنا اللي بعت لو سمحتي.

عادت ميرال إلى الحاضر، تضغط على عينيها تحاول أن تمحو تلك الكلمات من داخلها، لكن صدى صوت يوسف ظلَّ يطاردها، ينهش قلبها بلا رحمة:
_خلاص يا ماما ضي هتتجوز…مبقتش فارقة.
ارتجف جسدها...خطت ببطء حيث تجلس ضي، بينما كان إلياس يراقبها بصمتٍ موجع، يعرف جيِّدًا، أن هذه المواجهة ستكون قاسية.
انحنت ميرال أمامها، نظرت إليها طويلًا، إلى هيئتها المنكسرة، ثم همست بصوتٍ خافت، لكنه كان كالسهم:
_الدموع دي ندم..ولَّا إحساس بالذنب؟
لم ترد ضي..لم تتحرَّك حتى، بقيت كما هي..كأنَّها اختارت ألَّا تسمع.
اقترب إلياس بحذر، وصوته يحمل رجاءً خافتًا:
_ميرال…يلَّا علشان ترتاحي.
رفعت رأسها إليه فجأة، بنظراتٍ حادَّة، مضطربة:
_ضي بتعمل إيه هنا..مش هيَّ اتجوزت؟
_ميرال…حاول تهدئتها.
لكنها رفعت كفَّها تقاطعه، وصوتها خرج مرتجفًا، مؤذيًا:
_مش عايزة أسمع حاجة، خليِّها تمشي من هنا..لسه مستنية إيه؟ مستنية موته؟!
سقطت كلماتها  كالصاعقة.
ثم التفتت إلى أرسلان، وعيناها تمتلئانِ برعبِ الأم:
_أرسلان…خد بنتك من هنا، مش عايزاها تقرَّب من ابني.
خفض أرسلان رأسه، يتمتم بصوتٍ مثقل:
_حاضر يا ميرال.
ثم نظر إلى بلال، وقال بهدوءٍ مكسور:
_خد أختك يا حبيبي روَّحها.
تقدَّم بلال نحو ميرال، محاولًا احتواء الموقف:
_طنط ميرال…هيَّ مش بتسمع كلام حد فينا، من وقت الحادثة وهيَّ مخرجتش من الأوضة دي، سيبيها.
لكن ميرال لم تكن ترى، لم تكن تسمع، 
كانت ترى فقط ابنها على الفراش، بين الحياة والموت بسببها:
_خد أختك يا بلال، خلِّيها تروح تكمِّل انتقامها بعيد عن ابني.
نظر إلياس إلى بلال، وأومأ بصمت.
تقدم بلال نحو ضي، انحنى، ورفعها برفق من على الأرض، جسدها كان خفيفًا بشكلٍ مخيف، كأنَّ الروح لم تعد تثقله.
رفعت عينيها إليه فجأة، وتمسَّكت به، وصوتها خرج مكسورًا:
_مش همشي من هنا، موِّتوني…بس مش هخرج.
ثم أفلتت منه، واتَّجهت بخطواتٍ متعثِّرة نحو فراش يوسف، كأنها تُسحب إليه سحبًا:

_لمَّا يصحى، ويفتح عيونه.
خرجت الكلمات من ضي كرجاءٍ أخير، كأنها تتشبَّث بخيطٍ رفيعٍ بين الحياة والانهيار.
لكن قبل أن تلمس يوسف.
اندفعت ميرال نحوها بخطوةٍ واحدة، لا تدري من أين جاءت بتلك القوة، وسحبتها بعنف، دفعتها بعيدًا، وصوتها انفجر كبركانٍ مكبوت:
_إياكي تلمسيه! روحي اتجوزي علشان تنسيه يا غبية!
ترنَّحت ضي للحظة، لكن عينيها اشتعلتا، لم تتراجع، لم تنكسر.
رفعت رأسها بعنادٍ موجع، وصوتها خرج مبحوحًا لكنه صلب:
_مش همشي من جنب جوزي سمعتي؟ مش همشي من هنا.
دارت بعينيها على الجميع، دموعها متحجِّرة داخل مقلتيها، وجهها شاحب، وجسدها واقفًا فقط بالإرادة، لا بالحياة.
ثم صاحت بكلِّ ما تبقَّى فيها من قوة، من وجع، من حقٍّ يُسلب منها:
_مش همشي!
أشارت إلى يوسف،  انهار صوتها، وتكسَّر بكاؤها:
_دا جوزي…غصب عنُّكوا وعنه!
ارتجفت شفتاها، لكن كلماتها خرجت كسكاكين:
_أنا مش معترفة بالطلاق اللي هوَّ خرب بيه حياتنا بقراراته الغلط! مش من حقُّه ياخد قرار حياتي أنا.
ضربت صدرها بيدها:
_أنا بس اللي من حقِّي أقبل أو أرفض، أنا بس.
ثم أشارت إليهم جميعًا، بعينينِ غارقتينِ في الانكسار:
_حياتي أنا اللي اتدمَّرت، قلبي أنا اللي اتحطَّم، محدش يقولِّي أعمل إيه!
صمتٌ ثقيل، خانق، لا يجرؤ أحد على كسره..والجميع ينظر إليها بألمٍ صامت.
لكن ميرال لم تعد تحتمل..صرخت، وصوتها يحمل تهديدًا ووجع أمٍّ على حافَّة الجنون:
_أرسلان.
التفتت إليه بعينينِ دامعتين، لكنها حادَّة كالسكاكين:
_بنتك مش مرحَّب بيها هنا، خلِّيها تمشي، دا لو باقي على الأخوَّة اللي بينَّا.
ثم اندفعت نحو ضي، مدَّت يدها لتسحبها من ذراعها بعنف، لكنها تجمَّدت، توقَّفت فجأة..عيناها اتَّسعتا بذهول..أنفاسها انقطعت، صوتًا خافتًا، ضعيفًا، خرج من بين شفتي يوسف..
همسٌ بالكاد يُسمع…لكنه اخترق القلوب جميعًا:
_ضي…
سقطت يد ميرال في الهواء.

التفتت بسرعة، عيناها تتَّسعانِ بصدمة، بينما ركضت ضي كأنَّ الحياة عادت إليها، سقطت على ركبتيها أمام الفراش، تزيل دموعها بارتباك، تضحك وتبكي في آنٍ واحد:
_حبيبي أنا هنا…افتح عيونك!
رفعت رأسها للجميع، بلهفةٍ مجنونة:
_سمعتوه..يوسف صحي، مش كدا؟!
ازداد بكاءها حين رأت إصبعه يتحرَّك، 
صرخت بفرحٍ هستيري، وأمسكت كفِّه بسرعة، تقبِّله بجنون، ودموعها تغرق وجهها:
_يوسف…افتح عيونك يا حبيبي!
بلال! شوف الدكتور بسرعة.
اندفع بلال خارج الغرفة، بينما دفنت  وجهها في صدر يوسف، تبكي بعويلٍ مزَّق الصدور، شهقاتها كانت كأنها تخرج من أعماق روحٍ احترقت بالكامل.
ارتجف جسد ميرال، عيناها مثبَّتتان على ابنها، لا تصدِّق…لا تجرؤ أن تصدِّق.
نظرت إلى إلياس..الذي جثا أمام ابنه، يمرِّر يده على شعره، ودموعه تنساب بصمتٍ ثقيل، كأنها اعتراف متأخِّر بكلِّ ما عجز عنه.
همست ميرال، بصوتٍ ضائع بين الحقيقة والوهم:
_إلياس…هوَّ صحي بجد، ولَّا أنا بحلم؟
رفع رأسه إليها، وعيناه تلمعانِ بالدموع، وأومأ ببطء:
_صحي…
بكت ضي بشهقات، تقول من بين شهقاتها:
_قال ضي يا عمُّو، يوسف قال ضي. 
حاوطت جسده بذراعيها وما زال صوت بكاءها يشقُّ القلوب: 
_آاااه...آااه، رد عليَّ يا يوسف.
التفت إلياس إليها محاولًا تهدئتها:
_ضي…بطَّلي عياط، هوَّ صحي، اهدي.
لكنَّها لم تكن تسمع.
كانت تبكي كأنها تفرغ كلَّ ما بداخلها دفعةً واحدة…كلَّ الصبر، كلَّ الألم، كلَّ الخسارة التي عاشت فيها وحدها. 
وفجأة…انقطع صوت بكائها.
ارتخى جسدها بالكامل، وسقطت فاقدةً الوعي بين ذراعيه، بعد أن استنفدت آخر ما تبقَّى منها، وهي تهمس باسم حبيبها.

اقترب أرسلان بخطواتٍ متعثِّرة، وقلبه يطرق صدره بعنف، حين انقطع صوت ابنته فجأة…انحنى إليها فوجد وجهها قد شحب، وعينيها انطفأ فيهما كلَّ شيء.
_ضي... 
لم تجب..مال يعدل رأسها من فوق صدر يوسف، وصوته خرج مذعورًا: 

_بلال! أختك أُغمى عليها!
تمتم بها وبلال يفحص مؤشِّرات يوسف، رفع نظره إلى أخته التي سقطت مغشيًا عليها بين ذراع أبيه، وبين حركات أصابع يوسف، ليصبح بين جسدٍ سقط، وآخر عاد للحياة.
في تلك اللحظة، كان إلياس، يراقب 
حركة جسد ابنه..
لمعت عيناه بالسعادة، وشفتيه تتمتم بالحمد، بينما شهقت ميرال، شهقة خرجت من عمق روحها، قبل أن تخونها قواها وتسقط أمام الفراش، بعدما فقد جسدها القدرة على الوقوف..بفرحة عودة فلذة كبدها.. ليعلو الضجيج الغرفة، من دخول الجميع. 

بعد عدَّة ساعات…
هدأت الفوضى، لكن القلوب ما زالت ترتجف.
كان يوسف مستلقيًا، ملامحه مرهقة، لكن أنفاسه منتظمة..كأنه عاد من رحلةٍ طويلةٍ في الموت.
اجتمعوا حوله، جلست ميرال على طرف الفراش، عيناها غارقتانِ في وجهه، كأنها تحفظ تفاصيله من جديد، بينما جلست فريدة على الجانب الآخر، تمسك بيده بكلِّ ما تملك من خوفٍ وأمومة.
همست فريدة بصوتٍ مكسور: 
_حاسس بإيه يا حبيبي؟.
فتح يوسف عينيه بصعوبة، نظر إليهم ببطء، وعيناه تمرُّ على  الوجوه بتيه، ثم قال بخفوتٍ مُرهق:
_ الحمد لله. 
ارتجفت شفتا ميرال، وابتسامة باهتة ظهرت فوق وجعٍ عميق، مدَّت يدها تمرِّرها على شعره بحنانٍ مرتعش: 
_تستاهل الحمد يا حبيبي، قولِّي، في حاجة بتوجعك؟.
لم يرد..عيناه أغلقتا مجدَّدًا، وكأنَّ اليقظة أثقل من أن يحتملها.
رفعت ميرال رأسها بسرعة، والذعر يضرب ملامحها: 
_هوَّ نام تاني ليه؟!
تقدَّم بلال بخطواتٍ هادئة، يحاول أن يزرع الطمأنينة رغم قلقه:
_ طبيعي..جسمه لسه مرهق، والمهدِّئات بتأثَّر عليه، هيبقى كده شوية، بين الوعي واللاوعي.
ابتلعت خوفها بصعوبة، وانحنت تقبِّل جبينه، قبلةً طويلة، تطمئن قلبها قبل أن تطمئنه.
في تلك اللحظة، اندفعت شمس إلى الداخل، تبكي بفرحٍ:
_ماما…يوسف فاق، بجد فاق؟
التفتت ميرال، واحتضنتها بقوة، كأنها تتشبَّث بها حتى لا تنهار: 
_أيوة يا حبيبتي الحمد لله…الحمد لله..
كانت تكرِّرها، لكن صوتها لم يكن ثابتًا.
رفعت عينيها تبحث وسط الوجوه: 
_فين إلياس؟
أجاب بلال: 
_برَّا مع الدكتور…بيطمِّن عليه، متقلقيش.
دخلت غرام بهدوء، اقتربت منها وربتت على كتفها: 
_حمد الله على سلامته يا ميرال.
هزَّت رأسها، ولم تستطع الرد.

مرَّ أسبوع…
يوسف ما زال يتنقَّل بين النوم واليقظة، جسده يحارب ليستعيد نفسه، وعقله يعود ببطء من غيبوبة سرقت منه ثلاثة أشهر.
لكن…
لم يكن هو الوحيد الذي كان يحارب.
وضي كذلك…كانت تسقط بصمت.
كأنَّها كانت مؤجلةً انهيارها طوال تلك الفترة، تحمَّلت الخوف، والانتظار، والانكسار؛ وقفت صامدة فقط لأنه لم يكن مسموحًا لها أن تنهار حتى يفيق وتستمع إلى همسه؛ وتتأكَّد أنه ما زال يتنفَّس كي تستطع هي الأخرى التنفُّس. 

فكان كلُّ يومٍ يمرُّ دون أن يفتح عيناه، أن يهمس، أن يتحرَّك، تتآكل روحها بصمت، بدأ جسدها يخذلها تدريجيًّا، عيناها فقدت بريقها، وخطواتها أصبحت أثقل، وصوتها أضعف…حتى جاء اليوم الذي لم تعد فيه قادرة على التماسك..سقطت، دون صراخ، دون مقدِّمات. 

سقطت كما يسقط شيءٌ استُهلك حتى نهايته.
لا ضجيج، لا مقاومة، فقط انهيار صامت، ينساب بين الوعي واللاوعي.

غابت أسبوعًا كاملًا في عالمٍ باهت، تُخدِّرها المهدِّئات، وتُطفئها الأيام.
حتى عادت،  كوميضٍ خافتٍ يتسلَّل إلى روحٍ مُنهكة.
نهضت من فوق فراشها بتكاسل،  وقفت والدتها مقتربةً منها: 
_رايحة فين حبيبتي؟.نظرت لوالدتها بعيونٍ ذابلة، عيونًا ضاعت بها الحياة:
_رايحة أتنفِّس. 
تمتمت بها بوهنٍ خافت، اقتربت والدتها: 
_حبيبتي، مش الدكتور قال إنِّك محتاجة للراحة، جسمك تعبان.
_راحتي مش هنا ياماما، قالتها بنبرة متحشرجة، استندت على الجدار، وسحبت نفسًا بصعوبة، تنظر لوالدتها: 
_شكلي حلو يا ماما؟.
اختنقت غرام بالبكاء، واقتربت من ابنتها التي أصبحت بقايا انسان: 
_شكلك زي القمر يا حبيبتي. 
_يعني هعجبه؟.
ضمَّتها غرام لصدرها وانسابت دموعها بصمت: 
_هتعجبيه طبعًا، إنتي عجباه من غير حاجة. 
ابتعدت قليلًا عن والدتها: 
_ادعي لي يا ماما، مشواري صعب معاه.
احتضنت غرام وجهها تزيل دموعها:
_داعية لك من كلِّ قلبي حبيبتي، ربِّنا يريَّح قلبك يا بنتي. 
هزَّت رأسها وانزلقت دمعة من عينيها:
_ادعي لي يسامحني يا ماما، لأنِّي وجعته أوي، أنا مش وجعته بس، أنا دبحته، هموت يا ماما، هموت لو فضل بعيد عني.
سحبتها لصدرها بقوة وبكت على بكاء ابنتها:
_بعد الشرِّ عليكي يا روح ماما، يوسف بيحبِّك، وبيحبِّك أوي كمان، اللي يعمل كدا بيكون عاشق يا بنت أرسلان، معرفش إيه اللي دار بينكم، لكن متأكِّدة إنُّه هيسامح. 
أبعدتها عن أحضانها: 
_خلِّي عندك صبر، ومتبيِّنيش ضعفك لحد، ومتخليش حد يهدِّ الحبّ اللي بينكم حتى يوسف نفسه، دافعي عن حبِّك وبكلِّ الطرق وأنا معاكي وفي ضهرك. 
ابتسمت لوالدتها: 
_يعني بابا مش زعلان علشان اللي عملته وقولته؟.
رفعت ذقنها تنظر لعينيها:
_مفيش أب بيزعل من ولاده، وشوفتي اللي كان بيقولِّك لو عملتي كدا، مش هتبقي بنتي، وقف قدَّام أخوه علشانك، هوَّ ممكن يكون واخد على خاطره، وخصوصًا بعد اللي حصل ليوسف. 
أومأت بتفهُّم ثم خرجت، خطت إلى غرفته بهدوءٍ مؤلم، وصلت إلى باب الغرفة، توقَّفت للحظات تسحب نفسًا ثم زفرته، ثم دفعت الباب، وخطت..لم تكن مجرَّد خطوة..كانت عمرًا كاملًا تعبره.
توقَّفت عند العتبة..رأته مستندًا برأسه إلى الفراش، عيناه مغمضتان، وجهه ساكن…وبجواره عمَّها، ارتجف قلبها بعنف، حتى شعرت أنه سيخذلها ويسقط قبل أن تصل إليه.
همست اسمه بقلبها قبل شفتاها.. تحرَّكت..تسحب قدميها نحوه بصعوبة، كأنها تتعلَّم السير من جديد.
أنفاسها تتصاعد، متقطِّعة، مرهقة، ليس من الحركة، بل من الشوق إليه.
رفع إلياس رأسه على صوت الباب، 
رآها وهي تدلف، نظر إليها بتقييم، باهتة، منهكة، ودموعها تسبق خطواتها.
اندفع إليها بلهفةٍ لم يُخفها:
_ حبيبتي…إنتِ كويسة؟
لم تجبه، عيناها كانتا معلَّقتين به وحده، بذلك الغافي الذي عاد من حافَّة الفقد.
تمتمت، بشفتينِ ترتجفان:
_ هو َّعامل إيه يا عمُّو…بقى كويس؟
احتواها بذراعيه حين شعر بضعفها، ورسم ابتسامة رغم انقباض قلبه:
_ كويس يا حبيبتي…إنتِ عاملة إيه؟
ابتسمت ابتسامة واهنة، وقالت بصوتٍ مكسور:
_ كويسة…طول ما هوَّ كويس.
لم تنتظر أكثر تحرَّرت منه، وخطت نحوه خطوة، ثم أخرى حتى وقفت أمام فراشه.
ظلَّت تنظر إليه لا تتحرَّك كأنها تحفظ ملامحه من جديد، تخشى أن يخطفه القدر  إن أغمضت عينيها، مدَّت يدها مرتجفة، ضعيفة…مرَّرتها على وجهه برفق، كأنها تخشى أن توقظه، أو أن تكتشف أنه حلم.
دموعها انهمرت دون إذن، غير مصدِّقة أنه عاد، أنَّه هنا أمامها، شعر بلمستها.
فتح عينيه ببطء.
شهقت وتلألأت عيناها بسعادةٍ موجوعة، كأنَّ الفرح نفسه يبكي.
تعلَّقت به بنظرةٍ مرتعشة، تدعو الله أن يُبقي تلك العينين مفتوحتينِ لها العمر كلِّه.
_ عامل إيه؟
قالتها وهي تلتهم ملامحه بعينيها… كأمٍّ تطمئنُّ  على رضيعها.
ردَّ بهدوء، وهو يسحب نظره من عينيها:
_كويس.
تدخَّل إلياس، محاولًا السيطرة على عتابهما:
_ بنت عمَّك كانت تعبانة يا حبيبي، بس كانت جنبك طول الوقت.
حاول يوسف أن يعتدل، فدفع الوسادة بوهن.
انحنت سريعًا، تسنده، لكنَّه رفع يده الموصولة بالإبر، وأوقفها:
_ مش محتاج مساعدة.
ثم نظر إلى والده، بصوتٍ خافت:
_ عايز أرتاح.
اقترب والده يساعده على الاستلقاء من جديد، بينما ظلَّت هي واقفة، صامتة.
تنظر إليه…فقط، صمتها كان أوجع من أي بكاء.
نظر إليها إلياس وقال برفق:
_ حبيبتي…إنتِ كمان روحي ارتاحي.
جلست على المقعد بجوار الفراش، دون أن تبعد عينيها عنه:
_ راحتي هنا يا عمُّو.
وضع يده على كتفها بحنان:
_ سيبيه لمَّا يفوق يا ضي…وبعدين اتكلِّموا.
ابتسمت ابتسامة موجوعة، وعيناها لا تزالان عليه:
_ سبته بما فيه الكفاية يا عمُّو، كفاية أوي كده.
انحنى إليها، يهمس بحذر:
_ بلاش يعرف إنِّنا عرفنا، لو عرف، ممكن تخسريه للأبد.
أنا واثق فيكِ…هتعرفي ترجَّعي جوزك.
وقبل أن يبتعد، أضاف بخفوت:
_وعلى فكرة…أنا مش زعلان منك.
قبَّل رأسها، وفي تلك اللحظة دخلت ميرال.
رفعت ضي رأسها، وقالت بنبرةٍ مكسورة:
_ أنا آسفة، عارفة إني كنت السبب… مكنتش أعرف إن كلِّ ده هيحصل.
توقَّفت ميرال أمامها، تتأمَّلها بقلبٍ مثقل.
تعلم…تعلم جيِّدًا كم تحبُّه.
وتعلم أكثر، كم يعشقها هو.
تذكَّرت همسه الأول بعد أن أفاق باسمها.

اقتربت، وقالت بهدوء وهي تنظر إلى يوسف:
_ يوسف لسه نايم؟
_لا…كان صاحي شوية، ولسه نايم.
هزَّت رأسها، ثم نظرت إلى إلياس:
_ طيب يا حبيبي، روح ارتاح شوية.
ثم التفتت إلى ضي:
_ أنا وضي هنا…متشغلشِ بالك.
تبادل إلياس وميرال نظرة صامتة… فهم كلٌّ منهما ما يدور في ذهن الآخر.
اقترب إلياس من ابنه، وقف للحظات يراقب أنفاسه المنتظمة، ثم تنهَّد واستدار، وغادر الغرفة بهدوء، وبقيت هي جالسة إلى جواره..لا تفعل شيئًا، سوى النظر إلى نومه.
ظلَّت ميرال تراقب حالتها، ثم تنهَّدت ونهضت متَّجهةً للخارج، بينما انحنت هي تهمس له:
_عارفة إنَّك صاحي، ومش عايز تشوفني.
بس إنتَ وحشتني أوي، وحشتني أوي يا يوسف.

فتح عينيه ببطء، ابتسمت، وجلست أمامه، وعيناها تغوصان في ملامحه بشغفٍ موجوع.
تعلَّق نظره بها للحظات، ملامحها التي سرقها الشحوب، وعيناها التي أنهكها السهر والبكاء.
انحنت تلمس وجهه برفق، وهمست بصوتٍ مرتجف:
_كنت هموت عليك.
استدار برأسه للجهة الأخرى، كأنَّ لمستها أحرقت شيئًا داخله:
_كتَّر خيرك…تعبتِك معايا.
ارتعش صوتها:
_يوسف…
استدار إليها فجأة، بنظرةٍ قاسية حاول أن يخفي خلفها ضعفه:
_عايزة إيه، وليه عاملة في نفسك كده؟ أنا بقيت كويس، ارجعي بيتك لجوزك، ليعملِّك حكاية ويفكَّرك زعلانة عليَّا.
لا تعلم لماذا ابتسمت، ابتسامة خافتة تحمل وجعًا أعمق من الدموع.
اقتربت منه، حتى أصبحت أنفاسها تلامس وجهه:
_متخافش على جوزي، هوَّ متفهِّم، وعارف إنتَ بالنسبالي إيه.
اشتعلت عيناه:
_اطلعي برَّه…مش عايز أشوفك قدَّامي.
مدَّت يدها تمرِّرها بين خصلات شعره بهدوء متحدٍّ:
_ولو مطلعتش…هتعمل إيه، هتشتكيني لجوزي؟
مطَّت شفتيها بخفَّة، وعيناها مثبَّتتان عليه:
_تمام…اشتكيني معنديش مشكلة خالص…ده بيحبِّني أوي، وهيتفهَّم خوفي. 
اقتربت أكثر، أكثر ممَّا يحتمل:
_ياريت تغير منه، وتعرف بيحبِّني قدِّ إيه، وأنا كمان بحبُّه أوي.
هنا انكسر شيئًا داخله.
حاول الاعتدال بعنف، نازعًا الإبرة من كفِّه، كأنه ينتزع الألم من روحه.. صرخت وهي تندفع نحوه:
_يوسف! بتعمل إيه؟ هتجرح نفسك!
احتضنته تحاول تهدئته، لكنه دفعها بقوةٍ مفاجئة، قوة خرجت من وجعه لا من جسده، فسقطت أرضًا متأوِّهة.
صرخ بصوتٍ ممزَّق:
_بره!!! مش عايز أشوفك قدَّامي!!!
انسابت دموعها، بصمتٍ موجع.
اندفعت ميرال إلى الداخل على صوته، شهقت وهي تراها على الأرض:
_إيه اللي حصل؟!
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، كأنَّ الغضب يخنقه.
ساعدت ميرال ضي على النهوض:
_إيه اللي حصل يا حبيبتي؟
ابتسمت ضي ابتسامة باهتة تخفي انكسارها:
_مفيش يا طنط…عادي واحدة وجوزها، واختلاف بسيط بينَّا.
رفع عينيه إليها بصدمة، يتمتم داخله:
_جوزها؟!،
مسَّدت ميرال على ظهرها:
_إنتي كويسة؟
أومأت برأسها، والدموع تتجمَّع من جديد:
_كويسة الحمد لله، آسفة قلقتك.
التفتت ميرال إلى يوسف بقلق:
_مالك يا حبيبي؟
أغمض عينيه، هروبًا من دموعها، وحالتها التي تقتله. 
اقتربت منه أكثر:
_يوسف…إنتَ كويس؟
ردَّ بصوتٍ متعب:
_كويس يا ماما، مش عايز أشوف حد، عايز أنام، لو سمحتي.
نظرت ميرال بينهما، ثم قالت بهدوء:
_طيب يا حبيبي ارتاح.
مدَّت يدها لضي:
_تعالي يا ضي، لازم ترتاحي إنتي كمان.
جلست ضي مكانها، دون أن تتحرَّك:
_أنا مرتاحة يا طنط…متقلقيش.
اشتدَّ صوته حادًّا:
_قولت مش عايز حد في الأوضة!
رفعت رأسها بثبات، ونظرت له مباشرة:
_أنا مش أي حد يا دكتور…أنا مراتك.
اتَّسعت عيناه بذهول:
_إنتي مجنونة!!.مرات مين، هوَّ أنا ولَّا إنتي اللي عمل الحادثة؟
خرجت ميرال بصمت بعد نظرة من ضي، تاركةً بينهما عاصفةً لا تُطفأ..
اقتربت منه ببطء، ثم انحنت واحتضنته رغم مقاومته:
_اسمعني يا جوزي الأمُّور، الطلاق اللي حضرتك عملته، أنا مش موافقة عليه. يعني أنا لسه مراتك يا جوزي يا حبيبي.
ابتسم بسخرية موجوعة، يتمتم:
_واحدة مجنونة…
همست قرب قلبه:
_مجنونة بس بحبَّك.
تجمَّد لثوانٍ…
وارتجف قلبه رغماً عنه، خانته قسوته.
رفع عينيه إليها، ممتلئةً بدموعٍ لم يستطع حبسها، وصوتٍ مكسور:
_إنتي عايزة مني إيه؟

_نسجِّل جوازنا، يعني نرجع نكتب كتابنا.
ظلَّ يحدِّق بها طويلًا، نظرة جامدة تخفي عاصفة لا تهدأ، ثم قال ببرودٍ قاسٍ:
_مش هيحصل…أحسن لك روحي كمِّلي جوازك، وخلِّفي ولد وسمِّيه يوسف، علشان يفكَّرك بأسوأ فترة عيشتيها.
كلماته سقطت عليها كصفعة، لكنها لم تتراجع.
نهضت فجأة، واتَّجهت نحوه، جلست بجواره على الفراش، ومدَّت يدها تمسك كفِّه رغم مقاومته:
_عارفة إنك مضَّايق مني وحقَّك.
رفعت عينيها إليه التي تصرخ بألمٍ صريح:
_لكن إنتَ السبب.
وضعت كفِّه فوق قلبها، ضغطت عليه وكأنها تريده أن يشعر بكلِّ نبضةٍ مكسورة:
_وجعت قلبي أوي يا يوسف، ده موجوع منَّك، وبينزف.
اختنق صوتها، وهمست:
_ما عملش حاجة غير إنه حبَّك وبس.
رفعت يدها تلمس وجهه، بأنامل ترتجف:
_ليه قتلتني يا يوسف؟
سحب وجهه بعيدًا، كأنَّ لمستها تفضحه:
_إنتي بتكدبي الكدبة وتصدَّقيها…أنا تعبان وعايز أرتاح، روحي شوفي عريسك، إيه يا مدام، خلَّصتي انتقامك مني؟
سكنت للحظة، ثم قالت بهدوءٍ مفاجئ:
_أنا قولت لك كدا علشان سمعت كلامك مع بابا.
تصلَّب جسده، وغصَّة حادَّة صعدت إلى حلقه.
اعتدلت في جلستها، تنظر له بثباتٍ مؤلم:
كنت مستنِّي مني إيه بعد اللي سمعته..
تفتكر ممكن أسامحك؟
أجابها دون أن ينظر إليها:
_مش عايزك تسامحيني، عايزك تخرجي من حياتي.
ثم التفت لها بعينينِ قاسيتين:
_آه زي ما قلت لباباكي، مش عايزك، اطلعي برَّه حياتي، وروحي عيشي زي ما إنتي عايزة..
وبعدين لمَّا سمعتي جاية بتعيَّطي ورايا ليه، إيه مبقاش فيه كرامة خالص، من إمتى يا أستاذة ضي وإنتي معدومة الكرامة. 
هنا وقفت ببطء، استدارت وخطت نحو الباب، تحارب انهيارها بكلِّ ما تبقَّى فيها من قوة.
أمَّا هو…فأطبق على جفنيه بقسوة، ثم على شفتيه، وكأنه يمنع نفسه من النداء عليها.
عادت ذاكرته إلى حديثه مع أرسلان، تذكَّر حين خرج من منزل بلال، متَّجهًا لمنزله:
_يوسف.
التفت إليه، متوقِّفًا في مكانه:
_في إيه يا عمُّو؟
اقترب أرسلان منه، بنظرةٍ مثقلة:
_بقالي يومين عايز أتكلِّم معاك وبأجِّل.
_خير؟
تنهَّد، ثم قال:
_ناوي على إيه؟ مش كفاية كده.. تصالح مراتك.
ابتسم يوسف بسخرية جارحة:
_مراتي؟.ثم هزَّ رأسه:
_أنا مش متجوز يا عمُّو، أو تقدر تقول حاليًا مش متجوز…يمكن قدَّام إن شاء الله.
اتَّسعت عينا أرسلان بصدمة:
_إنتَ بتقول إيه يا بني؟! أنا لحدِّ دلوقتي مش فاهم عملت فينا كده ليه، هان عليك تكسرني؟
اقترب يوسف خطوة، وقال بصوتٍ منخفض لكنَّه حاد:
_اسمعني لو سمحت…الجوازة دي من الأوَّل كانت غصب، لا أنا كنت عايز أتجوز، ولا بنتك كانت بتفكر فيَّ.
توقَّف لحظة، وكأنه يجمع شتات قراره:
_حطِّيتوني قدَّام الأمر الواقع، حاولت أتأقلم، بس مقدرتش..مش قادر أكمِّل حياتي مع بنتك..مش مرتاح، حرام أدوَّر على راحتي؟.
نظر له أرسلان بألم:
_راحتك يا يوسف!.طيب وضي، راحتها فين؟
أجابه ببرودٍ قاتل:
_الاجابة دي مش عندي، بكرة تلاقي اللي يسعدها.
ثم أضاف، كأنه يقطع آخر خيط:
بس مش معايا…لأنِّي آخر واحد ممكن يسعدها.
صمت لحظة، ثم أكمل:
_أنا أصلًا ما وافقتش من الأوّل، إنتوا اللي فرضتوا عليَّ، وكان لازم ما أكسرش خاطرها علشان بنت عمِّي… كده خلصنا.
رفع عينيه بلامبالاةٍ مصطنعة:
_وبلاش تحسِّسوني إنها هتموت من غيري، ما هيَّ عايشة وزي الفل، خلُّوها تشوف حياتها ونرتاح كلِّنا.
_جاي تقول كدا بعد سنتين!. 
صمت للحظات ثم قال: 
_كنت بحاول أقنع نفسي بيها. 
_علشان كدا طلَّقتها،  طلَّقت بنتي علشان حاولت ومقدرتش؟!. 
_لا..علشان أسباب كتيرة.
_إيه هيَّ الاسباب الكتيرة دي، 
_بحتفظ بيها لنفسي يا عمُّو، من فضلك أنا بحبَّك وربِّنا أعلم إنتَ عندي زي بابا، متزعلش منِّي. 
_يعني خلاص يا بني، كدا خلصت؟ 

فتح عينيه فجأة، كأنَّ كلماته لأرسلان طعنته.
دخلت ميرال بهدوء، وجلست أمامه دون كلام…تنظر إليه فقط.
قطَّب حاجبيه:
_بتبصي لي كده ليه يا ماما؟
ظلَّت صامتة للحظات، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
_البنت بتموت، توقَّفت..وارتجف صوتها قبل أن تكمل:
_مشفتش حالتها وإنتَ بين الحياة والموت.
صمتت…لكن نظرتها أكملت الباقي، 
كلُّ شيءٍ لم تستطع قوله، كان واضحًا في عينيها.
_ماما اتكلِّمنا كتير في الموضوع دا. 
_دا قبل الحادثة، كنت في لحظة هضِّيع، عيش حياتك مع اللي بتحبَّك. 
_ماما...لو سمحتي، أنا تعبان ومش قادر. 
_أومال ليه كنت هتموت لمَّا عرفت إنَّها هتتجوز، إنتَ كنت بتعيَّط يا يوسف. 
أغمض عيناه: 
_نصيبي يا ماما، نصيبي أتحرم منها، أخفّ وأسافر، ومش هرجع تاني خالص هنا، بعدها هتنسى، هيَّ كانت هتعيش لولا رجوعي. 
_غلطان يا بن ميرال.
🔥🔥
بقصر الجارحي…
كانت تغفو بنومٍ عميق، كأنها تعوِّض أعوامًا من السهر والخوف، من يراها يظنُّ أنها لم تعرف النوم منذ زمن. جلس يراقب ملامحها الطفولية بهدوء، وابتسامة دافئة ترتسم على شفتيه، لتأخذه الذاكرة إلى ليلة زفافهما…
حين وصلا إلى الجزيرة لقضاء شهر العسل، دلف بها إلى الشاليه الخاص. توقَّفت عند المدخل، تدور عيناها في المكان:
_احنا هنقعد هنا لوحدنا؟
اقترب منها، واحتضن كفَّيها بحنانٍ مطمئن: 
_هوَّ إنتي عايزة حد معانا؟
ارتبكت قليلًا، وهمست: 
_مش قصدي يا حمزة، بس أصلي..
وضع إصبعه برفق على شفتيها: 
_شش…مالك يا حبيبتي، بترتعشي ليه؟
ابتعدت خطوة، تحاول التماسك: 
_عايزة أغيَّر…أغيَّر فين؟
أمسك كفَّيها، فشعر ببرودتها، فعقد حاجبيه بقلق: 
_شمس…حبيبتي، اهدي..إنتي خايفة؟
هزَّت رأسها سريعًا:
_لا…بس الفستان تقيل، والسفر، عايزة أرتاح منه.
ابتسم بهدوء، وسحبها برفق إلى الأعلى..كانت تسير بجواره، لكن جسدها يفضح ارتجافها، فتح باب الغرفة، وأشار إليها:
_دي أوضة النوم.
دخلت بعينينِ متَّسعتين، تتأمَّل الزينة، واسمها المعلَّق على الجدران..حاوطها من الخلف، يهمس قرب أذنها:
_عجبتك؟
انتفضت بخفَّة من قربه، لكنها هزَّت رأسها بالإيجاب، بعدما خانها الكلام.
فهم خوفها دون أن تشرح..أمسك يدها وجلس بها على الفراش، ثم جثا أمامها، ينظر إليها بعينينِ عاشقتين: 
_شمس…أنا مش عايزك تخافي منِّي.. مستحيل أأذيكي خالص..خدي وقتك، ولمَّا تحسِّي إنك جاهزة، أنا مستنِّيكي.
لمعت عيناها بالدموع، وسألته ببراءة: _يعني مش زعلان منِّي؟
ابتسم بحب، وجلس بجوارها، يسحبها إلى حضنه: 
_أزعل منِّك على إيه بس؟
استكانت بين ذراعيه، وأغمضت عينيها، وكأنَّها وجدت أخيرًا الأمان الذي كانت تبحث عنه، أمَّا هو…فكان يحاول السيطرة على مشاعره، يضمُّها بحذر، وكأنها شيءٌ ثمين يخشى كسره.
لكن قربها، وبراءتها وهي تميل برأسها على عنقه، كفيلان بإرباكه.
تنفَّس بعمق، وحاول أن يهدأ، لكنه لم يستطع منع نفسه من رفع يده ليحتضن وجهها برفق.
نظر في عينيها طويلًا…ثم اقترب ببطء، يطبع قبلةً هادئة، تحمل طمأنينة أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، ولكن عفويتها وهي تتمسَّح بعنقه، وأنفاسها الناعمة تضرب بشرة عنقه، جعلت القبلة تتحوَّل لجنونِ عاشق، ممَّا جعلها تدفعه بوهن، تلتقط أنفاسها، وجسدها يرتجف:
_حمزة..مش دلوقتي، أنا مش قادرة، متزعلش منِّي..قالتها وهي تبكي.
توقَّف فورًا، وكأنَّ كلماتها أعادته إلى وعيه، اقترب منها دون تردُّد، وضمَّها بحنانٍ حقيقي: 
_خلاص…خلاص يا حبيبتي، اهدي… مفيش حاجة مستاهلة دموعك.
ربت على ظهرها بهدوء، وصوته ينساب مطمئنًا: 
_أنا جنبك، آسف.. 
فهدأت بين ذراعيه…بينما ظلَّ هو ممسكًا بها، لا كزوجٍ يريد، بل كقلبٍ يحتوي.وأبًا يخاف. 
ابتعدت مبتسمة: 
_ممكن تخرج برَّة، عايزة أغيَّر. 
توقَّف للحظة يتابع جمالها الممزوج بالبراءة كأنها طفلة وليست أنثى ناضجة. 
أومأ لها، وهو يقرص وجنتيها، هوت على السرير بعد خروجه:
_اهدي، اهدي خلاص كلِّ حاجة هتعدِّي، صمتت تحدِّث نفسها: 
_غبية يا شمس، خايفة من إيه دا جوزك وحبيبك. 
تأفَّفت ونهضت تنزع فستانها وهي تهمس لنفسها:
_عيب اللي بتعمليه، ماما وبابا لو عرفوا هيقولوا عليَّ عيِّلة. 
توقَّفت تمسح جبينها تهمس لنفسها وهي تنظر لذلك القميص المخصوص لهذه الليلة الموضوع على الفراش، واختنقت بالبكاء: 
_أنا طلعت عيِّلة أوي، ياربِّي دلوقتي يندم إنه اتجوزني، يالَّه ياغبية صلَّحي اللي بوظتيه، واعملي زي ما ماما قالت لك.
صلِّي واذكري ربِّنا وتوكَّلي على الله، مش هيموِّتك يعني. 
ظلَّت فترة تنظر للقميص الشفَّاف، ارتجف جسدها وهي تتخيَّل نفسها أمامه به..ألقته من يدها: 
_يالهوي هلبسه إزاي دا، دا شفَّاف أوي، ياربّ ساعدني، تذكَّرت شيئًا..
_الأوَّل لازم أكلِّم يوسف وأطَّمن عليه. 
عند حمزة..
خرج إلى الحديقة سريعًا، بعدما فقد السيطرة.

دفع الباب بقدمه بغضب يسبُّ بلال في سرِّه، ثم اتَّجه إلى الحديقة يبحث عن شيءٍ يفرغ به غضبه، ولكنه توقَّف على صوتها: 
_حمزة... 
استدار إليها سريعًا،ولمعت عيناه بالسعادة: 
_نعم حبيبتي.. 
_شوفت تليفوني، بدوَّر عليه مش لاقياه، كنت عايزة أكلِّم يوسف، عايزة أطَّمن وأشوفه عمل إيه مع ضي.
كوَّر قبضته بغضب، يستغفر ربَّه. 
اقتربت منه وهتفت ببراءة: 
_ما بتردش ليه؟.
_تعرفي أنا أستاهل ضر بي بالحزام يا روحي، يا ريت أبويا منعني من السفر. 
_ليه بقى يا كابتن..على العموم شكرًا، هدخل أشوفه. 
راقب تحرُّكها، مسح على وجهه:
_متجوز طفلة، ودي هتعامل معاها إزاي؟. 
ابتسامة تجلَّت بملامحه: 
_أحلى طفلة في الكون. 
بعد قليل دلف للداخل، تسمَّرت قدماه، وهو يراها تقف بذلك القميص، تفرك كفَّيها بارتباك، نظر لكفِّها الذي يرتعش، وشفتيها، حتى عيناها تبتعد بها عن نظره. 
اقترب منها، رفع كفَّيه يلمس وجنتيها: 
_النهاردة اليوم كان مُرهق أوي، غير السفر، وأنا هلكان من التعب، إيه رأيك ننام؟. 
رغم محاولاتها لتصبح زوجته، ولكن كلماته جعلت جسدها يرتجف. 
سحب كفَّيها بهدوء، ونزع الروب، أغمضت عيناها، وشحب وجهها، وشفتيها كأنها تردِّد ذكر الله.
همس بجوار أذنها:
_شمس افتحي عيونك، متخفيش مش هعمل حاجة، مستحيل أقرَّب منك وإنتي في حالتك دي. 
فتحت عيناها تنظر إليه بصمت. 
فرد جسده على الفراش، ومدَّ ذراعيه: 
_تعالي حبيبتي متخافيش، هاخدك في حضني بس. 
تسلَّلت إلى أحضانه دون إضافة حرف. 
فاق من شروده على صوتها: 
_حبيبي سرحان في إيه؟.
قبَّل كفَّها الذي وضعته على وجهه:
_هفكَّر في مين غيرك يا شموسة. 
بالمشفى عند بلال.. 
دلفت رولا إلى مكتبه، وجدته غافيًا على المقعد، وضعت حقيبتها بهدوء، واقتربت منه، انحنت تطبع قبلةً على شفتيه، فتح عيناه، ابتسمت وتراجعت: 
_دكتورنا اللي نام في الشغل.
سحب يدها وجذبها إليه، لتجلس على ساقيه:
_نمت من التعب، بقالي كام يوم بطبَّق. 
لمست وجنتيه: 
_روح ارتاح شوية، بقالك أسبوع ما روحتش. 
_مينفعش أسيب يوسف يبات لوحده، عمِّي مبقاش حمل سهر، غير لازم أكون جنبه لحدِّ ما يوقف على رجله. 
_بلال الإصابات دي مش خطيرة صح، يعني كلِّ حاجة تمام؟. 
_أيوة حبيبتي، الحمدلله، كنَّا خايفين من النزيف الداخلي، لكن الحمدلله، آخر أشعَّة، مفيش حاجة.
_طيب ضهره، سمعت عمُّو بيقول ضهره فيه إصابة. 
_إن شاءلله، يخفِّ بعملية، لسة هنعمل إشاعة أخيرة ونشوف الفقرات... 
المهمِّ قولي لي جاية ليه؟. 
تلاعبت بزرِّ قميصه:
_مفيش وحشتني بس، قولت آجي أشوفك ما دام مش فارقة معاك. 
ضمَّها بقوة بين ذراعيه:
_مين قال كدا، بلاش تعرفي مشتاق لك قدِّ إيه.
_لا عايزة أعرف. 
وضع جبينه فوق جبينها، وآااه عاشقة خرجت بأنفاسه الحارَّة: 
_مجنون على فكرة، أوعي تفكَّري المكتب هيحوشني عنك. 
فجأة استمعوا لطرقات ِّودخول كارما 
_فاضي يا دكتور؟. 
لم تتحرَّك رولا من مكانها، ظلَّت كما هي جالسة على ساقيه، لتتراجع كارما معتذرة:
_آسفة، فكَّرتك لوحدك. 
زمَّت رولا شفتيها قائلة:
_هوَّ فيه حد بيدخل على حد كدا؟. 
اتجهت بنظرها اليه:
_إيه يا دكتور، متعرَّفش اللي شغَّالين معاك الأدب.

مضى اسبوعان 
دلفت اليه، وجدته مازال غافيا، نظرت الى بلال الذي يغفو بجواره على المقعد، اتجهت اليه وايقظته بهدوء
_حبيبي قوم روح ارتاح وانا هنا 
اعتدل يمسح على وجهه، ثم حرك رأسيه 
_مينفعش، اسر زمانه جاي، مش عايزين نعمل قلق علشان عمو 
سحبت كفيه
_تعالى عايزة اتكلم معاك في موضوع مهم 
مضى بعض الوقت وهي بجواره، فتح عيناه، وجدها تجلس تنظر اليه 
_فين بلال 
_راح يجيب المأذون 
قطب جبينه 
_مأذون..!! 
اومأت له بهدوء وهي تنظر اليه 

ايوة بالظبط، زي ماايدك الحلوة دي مضت على ورقة الطلاق من غير علمي، هتمضي على ورقة الجواز 
إلا إذا... قالتها وهي تقترب منه بخطوات بطيئة مهلكة لكلًا منهما 
_هفضـ حك يادكتور 
امالت بجسدها تتلاعب بزر قميصه
_هشغل عليك بتوع حقوق المرأة، 
ومراتك شاطرة في الحاجات دي، وانت طبعا دكتور حليوة وبقالك اسم 
اعتدلت تشير بيدها
_اه هنزله بكل لغات العالم، يوصل للمركز بتاع Cleveland Clinic 
قالتها بغمزة من عينيها 
_اطلعي برة واطفي النور، بدل مااتصل بمستشفى المجانين 
جلست بجواره على الفراش
_عارف الرقم ياحبيبي، ولا اتصل انا
امالت تسحب الوسادة 
ارفع راسك، علشان احط وراك المخدة دي، رقبتك هتوجعك

لم يكترث لوجودها، فاعتدل، اتجهت اليه تساعده، رفض في البداية، ولكنها لم تهتم لرفضه، الى أن استند على كفيها معتدلا
_ضهرك بيوجعك اوي 
_لم يجب عليها، تراجعت للخلف دون اضافة شي، دقائق ودلف اسر وبلال وبجوارهم رجلا يحمل دفترا
التفت اليها سريعا، بعدما علم بهويته
_ايه اللي بيحصل هنا يابلال 
_هنجوزك يادوك
_انت بتستعبط يايلا
_ابدا وحياة رحمة ابويا اللي نايم في البيت 
مراتك المفترية هي اللي قالت لي هات المأذون،  لتخلي البت تخلعني، وانا خايف على سمعتي 

عند ارسلان 
ظل امام جهازه لفترة طويلة، ثم رفع هاتفه
_ابعتي لي الفيديو من كل الخلفيات، مش ظاهر اوي 
_تمام ياباشا
بعد دقائق، وهو يتفحص كل الفيديوهات التي توجد بمكان الحادث،  استمع الى رنين هاتفه
_زي مااتوقعت ياارسلان، الفرامل كان ملعوب فيها، وقعت عيناه على السيارة التي قطعت طريق يوسف فجأة
_مش عايز حد في الكمبوند من غير حساب، وفي نفس الوقت مش عايز حد يعرف انت بدور على ايه، هتعرف تعمل الحركة دي يامالك ولا اشوف غيرك
_طيب لو الياس سألني، اقوله ايه 
_قوله شهادة ميلاد ارسلان ضاعت وبيدور عليها.. 
على بوابة الكمبوند... توقفت امام الامن
_هنا منزل دكتور يوسف الشافعي 
_نعم، نقوله مين 
_دارين المعتصم 
_لحظة هنقول للباشا، الدكتور، مريض بالمستشفى 
_اريد عنوان المستشفى 

تعليقات