رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس والستون 65 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس والستون 

قبل ساعتين 

وقد اوشك الحفل على الانتهاء، كان يقف امامها موليها ظهره يتهرب بنظراته منها، معجبة به جدًا هناك شئ اشعله بها "تامر" شعور لم تختبره من قبل، ربما سمعت عنه لكنها لم تختبره، حالة من الهيام تتملكها وهى بقربه، نهضت من مكانها ثم تجاوزته 
وهى تشعر بنظراته التى تخترقها، ثوانٍ واقترب منها 
شاب كان يراقبها طول الحفل قائلًا: 

-على فكرة شغلك روعة وذوقك عالى كنت حابب نتعرف 

نظرت بطرف عينيها نحوه ثم أسبلت اهدابها لذلك الشاب

-مش فاهمة انت  قصدك اعملك شغل 

-لا نتعرف وممكن الشغل يِّجى بعدين 

رمقت ذلك الشاب من اعلاه لأدناه ثم تجاوزته فلحقها مسرعًا: 

-طب استنى نتفاهم مالك قفشتى ليه؟! 

اقترب "تامر" وازاحها قليلًا وهو يلجم غضبه بإعجوبة قائلًا: 

-هو فى أيه؟! ماله الأخ 

هزت كتفاها ببلاهة قائلة: 

-مافيش كان بيسأل عن الشغل بتاعنا 

رفع الشاب حاجبه بتحدٍ وهو يسأله بِحدة: 

-وأنت مالك؟! 

جز تامر على اسنانه وهو يقترب منه بغضب هامسًا من بين اسنانه: 

-أنا مالى هى تبعى وتخصنى كلمة كمان وهخليك فقرة 
فى الحفلة فابعد احسنلك 

تراجع الشاب خطوة للوراء قائلًا: 

-اسفين يا ابو الرجولة ماكنتش اعرف انها تبعك وانا شاب 
زيك وميرضنيش 

اهدافها لا تخطئ مرماها وقد احرزت واحد للتو، استفزته 
ليتحرر الوحش الكامن بداخله، راقبت انصرف الشاب 
ثم نظرت إليه قائلة: 

-تقيل اوى 

-هو إنتِ مش قاعدة فى مكانك ليه؟

تنفست بعمق قائلة: 

-زهقت وانت جبتنى غصب عنى هنا 

-روحى المكتب يلا هخلص وهالحقك 

هزت كتفاها ببراءة هامسة: 

-حاضر

*****

 فى الوقت الحالى

فى المشفى أمام إحدى الغرف المدون عليها " غرفة العمليات" تقف والدة ضياء تستند برأسها على إحدى 
الحوائط وعيناها تسكب سيولاً من الدمع مغرقة وجهها 
ولسانها لا يكف عن الدعاء وطلب الإغاثة من الله وإلى
جوارها تقف  "كارما" فى حالة صدمة وجوارها 
"كرم" عساه يخفف عنها أو يمدها بالدعم

مر الطبيب بجانبهم لتندفع إليه "بيلا" قائلة: 

-ضياء كويس صح؟! 

تابعت قولها الأخير بنظرة رجاء عله يرأف بحالها ويطمئنها
عليه هامسة:

-‏قول لى أنه مفيش حاجة وهيروح معايا اصل سيبنا ابننا لوحده

اشفق الطبيب عليها وهز رأسه فى صمت ثم رفع بصره 
إلى كنان الذى كان يقف فى زاوية: 

-كنان أنت متعقمتش ليه لحد دلوقتى هنحتاجك فى 
فى العمليات جوه 

نظر إلى كلتا يده  الغارقة بالدماء ولم يعطيه ردًا، كانت نظراته مبهمة، لا يستطع أحد تحديدها أو فهمها كأنه بعالم أخر غير هذا العالم وبالأخير همس: 

-مش هاقدر، مش هاقدر 

تدخل بدر سريعًا: 

-كنان صعب اعصابه بايظة معاك أنا والدكتورة بيسان 

بالمثل هدرت بيسان قائلة: 

-لأ أنا صعب مش هاقدر 

مد بدر يده مربتًا على كتفها هامسًا بشفقة وهو ينظر 
إلى والدة ضياء قائلة: 

-والدته حالتها صعبة وانتِ فى إيديكِ مساعدة معقولة تتأخرى أنا عارف ومقدر كل حالة 

-بس 

تنهد قائلًا بحزم: 

-من غير بس، يلا يا دكتورة على العمليات 

أما كيان كان الخزى جليًا على ملامحها المأسورة داخل براكين الحزن وطيات القهر، تقف بعيدًا منكسة رأسها والدموع تغرق عينيها حاولت أن تخطو نحو كنان لكنها لم تستطع مدركة أنها خسرت كل شئ وستظل مكروهة للأبد

*****

 كل شئ ضبابى أمام عيناها فهى تبكى منذ مدة، لم يكن 
 ‏غضبها أو حزنها أو تحطمها إلى هذا الحد سببه "هاجد" 
 ‏لم يكن ذلك السبب الوحيد على الأقل، فموقف هاجد 
 ‏اقل بكثير مما عانته بحياتها، وأقل من صدمتها بوالدتها 
 ‏لكنها ملت الألم، لم تعد تحتمل جرح أخر، لم تعد قادرة 
 ‏على ما تجرعته من مرارة فقد وعلقم القسوة، فقد كان 
 ‏أمتلأ قلبها على اخره، خرج الطبيب من الغرفة قائلًا: 

-متقلقوش الخطر راح كانت غيبوبة سكر وهى دلوقتى بخير

تنفست الصعداء اخيراً، بينما هو زفر بقوة وهو يستند برأسه على باب الغرفة، ثم رفع رأسه ثبت بصره عليها
ينظر لها نظرات واضحة بشكل مؤلم، وقد تجلى
الألم فى عينيه، لكنه لم ينبث بكلمة واحدة، صمته كان  يضعها بين شقى الرحى

نظر لها باستخفاف وهى تمسح دموعها بظهر يدها ثم تركها خلفه ودلف ليطمئن على والدته، شعرت بهذه اللحظة انها وحيدة في هذا العالم

ولجت خلفه وجدته يمسك يد والدته ويقبلها وهو يشهق 
كطفل صغير ، كانت تلتقط انفاسها بجهد بالغ فهمس هو بتقطع قائلًا : 

-كدا أهون عليكِ تخضينى كدا، صحيح صوتى كان عالى بس دية كانت اول مرة تروحى تعملى فيا كدا، فتحى عينيك بقى 

قاطع حديثه دخول الممرضة لتقيس لها الضغط فنهض
هو يقف على الجانب الأخر ودموعه تنهمر على وجنته، لن ينسى هذا الموقف طيلة حياته كل الخوف والقلق الذى تناوب على قلبه. 

كانت تراقبه فى صمت تتمزق وهى بعيدة عنه فى هذا الوقت، تريد أن تمده بالدعم والقوة لكنه يسيطر عليها الضعف، لتقف كمشاهدة لترى فاجعة انهياره 

فجأة انفتح الباب ليدق قلبها بسرعة جنونية حتى كاد 
يدفع بقفصها الصدرى، دموعها تنهمر انهارًا تنحفر
على وجنتيها تاركة أثر لم يكن من الممكن محوه

******

بعد مرور أكثر من ساعتين خرجت بيسان من غرفة العمليات وهى ترتجف وجهها عابس وأعينها دامعة فساد الصمت بينهم طويلًا وهى توزع النظرات بينهم حتى قطع 
كنان الصمت وسألها بتعلثم عن حالة ضياء، اطبقت شفتيها
بقهر وهمست بأسى: 

-الوضع مش مستقر، الجرح غائر والكبد اتضرر جامد 

جذب كنان خصلات شعره وهو يدور حوله نفسه كنمر حبيس ثم توقف
يصرخ فى بيسان: 

-يعنى أيه؟! 
يعنى أيه تلات دكاترة ومش عارفين يتصرفوا جوه 

رفعت بيسان يدها التى ترتجف وفركت جبينها هامسة: 

-لو سمحت يا كنان اهدى احنا عملنا اللى علينا وزيادة 
صدقنى محدش قصر، بس الحل فى زرع كبد بدل الجزء 
المتضرر 

كانت والدته تحاول التنفس لكنها شعرت بإن  شئ 
قد اطبق على القصبة الهوائية لمجرى التنفس لكنها 
أشارت لنفسها وهى تقول بفاجعة أم ستفقد فلذة كبدها 

-أنا يا كنان أنا خد منى روحى حتى بس أبنى يعيش 
بس ضياء يقوم على رجليه، يقوم لأبنه اللى مفرحش 
بيه يا كنان، أنا ماليش لازمة من غيره دا ضياء يا كنان 

جذبها كنان لصدره وهو يصرخ بوجع قائلًا: 

-دا ضياء دا ضياء أنا عارف أنا اللى ماليش لازمة من غيره 
إن شاء الله هيقوم ويبقى بخير 

-أنا عايزة ادخل لجوزى 

أتي صوت بيلا مبحوح متحشرج من اثر البكاء فاجابتها بيسان: 

-صعب حاليًا 

لم تستطع فى هذه الثانية الحفاظ على رباطة جأشها 
فجثت على ركبتيها قائلة: 

-لازم ادخله ضياء كان زعلان منى، كان غصب عنى بس 
كان عندى أمل أنه هياخدنى فى حضنه تانى أنا وابنه
أنا لو دخلت هيقوم معايا والله هيقوم مش هيكسفنى 
دخلونى ليه

اخفضت "بيسان" وجهها وبدأت تنحب هى الأخرى، مما جعل كنان يقترب من بيلا يمد يده ويعاونها على النهوض هامسًا: 

-قومى يا بيلا ضياء واصيل محتاجينك قوية

فاضت عينيه ولم يستطع كبحها لا يعلم إذا كان يصبرها او يصبر حاله قلبه ينتفض بقوة ينتفض انتفاضة لعدم الاستيعاب؛ فضياء يصارع الموت بالداخل وهو مكتوف الإيدى 

******

الحقيقة هنا  تنهش قلبها، الحقيقة حيث بداية النزف والسقوط

تجلس على الاريكة فى صمت ينغرز بداخلها خنجر بارد 
يحولها إلى مشوهة

كان  ينظر لها نظرات شفقة، شاحبة كانها على شفا الموت 
انقباضة يدها، هزت قدميها، تنظر نحو والدها وزوجته بنظرات متهربة

-عاملة ايه يا هاجر؟!

كانت تنوى الانصرف قبل أن يسألها والدها عن حالها بغموض وهو ينظر لملامحها وملامح هاجد الغير مفسرة

شعرت بالأستنكار والقسوة من سؤاله عن حالها فاجابته بإيماءة دون صوت يكفى ما تشعر به الأن من قهر وخزى 

رمقتها زوجة والدها بغير رضا ثم سألت وهى تجز على اسنانها بقوة: 

-افهم بقى أيه اللى حصل لأختى وصلها لكدا؟!

حدجها هاجد بحنق ثم قال محذرًا: 

-خالتى 

-لا طالما خالتى وبأعلى صوت كدا يا شيخ هاجد ياللى 
تربية إيدى وبتزعق فيا يبقى بسبب المحروسة اللى 
قلبت حياة الكل 

نهض مصطفى ليجذبها من معصمها بحدة هاتفًا: 

-انتِ تخرسى خالص 

نفضت يدها وهى تقول بحدة: 

-كلمة الحق بتزعل ليه من يوم ما دخلت حياتنا وهى قدمها فقر، فقر علينا كلنا ، أنت مش طايقنى وطايق البيت، وكانت هتموت حماتها وحتى هاجد اللى كان بلسم وانت تشهد شوفت بقى عامل إزاى 

استمعت لكلماتها المسمومة بألم مكظوم وشفتاها مرتجفة 
ولسانًا تفر الحروف من مخرجه فرارًا حاولت أن تلملم 
شتاتها قدر المستطاع قائلة بصوت متحشرج بغصات 
البكاء المكتومة: 

-أنتوا اللى دخلتونى حياتكم، انتوا اللى أذِتونى 
خبيتوا عليا ابسط حاجة حقيقة الرجل اللى المفروض
انه جوزى، اللى انتوا متأكدين أن أنا لو كنت عرفت هو مين كنت استحالة هأقبل بيه، انتوا اللى بوظتوا حياتى 
حياتى اللى كنت بحب كل حاجة فيها قبل مخططكم 
انتوا اللى غلط مش أنا 

عذبت روحه وقلبه بكلماتها القاسية امس والآن قصمته، الألم حارق بصدره، فقد انقلبت الموازين 
وانفلتت الأمور من بين يده، فصاح بحدة لتخرج الكلمات 
كالسهام المشتعلة بنيران غضبه: 

-الغلط هيتصلح خلاص، بس راعوا أنكم فى مستشفى 
والمفروض أننا نطمن على أمى 

انهى جملته وهو ينظر فى عينيها فاخفت هاجر دمع عيناها بصلابة تحسد عليها، لكن نظراتها 
اللائمة فى صمت اوجعته احرقته، فهى نسجته فى خيالها 
عدوًا ولم تتهاون عن ضربه فى مقتل 

همهمت والدته بصوت خافص فاقترب منها مسرعًا ليطمئن 
عليها ثم اقتربت زوجة والدها منها لتطمئن عليها فتراجعت 
هى للوراء تجلس على مقعد فى صمت
عاشت طفلة منسية وحيدة 
والآن هى منبوذة خارج وطنها 
منبوذة بين اهلها 

*****

بعد أن خضع الجميع لفحوصات التطابق للتبرع لضياء  كانت هى الأخيرة  بينما كان طاهر يقف بعيدًا قلقًا عليها ثوانٍ وكانت تخرج خارج الغرفة وارتمت على احدى المقاعد المعدنية بالمشفى إنكمشت على نفسها تحتضنها بوداعة تدعم نفسها كالعادة تغمض عيناها كى لا تبكى فهى دائما تكره أن تظهر ضعفها وقبل أن يقترب منها كان بدر يجلس بجوارها وشملها بنظرات حب ومؤازرة 

كان يراقب على الجانب الأخر المنظر ولديه رغبة حقيقة فى تكسير عظام وجه بدر مضى نحوهما لكن اوقفته يد تقبض على معصمه مما جعله يبعد بصره عن بيسان وبدر؛ ليرمق يده ثم رفع بصره ليجده كرم أخيه، جعد جبينه 
ليسأله بحدة: 

-ماسكنى كدا ليه؟! 

اشفق عليه كرم من ألمه فترك يده برفق هامسًا: 

-انت رايح تعمل أيه؟! 

نظر نحوها بنظرة متألمة ود لو يجذبها من يدها ويخبأها 
داخله ليحيلها عن نظرات بدر، أشفق كرم على أخيه من 
هذا العذاب فسأله: 

-مش قولت أن مفيش حاجة جواك ليها، ومش قولت 
أنها مش مناسبة ليك 

ابتسم بيأس وملامح ساخرة هامسًا: 

- كنت بحاول اكدب نفسى كنت غبى بس لما لقيتها
هتضيع منى اتأكدت من حبى ليها حب بجد انا بحب 
بيسان لأ أنا بعشق بيسان

جز كرم على اسنانه وهو يقول: 

-وانت بروح أمك مش بتفوق غير لما يتخطبوا 
البعيد واقع على دماغه ما قولتلك وانت بتلف وراها
زى التور وقعدت لا مفيش حاجة من الكلام دا 

اغمض عيناه ليخفى دموعه حزنه ندمه رغبته فى الصراخ
 فهى تسللت داخله، احتلت عقله وقلبه وتوسدت روحه بكل أريحية، همس بصوت باردًا عكس ما به من براكين: 

-اللى حصل المرة اللى فاتت مش هيحصل المرة دي 
لو رسيت أنى اخطفها واتجوزها غصب عنها 

ربت كرم على كتفه وهو يقول بجدية: 

-وأنا معاك فى اللى يريح قلبك يا اخويا لو وصلت أن 
اخطف بدر واخفيه، أنا فى ضهرك وكسرة قلبك المرة 
دي على رقبتى 

ارتمى فى حضن كرم فهو يحتاج إلى عناقه بقوة 
ربت كرم على ظهر اخيه وهو يخبره أن كل شئ سيكون على ما يرام فهو أول مرة يراه طفل 
متردد خائف يحتاج للقوة والدعم، فتشبث به طاهر 
اكثر واكثر فحاول كرم تغيير مزاج اخيه: 

-نوجا اتصلت تطمن 

ابتعد طاهر بعيدًا عن حضنه قائلًا: 

-اوعى تكون قولتلها اننا عملنا الفحص 

التو ثغر كرم هاتفًا: 

-أنا لسه بحكى ليها الوضع لقتها بتصرخ وتصوت وتقولى 
اوعى تعملوا كدا وقفلت السكة فى وشى، وتقريبًا راحت 
تجهز الصوان 

هز طاهر رأسه بيأس فتابع كرم: 

- المهم بنت عمك بعد الفحوصات ومش ظاهرة وكان شكلها منهارة على الأخر شكلها مش طبيعى انت مش 
شفتها 

-كيان تحس ان الدنيا حالفة ما تفرحها ولازم تكسرها 
كانت نازلة على السلم من شوية 

******

-شكلها روحت مش موجودة فى المستشفى خالص

تلك الجملة قالها كرم لطاهر الذى يقف بجواره كالتمثال 
وعينيه تتوسع بصدمة وهو يرى كيان تجلس أسفل 
الدرج منكمشة على نفسها تبكى بانهيار، نظر كرم 
إلى ما ينظر إليه اخيه فتوسعت عيناه واسرع 
إليها يناديها باسمها 

-كيان كيان 

اسرع طاهر يجثو على ركبتيه ليبعد يدها عن وجهها 

-كيان ليه عاملة فى نفسك كدا؟! 

كيف تبقى معهم بأعلى والجميع يراها اخت المجرم، كيف تتحمل صراخ والدته ونواح زوجته وهى تخشى أن يتركها هى وطفلها، تخشى على صغيرها من اليتم، كيف تتحمل هذا الذنب ونظرات كنان التى تطعنها فى مقتل بلا رحمة، ضربت على صدرها بحرقة هامسة بتقطع:

-أنا السبب، كل دا بسببى، أنا أنا لو جرى ليه حاجة 
أنا هموت، أنا بكره نفسى، بكره النفس اللى بيخرج 
منى. 

رمقها بألم ثم حدثها: 

-دا مكتوب يا كيان وحدى لله هيبقى كويس وهنلحقه 
إن شاء الله حد يتطابق معاه 

-لا يا كيان مش انتِ السبب أنا السبب أنا اللى غبى وكل 
مرة بصدق اننا واحد واستحالة تخبى عليا بس أنا غبى
غبى أو ممكن إنتِ مش شايفانى راجل يعتمد عليه 

كانت هذه كلمات كنان الذى كان فى أوج غضبه بسبب صلابة رأسها كل مرة تخفى سرًا مهمًا عنه
ألا يستحق منها التقدير
ألا يستحق أن يكون هو سرها ومأمنها 

سهام الذنب تلاحقها كالمتهمة بكل مكان وضعت يدها على ثغرها تكتم شهقاتها وهو يرمقها بنظراته اللائمة ثم تابع وهو يحاول جاهدًا التماسك لكي لا يهدم المكان فوق رؤوسهم جميعًا ليتخلص من تلك الكوارث 
التى تنهال على رأسه دون سابق إنذار: 

-بلاش أنا تقولى ليا، الحيوان دا لما كان بيهددك مقولتيش 
لحد من ولاد عمك ليه؟! 
ليه اتعاملتى مع الموضوع كأنه شئ عادى؟ 
شفتى وصلتينا لفين؟ شايفة ولا لأ؟ 
 

زفر كرم بغضب ثم قاطعا بنبرة وإن تخللها العقلانية
لأجل كنان الذى يعانى أمامه: 

-تعالى معايا يا كنان نطمن على ضياء دا المهم دلوقتى 
ومش وقت الكلام دا 

ظل كما هو مكانه يحدق بها بخيبة أمل فاحتدت نظرات طاهر ثم تمتم من بين اسنانه قائلًا: 

-كرم خد كنان واطلعوا دلوقتى 

انصرفا هو وكرم فجلست على الارض تنظر في اثارهما عيناها 
لا حياة بهما روحها مختنقة كأنها تنسلخ عن نفسها ثانية 

******

رمشت سوسن باهدابها لتفيق من نومتها القصيرة  فاقترب هاجد مسرعًا يقبل يدها وبقلب مرتجف ونظرات وجلة سألها: 

-يا ست الكل انتِ كويسة طمنينى؟!

صمتت تنظر له بحنان قبل أن تقول بهدوء: 

-اطمن يا حبيبي أنا بخير

دفن وجهه فى عنقها يستنشق عطرها الدافى فربتت على كتفه وكأنها إشارة،  بكى بحرقة كطفل صغير
 فقلبه تحطم كفتات تجرفه قسوة الكلمات بعيدًا عن 
 ‏مرمى معشوقته فحبها كالثمرة المحرمة ارادها بشتى الطرق دون النظر لشئ اخر كيفية الحصول عليها غير
عابئ بتبِعات قراره فكر فى نفسه ومتعة قلبه وبهجة روحه بقربها 

-اخبارنا ايه دلوقتى؟! 

هذه الجملة قالها الطبيب لينتبه له الاخر ويبتعد عن والدته 
ابتعد هاجد مطرقًا رأسه نحو النافذة يمسح دموعه ثم 
عاد ثانية كان الطبيب يدون بعض الملاحظات فى 
التقرير الخاص بوالدته 

قبل أن ينطق هاجد كانت تسأله اختها بتلهف: 

-طمنى يا دكتور

-‏ اطمنى هى السكر على شوية بس الدنيا تمام متقلقيش الحاجة زى الفل 

-والسبب أيه يا دكتور أن سكرها يعلى كدا بقى دا زعل
ولا أيه؟! 

حدجها هاجد بنظرات نارية، بينما اجابها الطبيب بملامح منزعجة من تخطيها للأمور الهامة والتركيز فقط على 
اشياء ستؤدى لارتفاع سكر المريضة ثانيةٍ:

-لا طبعا مش شرط وارد طبعًا المريضة تكون زودت فى الحلو ولخبطت فى الاكل 

-طب يا دكتور محتاجة لأى فحوصات نعملها أى حاجة 

عدل الطبيب عويناته الطبيه ونظر للملامح العابسة قائلًا 

-هى زى الفل بس لو حابب تفضل لبكرة نظبط السكر 
ونعمل فحص شامل مفيش مشكلة، بس متقلقش 

-اه ياريت كدا هاكون مطمن اكتر 

هز الطبيب رأسه بالايجاب وانصرف خارجًا، وقف مصطفى 
قائلًا: 

-حمدلله على سلامتك يا ست سوسن والله اتخضينا عليكِ 

-تسلم من كل شر 

*****

فى فجر اليوم الجديد 

عندما ترتكب إثمًا فى حق من عشقته روحك يكون شعور مثل السياط الذى يجلد قلبك بكل قسوة دون ذرة رحمة او شفقة 

والاجواء فى المشفى ساكنة تحركت بيسان فى الرواق 
متجهة للأسفل لكن قاطع طريقها طاهر بداخله مرارة 
كالعلقم تأسر روحه 

-رايحة فين؟! 

انحرفت نبضات قلبها عن وتيرتها المألوفة بوجوده 
اغمضت عيناها قلبها ملغم بألم عقلها مشوش فهو لم يقترب منها من بعد طلب بدر لم تقو على رفع عيناها تنظر إليه 

-هنزل اشوف نتيجة التحاليل 

انهت جملتها وهى تحك مؤخرة عنقها حركتها المعتادة 

نظر لها هو يعشق هذه الحركة، يحبها لا والله يعشقها حد 
النخاع، تملك حبها قلبه ويرفض اقتراب رجل اخر منها 
فقرب بدر منها يدمى قلبه، فهو من تخاذل للمرة الثانية 
ليصفعه القدر مرة ثانية دون رحمة، فتحمحم قائلًا: 

-طب هنزل معاكِ 

-مفيش داعى أنا هنزل فى الاسانسير والمعمل مش مسموح دخولك خليك أنت

قبل أن يكمل جملته كانت تقف امام المصعد وتضغط الزر 
وما أن انفتح الباب ولجت سريعًا نظر فى اثرها بحزن يمزق داخله منتشيًا بخسارته وهو يلعن نفسه من تمادى الامور وتعقيدها هكذا.

ثوانٍ وكانت بيسان تخرج من المعمل وكان الجميع فى انتظارها فى اعلى وما أن وصلت نهض الجميع فتنهدت قائلة 

-نتائج التحليل طلعت وحد واحد بس هو اللى مطابق

*****

تخرج الانفاس من صدرها كى لا تخنقها اكثر لا زالت كما هى تجلس على الاريكة شاحبة كالاموات، نظر مصطفى لسوسن النائمة فنهض ليقف امام هاجد قائلًا: 

-أنا لما اديتك بنتى ماكنش فى بالى الأمور توصل لكدا 
يابنى انت عارف غلاوتك عندى بلاش توصلنا لحيطة 
سد وندخل فى محاكم ونتبهدل فيها كلنا أنا هاخد 
بنتى دلوقتى وهقوم امشى وانت هتطلقها يا هاجد 
وكفاية لحد كدا.

هز رأسه بالإيجاب فى صمت، بينما هى رعشة هزت اطرافها لا تعلم رعشة خوفً او خذلان لكن كل ما تعرفه
أن كل منهما ترك جرحًا داخل الاخر لم يلتئم بعد. 

***
تعليقات