رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السادس والستون 66 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السادس والستون 

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "

لم يكن الانهيارُ حدثًا طارئًا في حياتهما، بل قدراً كُتب عليهما ببطءٍ كليلٍ لا فجر له، ظنّ كلٌّ منهما أنِّه أقوى من الهزيمة، وأنّ قلبه أقدر على احتمال الخيبات، لكنّ ما بينهما لم يكن عابرًا؛ كان عهدًا انكسر، وزواجًا انتهى ثم عاد وكأنّه يعيد الحياة من بدايتها، يبحث عمّا فقده بين أنقاض ما كان. 

كان هو يحمل في عينيه حكاياتٍ لم تُروَ، وأوجاعًا خبّأها خلف صمته الطويل، وكانت هي تخفي خلف صلابتها خوفًا عميقًا من السقوط. وحين جمعتهما الحياة من جديد، لم يكن اللقاء خلاصًا كما تخيّلا، بل كان بدايةً لانهيارٍ آخر… أشدّ قسوة، وأصدق شعورًا.

انكشفت هشاشتهما أمام بعضهما البعض، كأنّهما لم يتعلّما كيف ينسَيان ولا كيف يغفران. وبين قربٍ يوجع وبُعدٍ لا يُحتمل، ظلّ الحبّ بينهما قائمًا… عنيدًا، متعبًا، لا يموت ولا يمنح السلام.

وهكذا لم يعد السؤال: هل سينهاران؟
بل متى… وكيف سيجدان نفسيهما بين أنقاض هذا العشق الذي لم يرحم قلبيهما.

🔥🔥
قبل اي حاجة الفصل كبير جدا، واخد مني مجهود جبار، اتمنى اشوف تقدير عليه
مش محتاجة غير انك تدوسي على النجمة فقط، بتوع الفيس، لايك الله يسعدكم، ومتنسوش ترشحوا الرواية في الجروبات لانها تستاهل نبدأ فصلنابسم الله ♥

أنهى قبلته، وأنامله عالقة على وجهها  بينما قلبها لم يعد يخفق، بل كان يصرخ، يصرخ به، عليه، ومنه.
اشتياقها لم يكن شعورًا عابرًا، كان وجعًا متراكمًا في صدرها، يكاد يمزِّقها لتعود إليه.
كم تمنَّت أن تلقي بنفسها بين ذراعيه بلا حساب، أن يضمَّها كما كان يفعل، أن يهمس باعتذاره، أن يفتح قلبه لها… ويقصَّ عليها كلَّ ما أخفاه، كلَّ ما كسرها بصمته.
تمنَّت وتمنَّت…لكن الأمنيات لا تُعيد ما انكسر، ولا تُرمِّم قلبًا تعلَّم كيف يتألَّم في صمت.
رفعت عينيها إليه مباشرةً، وقلبها سبق شفتيها واعترف بما عجزت عنه كرامتها:
_وحشتني أوي يا يوسف…
تعلَّقت عيناه بعينيها، كغريقٍ وجد شاطئه بعد غرقٍ طويل…
يا ليتَه يستطيع أن يصرخ… أن يهدم هذا الصمت اللعين، أن يخبرها أنَّ اشتياقه لها لم يكن ألمًا فقط، بل كان احتراقًا مستمرًّا لا يهدأ.
لو وضعت يدها فوق صدره الآن، لارتعبت من جنون دقَّاته، من لهفته التي يخنقه، من اسمها الذي لا يغادره.
لكن العقل كان أقسى.
انتشله ببطء من ضعفه، وذكَّره بكلِّ ما حدث، بكلِّ كلمة كسرت، بكل وجعٍ مرَّ بينهما.
ذكَّره ألَّا يضعف أمامها، حتى لا يكون سبب سقوطها من جديد، رأى عودته إليها لم يكن حبًّا في نظر عقله، بل أنانية موجعة لنفسه.
ماذا فعلت لتجني ما أصابه؟.
اشتدَّت نظراته، وتصلَّبت ملامحه رغم الفوضى داخله، بين قلبٍ يركض نحوها؛ 
وعقلٍ يقيِّده بأنه ربَّما لم يحقِّق أمانيها.
ذكريات حديثها عن الأطفال يذبحه، وقسوتها عن كرهه يدفنه حيًّا، ورغم الذكريات القاسية إلَّا إنَّه ما زال يعشقها بجنون، عليه أن يصمت أمام ذلك العشق حتى يهرب مرَّةً أخرى، هو ليس بشجاع لمحاربة القلب، هو أقلَّ من ينظر لعينيها ويدَّعي الكره، لكن عليه أن يفعل ذلك دون أن يرفَّ جفنه.
التفت إليها مرَّةً أخرى، وكأنَّ شيئًا خفيًّا شدَّه نحوها رغم محاولته الفرار…
وقال بصوتٍ خرج منخفضًا، لكنه يحمل قسوةً مفتعلة:
_أنا مكنتش عايز أزعَّلك…بس إنتِ مصرَّة.
اقترب بجسده منها، حتى صار بينهما ذلك القرب المؤلم…ذاك الذي يُشعل ولا يداوي.
استقرَّت عينيه على عينيها، ورأى فيهما ما كان يحاول الهرب منه… لهفة، انتظار، رجاءً خافتًا يتمسَّك بأي كلمة منه.
تردَّد لحظة…لحظة واحدة فقط كادت أن تُسقط كل أقنعته…
_أنا…
تعلَّقت بكلماته، كأنها تتشبَّث ببقية روحه، ابتسامتها الصغيرة المرتجفة كانت كفيلة بأن تخلخل ثباته…كادت تسحب روحه من صدره بالفعل..ظنَّت أخيرًا سيتكلَّم، سيفتح قلبه، سيعترف بكلِّ ما خبَّأه خلف صمته الطويل.
لكن بدل أن يُنقذها..ذبحها.
_أنا اتجوِّزت.
قالها ببرودٍ متعمَّد، التفت إليها كاملًا، يواجهها بنظرةٍ جامدة، فيها من الجبروت ما يخفي خلفه انهيارًا لا يُرى.
_أنا راجل وطبعًا مكنش ينفع أقعد من غير جواز، ومكنتش حاطط في دماغي أرجع هنا تاني، بس الظروف حكمت. حاولت أبعد عنِّك علشان متزعليش، بس إنتِ…
لم يُكمل..لم يستطع لشحوب وجهها الذي زحف إليها كالموت البطيء، حتى بدت كجسدٍ فارقته الحياة، طالعته بعينٍ متَّسعة بصدمة لم تجد لها مخرجًا..أتقن ردَّة فعله بقسوة كادت أن تصدِّقها 
للحظة..للحظة فقط كانت ستسقط بفخِّ كذبه، إلَّا أنَّ صوته الذي استمعت إليه يردِّد في أذنها، حبيبة ابنك، المهمِّ هيَّ تعيش. 
ورغم  انهيار قلبها بصمت..إلَّا أنَّها تطلَّعت إلى عينيه:
_إنتَ كدَّاب…سامعني؟ إنتَ كداب!
قالتها بصوتٍ خرج مهتزًّا، لكنَّه مشبع برفضٍ قاطع…وثقة عمياء. 
نهضت بسرعة، وكأنَّ المكان يضيق بها، وتحرَّكت مبتعدة بخطواتٍ غير متَّزنة.
_واحد كدَّاب…كدَّاب، عايز تقهرني وبس.
إنتَ عايز تقهرني وبس.
تمتمت بها  تحاول إقناع نفسها. 
توقَّفت فجأة…
استدارت إليه، وعيناها تشتعلانِ بغضبٍ ممتزجٍ بوجعٍ لا يُحتمل:
_اسمعني كويس…علشان ما تحاولش تفقدني أعصابي.
 أي حاجة أتحمِّلها منَّك يا يوسف، أي حاجة، وهعمل نفسي مسمعتش حاجة، ومهما تقول، ومهما تعمل، أنا مش هبعد يا يوسف.
اقتربت منه خطوة، خطوة واحدة، لكنها كانت كأنَّها تعلن حربًا كاملة.
 هي تعلم أو تحاول أن تقنع نفسها، أنه يقول ذلك ليؤلمها فقط، ليُبعدها..
لكن قلبها، كان جمرةً مشتعلة، تحترق مع كلِّ نفس.
انحنت قليلًا، حتى أصبحت عيناها في مستوى عينيه تمامًا:
_وقت ما أحس إنِّي أخدت حقِّي منَّك، هنطلَّق، وهبعد عنك.
أشارت بإصبعها وأردفت بنبرةٍ تهديديَّة واضحة: 
_هدفَّعك تمن وجع قلبي،وانت بتاخد قرارات تدمرنا،  وبعدها وعد مني، ساعتها مش هتشوف وشِّي تاني.
توقَّفت لحظة…اختنقت أنفاسها، كلَّما تذكَّرت كلماته الجنونية..فردَّت بكلماتٍ خرجت قاسية، وكأنها تحتمي بها:
_مش أنا اللي تتجوز عليَّ، ولا حتى تفكَّر مجرَّد تفكير.
نزلت بجسدها تغرس عيناها بعينيه:
_إلَّا قلبي يا يوسف، لأنُّه بيتحوِّل لنار هيحرقك بيها، وبلاش اصطناعك الزائف، لأنِّي حفظاك.
وضعت كفَّها على صدره: 
_دا هيبطَّل ينبض لي في حالة واحدة بس، لمَّا تندفن تحت التراب.
اعتدلت تهزُّ كتفها وتكوَّرت الدموع بعينيها:
 _زيي بالظبط، اعرف لمَّا قلبي الغبي لما يبطل ينبض لك يبقى هكون تحت التراب..استدارت بجسدها تنظر إليه:
_فتعامل معايا على أساس إنِّي قدرك حتى لو مؤقتًا..وإياك أسمع منك كلام يمسِّ كرامتي ولَّا قلبي. 
 استقرَّت نظراتها في عينيه…
نظرة لا تشبه استسلامًا…بل حربًا ستربحها مهما حدث. 
راق له جنون غيرتها، ذاك اللهيب المشتعل في عينيها وكأنها تعلن امتلاكه دون خوف، شفتيها المرتجفتانِ وهي تقذفه باتهاماتٍ قاسية، لكنها بالنسبة له كانت أعذب اعترافٍ بالحب، ابتسم رغم ألمه، وفي داخله عاصفة لا تقلُّ عنها جنونًا.
أقسم بينه وبين نفسه، لولا ما أصابه، لما ترك بينها وبين أنفاسه مسافة، لاحتواها حتى تذوب بين ذراعيه، حتى تنسى أين تنتهي وأين يبدأ..كان سيغرقها عشقًا، لا بكلماتٍ تُقال، بل بإحساسٍ يُعاش…إحساس يُكتب في نبض القلب لا على الورق.
"مجنونة…نعم، لكنَّها جنوني أنا.
وأنا…غارقٌ فيها حتى النخاع، حدًّا لا نجاةَ منه ولا رغبةً في النجاة..
أشتهي أن أذوب بها الآن، أن نضيع سويًًّ،
أن نكون شيئًا واحدًا…لا يُفرِّق بينه قلبٌ ولا جسد."
صمتت تنظر إلى ابتسامته البلهاء، التي أصابتها بالجنون، كأنه يستخفُّ بحديثها:
_حضرتك مش عاجبك كلامي؟. 

_أتعامل معاكي بأنهي نوعية، زوجة تانية ولَّا أولى؟.

اشتعلت كلماته في صدرها كشرارةٍ سقطت فوق بركانٍ مكتوم؛ فارتجف جسدها كلِّه بغضبٍ كاسح يليق بعاشقةٍ لا تعرف القسمة:
_اخرس، مش عايزة أسمع صوتك. 
_إنتي حرَّة…ما تصدَّقيش، أنا مش خسران…بالعكس.
قالها ببرودٍ مستفز، وعيناه تنزلقان فوق جسدها بجرأةٍ فجَّة، كأنَّها لم تكن حبيبته.
اقترب أكثر، وهمس بنبرةٍ أكثر قسوة:
_والله حلو أنا خلاص اقتنعت على الأقل، لمَّا أحبِّ أنزل، ألاقي ستِّ هنا… ومعايا هناك واحدة... راقت له غيرتها، فحاول اشعالها بكل جبروت
هنا..لم يعد الغضب مجرَّد شعور.
بل صار إعصارًا يقتلع كلَّ ما تبقَّى من صبرها.
انحنت نحوه فجأة، متناسيةً جرحه، وكأنَّ الألم الذي فيه لا يساوي شيئًا أمام النزيف الذي في قلبها، ودفعته بقوةٍ كادت تسقطه، وهي تصرخ به بصوتٍ مرتجفٍ من شدَّة الانفعال:
_هموِّتك…سامعني؟! حتى لو مطلَّّقين..مش من حقَّك!
كانت تضربه بكلماتها قبل يديها، تدفعه مرَّةً بعد أخرى، كأنها تحاول أن تنتزع منه هذا البرود الذي يخنقها.
_إنتَ ملكي أنا لوحدي!
خرجت منها كاعترافٍ جريح، لا كتهديد.
رفعت إصبعها نحو عينيه، وعيناها تشتعلان بجنونٍ مخيف:
_هقلع عينك دي.
ورغم الألم الذي مزَّق جرحه تحت ضرباتها..
ورغم كلُّ شيء…توقَّف الزمن بالنسبة له عند تلك اللحظة.
هنا لم يرَ غضبها، بل عشقها، لم يسمع تهديدها، بل خوفها منه، وعليه.
فاشتعل بداخله شيءٌ أخطر من الألم، 
رغبةٌ عارمة، مجنونة، لا تعترف بمنطقٍ ولا جرح.
مدَّ يده فجأة، قبض على معصمها بقوة، وسحبها نحوه بعنفٍ أربكها، حتى اصطدمت بصدره، أنفاسها تتلاحق، وعيناها تتَّسعان بين صدمةٍ وارتباك.
اقترب منها حتى تلامست أنفاسهما، وصوته خرج أجشّ، محمَّلًا بشيءٍ بين الغضب والاحتياج:
_إنتي اتجنِّنتي!. 
حاولت الابتعاد من قبضته، ولكنه شدَّها أكثر، كأنه يعاقبها..أو يعاقب نفسه بها، وعيناه تغوصان في عينيها بجوعٍ لا يُخفى:
_اصبري عليَّ لمَّا أخف. 

حاولت أن تقاومه…أو هكذا أقنعت نفسها..
لكن ارتجافها خانهـا، وقلبها الذي يخبط بعنفٍ فضحها أكثر.
أدرك تخبُّطها فهمس قرب شفتيها، بنبرةٍ منخفضة مشتعلة:
_منكرش إنِّك جميلة وفهماني، والماضي يثبت دا، غير البنات اللي برَّة. 

اندفعت نحوه بكلِّ ما يعتمل داخلها من نيران، دفعتـه بكفَّيها بقوة حتى سقط فوق الفراش متأوِّهًا، وكأنَّ ألم جسده لا يُقارن بما أشعلته كلماته داخلها.
وقفت للحظة، تحدِّق به…عيناها تقدحانِ شررًا، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاسٍ متلاحقة، قبل أن تنحني نحوه، تستند على ركبتيها، تقترب أكثر ممَّا ينبغي:
_شكلك مفهمتش كلامي، بحذَّرك للمرَّة الأخيرة، تتلاعب بعواطفي يا دكتور؟
قالتها بصوتٍ أشدُّ وقعًا من الصراخ.
_لو نسيت مين هيَّ ضي أفكَّرك، معنديش مشكلة. 
اعتدلت فجأة، تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه، واتَّجهت نحو غرفة الملابس تجرُّ حقيبتها بعنف، بينما  قلبها كان يصرخ أن تعود و تنهي هذا الجنون الذي يشتعل بينهما.
لكن كرامتها كانت تقف كحاجزٍ صلب، تمنعها، حتى وهي تحترق.
على الجانب الآخر، حاول أن يعتدل… فشل.
تأوُّه مكتوم خرج منه وهو يضغط على موضع الألم، يسحب أنفاسه ببطء، كمن يحاول السيطرة على عاصفةٍ داخله، لا على وجعٍ بجسده..يريدها بكل ذرَّةٍ بجسده، ورغم ذلك يقاوم جنون عشقه بها.
نهض أخيرًا، تعلَّق بالفراش، شدَّ نفسه للأعلى بصعوبة، وعيناه تبحثان عنها بلهفةٍ لم يعترف بها حتى لنفسه، لم يجدها.
للحظة…ظنَّ أنها رحلت.
أغمض عينيه، وكأنَّ الفكرة وحدها كانت كفيلة بإسقاطه من جديد.. وقلبه يتمرَّد عليه بعدم قوَّة تحمُّلِ بعدها،
نزع قميصه بعصبية، وألقاه أرضًا،  يحاول التخفيف من نيرانه المشتعلة.
_عند رولا..
اتَّجهت إلى سيارتها تتحدَّث بهاتفها:
_آسيا بسرعة قبل ما بلال يشوفني.
_بلبس الشوز وجاية، أغلقت الهاتف وتحرَّكت إلى السيارة، استقلَّتها وانتظرت وصول آسيا.
بعد قليل خرجت السيارة من الكمبوند .
_أرسلان باشا مدام رولا خرجت حالًا.
نظر بساعته وقال مستغربًا:
_رايحة فين دي دلوقتي؟! 
رفع هاتفه واتَّصل بفريق أمنه:
_خلِّيكم ورا مدام رولا من غير ما تحس. 
ولكنَّه توقَّف على اسم إسحاق الذي أنار الشاشة، فأغلق المكالمة:
_أيوة يا عمُّوو.
_تعال..عايزك.
_فيه حاجة؟ أنا لسة كنت عندك.
_لمَّا تيجي...قالها إسحاق وأغلق الهاتف، بينما نهض أرسلان متَّجهًا إلى سيارته. 
توقَّف عند الملحق الخاص بالضيوف: 
_مين هنا؟، 
_ضيفة الدكتور يوسف.
_يوسف...مين دي؟! 
وصل أحدهم: 
_دي كل حاجة تخصَّها، جبتها من المطار. 
أمسك الورقة: 
_دارين الحسن..قرأ بياناتها، ثم أعطى الورقة لرجل الأمن: 
_عملتو اللازم؟
_إلياس باشا، أمرنا يا باشا ننضَّف المكان بالكاميرات، كلُّه تمام.
_لا..قالها وهو ينظر إلى دارين التي تتحدَّث بهاتفها: 
_عايز كاميرات حديثة التقنية جدًّا، وغير مرئية، اتصرَّفوا خرَّجوها من الاستراحة وظبَّطوا الدنيا. 
_تحت أمرك يا باشا.
قاد أرسلان سيارته متَّجهًا إلى قصر الجارحي...وصل بعد قليل، ترجَّل من سيارته بخروج شمس تحمل قطَّتها: 
_عمُّو حبيبي، شوفي يا كايا مين اللي جالنا. 
احتضنها يقبِّل رأسها:
_ملاك عمُّو عاملة إيه؟
_زعلانة أكيد، حضرتك كنت هنا ومشيت من غير ما تسأل. 
حمل قطَّها وداعبه قائلًا:
_جالي تليفون مهم، وأديني جيت تاني أهو. 
داعب قطَّها: 
_أكيد حمزة مش هنا، ما دام بتلعبي مع كايا.
_ايوة..عندي زهق، يوسف عامل إيه؟.
_كويس حبيبتي، بقى تمام أوي. 
تحرَّكت معه للداخل: 
_بوسه لي، وقولُّه هزروه لما يجي حمزة
_هوَّ إنتي مش بتكلِّميه؟.
_لا كلِّمته، بس من الصبح. 
قرص وجنتيها: 
_كفاية يا مفترية، عرفت إنِّك كل ساعة بتكلِّميه، اطمِّني هو بقى كويس. 
نظرت إليه بحزن: 
_غصب عنِّي، حضرتك عارف علاقتي بيوسف مش مجرَّد أخ.
احتوى ذراعيها وأردف بنبرةٍ حنونة: 
_ربِّنا يخليكم لبعض حبيبتي، بس عايزك تهتمِّي ببيتك برضو، مش عايزين حماكي يشمت فينا. 
قالها وهو ينظر إلى إسحاق الذي وصل إليهم. 
ضحك إسحاق وهو يتابع شمس بنظراته:
_مالكش دعوة، شمس الجارحي، دي بقت تبعنا ومهما تعمل على قلبنا زي العسل. 
_شوف إزاي، دا إحنا دفنينه سوا يا إسحاقو.
التفت إلى شمس وقال:
_حبيبتي عرَّفي دينا إنِّ أرسلان هنا.
_حاضر...قالتها وتحرَّكت للداخل، بينما سحبه إسحاق لمكتبه. 
_في إيه؟.
أشار إليه بالجلوس، ثم قام بفتح شاشة العرض، وضغط على بعض الأرقام، كأرقامٍ سريَّة، لتفتح الشاشة على صورة موسى، وصديقه ودارين وبعض من الشخصيات. 
تراجع ارسلان بجسده، وابتسامة ساخرة زيَّنت وجهه:
_كنت شاكك، وعملت حسابي. 
أغلق الشاشة واتَّجه بنظره إلى أرسلان:
_جالي خبر إنَّها نزلت مصر، وعندكم. 
_وحضرتك عايز تعرف سبب النزول؟ 
_تؤ...نهض من خلف مكتبه واتجه يجلس بمقابلته: 
_أنا دلوقتي بشوف مين ورا حادثة يوسف، ممكن ميكنش همَّا، يمكن حد من أعداء إلياس. 
_هتسهبل يا إسحاق!! أعداء إلياس، هيظهروا فجأة بعد السنين دي كلَّها، ماهو كان موجود.
_أنا بقول ممكن، وفي نفس الوقت حاطط دول في قايمة الاتِّهام. 
_لا ما تحطِّش، لمَّا تقولِّي طلبت إيه من يوسف، وأنا هعرف مين اللي عمل كدا. 
أمال إسحاق بجسده يحدج أرسلان: 
_إنتَ ليه بتحسِّسني إنِّي طلبت منُّه ياخد طابنجة ويموِّتهم؟! 
_طلبت إيه يا إسحاق مش عايز لف ودوران؟ 
أصلي هعرف، ومش من يوسف، إنتَ ناسي أنا كنت شغَّال إيه؟.
عاد إسحاق بجسده يرمقه: 
_لا مش ناسي، علشان كدا بعتلك. 
ضحك أرسلان بصوتٍ مرتفع: 
_والله كنت عارف، إسحاق مستحيل يخرج من توبه، رمقه للحظات ثم قال:
_والمرة دي إيه يا ترى؟
_حياتي. 
توسَّعت أعين أرسلان...فهزَّ إسحاق رأسه ووقف: 
_عايزين يموِّتوني، لأنُّهم عرفوا آخر عملية فريقي السبب فيها.
توقَّف أرسلان بذعر:
_وإنتَ إيه اللي عرَّفك بالكلام دا، وإزاي وصلُّهم حاجة خطيرة بالشكل دا؟! 
_الدكتور اللي كان بيراقب يوسف، انكشف للأسف، وغسلوا دماغه.
_أووبس، يعني عرفوا كلِّ حاجة. 
أومأ إسحاق: 
_للأسف مشكِّتش ولا مرَّة إنُّهم يكشفوه، لكن حصل اللي حصل.
_ودا عرفوه إزاي وإمتى؟
_معرفش...تقريبًا يوم نزول يوسف، لأنُّهم لو عرفوا قبلها كانوا صفُّوه.
شهق أرسلان بذعر ودار حول نفسه بغصبٍ
كاد أن يلتهم إسحاق:
_أنا قولت لك إيه، ابعد يوسف عن الشغل دا..اقترب منه كالمجنون: 
_طلبت منه إيه يا إسحاق، علشان ييجوا وراه يموُّتوه؟!
_يا بني لسة متأكدناش إنُّهم همَّا.
صاح أرسلان بغضب:
_إنتَ بتضحك على مين، أومال البتِّ اللي جت دي جاي تطمَّن عليه!. 
_أرسلان اهدى، إنتَ عصبي وكدا مش هتعرف تتصرَّف.
كوَّر قبضته يضغط عليها بأسنانه: 
_آاااه...بقى بعد اللي عملته دا كلُّه، برضو العيال وقَّعوه في الخطر. 
التفت إليه بغضبٍ مكظوم: 
_لازم تتصرَّف، سمعتني، زي ما ورَّط الولا تخرَّجه، ولو اتأذى منه شعرة واحدة صدَّقني..هيكون صعب بينا.
ربت على كتفه وأشار إليه بالجلوس:
_طيب اقعد، وأنا هتصرَّف، وأنا بوعدك مفيش حاجة هتصيب الولاد. 
نفض ذراعه وابتعد عنه:
_قولت لك كتير، المهمَّات دي عايزة تدريب. 
_يوسف ما انكشفش، هوَّ كان ذكي جدًّا، لكن عرفوا إزاي معرفش. 
_ميهمنيش تعرف ولَّا لأ...كل اللي يهمِّني الولاد كلُّهم في خطر، مش يوسف بس وإنتَ فاهم كلامي كويس، وتخيَّل لو إلياس عرف هيحصل إيه، هواجه إزاي قولِّي. 
_إلياس شاكك أصلًا.
طالعه بذهول وتساءل:
_يعني إيه، وعرفت إزاي؟!. 
_لأنه بيحقَّق، بس من بعيد، فريق كامل من النيابة بعد فحص العربية، وطبعًا مش صعب على النيابة تجيب الكاميرات. 
دار ارسلان حول نفسه، ورفع كفَّيه يرجع خصلاته للخلف بعنف: 
_مش هيسكت.
أومأ إسحاق بتأكيد:
_للأسف...وهوَّ فعلًا حجز سفر الفجر. 
قاطعهم رنين هاتف أرسلان.. 
_أرسلان باشا إزاي معاليك. 
تنفَّس بهدوء ورسم ابتسامة:
_جاسر باشا، وحشتيني والله. 
ضحك الآخر وهو يقول: 
_كلِّ المعلومات وصلت لجهازك يا باشا، والوضع كما توقَّعنا. 
_يعني؟.
_الأوَّل خد المعلومة المهمَّة دي، معتز الدمنهوري بيكون أخو زوجة أجنبية لراجح.
_نعم يا خويا؟!
ضحك الآخر، بينما استغرب إسحاق تبدُّل حالة أرسلان وضحكه:
_أه والله...معلومة مؤكَّدة، أكمِّل ولَّا أخاف عليك من الصدمة الجاية؟.
_هوَّ فيه صدمة أكبر من كدا؟. 
_نعم...بعد ما بحثت ورا معتز دا، لقينا له علاقة بشخص ما..كان طبعًا لازم نعرف. 
_جاسر، اختصر الوضع مش متحمِّل. 
_فيه ابن لراجح مش مصري الجنسية 
والشخص دا عنده ولد.
لحظة اثنان ثلاثة،حتى انفجر أرسلان بالضحكات..سحب إسحاق الهاتف:
_مالك يا متخلِّف اتجنِّنت، قالها وهو يرد:
_أيوة يا جاسر، معاك إسحاق الجارحي. 
_أهلًا إسحاق باشا، إزي معاليك يا باشا.
_الحمدلله..إيه الأخبار؟ 
_مفيش..معتز الدمنهوري له علاقة براجح، يعني راجع ينتقم، بس اللي اتأكِّدت منُّه جاي وعارف بيعمل إيه.، حضرتك عارف اللي زي الشخص دا بيتصرف ازاي
_تمام فهمت...قالها وأغلق الهاتف، بينما التفت إسحاق إلى أرسلان الذي ما زال يضحك:
_ماتهدى مالك في إيه؟.
_الراجل دا لو ما متش، كان بقينا فروع في كل دول العالم.
_اتهدّ بقى خلينا نفهم.. 
 راجح إيه اللي له ولد دا؟. 
 هزَّ كتفه بجهل، ثم مسح على وجهه بغضب:
_معقول، طيب مين وفين؟.
_خلاص اسكت، اتحرَّك إنتَ متخليش حد يدوَّرلك، الموضوع ما دام وصل لراجح، يبقى معتز دا جاي للانتقام، وكان بادئ برولا، أكيد فاهم قصدي؟. 
_بس ليه، ينتقم ليه، وهو مجرد اخو مراته
نهض أرسلان بأنفاسٍ مرتفعة:
_دا اتوزَّع علينا، رولا، بلال، آسر، بس يا ترى بلال كان في الدايرة علشان رولا، ولَّا أنا المقصود؟.
نهض إسحاق من مكانه وأشار إليه بتحذير:
_روح لجاسر، وافهم إزاي راجح له ولد، واتأكِّد بنفسك يا أرسلان، وراقب معتز كويس، ما دام له علاقة يبقى بيلعب من تحت الترابيزة.
_قصدك إنِّ ابن راجح ميعرفش اللي معتز بيعمله؟، 
_مقدرش أقول حاجة مش متأكِّد منها، على العموم هشوف برضو، المشكلة هيكون صعب نوصلُّه، وخاصَّةً إنُّه مش مصري. 
_معتز... 
أومأ وقال: بالظبط، وزي ما جاسر جاب المعلومة يبقى هيعرف يوصَّلك مين اللي وراه.

عند رولا.. 
وصلت إلى المكان المنشود، ولكنها توقَّفت فجأة تنظر بالمرآة، ثم تحرَّكت بالسيارة.
نظرت إليها آسيا:
_إيه..منزلتيش ليه؟.
_عمُّو أرسلان، بعت حراسة ورانا.
التفتت آسيا للخلف، ثم اتَّجهت إليها: 
_وبعدين، بقالك قدِّ إيه بدوَّري عليه. 
ضربت على المقود تصرخ؛
_هتجنِّن يا آسيا، إزاي كنت غبية كدا. 
بكت وهي تتحدَّث:
_الراجل اللي دمَّر حياتي وكسرني قدَّام الكل، كان معايا معظم الوقت، وجاي بكلِّ بجاحة وجبروت يخلِّيني أشتغل معاه.
ربتت آسيا على كتفها: 
_طيب اهدي، علشان نعرف نفكَّر.
توقَّفت بالسيارة، وعادت بجسدها للخلف: 
_تخيَّلي لو بلال شاف السي دي دا، أكيد كان قتله، متأكِّدة كان قتله.
_حبيبتي لازم تهدي، صمتت ثم تساءلت:
_طيب إنتي إيه اللي خلَّاكي متأكدة إنِّ بلال ما شفوش؟.
أغمضت عيناها بألم وقالت:
_طلبت منه اللاب، كنت عايزة أشوف زفتة كارما دي مسجِّلة إيه على جهازه، دايمًا بلاقيها بتبعت له حاجات، فتحته، لقيت فيه أسطوانة، سألته وقتها كان مشغول على اللاب الخاص، قالِّي معرفش، جاتلي من فترة على المستشفى، ولسة مشغلتهاش.. معرفش فيها إيه، لمَّا أفضى.
رفع نظره من فوق الجهاز: 
_افتحيها لو شاكَّة في حاجة، وعلى فكرة فيه سي دي تاني عندك، عمُّو إلياس إدهولي. 
_عمُّو إلياس، بتاع إيه دا، وليه بتقولِّي؟. 
نهض واقترب يحاوط مقعدها بذراعيه: 
_فيه حادثة سقوط البيبي. 
رمقته بطرف عينيها:
_ما صدَّقتنيش صح؟.
استدار وجلس على ذراع المقعد وهو يحتضن كفَّيها:
_مضحكش عليكي، أي حد مكاني مكنش هيصدَّق، نسيتي قولتي إيه؟.
رفعت عيناها التي تكوَّمت بها الدموع:
_كنت زعلانة ومقهورة منك أوي، لأنِّي حبِّيتك أوي، وحسِّيت إنَّك موِّتني. 
جلس أمامها وما زال يحتضن كفَّيها:
_والله لو أعرف علاقتنا هتوصل لكدا، كنت مستحيل أوجع قلبك.
رفع كفَّيها وطبع قبلة مطوَّلة ثم رفع عيناه إليها:
_رولا أنا بعشق كلِّ حاجة فيكي، إزاي هبقى عايز أقهرك. 
احتضنت وجهه، ثم انحنت تضع جبينها فوق جبينه:
_وأنا بحبَّك أوي، ونفسي يبقى عندنا ولاد كتير.
لمست وجهه وتابعت حديثها: 
_بلال أوعى تزعَّلني تاني. 
بتر حديثها بقبلةٍ جامحة يؤكد لها أنَّها هي التي ينبض القلب باسمها، ثم نهض وهو يقرص وجنتيها: 
_هخلَّص شغل ونروح بيتنا، مش عايزه فارغ، وبارد، إيه رأيك نعمل بيتزا؟. 
أومأت له بعيونٍ عاشقة ثم قالت:
_طيب خلَّص شغلك بسرعة، وأنا هتسلَّى شوية لحدِّ ما تخلص ونروح بيتنا بس مش علشان البيتزا. 
قطب جبينه متسائلًا:
_فيه حاجة؟. 
ابتسمت تهزُّ رأسها ثم قالت:
_لمَّا نروح هناك..تمام؟. 
_إنتَ تؤمر يا روحي.
_االباس ورد بتاريخ ميلادك
نظرت اليه بحب وقالت
_عارفة، شوفتك وانت بتفتحه مرة، توقفت واتجهت اليه، ودون تفكير جلست على ساقيه تحاوط عنقه 
_أنا بحبك اوي يابلال، صمت ينظر اليها _مبقتش قادر على البعد يارولا، حرام، لمست وجهه 
_بكرة ايه يابلال 
_بكرة ذكرى احسن يوم في حياتي، وعد هيكون احسن ذكرى مش تنساها، قبل كفيها واشار اليها بالوقوف
_دقيقة كمان مش مسؤل 
قبلت وجنتيه ونهصت، خرجت من شرودها ثم التفتت إلى آسيا وتابعت حديثها: 
_وقتها فتحتها بالغلط، وشوفت..
بكت بصوتٍ مرتفع تمسح دموعها: _وشوفت الفيديو اللي شوفتيه دا، طبعًا أنا وقتها دماغي وقفت، ولولا إنِّك جيتي لي وقتها، وعمُّو بعت لبلال كان عرف.
ردَّت آسيا: 
_اللي  بعت الفيديو دا عايز يورَّط بلال صح؟. 
_أكيد...عايزينه يعمل جريمة، الحمدلله إنِّي أخدته، معرفش لو شافه إيه ممكن يحصل له.
قالتها ببكاءٍ مرتفع، فسحبتها آسيا إلى أحضانها:
_طيب اهدي وما تزعليش، أنا من رأيي آسر يعرف، أو باباكي.
رفعت رأسها وتساءلت:
_تفتكري معتز اللي باعته؟.
_ما أظنش، أكيد مش عايز يكشف نفسه.
قاطعهم رنين هاتفها: 
_دا عمُّو أرسلان، دلوقتي الأمن خبَّره بوقوفنا.
_أيوة يا عمُّو.
_خرجتي من غير علم جوزك، وترجعي تعيَّطي، ارجعي قبل مابلال ياخد باله، وقتها ما تلوميش غير نفسك.. عشر دقايق لو مرجعتش هخليه يطلقك ياطليقة ابني

بمنزل يزن وخاصَّةً بغرفة آسر..
كان منكبًّا على أوراقه، منشغلًا بقضيةٍ ما، استمع إلى طرقاتٍ على باب الغرفة: 
_ادخل. 
دخلت سدن تحمل فنجان قهوته:
_محتاج مساعدة؟.
نهض من مكانه، يتناول الفنجان منها:
_تسلم إيدك يا سوسو، قهوتك إدمان، معرفش من وقت ما بدأتي تعمليها مبقتش أحبِّ غيرها. 
_بالهنا حبيبي..نطقتها دون وعي، ولم يكترث بنطقها لأنه كان منشغلًا بشيءٍ آخر. 
أشار إليها بالجلوس: 
_اقعدي، لو فاضية.
_طبعًا فاضية، ولو مش فاضية أفضِّيلك نفسي. 
نظر إليها نظرة امتنان، ثم اقترب يضع الجهاز أمامها، وجلس بجوارها، وبدأ يشرح لها المطلوب. 

كانت تراقب ملامحه عن قرب؛ ذقنه الخفيفة التي زادته صلابة، وعيناه البنيِّتان اللتان تحملان ذات العمق الذي كان يميِّز والده، على عكس رولا التي ورثت عن والدتها عينيها المائلتينِ للَّونِ الزيتي.
ارتفعت نظراتها نحو خصلاته، وتوقَّفت لحظة، تمنَّت لو تمدَّ أناملها وتغوص بها برفق.
ابتسمت بشرود، تتخيَّله مستلقيًا، يتوسَّد ساقيها، وهي تعبث بخصلاته في هدوء…مشهد سرقها بعيدًا عن الواقع، حتى قطع صوته تلك اللحظة:
_فهمتي هتعملي إيه؟
انتفضت على إثر سؤاله، وعادت سريعًا، وقد ارتبكت ملامحها، وازدادت حمرة وجنتيها دون إرادةٍ منها.
راقبها باستغراب، وقد لاحظ تغيُّرها المفاجئ.
_سدن…فهمتي؟
هزَّت رأسها نفيًا، تحاول جمع شتات نفسها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_آسفة يا آسر…ممكن تعيد؟
تأمَّلها لثوانٍ، بنظرةٍ تحمل شيئًا من الشك، قبل أن يتنهَّد بخفوتٍ ويعيد حديثه، بينما ظلَّت هي تحاول التماسك، تخفي خلف هدوئها تلك الفوضى التي أثارها مجرَّد خيال.
_تمام..عاد يشرح لها المطلوب، وهي تستمع إليه بتركيز، فبدأت تعمل بجدٍّ واجتهاد، بينما هو نهض من مكانه وتابع عمله، دلفت رحيل إليهما بالقهوة: 
_عملت لكم قهوة، توقَّف متَّجهًا إلى والدته: 
_تسلم إيدك حبيبتي، مع اني لسة شارب ..وضعت القهوة أمام سدن: 
_زنقك معاه؟.
رفعت رأسها إلى رحيل، وابتسمت:
_أنا فاضية مش ورايا حاجة، وبكرة الجمعة إجازة.
ربتت رحيل على كتفها بحنان:
_ربِّنا يوفَّقك حبيبتي، جبت لك كام ساندوتش ماما قالت لي إنِّك ما أكلتيش حاجة من الصبح. 
هزَّت رأسها بالرفض: 
_لا..ماليش نفس ياطنط والله. قاطعهم آسر:
_سبيهم يا ماما، أنا جعان وهي هتاكل معايا. 
التفتت إليه رحيل تشير للطعام:
_عملت لك إنتَ كمان، يا ربِّ متنساش نفسك، والصبح ألاقيهم زي ماهمَّ.
اقترب منها وقبَّل وجنتيها: 
_حاضر أستاذة رحيل، عليكي الأوامر وعليَّ بالطاعة. 
طالعته بحنان وقالت:
_ربِّنا يوفَّقك يا حبيبي..هسيبكم علشان معطلكمش..أومأ لها فغادرت الغرفة، بينما اتَّجه آسر وجلس بجوار سدن: 
_اشربي القهوة قبل ماتبرد مع ساندوتشات ماما هتعجبك. 
_ما ليش نفس والله يا آسر، كفاية القهوة.
رفع حاجبه يشير للساندوتشات:
_ويرضيكي رحيل تطردني الصبح، وأنا ماليش غير العشَّة دي. 
ضحكت على كلماته: 
_عشَّة..طيب يا سيدي، هاكل علشان ما تنطردش من عشِّتك. 
ظلَّا لبعض الوقت يتناولون الطعام مع بعض الأحاديث عن العمل، إلى أن انتهت من الطعام، فقام آسر متَّجهًا إلى أوراقه مرَّةً أخرى، وهي إلى الجهاز، دخلت آسيا: 
_مساء الخير. 
رفع نظره إليها، ينظر إلى ثيابها: 
_كنتي برَّة؟..تحرَّكت إلى جلوس أختها: 
_أيوة. 
_أيوة..ردَّدها بنبرةٍ ساخرة، ثم قال:
_الساعة اتناشر، مش عايزة تعقلي؟. 
جلست متأفِّفة: 
_بقولَّك إيه، أنا أخدت إذن بابا، وبعدين ما لكش دعوة، خلِّيك في شغلك، أنا جاية لسدن. 
التفتت إلى جلوس أختها: 
_ياله علشان ننام، بتعملي إيه؟. 
أشارت إلى الجهاز: 
_هثبِّت دول لآسر بس، روحي نامي لو عايزة. 
عادت بجسدها للخلف: 
_لا..خلَّصي هستناكي. 
كان يتابعها وهو منشغل بعمله، اتَّجهت إليه بأنظارها 
_بقولَّك يا آسر، عايزة أعمل ورق يثبت إنِّي مقيمة هنا في مصر، مش عايزة أشغل بابا، قولِّي أعمله منين وهعمله.
رفع رأسه إليها: 
_البطاقة، الجنسية مش مصرية؟. 
_أيوة..بس فيه أوراق تانية الشركة محتاجاها، خلاص قرَّرت أتعيِّن فيها.
_اشمعنى المرَّة دي، ما إنتي جرَّبتي كذا حاجة. 
زمَّت شفتيها تهزُّ رأسها:
_ودي فيها إيه، التيم حلو، مرتاحة معاهم، وكمان نور شخص ظريف أوي، أكيد اتعاملت معاه أيام ما كان شغَّال مع ضي. 
_بس أنا مش مقتنع. 
نهضت من مكانها واتَّجهت إلى جلوسه، اقتربت مستندةً على مكتبه: 
_أنا ماليش دعوة برأيك، مش طالبة غير إنَّك تقولِّي الورق المطلوب، عندي شهادات أميريكية عايزة أوثَّق علشان أعرف آخد مكاني الصح، أنا مقعدتش هنا غير سنتين بالكتير، وكمان التعليم سنة واحدة. 
سحب ذراعها فجأة، لتهوى بجسدها إليه دون إرادة:
_أنا خلقي ضيَّق، قولت الشركة دي لا، ولولا معاكي مشروع كنت منعتك.
أدمعت عيناها من مسكته القوية:
_إيدي يا آسر، بتوجعني.
لم يكترث لحالتها، وتابع بفظاظة: 
_بعد كدا اللي أقولِّك عليه هوَّ اللي يتعمل، ولمِّي شعرك اللي فرحانة بيه بدل ما أقصُّه لك. 
قالها ثم تركها، وهبَّ من مكانه متَّجهًا للخارح دون حديثٍ آخر.
جلست على مقعده، تمسِّد على كفَّها من الألم، توقَّفت سدن متَّجهةً إليها:
_آسيا..إنتي كويسة؟. 
رفعت عيناها التي تكوَّرت بها الدموع:
_هوَّ مالوش دعوة بيَّا، أنا اللي غلطانة إنِّي لجأت له. 
مسَّدت على خصلاتها، ثم احتضنت رأسها:
_متزعليش منه، هوَّ خايف عليكي، خايف يكون نور دا عايز حاجة بعد موضوع ضي.
بكت تمسح دموعها وهي تهزُّ رأسها: 
_لا..دا عايز يضايقني وخلاص، بس والله ما هسكت له بعد كدا، وهقول لخالو، مالوش دعوة بيَّا.
نهضت من مكانها تزيل دموعها بعنف:
_أنا مش محتاجة لحد، ويوم ما أحتاج مش هلجأ له، انسان مستفز. 
قالتها وخرجت متَّجهةً لمنزلها، بينما خرج هو متَّجهًا إلى حمَّام السباحة، قام بنزع ثيابه وألقى نفسه بالمياه، علَّه يطفئ نيران غضبه من تلك المتمرِّدة. 
ظلَّ يسبح لفترةٍ من الوقت، يحاول أن يسيطر على دقَّات قلبه باسمها، خرج بعد فترة، توقَّف يلهث كالذي قطع أميال من الجري، يهمس لنفسه:
_ليه دي اللي قلبك دق لها، ليه وإنتَ عارف إنَّها متمرِّدة، ياترى هتقدر على تمرُّدها ولَّا طريقك هيبقى صعب؟. 

بغرفة يوسف..

خرجت من غرفة الملابس بعد قليل، لتجده غافيًا بصدره العاري الذي يعلو ويهبط ببطء..وقعت عيناها على كنزته الملقاة أرضًا، فاقتربت بحذر، وانحنت تلتقطها.
توقَّفت أمام الفراش، تراقب ملامحه بعينينِ مثقلتينِ بالألم..زوجها، حبيبها، بل عشق روحها، قريبٌ منه حدَّ الوجع، وبعيدٌ كالمستحيل، كأنَّه تفاحة آدم المحرَّمة.
مالت بهدوء، تسحب الغطاء وتُغطِّي جسده، لكن عيناها تعثَّرتا بجرحه الغائر في صدره..جلست بجواره بحذر، ومدَّت أناملها المرتجفة تتحسَّس موضع الألم.
انسابت دمعة على وجنتها…ماذا لو أصابه مكروه، هل كانت ستقدر على الحياة بدونه؟
هزَّت رأسها بعنف، ترفض تلك الفكرة التي كادت تزهق روحها.
استسلمت أخيرًا..انحنت تقبِّل موضع جرحه برفق، ثم وضعت رأسها على صدره، تبكي بصمت، وكأنَّ جراحها هي من تنزف. 
فتح عينيه ببطء حين شعر بها:
_ ضي…
همس بها بصوتٍ متعب، بين النوم واليقظة.
أغمضت عينيها، تقاوم اندفاع مشاعرها، ثم نهضت سريعًا مبتعدة، تهرب من نفسها، ومن ضعفها، اتَّجهت إلى الأريكة دون أن تنطق.
تابعها بعينين نصف مغلقتين، كأنه يراها في حلم، حتى استسلم مجدَّدًا للنوم تحت تأثير أدويته الثقيلة.
أمَّا هي..فظلَّت تراقبه بصمتٍ موجع، تتخبَّط داخلها رغباتٍ متناقضة؛
تريد أن تعود إليه، أن تختبئ بين ذراعيه،
لكنَّها تخشى…تخشى أن يخذل قلبها قبل أن يعود هو إليها.
يجب أن تنتظر حتى يبوح بما يثقل صدره.
هنا تذكَّرت أوراق التحاليل.
نهضت ببطء، واتَّجهت نحو مكتبه داخل غرفة النوم ثم بدأت تبحث.
فتحت حاسوبه وجدته مغلقًا.
حاولت مرَّة، واثنتين، وأخرى… أصابعها ترتجف، وأنفاسها تتسارع، حتى ألقت بزفرةٍ حادَّة ومسحت على وجهها بعنف، تعاقب نفسها على جهلها به.
تركت الجهاز، واتَّجهت إلى الأدراج.
فتحت واحدًا..ثم آخر…أوراق كثيرة، أبحاث طبيَّة، ملاحظات بخطِّ يده..كلُّ شيءٍ عنه، إلَّا ما تبحث عنه.
فجأةً توقَّفت يدها على كارتٍ صغير، مغلق بعناية.
تردَّدت للحظة قبل أن تفتحه…وكأنها تخشى ما بداخله، فتحته ببطء، لتجد
اسمها، اسمها فقط مكتوبٌ بخطِّه، وتاريخ زفافهما، يبدو أنَّه أحضره بالعام الذي مضى وهو بالخارج، هل حقًّا تذكَّر هذا اليوم، فتحت ما به ليرتفع النبض بعنف،على عبارةٍ جعلت أنفاسها تختنق:
"لولا لم أعشقها…لعشقتها حتى الموت."
تجمَّدت مكانها، سقطت الدموع فجأة، غزيرة، حارقة، حتى غطَّت ملامحها بالكامل.
رفعت كفَّيها إلى فمها، تكتم شهقاتٍ كادت تفضحها، بينما جسدها كلِّه يرتجف.
_ غبية…إزاي كنتِ عمية كده؟
خرجت الكلمات منها مكسورة، مشحونة بندمٍ يكاد يمزِّقها.
بيدٍ مرتعشة، سحبت دفتره…دفتر مذكَّراته الذي كانت قد قرأت منه سابقًا.
قلَّبت الصفحات بسرعة، وكأنَّها تبحث عن كلِّ ما يخصُّها، عن آلامه منها، وهي تتزف بصمت، حتى توقَّفت على صورتها.
مرسومةً بأنامله…بتفاصيلها التي لا يراها إلَّا عاشق.
تحتها كلماته:
"لم يكتب لنا القدر الحياة، 
لكن القلب عنيد، عنيدٌ حدَّ التمرُّد،
يقف بين القدر والحياة ويسأل: لِمَ لا؟
لأنَّها هي الحياة…
وقدرٌ بلاها…لا يُسمى حياة"
انهارت وانفجرت بالبكاء، سقطت برأسها على المكتب، بقوَّةٍ فوق سطحه، تضربه  تعاقب ذاتها، وكأنَّ الألم الخارجي أهون من ذاك الذي ينهش صدرها.
كلماته، اعترافه، حبِّه الذي لم تره، وحديثها القاسي له، اتِّهاماتها، شكَّها، 
كلَّ ما أصابته به، أصبح كسكِّينٍ يغوص في قلبها بلا رحمة، هنا فقط أدركت هي السبب في ذلك الحادث الذي كاد أن يسلبه منها للأبد.
شهقت بقوة، تختنق بندمها، ورفعت رأسها، بدموعها التي لا تتوقَّف.
مسحت وجهها بعنف، وعيناها تشتعلان بعزمٍ و قسمٍ يُولد من قلبٍ منكسر..
قلبٍ أدرك متأخِّرًا، أنَّها من جنت على هلاكهما، أعادت كلُّ شيءٍ مكانه، فجأةً اتَّجهت إلى الجهاز مرَّةً أخرى، وفتحته بتاريخ زواجهما، ليفتح أمامها، ابتسمت من بين دموعها: 
_آاااه يا قلبي، إزاي دوست عليه أوي كدا؟. 
قلَّبت به، إلى أن وصلت إلى التحاليل، وقامت بإرسالها لجهازها، ثم قامت بإغلاق الجهاز مرَّةً أخرى، وكالعادة يُغلق على صورتهما معًا، صورة زفافهما، نظرت إلى عيناه التي كانت تشعُّ حنانًا وعشقًا، رفعت أناملها تتحسَّس وجهه، وكلماتها كعويلٍ بأذنها:
_غدَّار وخاين، إنتَ غدَّار وخاين، بكرهك.
أغمضت عيناها بألم، تمنَّت أن يفقد ذاكرته على تلك الكلمات، حتى يعفو ويصفح عنها. 
نهضت بعدما أعادت كلُّ شيءٍ بمكانه، ولم تترك سوى لمساته فقط، حتى لا يشكَّ بأمرها، تحرَّكت للخارج، تسحب روبها ونزلت للأسفل تتعثَّر بخطواتها ودموعها تسقط بلا توقُّف ألمًا وندمًا على ما أصابهما بفعل يدها النكراء. 

بغرفة إلياس.. 
تمدَّد بجوار ميرال الغافية، وشرد بكلمات الضابط:
_بعد الفحص الجنائي الحادثة بفعل فاعل يا إلياس، يعني حد كان قاصد يموِّته. 
أطبق على جفنيه بقسوة، يشعر بشيءٍ يلتفُّ حول صدره كقبضةٍ لا تُفلت.
أنفاسه تتلاحق، وقلبه يضرب بعنف.. 
لحظات…وكانت ستُسرق منه حياةُ ابنه كاملة.
خانته دموعه رغمًا عنه، تسلَّلت حارقة على وجهه، وإحساسٌ قاتل يطوِّقه، كأنَّ قيدًا من نار يلتفُّ حول روحه..
من الذي أراد قتل ابنه؟
وكيف وصل الحقد إلى هذا الحد؟
لكن…
بلحظةٍ واحدة، تسلَّل الشيطان إلى عقله…
صوت ضي:
_ "ابنك لو جه…هقتله، سمعتني؟ هموِّته على اللي عمله فيَّا!"
اتَّسعت عيناه، وارتفع نبضه بجنون، يهزُّ رأسه بعنف، يحاول طرد تلك الكلمات التي تدوي داخله كالمطارق.. لا…لا مستحيل.. 
ضي؟!
لكن صورة ضي حين تغضب، حين تنكسر…وحين تفقد السيطرة، تتحوَّل لوحشٍ كاسر، فرك جبينه بقوة، ونيرانًا تأكله:
_هي تغضب، وتقول كلام جارح وأفعال غيرة، لكن ما تأذيش، أنا بنتي متأذيش جوزها، وخاصَّةً لو بتموت فيه، معقول حبَّها له ممكن تأذيه، لا لا...مستحيل، مستحيل، ذهب بذاكرته ليوم الحادث..
دلفت إلى المشفى كأنَّها فقدت الحياة. 
وجهها شاحب حدَّ الموت، خصلاتها مبعثرة، وأنفاسها متقطِّعة، وعيناها… لا تتوقَّفان عن البكاء.
كانت تبحث بين الوجوه كغريقة تتشبَّث بأي أمل.
_ يوسف!..فين يوسف؟!
قالتها بصوتٍ خرج ممزَّقًا، يحمل رعبًا لا يُحتمل.
نهض بلال سريعًا، متَّجهًا نحوها:
_ حبيبتي، في العمليات…شوية وهيخرج، إن شاء الله، لم تدعه يُكمل.
انهالت عليه ضربًا، كالمجنونة:
_ أنا عايزة أشوفه! دخَّلني له! أنا لازم أشوفه!
حاول الإمساك بها، لكنَّها كانت كالإعصار، تتفلَّت من بين يديه، تصرخ باسمه وكأنَّ روحها تُنتزع منها.
_ يوسف!! أنا عايزة يوسف يا بلال. 
انهارت فجأةً بالأرض، وصوتها تحوَّل إلى نحيبٍ مفجع:
_ أنا السبب، أنا اللي قتلته، أنا قتلته!
وصل يزن مسرعًا، يحاول مساعدته في تهدئتها:
_ ضي! حبيبتي، اهدي..يوسف كويس، الدكاترة جوَّا وهيخرجوا يطمِّنونا.

اتَّجهت إلى بلال تدفعه بعنف، بعيونٍ مشتعلة بجنون الألم:
_ إنتَ بتعمل إيه هنا؟! إنتَ مش دكتور! ادخل له! قولُّه…قوله ضي كانت بتقول كلام وخلاص، والله كلام.
اختنق صوتها، وارتفعت شهقاتها:
_ قولُّه ما يقساش عليَّا، خلِّيه يقوم يا بلال. 
جذبها بلال إليه، يضمُّ رأسها إلى صدره محاولًا كتم انهيارها، لكنها كانت تذوب بين ذراعيه، تصرخ وتبكي بلا وعي.
أشار سريعًا للممرِّضة، وقال بصوتٍ منخفض:
_ حقنة مهدِّئ بسرعة.
كانت ما تزال تقاوم، جسدها يرتجف بعنف، وصوتها يخفت تدريجيًا وهي تردِّد باسمه:
_ يوسف…أنا هموت، ثم خارت قواها تمامًا.
وسقطت بين ذراعيه، كعاشقةٍ انهارت روحها قبل جسدها.

وبعد أن أفاقت على وقع الخبر، وعلمت أنَّه بالعناية المركَّزة، توقَّفت على باب غرفته، لم تتحرَّك إنشًا واحدًا، عيناها معلَّقتان بجسده، تراقبه بخوفٍ، كأنَّها إن رمشت ستفقده…كأنَّ الموت يتربَّص به، ينتظر لحظة غفلتها.
وفجأةً..انطلقت صفَّارات الأجهزة بحدَّة، تُعلن توقُّف القلب، تجمَّد الدم في عروقها.
اندفع الأطباء إلى الداخل، تتعالى أوامرهم،يحاولون إنعاش قلبه، بينما كانت هي تقف لثانيةٍ واحدة فقط… ثانيةٍ كانت كفيلة بتمزيق روحها..ثم دفعت الباب بقوة، غير عابئةٍ بأي صوتٍ يناديها أو يدٍ حاولت إيقافها، اندفعت نحوه.
دموعها تسبقها، وصوتها يتهشَّم من الألم وهي تنحني فوقه، تدفن وجهها في صدره: 
_ما تموِّتنيش…لا ما تموِّتنيش..أنا من غيرك بموت سامعني؟! فوق علشاني فوق…قالتها بكلماتٍ تخرج متقطِّعة، كأنَّها تُسحب من بين أضلاعها انتزاعًا.
حاولت الممرِّضة سحبها، لكنَّّها كانت كالغريق الذي تشبَّث بخشبة النجاة الأخيرة.
التفتت لها بعيونٍ مشتعلة، وصفعتها دون وعي، دون إدراك، دون أي شيء سوى الرعب، بأنه سيُختطف من بين يدها:
_أوعي تلمسيني! محدش له دعوة بيَّا!
ثم عادت إليه، تشعر بعالمها كلِّه  انكمش حتى صار في هذا الجسد المسجَّى أمامها..تصرخ به:
_وإنتَ…إنتَ مش من حقَّك تسيبني! فاهم؟! مش بكيفك تمشي! أنا لسه ماخدتش حقِّي منَّك…لسه ما شبعتش منَّك!
انهارت إلى صراخٍ ممزَّق، وراحت تضرب صدره بكفَّيها، كأنها تُعاقبه على خيانته للحياة، أو ترجوه أن يعود.

في الجانب الآخر على نافذة الغرفة انهارت ميرال.
سقطت كجسدٍ فقد روحه، كأمٍّ انطفأ قلبها قبل أن ينطفئ قلب ابنها..لم تحتمل الفكرة..لم تستوعب عالمًا لا يكون هو فيه، غابت عن الوعي، كأنَّها اختارت الهروب إلى ظلامٍ أرحم من واقعٍ ينتزع منها فلذة كبدها.
حملها يزن وأسرع بها إلى الداخل، بينما بقي إلياس واقفًا…لا يتحرَّك.
ينظر من النافذة،  الحاجز الوحيد بينه وبين انهياره.
وضع كفَّيه على الزجاج، جبينه يكاد يلامسه، وعيناه معلَّقتان بابنه…بذلك الجسد الذي يصارع الموت.
_يارب خد من عمري وإدِّيه، يارب..
قالها بصوتٍ مكسور، لا يشبهه.
اقتربت فريدة، وربتت على ظهره بحنانٍ مرتجف:
_إن شاء الله ربِّنا هيجبرك فيه، لكنَّه لم يلتفت..
لم يرَ شيئًا، لم يسمع أحدًا.
كان كلُّه عند ذلك القلب الذي توقَّف، وعند تلك الأجهزة التي تصرخ كأنَّها تنعي حياته هو، لا حياة ابنه.
"يارب استودعتك أغلى ما أملك، فلا ترُدُّني فيه خائبًا"
مرَّت اللحظات كالسكاكين..محاولة فشل..
وأخرى خيبة، وثالثة أنفاسٌ محتبسة.
حتى وصل الطبيب إلى محاولته الأخيرة…صمتٌ ثقيل..ثم نبضة..
ضعيفة، متردِّدة، لكنَّها حيَّة.
عاد الصوت إلى الجهاز، وعادت الحياة…لا إليه وحده، بل لكلِّ روحٍ كانت معلَّقة بخيطٍ رفيع بين الرجاء والهلاك.
انفلتت شهقةٌ من صدر إلياس، كأنَّ الهواء عاد إليه بعد غرقٍ طويل. أغمض عينيه، ودمعةٌ خانته، بينما ارتخت يده عن الزجاج.
اقترب أرسلان، وسحبه برفق:
_إلياس اقعد، إنتَ بقالك ساعات واقف هتقع من طولك.

نظر إليه بعينينِ تائهتين، يغشاهما وجعٌ ثقيل، وقال بصوتٍ مبحوح:
_أنا وقعت خلاص…يوسف كسر ضهري.
لم تكن كلماتٍ عابرة، بل اعترافُ رجلٍ تهشَّم من الداخل.
احتواه أرسلان سريعًا، ضمَّه إلى صدره، رغم أنَّ كلاهما يحتاج إلى من يسنده، إلَّا أنه شدَّ عليه بذراعيه، يحاول أن يمنع سقوطه، بينما هو نفسه يتهاوى بصمت.
اقتربت فريدة، وضمَّت ولديها معًا، تحاول أن تجمع شتاتهم داخل حضنها، رغم أنَّ قلبها نفسه يتصدَّع. مسحت على ظهر إلياس، وقالت بصوت يرتجف بين الحزم والحنان:
_مالكم يا ولاد جمال..فين إيمانكم بربِّنا؟ وده إيه غير اختبار من عنده..
رفعت وجه إلياس بكفَّيها، أجبرته أن ينظر إليها، كانت تحاول أن تبثَّ فيه قوةً لا تملكها في تلك اللحظة:
_عايز تبقى مؤمن من غير اختبار يا حضرة الظابط..من إمتى وإنتَ ضعيف كده؟ قوم اصلب نفسك، علشان ابنك لمَّا يقوم يلاقي أبوه جبل، ما فيش حاجة تهزُّه.
كانت كلماتها تخرج كالسياط…تؤلمه، لكنها تحاول أن تُعيد تشكيله من جديد.
_شوفت إيه من الاختبارات علشان تقول راضي؟ ادعي ربِّنا يقوِّيك يا ابن جمال، ادعي لابنك، عمر اللي يلجأ لربِّنا ما يخسر.
ارتجف صدره، وشعر بأنَّ كلماتها تضرب جرحًا مفتوحًا، وقبل أن يردَّ جاء صوت الطبيب قاطعًا كلَّ شيء:
_آسف يا إلياس باشا…المريض دخل في حالة غيبوبة.
لحظة واحدة وكان الجبل قد انهار.
سقط إلياس على المقعد خلفه، كأنَّ ساقيه خانتاه فجأة، وشحُب وجهه، ينظر إلى الطبيب بعينينِ فارغتين إلَّا من ألمٍ لا يُحتمل، لم يعد قادرًا حتى على التماسك.
حتى فريدة…تلك التي كانت تُشدُّ أزر الجميع، خانتها دموعها..انسابت على وجنتيها بصمت، وهي تهزُّ رأسها مردِّدةً بصوتٍ مكسور:
_الحمدلله على كل حال.
تنحنح الطبيب، مشيرًا نحو الغرفة بحرج:
_مدام ضي مش راضية تخرج…وده غلط.
رفعت فريدة عينيها إليه، وفي نظرتها يقينٌ غريب رغم انكسارها:
_سيبها يا ابني معاه، يمكن لمَّا يحس بيها…يحارب ويقوم.
هزَّ الطبيب رأسه باعتراضٍ خافت:
_بس ده ما ينفعش…
قاطعته بنبرةٍ لا تقبل الجدال، وهي تستمدُّ قوتها من إيمانها:
_هينفع يا دكتور…هينفع إن شاء الله. إنتَ بس اهتمّ بالمكان اللي هتقعد فيه معاه.
ساد صمتٌ ثقيل بعد خروج الطبيب… صمتٌ محمَّل بالرجاء والخوف معًا..
عاد إلياس من دوَّامة ذكرياته كمن يُنتزع من غرقٍ عميق، صدره يعلو ويهبط بصعوبة، وكأنَّ الهواء لم يعد يكفيه.
شعر بالاختناق..
تحرّك ببطءٍ نحو شرفة غرفته، فتح الباب، واستقبلته نسمات الليل الباردة، لكنَّها لم تُطفئ النار المشتعلة داخله.
وقف يحدِّق في الفراغ..ونزول الامطار يضرب الأرض.
رفع رأسه للسماء: 
_يا رب…
خرجت منه كأنَّها آخر ما يملك.
أغمض عينيه، ومال برأسه إلى الخلف، وصوت داخله يهمس:
_اقوى علشان ابنك، لازم تعرف مين اللي عمل كدا، من إمتى وحد بيجبب حقَّك. 

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

وقعت عيناه على خروج ضي من المنزل، متجهة إلى الحديقة .. ظل واقفا يتابعها بصمت.

عند ضي، نزلت الحديقة وجلست فوق العشب تشعر بنيران تكويها، ظلت لدقائق تم استندت برأسها على الجدار، تنظر للسماء الملبدة بالغيوم، وصوت العاصفة الشتوية تقترب، ظلت تنظر للنجوم التي اختفت خلف الغيوم، رجفة أصابتها كحال النجوم في ليل الشتاء، استمعت إلى رنين هاتفها، ولكنها لم تهتم، وكأنها وحيدة...

بالداخل استمع إلى رنين هاتفه، اعتدل بصعوبة يسحبه

يتصل بضي ما يتردش، خليها ترد علي ضروري

معرفش هي فين.

تمتم بها وأغلق دون أن يسمع شيئا آخر دقائق بمكانه، إلى أن نهض بأنفاس مرتفعة ببحث عنها.

تحرك بخطوات واهنة، إلى أن خرج إلى شرفة غرفته تجمد بمكانه وشعر بانسحاب أنفاسه وهو

براها تتكور بجلستها ومياه الأمطار تغرقها، كأنها لم تشعر بشيء.

تحرك للأسفل سريعا رغم آلام جسده، وصل إليها بغضون دقيقتين.

رفعت عينيها الغارقتين بالدموع، تنظر إليه بصمت موجع، ثم همست بشفاه مرتجفة

أوعى تقولي إلي وحشتك.

مد يده إليها، وقال بصوت حنون

قومي... الجو بيشتي، هدومك غرفت.

تعلقت عيناها بكفه الممدودة لحظة، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة، ولكن قبل أن ترد.

قاطعهما صوت خلفهما، بنيرة مبهورة

هذا المطر يبدو رائعا ... علمت ان جو مصر جميل.

استدار یوسف، عقد حاجبيه وهو يقول :

بتعملي ايه بژه یا نارین؟ الجو برد.

هنا نهضت كالملسوعة، كأن شيئا اشتغل بداخلها، واتجهت بنظرات حادة نحو تلك التي اقتربت

من يوسف، وهي تتمايل بخفة متعقدة:

تمنيت أمشي تحت المطر... أنا بعشق الجنون، إيه رأيك حبيبي جو ؟.

تم مالت نحوه اکثر بابتسامة متحدية:

هل تحب الجنون، أم أنك لم تفو لإصابتك ؟

اقتربت في منها، بخطوات ثابتة رغم العاصفة بداخلها، وقالت بحدة باردة:

مين سمح لك تخرجي في الوقت ده ؟

رفعت حاجبها بازدراء

انت فاكرة نفسك في بيت أبوكي ؟ الضيف له احترامه ... ولا متعرفيش حاجة عن

الذوق.. أشارت إلى ملابسها :

نسيتي تلبسي ولا إيه ؟

ضي ايه اللي بتقوليه ده ؟

قالها يوسف بصوت منخفض، لكنه حاد.

التفتت إليه بعينين مشتعلتين يختلط فيهما الغضب بالألم:

ايه يا دكتور مش عايز تتجلن تحت المطر؟

اقتربت منه حتى كادت أنفاسهما تختلط رفعت ذراعيها حول عنقه، بينما قلبها يصرخ بصمت مذبوح.

ابتسمت له ابتسامة موجعة:

تصدق؟ عمري ما فكرت أرقص معاك تحت المطر.....

حاول أن يبتعد، لكنها شدت عليه أكثر عيناها لا تفارقان تلك التي تراقيهما، نظراتها تحمل تحديا واضحا.

دنت أكثر حتى لامست شفتيها شفتيه تهمس بصوت بالكاد يسمع:

البنت دي لو شوفتها قدامي ثاني هموتها.

قالتها ثم قبلته قبلة سريعة، تحمل غضبها ووجعها معا، قبل أن تبتعد وتنظر في عينيه :

أنا طالعة منتألحرش الجو برد وجرحك لسه مخفش.

استدارت إلى تارين بنظرات حادة كالسكاكين :

وإنتي روحي البسي، إحنا هنا مش في مولد أبو العربان، دا تلاقيه عندكم.

ثم عادت بعينيها إليه، بنبرة لاذعة:

خاف من ربنا يا دكتور ... مش لاقي غير اللي رخصوا نفسهم ؟

اقتربت منه تغلق زز قميصه بأنامل ترتجف رغم تماسكها :

الجو برد قولت يعني مش كفاية عيان، لا ومبتسمعش.

تحركت خطوتين، ثم توقفت استدارت ببطء نظرتها تخترق نارين

لسه واقفة، ولا عاملة نفسك مش فاهمة عربي ؟

تم التفتت إليه بابتسامة خفيفة تخفي انهيارها:

الدكتور كان نفسه يلبي طلبك.. بس عنده متعة أحسن من جنان المطر صح يا دكتور؟

رفعت كفيها إلى وجهه، لمسة أخيرة تحمل ألف معنى، وغمرت بطرف عينها، قبل أن تستدير

وتصعد...

دنت منه دارين

من هذه الفتاه ألم تقل ابنة عمك ؟.

استدارت إلى نارين ينظرات حادة كالسكاكين :

وإنتي روحي البسي. إحنا هنا مش في مولد أبو العربان دا تلاقيه عندكم

ثم عادت بعينيها إليه، بنبرة لاذعة:

خاف من ربنا يا دكتور ... مش لاقي غير اللي رخصوا نفسهم؟

اقتربت منه تغلق از قميصه بأنامل ترتجف رغم تماسكها:

الجو برد قولت يعني مش كفاية عنان، لا ومبتسمعش.

تحركت خطوتين، ثم توقفت استدارت ببطء، نظرتها تخترق نارين

لسه واقفة، ولا عاملة نفسك مش فاهمة عربي ؟

ثم التفتت إليه، بابتسامة خفيفة تخفي انهيارها:

الدكتور كان نفسه يلبي طلبك.. بس عنده متعة أحسن من جنان المطر صح يا دكتور؟

رفعت كفيها إلى وجهه، لمسة أخيرة تحمل ألف معنى، وغمزت بطرف عينها، قبل أن تستدير

وتصعد...

دقت منه دارین

من هذه الفتاه، ألم نقل ابنة عفك ؟.

كان يراقب تحرك ضي، فلقد أشعلت نيرانه التي حاول إخمادها لفترة طويلة...

استدار على سؤال دارين

هذه زوحتي، ولم تكن زوجتي فقط، هذه حياة يوسف، أتمنى أن تكوني حذرة بالحديث معها.

لأنها مجنونة بالغيرة.

انتبهت على ذلك ... يبدو أنها متعبة جدا جو، كيف أحببت هذه المجنونة، أعتذر لكلها ...

أوقف حديثها بإشارة من إصبعه:

ألم أقل لكي زوجتي، ولن اتقبل بأي حرف يسيء إليها؟.

اووه، يبدو أنك تعشقها حقا.

أكثر مما تتخيلين، هيا اذهبي إلى مكانك، حتى لا يغضب والدي، فهنا قوانين يجب أن تحترم.

بالا على.. كان يقف بالشرفة يدخن سيجارته ويراقب المشهد منذ أن نزل إلى ضي، ظل واقفا

لينهي حوارهما، واستدار يعود للداخل، ولكنه توقف حين لمحها تقترب منهما.

_كيف أتشبث بكبريائي،
وأنت تنحني للحياة حتى لا تنكسر بي؟
كيف أُحاسبك،وأنت تُعطي دون أن تُحصي؟
فأنا لم أخسر كرامتي كما يبدو،
أنا فقط وضعتها جانبًا قليلًا،
كي لا أخسرك أنت.
وفي النهاية…
لم يكن يهم من المخطئ،
ولا من انكسر أولًا،
كان يهمني فقط، أن تبقى بجانبي
#ضي_الشافعي
عند ضي، نزلت الحديقة وجلست فوق العشب، تشعر بنيرانٍ تكويها، ظلَّت لدقائق ثم استندت برأسها على الجدار، تنظر للسماء الملبَّدة بالغيوم، وصوت العاصفة الشتوية تقترب، ظلَّت تنظر للنجوم التي اختفت خلف الغيوم، رجفة أصابتها كحال النجوم في ليل الشتاء، استمعت إلى رنين هاتفها، ولكنَّها لم تهتم، وكأنَّها وحيدة..
بالداخل استمع إلى رنين هاتفه، اعتدل بصعوبة يسحبه:
_بتِّصل بضي ما بتردش، خلِّيها ترد عليَّ ضروري. 
_معرفش هيَّ فين.
تمتم بها وأغلق دون أن يسمع شيئًا آخر، دقائق بمكانه، إلى أن نهض بأنفاسٍ مرتفعة يبحث عنها، تحرَّك بخطواتٍ واهنة، إلى أن خرج إلى شرفة غرفته، تجمَّد بمكانه وشعر بانسحاب أنفاسه وهو يراها تتكوَّر بجلستها ومياه الأمطار تغرقها، كأنها لم تشعر بشيء. 
تحرَّك للأسفل سريعًا رغم آلام جسده، وصل إليها بغضون دقيقتين. 
رفعت عينيها الغارقتينِ بالدموع، تنظر إليه بصمتٍ موجع، ثم همست بشفاهٍ مرتجفة:
_أوعى تقولِّي إنِّي وحشتك.
مدَّ يده إليها، وقال بصوتٍ حنون:
_قومي…الجوِّ بيشتي، هدومك غرقت.
تعلَّقت عيناها بكفِّه الممدودة لحظة، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة، ولكن قبل أن ترد، قاطعهما صوتٌ خلفهما، بنبرةٍ مبهورة:
_هذا المطر يبدو رائعًا…علمت أن جوّ مصر جميل.
استدار يوسف، عقد حاجبيه وهو يقول:
_بتعملي إيه برَّه يا نارين؟ الجوِّ برد.
هنا نهضت كالملسوعة، كأنَّ شيئًا اشتعل بداخلها، واتجهت بنظراتٍ حادَّة نحو تلك التي اقتربت من يوسف، وهي تتمايل بخفَّةٍ متعمَّدة:
_تمنَّيت أمشي تحت المطر…أنا بعشق الجنون، إيه رأيك حبيبي جو؟.
ثم مالت نحوه أكثر، بابتسامةٍ متحديَّة:
_هل تحبّ الجنون، أم أنَّك لم تقو لإصابتك؟
اقتربت ضي منها، بخطواتٍ ثابتة رغم العاصفة بداخلها، وقالت بحدَّةٍ باردة:
_مين سمح لكِ تخرجي في الوقت ده؟
رفعت حاجبها بازدراء:
_إنتِ فاكرة نفسك في بيت أبوكي؟ الضيف له احترامه…ولَّا متعرفيش حاجة عن الذوق..أشارت إلى ملابسها: 
_نسيتي تلبسي ولَّا إيه؟
_ضي! إيه اللي بتقوليه ده؟
قالها يوسف بصوتٍ منخفض، لكنه حاد.
التفتت إليه بعينين مشتعِلتين، يختلط فيهما الغضب بالألم:
_إيه يا دكتور، مش عايز نتجنِّن تحت المطر؟
اقتربت منه حتى كادت أنفاسهما تختلط، رفعت ذراعيها حول عنقه، بينما قلبها يصرخ بصمتٍ مذبوح.
ابتسمت له ابتسامةً موجعة:
_تصدَّق؟ عمري ما فكَّرت أرقص معاك تحت المطر…
حاول أن يبتعد، لكنها شدَّت عليه أكثر، عيناها لا تفارقانِ تلك التي تراقبهما، نظراتها تحمل تحدِّيًا واضحًا.
دنت أكثر، حتى لامست شفتيها شفتيه، تهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع:
_البنت دي لو شوفتها قدَّامي تاني هموِّتها.
قالتها ثم قبَّلته قبلةً سريعة، تحمل غضبها ووجعها معًا، قبل أن تبتعد وتنظر في عينيه:
_أنا طالعة متتأخَّرش، الجوِّ برد وجرحك لسه مخفِّش.
استدارت إلى نارين، بنظرات حادَّة كالسكاكين:
_وإنتي روحي البسي. إحنا هنا مش في مولد أبو العريان، دا تلاقيه عندكم.
ثم عادت بعينيها إليه، بنبرةٍ لاذعة:
_خاف من ربِّنا يا دكتور…مش لاقي غير اللي رخَّصوا نفسهم؟
اقتربت منه، تغلق زرَّ قميصه بأنامل ترتجف رغم تماسكها:
_الجوِّ برد قولت، يعني مش كفاية عيَّان، لا ومبتسمعش.
تحرَّكت خطوتين، ثم توقَّفت، استدارت ببطء، نظرتها تخترق نارين:
_لسه واقفة، ولَّا عاملة نفسك مش فاهمة عربي؟

ثم التفتت إليه، بابتسامةٍ خفيفة تخفي انهيارها:
_الدكتور كان نفسه يلبِّي طلبك..بس عنده متعة أحسن من جنان المطر، صح يا دكتور؟
رفعت كفَّيها إلى وجهه، لمسة أخيرة تحمل ألف معنى، وغمزت بطرف عينها، قبل أن تستدير وتصعد…

دنت منه دارين:
_من هذه الفتاه، ألم تقل ابنة عمَّك؟. 
كان يراقب تحرُّك ضي، فلقد أشعلت نيرانه التي حاول إخمادها لفترةٍ طويلة..
استدار على سؤال دارين: 
_هذه زوحتي، ولم تكن زوجتي فقط، هذه حياة يوسف، أتمنَّى أن تكوني حذرة بالحديث معها، لأنَّها مجنونة بالغيرة.
_انتبهت على ذلك...يبدو أنَّها متعبة جدًّا جو، كيف أحببت هذه المجنونة، أعتذر، لكنَّها..
أوقف حديثها بإشارةٍ من إصبعه:
_ألم أقل لكي زوجتي، ولن أتقبَّل بأي حرف يسيء إليها؟.
_أووه، يبدو أنَّك تعشقها حقًّا.
_أكثر ممَّا تتخيَّلين، هيا اذهبي إلى مكانك، حتى لايغضب والدي، فهنا قوانين يجب أن تُحترم. 
بالاعلى..كان يقف بالشرفة يدخِّن سيجارته ويراقب المشهد منذ أن نزل إلى ضي، ظلَّ واقفًا لينهي حوارهما، واستدار يعود للداخل، ولكنه توقَّف حين لمحها تقترب منهما.

بالأعلى..كان يقف بالشرفة يدخِّن سيجارته ويراقب المشهد منذ أن نزل إلى ضي، ظلَّ واقفًا لينهي حوارهما، واستدار يعود للداخل، ولكنَّه توقَّف حين لمحها تقترب منهما.

باليوم التالي.. 
بمنزل يزن..دلف بلال يبحث عنها بعينيه:
_صباح الخير. 
توقَّفت رحيل تشير إليه:
_صباح الخير حبيبي، تعال افطر. 
دار بعينيه متسائلًا:
_رولا ما صحيتش ولَّا إيه؟. 
_صحيت يا أخويا من شوية، مش قولت نتلمّ شوية، لازم سهر كلِّ ليلة، ماتحترم نفسك ولَّا أعند. 
قاطعم وصول رولا:
_صباح الخير حبيبي...قالتها وانحنت تقبِّله.
رفع بلال حاجبه: 
_هوَّ مين اللي حبيبك، أومال أنا إيه؟.
ضحك يزن بصوتٍ مرتفع، يمسِّد على خصلات ابنته:
_أبوها طبعًا حبيبها الأول 
وضعت رأسها على ذراع والدها وابتسمت بمشاكسة:
_هوَّ فيه حد ياخد مكانك يابابا، دا إنتَ الحبِّ كلُّه. 
_حبِّك برصة عمية بجناحين.
قهقه يزن وهو يحاوط ابنته: 
_ابعد عينك عنَّا يلا، ياله على بيتكم. 
نظر إلى رولا وقال:
_امشي يا رولا. 
رفعت رأسها لوالدها: 
_خلاص بقى يا بابا، بلال برضو حبيبي. 
هبَّ من مكانه وتحرَّك إليها: 
_وعلشان الكلمتين الحلوين دول، والله لنفطر في بيتنا، وقدَّام أبوكي أهو.
قالها وانحنى يحملها وهي تصرخ بضحكات: 
_بلال نزِّلني...قالتها بصراخ، رفع يزن فنجان قهوته وقال بنبرةٍ باردة:
_والله لو خرجت بيها من البيت لأقعدها في بيت أبوها كمان سنة، وقادر وأعملها. 
تجمَّد بوقوفه، ينظر إليها بذهول:
_شوفتي أبوكي بيقول إيه؟!. 
أنزلها بهدوء ونظر إلى يزن الذي طالعه باستفزاز: 
_تعال يا محترم كمِّل فطارك، قال تفطروا في بيتكم.

جزَّ على شفتيه وقال:
_شكرًا...بالهنا يا أخويا. 

قالها وخرج  متَّجهًا إلى الخارج.
بمنزل إلياس قبل قليل..
فتحت ميرال عيناها وجدته يقف أمام المرآة يرتِّب ثيابه، التفت إليها:
_صباح الخير يا ميرو، اعتدلت تجمع خصلاتها:
_صباح الخير حبيبي، إنتَ خارج؟. 
أغلق راطة عنقه، ثم استدار إليها:
_مسافر كام يوم، عايزك تاخدي بالك من يوسف لمَّا أرجع، ومتخلهوش يعمل حاجة مع ضي.
نهضت من فوق الفراش وتحرَّكت إليه:
_إيه اللي حصل، هو َّ ممكن يطلَّقها تاني؟. 
_معرفش، بس حاولي لحدِّ ما أرجع، مفيش وقت أنتظره، زمانه نايم.
_إنتَ مسافر فين؟.
_شغل يا ميرال، من إمتى بتسألي.. تراجعت دون حديث، اقترب وجلس بجوارها:
_حبيبتي عندي شغل مهمّ، كام شركة عايز أتعاقد معاهم علشان أطقَّم أمن جديدة.
_مش كفاية شغل وترتاح بقى يا إلياس، هتفضل لحدِّ إمتى تشتغل، إحنا مش محتاجين.
_وأنا بشتغل علشان إحنا محتاجين، معرفش أقعد من غير شغل، أنا غيرك. 
دفنت رأسها بصدره وتمتمت:
_ربِّنا يقوِّيك حبيبي يارب.
مسَّد على خصلاتها وقال:
_دا اللي عايزه، تدعيلي.
توقَّف وقال:
_خلِّي بالك من ضيفة يوسف، إحنا منعرفهاش، أكيد فاهمة قصدي؟.
_حاضر..متقلقش، أنا مش مرتحالها أصلًا.

بعد قليل.. 
تجمَّع الجميع على طاولة الإفطار بوجود أرسلان وغرام وبلال..اتَّجهت غرام بنظرها إلى ميرال: 
_عايزة اتكلِّم معاكي بعد الفطار.
أومأت ميرال دون حديث، بينما نظر أرسلان إلى يوسف:
_جرحك عامل إيه النهاردة حبيبي؟. 
_كويس الحمدلله، فيه تحسُّن، التفت إلى بلال:
_بعد الفطار، عايز أعمل كام تمرين على رجلي وضهري. 
قاطعهم دخول الخادمة باصطحاب دارين:
_مرحبًا. 
رفعت ضي عيناها تقيِّمها، ثم التفتت إلى يوسف تنظر إليه بصمت. 
جلست دارين: 
_يبدو أنَّ الطعام جيِّد، رائحته جيِّدة. 
أشارت ميرال إلى الخادمة: 
_حطِّي فطار للضيفة، نهض يوسف يشير إلى بلال: 
_هستنَّاك في العيادة، ثم التفت إلى دارين:
_خدي راحتك، اعتبري البيت بيتك. أومأت مبتسمة،
_الى أين ذاهب...لم يرد عليها وتحرك للخارج،نهضت ميرال خلفه: 
_يوسف. 
توقَّف مستديرًا لوالدته:
_البنت دي جاية ليه، ومن إمتى بتكلِّم بنات؟ وسايبها مع ضي. 
_ماما أنا مجبتش حد، ومنفعش نطردها، اتعاملي معاها لحدِّ ما تمشي وخلاص. 

على طاولة الطعام.. 
نهض أرسلان على رنين هاتفه، بينما عادت ميرال ترسم ابتسامة: 
_نوَّرتينا حبيبتي. 
_أشكرك. 
نظرت إلى ضي: 
_أعتذر عمَّا صار بالأمس، جو لم يخبرني بكِ في بداية الأمر. 
طالعتها برفعة حاجبها، ولم تنطق، التفتت دارين إلى ميرال:
_لم أعلم أنها زوجته.
_إنتي تعرفي يوسف منين حبيبتي؟. 
تساءلت بها غرام. 
ارتشفت من مشروبها ونظراتها على ضي:
_نحن نعمل بمنزلٍ واحدٍ معًا.
تأفَّفت ضي من حديثها السام:
_أنا جوزي مستحيل يقعد مع واحدة متبرِّجة غير محترمة في بيت واحد.
ضي...اهدي. 
_البنت دي تمشي من بيتي فورًا، وجودها غير مقبول بالنسبالي.
أشارت إلى ثيابها التي تتكوَّن من بنطلون يصل إلى ركبتيها، وكنزة قصيرة تصل إلى السرَّة: 
_إيه الأشكال المقرفة دي؟. 
تمتمت بها بغضبٍ حارق ونهضت من مكانها والغضب يشتعل في كلِّ دواخلها. 
_متزعليش منها حبيبتي، هيَّ أعصابها تعبانة من يوم حادثة يوسف. 
_لا تقلقي، لا أهتم بحديثها. 
نهض بلال بهدوء وتحرَّك خلف أخته. 
صعد سريعًا خلفها، وأمسك ذراعها:
_ضي...اتجنِّنتي إيه اللي عملتيه دا؟!.
انهارت بأحضان أخيها تبكي: 
_أنا تعبانة أوي يا بلال، حاسة مش قادرة أتنفس، كان ناقصي الحرباية دي، تعبانة.. 
قالتها ببكاءٍ هستيري، مسَّد على ظهرها بحنانٍ أخوي: 
_خلاص اهدي حبيبتي، ولا تحطِّيها في بالك. 
ابتعدت عنه: 
_عايزة أفضل لوحدي..قالتها وصعدت وهو يراقب صعودها، ثم تحرَّك للخارج، قابله آسر: 
_بلال...تعال عايزك في موضوع. 
التفت وجد دارين متَّجهة إلى جلوس والده ويوسف، تنهّّد ثم تحرَّك إلى آسر. 

عند آرسلان.. 
قولت لي جنسيتك إيه؟.
_أنا سورية. 
_سورية..بتوع التبولة.
ضحك يوسف على كلمات أرسلان، فرمقه الآخر:
_بتضحك على إيه يا دوك، التفت إليها يطالعها بتقييم:
_يوسف دكتور قلب، وإنتي نسا وتوليد 
اتعرَّفتوا على بعض إزاي، أكيد قلبك ما وقفش، ولا هوَّ عايز.
_عمُّو..إيه اللي بتقوله دا؟. 
_اسكت إنتَ، أنا بعاكس القمر، قولي لي يا جنَّة ونار، منين من سوريا؟ 
صمتت تهزُّ كتفها: 
_حلب... 
_أممم...حلويين برضو، ما جاوبتيش على سؤالي؟. 
_لم أفهم..أنا وجو نعمل سويًّا
_جو...قولت لي، بدلَّعك يا حنيِّن. 
قاطعهم وصول مالك الذي أومأ برأسه.. 
فنهض أرسلان وما زالت نظراته تخترقها:
_نوَّرتي مصر يا نارين، مكنش له لازمة نارين، كفاية نار واحدة. 
ضحكت على مشاكسة أرسلان: 
_يبدو أن عمَّك لذيذ. 
_عمِّي مين..أرسلان؟  
_نعم..هل يوجد عندك آخر؟. 
_مش فاكر؟! 
_تمزح معي؟
_لماذا أتيتي دارين، ومن أين أتيتي بعنواني؟.
_علمت أنَّك بالمشفى، جئت اطمئنُّ عليك. 
_من أين أتيتي بعنواني؟.لا أحد يعلم. 
ارتبكت قليلًا، قطع حديثهم وصول آسر وبلال: 
_مرحبًا تالين. 
_لست تالين، دارين أو نارين.
_يا ستِّي ما دقيش، كلَّها قافية.. 
وبعدين ليه الإسمين، إنتي شغَّالة في الإنتربول؟ 
رمقه يوسف بالصمت..
_نوَّرتينا دارين، لا تنزعجي من ضي 
هي لم تقصد إهانتك. 
_أنا لم انزعج، لأنني علمت شخصيتها. 
_شخصيتها..تمتم بها بلال باستنكار، ثم استند على الطاولة، وهو ينظر إلى يوسف:
_هيَّ فهمت كلام دارين غلط، يعني بتقولها أنُّكم قاعدين في شقَّة واحدة، طبعًا دارين معرفتش تعبَّر كويس، غلطت في التعبير، بدل ما تقول مستشفى، قالت منزل. 
اعتدل يوسف بجلسته: 
_مش فاهم؟. 
قصَّ له بلال ما حدث على طاولة الطعام. 
التفت اليها: 
_منزل إيه؟. 
_لم أقصد هذا، انزعجت من حزنها، لم أكن أقصد. 
توقَّف يوسف يشير للخادمة التي وصلت إليه سريعًا:
_خليكي مع دكتورة دارين، ثم قال:
_السواق هيكون معاكي، المكان اللي عايزة تزوريه في مصر.
_ألم تأتي معي؟. 
_لا...لم أستطع، غير ذلك أنَّنا لم نخرج سويًا قبل ذلك، فهل سنخرج سويًا ببلدي وأمام زوجتي، لا أريد أن أزعجك، ولكن إذا تطوَّر الأمر، فهنا الكثير من الفنادق، أعلم أنك أتيتي بزيارة إلى مصر وليس لي، ورغم ذلك استقبلتك بمنزلي، لكن ليس على راحة زوجتي، هل فهمتي دارين؟. 
نهضت من مكانها: 
_أعتذر يوسف، لم أقصد إزعاج أحد، إنَّني سأرحل اليوم، لا تنزعج.
_كما تريدين. 
قالها وتحرَّك متَّجهًا إلى منزل يزن. 
مضى عدَّة أيام والوضع هادئ إلى حدٍّ ما، كانت تتجنَّب الجلوس معه، وهو كذلك كان يهرب حتى لا يضعف أمامها، حمد ربِّه كثيرًا أنها تهرب كما يهرب. 
ذات مساء كانت جالسة بالحديقة، اقتربت منها دارين:
_هل أستطيع الجلوس؟. 
أشارت إليها، بعدما وجدتها ترتدي بنطال طويل، وفوقه جاكيت ثقيل إيضًا. 
_أعتذر منك، لم أرد إزعاجك، يوسف شخص عزيز. 
كانت تستمع إليها بصمت، مدَّت يدها:
_هل قبلتي اعتذاري؟. 
أومأت ضي دون تحيَّتها، سحبت يدها وقالت: 
_أين يوسف؟.أشارت إلى كوبٍ بيدها: 
_أعددت مشروبه، تعلمته منه
نظرت للكوب بيدها ثم قالت:
_مشروب إيه دا؟. 
ابتسمت بخبث:
_أعتذر منك، هذا له...لو أعجبك أفعله لك.
وضعت الكوب وأخرجت هاتفها، أعتذر هذه مكالمة خاصَّة. 
قالتها وانسحبت، نظرت ضي للكوب الحراري الذي أمامها، ثم مدَّت يدها 
وفتحته وكادت ان تلقيه أرضًا، ولكن تراجعت ورفعته تتذوَّق بعضه لتعلم بما يحتويه. 
أعجبها طعمه كثيرًا خليط من حبيبات القهوة واللبن، ارتشفت منه البعض.. تتذكَّر ميل يوسف إلى أنواع هذه القهوة. 
عند دارين.. 
_نعم موسى أجننت؟!. 
_عملتي إيه؟
_أعددتها وكنت ذاهبة إليه، ولكنَّك أوقفتني. 
_بعدما يتناولها تخرجين أسمعتي؟..لا تبقين في هذا المنزل، ولكن أخبريهم الآن قبل تناوله القهوة..مفعولها لم يظهر سوى بعد عشر ساعات، وضعي الكمية المطلوبة 
أغلقت الهاتف وشردت بكلماته، للحظة توقَّفت لا تريد أن تعطيها إليه، ودَّت لو أذاقتها لتلك المتخلِّفة كما ادَّعت، التفتت متجهةً إلى ضي،  توقَّفت وهي تراها ترتشف من الكوب، تبسَّمت بخبث تهمس لنفسها:
_أردتك تتناوليها، ليتني زدت المفعول، إنَّني غبية حقًّا، خشيت على آلام زوجكِ، لو علمت أنك التي ستتناوليه لكنت سكبت الدواء كاملًا. 
وصلت إلى ضي..
_أعجبكي؟. 
_لا...شربته استخسار في الأرض.
توقَّفت تربت على كتفها بقوة: 
_لمَّا جوزي يحبِّ يشرب حاجة أنا اللي هعملها ريَّحي نفسك.. اخرك تقعدي تاكلي وتقولي شكرا 
قالتها وصعدت دون حديث، بينما الأخرى تراقبها تتمتم:
_كيف لي أنتظر عشر ساعات لأراكي تموتين أمام عينيَّ أيتها المتخلِّفة.
مساءً.. 
كان جالسًا بشرفة غرفته، ينظر بشرود، يتذكَّر أيام حياته، منذ أن أدرك مفهومها، استمع إلى طرقاتٍ خفيفة، ثم دخول والده: 
_عامل إيه؟. 
رفع نظره لوالده، وابتسم ساخرًا:
_حمد الله على السلامة يا باشا.
جلس بمقابلته: 
_عامل إيه رد على سؤال أبوك. 
انحنى بجسده ينظر لمقلة والده:

_برافو إلياس باشا، بس وانتَ فرحان بإنجازك، تأكَّد إنك بتكسرنا إحنا الاتنين، كان الأولى تقولِّي إنتَ عايز إيه، لكن دايمًا اللي حضرتك عايزه هوَّ اللي لازم يمشي.
نظر لابنه بصمت، ثم  قال:
_قصدك إيه؟. 
عاد بجسده ينظر للخارج:
_على قرارتك اللي بتخنقني، رغم إنك عارف مش موافق، أصرِّيت وحطِّتني تحت الأمر الواقع،  لحدِّ إمتى هتعاملني على إني طفل، إمتى هاخد قرارت حياتي بنفسي، قولت لك مش عايز أكمِّل، وقولت لأبوها، لكن أنتوا مصرِّين تدفنوني بالحيا، ودا ليه.. علشان قرارك لازم هوّّ اللي يمشي. 
توقَّف إلياس فجأةً واتجه إلى باب الغرفة:
_كرة هبعت أجيب المأذون، التفت إليه برأسه:
_يبقى طلَّقها يابن إلياس، ما دام مقهور أوي كدا، بس قبل ما تمضي على ورقة طلاقها للمرّّة التانية، يبقى اعرف إن ليك أب مستعد يفديك بروحه، مش علشان قراره بس اللي يمشي..توقّّف ثم استدار بكامل جسده: 
_وأنا لو مكانها، والله ما أفكَّر فيك، مبحبِّش الراجل الضعيف اللي بيهرب، الراجل الصح بيواجه ويدوس على وجعه يا بن إلياس، بس الغلط مش عندك، الغلط عند أبوك اللي فكَّرك راجل. 
ضحك يوسف بسخرية حتى أدمعت عيناه:
_ابنك مش راجل، نصيبك بقى يا إلياس باشا، الأول قولت عليَّ غدَّار وخاين، إزاي تغدر ببنت عمَّك، ودلوقتي بقيت مش راجل.
وصل إليه إلياس بخطوة واحدة واحتوى وجهه بين راحتيه يضغط عليه بقوة آلمت كليهما: 
_متقولش على نفسك كدا يا متخلِّف، إنتَ راجل وسيد الرجالة كمان، أوعى تقلِّل من نفسك أبدًا..أبدًا سمعتني؟. 
قالها إلياس وهو يسحبه لأحضانه بقوة، لينهار يوسف بين ذراع والده، يكتم دموعه: 
_بابا أنا تعبان، مش عايز أقعد هنا، علشان خاطري لو ليَّا خاطر عندك مشِّيني من هنا أنا بموت هنا. 
أغمض إلياس عيناه بألمٍ وهو يضمُّه بقوة كأنه سيُسحب من بين ذراعيه، ثم أبعده قليلًا:
_من إمتى وإنتَ ضعيف كدا يا يوسف، عايزك تدوس على وجعك وتعيش. 
نظر إليه بتدقيق:
_لو مش عايز ضي خلاص، هتكلِّم معاها، المهمّ تبقى مرتاح 
ابتعد عن والده يحاول أن يزيل ضعفه:
_أنا عايز أرجع البلد اللي كنت فيها، عرفت إنك موقّّف الباسبور ليه، عملت كدا ليه؟. 
نهض إلياس ونظر إليه:
_لمَّا تخفّ يبقى نتكلِّم.
_أنا بقيت كويس. 
_لمَّا تخفّ يا بن إلياس...قالها وغادر المكان. 
بعد عدَّة ساعات.. 

دلف للداخل يبحث عنها، لم يجدها. اتَّجه ببطء نحو غرفة الملابس، كلُّ خطوة كانت تُثقلها الآلام بسبب مجهوده الزائد 
فتح الباب بهدوء..وهنا تجمَّد وهو يراها..
تقف أمام المرآة، منشغلة بما تفعله، ولم تكن تراه، انزلقت عيناه عليها دون إذن، يتأمَّلها بصمتٍ ثقيل…
ترتدي منامة سوداء تنساب على جسدها بنعومةٍ خادعة، تُظهر وتُخفي، تُثير وتستفز…كأنها خُلقت خصِّيصًا لتعذِّبه.
قطع أفكاره صوتها، وهي تحدِّث نفسها:
_لا دي مكشوفة…هيفكَّر بغريه.
ابتسم رغم ألمه…ابتسامة خافتة، متعبة لكنها حقيقية.
تابعها وهي تبحث بين ملابسها، حتى توقَّفت عند بيجاما زرقاء، رفعتها أمامها برضا:
_دي أحلى رغم إني مبحبِّش البيجامات.
ثم…حدث ما لم يكن مستعدًّا له.
ببساطة، وبلا أي تردُّد نزعت تلك المنامة، لتصبح عارية
تجمَّد قلبه قبل جسده.
ثانية واحدة فقط، كانت كفيلة بأن تُشعل كلَّ شيءٍ داخله.
ابتعد فورًا، كأنَّ نارًا لامسته، أدار وجهه سريعًا، يتنفَّس بصعوبة، يحاول النجاة من نفسه، لا منها.
أغمض عينيه بقوة، لكن صورتها لم ترحل.
ظلَّت معلَّقة بالذاكرة.
عاد للخلف، ينسحب بخطواتٍ ثقيلة نحو الفراش، وجلس عليه وهو يلهث، يمرِّر يده على وجهه بعصبية، يحاول محوها من ذاكرته…ويفشل.
همس لنفسه، بصوتٍ متحشرج:
_هيَّ بتجنِّني…ولَّا أنا اللي خلاص فقدت عقلي؟
ماذا يفعل بين جنونها، واشتياقه، كلُّ شيءٍ بدأ ينكسر داخله.

خرجت وهي ترفع خصلاتها إلى أعلى في حركةٍ حاولت أن تبدو عادية، لكنها كانت تخفي ارتباكها، توقَّفت لحظة عند عتبة الغرفة، ونظرت إليه…كان جالسًا على الفراش، غارقًا في شروده، لم يشعر بوجودها.
انزلقت عيناها دون قصد إلى صدره العاري، فارتجف شيءٌ خفيّ داخلها، لكنها استدارت سريعًا، تهرب من ضعفٍ يوشك ضعفها.اتجهت إلى الأريكة، فردتها ببطء، ثم تمدَّدت فوقها، توليه ظهرها.
بعد لحظات، شعر بها..التفت نحوها، يتأمَّل انكماشها فوق الأريكة، ثم أغمض عينيه بقوة، من صورتها التي لم تغادره…كانت تحاصره، تتسلَّل إلى أنفاسه، تسيطر على عقله.
قبض يده بقوة، حتى ابيضَّت مفاصله. يحدِّث نفسه: لابد أن ترحل…لابد أن تبتعد…
كان يردِّدها كأنه يحاول إقناع نفسه بشيءٍ لا يريده.
نهض فجأة، أنفاسه متلاحقة، واتجه إلى غرفة الملابس..توقَّف عند الباب لحظة، وهو يتخيَّل طيفها أمام الخزانة…كلُّ تفصيلة فيها كانت كفيلة بأن تهدم ما تبقَّى من صموده.
تحرَّك دون وعي، فتح الخزانة ببطء، فوقع نظره على منامتها..مدَّ يده، سحبها بحذر، مرَّر أصابعه عليها، ينظر إليها ويتخيلها بها…وقلبه يصرخ بصمت.
كيف لشيءٍ يلامس جسدها…غيره؟
رفعها إلى أنفه، استنشق عبيرها بعمق، فأغمض عينيه، وكأن تلك الرائحة وحدها قادرة على تهدئة العاصفة داخله…أو ربَّما إشعالها أكثر.
بحث بعينيه بين أغراضها…لم يجد شيئًا قديماً، شيئًا يعود لهما معًا.
تسلَّل الحزن إلى قلبه دون استئذان، فأغلق الخزانة ببطء، وتراجع، يسحب كنزته بعشوائية، يحاول الهروب من المكان، أو منها، أو من نفسه.
عاد إلى الغرفة، وتوقَّف أمام الأريكة.
شعرت بوجوده، بثقل أنفاسه، بصمته أيضًا.
استدارت ببطء، نظرت إليه بعينينِ مرهقتين، تخفيان أكثر ممَّا تُظهران، وقالت بنبرةٍ باهتة، لكنها تحمل ما يكفي من التعب والوجع:
_نعم…لو عايز تضايقني، مش وقته، أنا تعبانة وعايزة أنام.

تحرَّك دون أن ينطق، كأنَّ الكلمات خانته. 
تنهَّدت وهي تفرك جبينها بإرهاق، ثم رفعت عينيها تراقب جلوسه…ذلك الجمود الذي يكسوه كان يؤلمها أكثر من أي صراخ.
نهضت ببطء، وتحرَّكت نحوه.
انحنت تجذب كنزته، تحاول أن تساعده في ارتدائها، لا تعلم أتريد مساعدته فقط أم قربه وملامسته، في لحظةٍ واحدة، جذبها إليه.
شهقت، وارتجف جسدها بين ذراعيه:
_يوسف…وسَّع.
اقترب أكثر، وقال بصوتٍ منخفض لكنه مشحون بما يكفي ليزلزلها:
_ليه يا مراتي، هوَّ إنتي مش مراتي؟
تمتم بها بارتجاف قلبه، وكأنه يتذوَّق كلمة دفنها منذ زمن.
رفعت عيناها فارتبكت، وتعثَّرت الكلمات على شفتيها لتهمس بضعفٍ من هذا القرب:
_أيوة مراتك…بس..
وضع إصبعه على شفتيها، يسكتها، وعيناه تغوصان فيها بحدَّة:
_مفيهاش بس.
صرخ قلبها داخل صدرها، نبضه يتسارع بجنون من قربه، من لمسته، من تلك النظرة التي تحفظها
وفي لحظة ضعف منهما، سحبها إليه أكثر.
أغمضت عيناها تحاول أن تسيطر على تلك الرجفة، ورغم ذلك وضعت كفَّيها على صدره تتلمَّس جرحه، تكوّّرت الدموع بعينيها، وهي تتخيَّل أنها كادت أن تفقده. 
كان يراقب كل حركةٍ بها، وصل لمرحلة اللاعودة، ورغم محاولتها بإبعاده عنها إلَّا أنه أرادها بشدَّة، سنة ونصف يكتوي بنيران البعد والاشتياق.
لمستها لجرحه كانت آخر ما تبقَّى من صموده، ليقرِّبها أكثر، وهي كانت أكثر المرحِّبين...دفنت رأسها بصدره، وتمنَّت أن يتوقَّف الزمن بهما هنا، هنا فقط، أغمض عيناه يستمتع بأنفاسها الناعمة على صدره.
ولكنَّه أفاق من سكرة ضعفه حين
همست، بالكاد وصل إليه:
_يوسف الكلام اللي قولته قبل كدا مش حقيقي؟ أنا متأكدة إنك بضَّايقني وبس. 
رفعت رأسها تغوص في عينيه:
_بضَّايقني صح، إنتَ مستحيل تفكَّر تكسرني كدا...أنا مش قدِّ كسرك ليَّا. 
عادته لأرض الواقع، وليتها لم تفعلها..
رمقها ببرودٍ مستفز:
_كلام إيه؟
تلعثمت، وصمتت لحظة، ثم أنزلت عينيها إلى الأرض، تبتلع ريقها بصعوبة:
_إنك اتجوزت…
رفعت عينيها إليه مرةً أخرى، وقد تجمَّعت الدموع فيها، تلمع بوجعٍ صادق:
_بتقول كده علشان تحرق قلبي؟
تعمَّق نظره داخل عينيها:
_ ليه مكمَّلتيش جوازك؟ مش كنتي عايزة تتجوزي…وتجيبي يوسف علشان يفكَّرك بأسوأ أيام حياتك؟
ارتخى جسدها بين ذراعيه، كأنَّ قوتها خذلتها فجأة:
_إنتَ عارف إني بحبَّك ومستحيل أعملها، أنا كنت بقول كلام وخلاص.
كرَّرها ببطء، بنبرةٍ تحمل مرارة قاتلة:
_كلام وخلاص..
ابتسم بسخرية موجوعة، وعيناه تفضحان عشقه إليها:
تعرفي الكلام والخلاص ده…موِّتني.
اهتزَّ صوته رغم محاولته التماسك، و كلماتها القديمة ما زالت تنهش داخله حتى الآن.
رفعت أناملها المرتجفة، ولمست وجهه بحذر:
_قلبي كان محروق منَّك، وكنت عايزة أحرق قلبك وبس.
ضحك بمرارة، أقرب للانكسار:
_تحرقي قلبي؟
همست باسمه، برجاءٍ مكسور:
_يوسف…
أشار إليها بالصمت، ثم قال، بصوتٍ خافت…لكنه كان كفيلًا بأن يحطِّمها:
_يوسف مات في الحادثة، إنتي قتلتيه. اللي قدَّامك ده، بقايا إنسان، مش فارق له الحياة، وبإيدك برضو. 
تجمَّدت مكانها، وكأنَّ الكلمات صفعتها:
مكنتش أقصد….
أبعد ذراعيه عنها فجأة، والتفت الى السرير
ألقى بنفسه عليه، يستدير بعيدًا، هاربًا منها… 
ظلَّت تنظر إليه، قلبها يرتجف بين ضلوعها.
ثم تمتمت، بصوتٍ مهزوز:
_ما رديتش على سؤالي…إنتَ فعلًا اتجوزت؟
صمت للحظة…لحظة بدت كأنها عمر.
ثم خرج صوته باردًا، قاطعًا، بلا أي شعور:
_ما يخصِّكيش…عايز أنام.
سقطت كلماته عليها كحكمٍ نهائي.
_لا يخصُّني، أنا مراتك، من حقِّي أعرف. 
اعتدل يصيح فيها بغضب:
_إنتي ما لكيش حق عندي، سمعتيني.
ارتفعت أنفاسه، واشتعل صدره من قوة مشاعره واحتياجه إليها، ليصرخ بكلماتٍ مزَّقت قلبها إلى أشلاء حين قال:
_ولو سايبك معايا في الأوضة، فدا علشان أنا عايز كدا. 
رفع كفِّه بعدما فقد آخر ذرَّة صمود، وحرَّكه على جسدها بجرأة:
_زي ماقولت لك أنا راجل ومحتاج لست. 
انزلقت دموعها بلا توقُّف، تنظر ليده التي تستبيح جسدها: 
_قصدك متعة، عايزني متعة يا يوسف. 
رغم انهياره الداخلي من حالتها: 
_اه.. أومال أنإ وافقت انك تبقي معايا،وانتي  لجاية ورايا ليه، عايزة منِّي إيه بعد اللي قولته، حطِّتيني قدام الأمر الواقع ليه وإنتي عارفة أنا رافضك.
لمس وجنتيها وهمس بصوته الأجش:
_مش علشان تقرَّبي مني، وحشتك صح؟. 
قالها وهو يمرِّر أنفه على وجهها، متغاضيًا دموعها التي أغرقت وجنتيها.
أغمضت عيناها وأنفاسه الحارَّة تضرب عنقها، سحبت نفسها من بين ذراعيه بصعوبة، وابتعدت تجرُّ أذيال خيبتها: 
_رايحة فين؟. 

اتجهت إلى غرفة نومهما  بخطواتٍ متثاقلة، وكأنَّ كل خطوة تنتزع جزءًا من روحها..وقفت أمام المرآة طويلًا، تتأمَّل انعكاسها بعيونٍ دامعة، ثم بدأت تنتقي أجمل ما لديها، وكأنها تتهيأ لمعركةٍ لا لقاء، أضافت لمساتها بعناية، حتى بدت كأيقونة أنوثة صارخة…لكن عينيها فضحتا كلَّ شيء.
توقَّفت فجأة، تمسح دموعها بعصبية، وكأنها تغضب من ضعفها، من قلبها الذي لم يتعلَّم القسوة بعد، رفعت أحمر الشفاه القاتم، ومرَّرته بثباتٍ زائف، وكأنها تكتب نهاية مأسوية، بينما دموعها تأبى أن تتوقَّف… تدعو الله بصمت أن يرفض ما تنوي فعله، أن ينقذها من نفسها، لأنها تشعر أن روحها تُنتزع منها ببطء.
سحبت نفسًا عميقًا، أخرجته بصعوبة، ثم استدارت وغادرت متجهة 
في الخارج…كان يقف في الشرفة، عاري الصدر، يواجه برودة الليل بسيجارٍ مشتعلٍ بين أنامله، وكأنه يعاند شيئًا داخله. 
اقتربت خطوة تلو الأخرى، حتى توقَّفت خلفه مباشرة.
_ يوسف…
أغمض عينيه بقوة..مجرَّد سماع صوتها كان كفيلًا بأن يقيِّد كل ما حاول بنائه من صمود، حين لمست ظهره، ارتجف جسده…استدار إليها، وليتَه لم يفعل.
تجمَّد للحظة، عيناه تلتهمان تفاصيلها بذهولٍ صادم…من عينيها المرهقتين خلف الزينة، إلى شفتيها الملطَّختين بالأحمر كصرخة، إلى عنقها الذي يحمل اسمه، وصولًا إلى ذلك القميص الذي كشف أكثر ممَّا أخفى…لم تكن مجرَّد امرأة أمامه، بل كانت كلَّ ضعفه مجسَّدًا.
تسارعت أنفاسه، وارتفع صدره بعنف، بينما قلبه يطرق أضلعه، ارتجفت شفتيها، خوفًا… ممَّا قد يحدث من تلك النظرة التي تعرفها جيدًا، والتي لا تأتي إلَّا حين يفقد السيطرة.
مدَّ يده ببطء، ولمس وجنتها، فأغمضت عينيها، وفي تلك اللحظة لم يعد هناك صوتٌ للعقل.
ضجَّ القلب، وارتفع نبضه حد الاختناق، كأنَّه يصرخ بما كُتم طويلًا وبانهيارٍ صامت، سقط آخر حاجزٍ بينهما، لتتحول ليلتهم،الى مشاعر انفجرت دون ااسيطرة، فلم تكن عادية…كانت ثورة مشاعر انفلتت من عقالها، اشتعلت بلا إذن، وفضحت كلَّ ما دُفن خلف البرود والتجاهل..تقاربا كأنهما للاول مرة يتقابلان
اشتعلت الصدور بما تخفي، ثم فجأةً عاد الصمت أشدُّ قسوة.
هدأت الأنفاس، لكن القلوب ظلَّت في حالة غليان…لم يقوَ على التراجع، ولم تقوَ هي الأخرى.  
مرَّت الدقائق كأنها ومضة، رغم طولها.
بعد فترة شعر بألمٍ يقبض على قلبه، شعور مرير بالضعف عن الابتعاد.. لايريد أن يبتعد
كيف انكسر هكذا، كيف خذله صموده أمامها؟
غرق بعينيها للحظةٍ أخيرة، يقسم داخله أنه يذوب فيهما، وأنه لولا ما يحمله بداخله، لكان غرق بها أكثر، بلا ندم.
لكنه انسحب فجأة، تراجع بعنف، كأنمَّا يجلد نفسه.
أنفاسه تعلو وتهبط كطبول حرب، قبضته تنغلق بقسوة، وعيناه تشتعلانِ بصراعٍ لا يُحتمل
كان يحترق من نفسه، منها، ومن كل ما حدث.
أمَّا هي فوقفت تراقبه.
تراقب تردُّده، قسوته على نفسه، ذلك الصراع الذي ينهشه، وكأنه يعاقب ذاته ألف مرَّة لأنه لم يستطع أن يبتعد.
لم تتردَّد للحظة، تنحَّى كلَّ شيء، 
اعتدلت ببطء، تسحب الغطاء حول جسدها، وبداخلها تخشى تحوُّله وقسوته الذي يحاول أن يرسمها، أغمضت عينيها لحظة، تتمتم بدعاءٍ خافت، لعلَّ ما حدث يرجعه إليها دون ألمٍ لها. 
_ يوسف…
همست باسمه الذي خرج منها بتردُّد، يحمل رجاءً.. 
أغمض عينيه هو الآخر، وكأنَّ صوتها صار عبئًا لا يحتمله…نبرتها الشجية كانت تحرق ما تبقَّى من صموده.
تردَّدت يدها قليلًا، قبل أن تمتدَّ نحوه، لا تريد أن يبتعد، ليس بعد أن شعرت به بهذا العشق وهي بين ذراعيه.
ألقت ما تبقَّى من كبريائها جانبًا، وأسندت ذقنها على كتفه، هامسةً بصوتٍ مرتجف: 
_ رغم اللي قولته…بس كنت واحشني أوي.
أدارت وجهه برفق، تغرق في عينيه البنيتين، كأنها تبحث عن عشقه إليها الذي كانت تشعر به منذ قليل..
_ يوسف…أنا مش عارفة أعيش من غيرك، قلبي بيوجعني ومتأكدة إنك بتحس زيي.
للحظة…فقط لحظة، بدا وكأنه سيلين..
لكن أصابعه ارتفعت، ووضعت على شفتيها تُسكتها 
تبدَّل وجهه، و عاد ذلك البرود الذي كان يرسمه خلال الأبام الماضية.

وأشار بجمود نحو الأريكة البعيدة: 
_ ارجعي مكانك…مهمِّتك خلصت الليلة.
شهقة خرجت منها دون إرادة، كأنَّ سكِّينًا باردًا انغرس في صدرها. اتَّسعت عيناها بصدمةٍ موجعة، تنزف دون دم…لكنه لم ينظر.
نهض، يلتقط ملابسه ببرودٍ قاتل، وكأنَّ ما حدث لم يكن إلَّا لحظة عابرة 
_ طبيعي في الوقت ده نقول كلام غصب عنِّنا…فاهمة قصدي طبعًا، أنا كنت صريح من الأول…قبل ما أقرَّب منِّك..إنتي اللي وافقتي.
كلُّ كلمة كانت تسقط عليها كحجر، تثقل صدرها أكثر، لتختنق أنفاسها.
_ آسف…مفيش حاجة في إيدي أدهالك غير كده، ومتقلقيش مش هحتاجك كتير، كام ليلة وهسافر تاني.. إنتي اللي أصرِّيتي إنك تفضلي مراتي. 
ذهول…ألم…انكسار.
مشاعر متراكمة اختلطت حتى صارت كتلة واحدة تضغط على قلبها حتى كاد يتوقَّف.
وقفت مكانها، لا تقوى على الحركة، ورغم ما شعرت به إلَّا أنه زاد قسوة حين
التفت إليها، وعيناه تمرَّان على جسدها بنظرةٍ جرَّدتها من كلِّ شيء، من روحها قبل أنوثتها.
_ إنتي جميلة، وأي حد ميعرفش يقاومك الصراحة..حاولت لكن مقدرتش، حتى إنتي ما حاولتيش تمنعيني. 
مرَّر أنامله على عنقها ولم يرحم حالتها: 
_ضعفت منكرش، رغم حاولت، إنتي جميلة أوي يا ضي، أوي. 

هنا لم يعد الألم مجرَّد شعور، بل إهانة.
صفعة لم تُسمع، لكنها دوت داخلها بعنف.
ارتعشت شفتيها، وعيناها امتلأتا بدموعٍ حارقة…لكنها هذه المرَّة لم تمسحها.
وقفت أمامه…مكسورة، نعم، صمتها وهو يحرِّك أنامله كأنه يستبيح قلبها قبل جسدها..
لم يكن ضعفًا بقدر ما كان لحظة سقوط كلِّ شيء بداخلها.
لم تعد ترى فيه ذلك الرجل الذي أحبَّته، 
بل غريب، قاسٍ، ينهش ما تبقَّى منها دون رحمة.
نظرت إليه علَّها تجد نظرة اعتذار أو طلب الغفران، لكنه كان متقن لحدِّ الألم.
_ياالله…ليتك حرمتني البصر والسمع، ولا أن أرى نفسي وسقوطها أمام أحد.
لم تقوَ على الصمود أكثر من ذلك.. 
انفجرت دموعها دون قدرة على كبحها، تنساب بغزارة كأنها تغسل ما تبقَّى من روحها..لكنها مسحتها بعنف، بعنفٍ كاد يمزِّق جلدها، كأنها تعاقب نفسها…أو تحاول اقتلاع ذلك الضعف من جذوره.
لم تصرخ، لم تعاتبه، فقط انحنت، تلتقط ملابسها بصمتٍ قاتل، صمتٌ كان أشدُّ وقعًا عليه من أي كلمة.
ارتدتها بآلية، جسدًا بلا روح، ثم تحرَّكت نحو الحمَّام…وأغلقت الباب خلفها.
ظلَّ واقفًا مكانه، يحدِّق في الفراغ الذي تركته، وكأنها انتزعت شيئًا منه ورحلت به.
مرَّ الوقت بطيئًا، ثقيلًا، خانقًا.
كلُّ دقيقة كانت تنهشه.
رعبه عليها بدأ يكبر و يتضخَّم في صدره حتى كاد يخنقه.
اقترب من الباب مرَّة، ثم تراجع.
رفع يده، ثم أسقطها.
وهو يريد أن يحطِّمه، أن يقتحمه…أن يطمئنَّ عليها بأي شكل.
لكنه أضعف أو أجبن من فعل ذلك.
تنهَّد بعمق، حين سمع صوت الباب يُفتح.
خرجت خصلاتها مبلَّلة، وجهها شاحب، وعيناها فارغتان من أي شيء..لم تنظر إليه.
لم تتوقَّف..تجاوزته كأنَّه لا شيء.
اتَّجهت إلى الأريكة، وتمدَّدت عليها، ثم أغلقت عينيها، تهرب من العالم كلِّه.
ظلَّ يراقبها، حتى هدأت أنفاسها.
حتى سكنت حتى نامت.
تحرَّك واقترب منها ببطء، يخشى أن يوقظ ألمها مرةً أخرى. 
جلس على ركبتيه أمامها، قلبه يئنُّ بصمت.
مدَّ يده، يرفع خصلاتها بحذر، بحنانٍ 
لكنه تجمَّد، اتَّسعت عيناه بصدمةٍ أفقدته أنفاسه..لم يكن يتوهَّم، ولم يكن خيالًا.
مدَّ أنامله المرتجفة، يلمس جروحها ليتأكَّد.

هو من أوصلها إلى هذا.
شهق بصمت، ثم حملها فجأة..
وضعها على الفراش، يتحرَّك بجنون، يبحث عن أي شيء، أي مرهم، أي شيء يخفِّف ما سبَّبه لها..ولكن هل جروح الروح تشفى، وقعت عيناه على المهدِّئات التي تناولتها..رفع الدواء وكاد يجن ممَّا فعله بها، لم يتوقَّع منها ردَّ فعلٍ كهذا.

عاد سريعًا إليها، جلس أمامها، ويداه ترتجفان وهو يضع الدواء على جروحها، جروح لم تكن في جسدها فقط…بل فيه هو أيضًا.
انحنى، يدفن وجهه في عنقها، ويقبل ماجنته يداه بها، لقد شوهت نفسها، شوهت اسمه الذي رسمته بسعادة، الان دفنه بكل جبروت، اقتنص سعادتها التي كانت بين يده منذ قليل
كيف ينجو من عقاب قلبه الذي يدمي عليها، انفجرت دموعه:
_ أنا عملت فيكي إيه!.
همست باسمه كأنه يراود أحلامها.
رفع رأسه فورًا، يمرِّر يده على شعرها بحنانٍ مرتعش:
_ ضي…افتحي عيونك.
لكنها لم تفعل، كانت تهرب، تهرب منه ومما حدث لها
_ ضي…افتحي عيونك يا حبيبتي.
لكن لا استجابة.
فقط صمتٌ ثقيل..وأنفاس بطيئة.
تمدَّد بجوارها، وسحبها إلى حضنه،  يحاول أن يعيدها للحياة بين ذراعيه.
مرَّت أصابعه على جروحها، فخرج منه أنين مكتوم: 
_ آااه…
شدَّها إليه بقوة، غير عابئ لآمه، يكفي احتراق روحه، شدد وشدد، كأنها ستضيع منه إن تركها.
_ أنا عملت إيه…أنا عملت إيه…
في الصباح…
فتحت عينيها بصعوبة.
رأسها يثقلها..الألم يفتك بها.
نظرت حولها بتشوُّش، الغرفة، الفراش..
اعتدلت ببطء، وجسدها يحتجُّ على كل حركة.. تذكرت مااصابها بالأمس، انسابت دموعها، دفنت رأسها في وسادته، تضرب بكلتا يدها
_ليه بتقتلنا احنا الاتتين، ليه يايوسف، استمعت الى طرقات ثم
دخلت الخادمة بهدوء: 
_ مدام ضي..الباشا عايزك تحت.
أومأت دون كلمة.
نهضت، وكأنَّها تحمل فوق كتفيها جبالًا، واتَّجهت إلى غرفة الملابس… سحبت أول ما وقعت عليه يداها، وارتدته بلا اهتمام.
هبطت الدرج ببطء…
قابلتها ميرال، وبمجرَّد أن رأت وجهها، تجمَّدت ابتسامتها: 
_ مالِك يا بنتي؟
_ مفيش…شوية صداع.
نظرت لها ميرال طويلًا، ثم ربتت على ظهرها بحنان: 
_ عمِّك عايزك..شوفيه عايز إيه.. وهخلِّي البنات يجهِّزوا فطار كويس… يوسف عند بلال في جلسة علاج، وزمانه راجع…مفطرش برضه.
اسمُه مرَّ كطعنة..لكنها لم تُظهر شيئًا.
تحرَّكت دون رد.
وقفت أمام الباب…
_ ادخلي.
دخلت بخطواتٍ واهنة، حتى جلست أمامه بهدوءٍ يناقض العاصفة بداخلها.
رفع نظره إليها…نظرة حادَّة، فاحصة: 
_ احكيلي يا ستِّ المناضلة..عملتي كده ليه، هوَّ أنا مش حذَّرتك؟
استندت على المكتب بذراعيها، نظرت إليه وعيناها كانت تحيط بهما غمامةً سوداء، فراغ مرعب، ورغم ذلك تكلَّمت:

_عملت إيه..وحضرتك عملت أيه، وبابا عمَّلي إيه، فيه حد فيكم حس بيَّا الفترة اللي عدِّت، فيه حد فيكم حس أنا كنت عايشة إزاي، أبويا نفسه اتبرَّى منِّي، ودا ليه؟.
_أيوة ليه، مش علشان أخطائك، طلبتي تقعدي لوحدك وقعدتي رغم رفضنا ولا كأنِّك مقطوعة من شجرة، اشتغلتي مذيعة رغم رفضي، بس قولت من حقَّها، رحتي اتخطبتي لواحد وكنتي مصرَّة تتجوزيه علشان تبيِّني إنك اتخطِّيتي جوازك الأول، وفي الآخر روحتي أوهمتي الكل إنِّي طلبت منك كدا، ورحتي ضغطي عليه، رغم إنِّك عارفة ظروفه. 
ناقص إيه يا بنت أخويا متعملش؟.
_إنِّي أعيش يا عمِّي، عايزة احس اني عايشة، أنا كلِّ يوم حياتي بيتسرق منها جزء، ومعرفش ليه، عملت أيه للألم دا كلُّه؟. 
_ألم..قالها بسخرية ونهض من مكانه واتَّجه يجلس بمقابلتها: 
_إنتي اللي واجعة نفسك، إنتي اللي حاطَّة نفسك في الوجع دا، خلاص انسي الماضي وعيشي، اعتبري نفسك اتجوزتي الشخص اللي كنتي عايزاه، كنتي هتتعاملي إزاي؟. 
زاد الدوار بها، تنظر إليه بتيه وألم، ردَّت بخفوت:
_مكنتش ناوية أكمِّل الجواز متخافش، كنت بعمل كدا علشان أنتـ قم من ابنك.
_وأديكي انتقمتي وكان هيموت، كنتي هتبقي سعيدة لو مات؟. 
صمتت وانزلقت دمعة تحـ رق وجنتيها: 
_حضرتك عايز إيه دلوقتي؟.
_تبعدوا عن بعض، خلاص مبقاش ليكم نصيب في بعض.
أومأت له بصمت: 
_حاضر..موافقة، هبعد مادام هترتاحوا.
_ضي..أنا مش عايز يوسف يأذيكي، متفكَّريش بعمل كدا علشانه، إنتي بنتي قبل ما تكوني بنت أخويا. 
رفعت عيناها التي ما تت بها الحياة:
_لا يا عمُّو أنا مش بنتك، ولو على يوسف هوَّ مش بس أذاني هوَّ مو َّتني.
كان يراقب حالتها بقلبٍ يتألَّم من أجلها.
نهضت ببطء وهي تقول: 
_أنا هريَّح الكل، أنا لازم أريَّح الكل. 
فتحت الباب وجدته أمامها، ضعفت نظراتها وتلاشى جسدها، ورغم ذلك تشبَّثت بالباب وهمست بأنفاسها التي تهرب منها: 
_خلاص حرَّرتك يا دكتور، شيلت الحبل من حول رقبتك، ودلوقتي إنتَ حر
حتى لو اتجوزت كلِّ يوم مبقاش يفرق.  هنا لم تعد تستطع الحديث، ثقل كل شيءٍ بها وهوت فجأةً بجسدها يضرب الأرض في حالة ذهول كلًّا من إلياس ويوسف، الذي نظر إلى وجهها الشاحب بشفتينِ تحوَّل لونها للأزرق، ليسقط بركبتيه أمامها، يفحص جسدها بلهفة: 
_إسعاف يا بابا بسرعة، ضي بتموت.


تعليقات