رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السابع والستون 67 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السابع والستون 

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "

انحنى يوسف سريعًا، وركع بجوارها، يرفع رأسها على ركبتيه، وعيناه تفيض بذعرٍ لم يستطع إخفائه.
ربت على وجنتها بخفَّة، وصوته خرج مرتجفًا:
_ضي…افتحي عيونك وبصِّيلي يا حبيبتي.
تحرَّكت أهدابها بصعوبة، رؤيتها غائمة، تتلاشى ملامحه أمامها كأنها تغرق في ضبابٍ كثيف، ومع ذلك رأت خوفه..
حاولت أن تهمس باسمه:
_يو…
لكن صوتها انقطع، وارتخى جسدها فجأةً بين ذراعيه.
تجمَّد لثانية، قبل أن يلاحظ شحوبها الحاد، وبرودة بشرتها، وآثار القيء على شفتيها.
اتَّسعت عيناه، وتحوَّلت ملامحه في لحظةٍ من عاشقٍ مذعور إلى طبيبٍ يدرك الخطر.
هتف بصوتٍ حاد:
_بابا! كلِّم الإسعاف فورًا، دي حالة تسمُّم.
وصل إلياس وهو يهاتف الطوارئ، لكن يوسف لم ينتظر.
حملها بين ذراعيه، متجاهلًا الألم العنيف الذي اجتاح ظهره، واندفع بها إلى الخارج
بأنفاسٍ متلاحقة، وخطواتٍ ثقيلة، لكنه لم يتوقَّف:
_استحملي يا ضي، سامعاني، شوية بس.

وضعها في السيارة، وانطلق بسرعة جنونية..
عيناه تتنقَّلان بين الطريق وملامحها الساكنة، رأسها كان مائل، وأنفاسها غير منتظمة، وجسدها يزداد خمولًا مع كل ثانية.
همس بصوتٍ مكسور:
_ردِّي عليَّا…حبيبتي خلاص هنوصل، استحملي شوية...قالها بذعرٍ وهو يرى ما ينزل من فمها.
_ضي...لكنها لم تجب.
ضغط على المقود بقوة، وكأنَّ الزمن يتآمر ضدَّه.
ما إن وصل إلى المستشفى، حتى ترجَّل مسرعًا، وحملها من جديد، مندفعًا إلى الداخل.
هرع المسعفون نحوه بالفراش المتحرِّك، فوضعها عليه بسرعة
وبدأ يفحصها بدقَّة:
_ضغطها واطي جدًّا، بلَّغوا السموم فورًا.
صرخ بها يوسف بعجزٍ لم يعرفه من قبل:
_لازم تنقذوها!
اندفعوا بها نحو قسم الطوارئ، وهو خلفها، تكاد ساقيه تحمله بصعوبة، وكمَّ الألم الذي أصابه من حملها، ولكنَّه لم يكترث، دلف للغرفة بدخول الطبيب الذي قام بفحصها، توقَّف يتابعه وصدره يعلو ويهبط بعنف، وكأنَّ روحه ستخرج من جسده، وصل إلياس وتوقَّف جانبه: 
_مراتك مالها حبيبي، لكن عيناه كانت  شاشة المونيتور، الخطَّ الأخضر يتذبذب بشكلٍ مقلق، والنبضُ يكاد يختفي.
_ الضغط واطي جدًّا...والنبض غير منتظم.
قالها بنبرةٍ حاول أن يسيطر فيها على قلقه، بينما الطبيب المسؤول اقترب يفحصها بسرعة، يسلِّط ضوء الكشَّاف على عينيها:
_ الحدقة بطيئة..والتنفُّس سطحي.
رفعت الممرِّضة صوتها: 
_ يا دكتور، الأوكسچين بيقلّ!
_حطِّي ماسك أوكسجين فورًا...وركِّبي كانيولا تانية.
انحنى يوسف عليها، مرَّر يده على وجهها المرتخي: 
_ ضي..سمعاني؟ خدي نفس... بصِّيلي.
رمشت بصعوبة، شفتيها تحرَّكت دون صوت.
قبض على كفِّها، فانتفض من برودته:  _إيدها ساقعة جدًّا...
رفع رأسه للطبيب وقال حدَّة: 
_ فيه حاجة غلط..دي مش مجرَّد إجهاد.
في نفس اللحظة، انحنت ضي فجأة، وتقيَّأت بعنف.
تحرَّك الطبيب بسرعة:
_ لفُّوها على جنب، بسرعة!
تم تثبيتها على وضعٍ جانبي، والممرِّضة تسحب شفَّاط الإفرازات بسرعة.
اقترب الطبيب، شمَّ الرائحة الخفيفة، ثم نظر ليوسف بتركيز: 
_ في اشتباه تسمُّم.
_ أخدتوا عيِّنة؟
_ آه، تحليل سموم وغازات دم شغَّالين.
رفع الطبيب عينه لشاشة المونيتور، ثم للأشعَّة التي ظهرت على الجهاز.
تجمَّد لثانية…ثم قال بحدَّة:
_ لأ..كده الموضوع أكبر.
اقترب يوسف: 
_ في إيه؟
أشار للصورة: 
_ في تسريب هوا..احتمال ثقب في المعدة.
اتَّسعت عينا يوسف:
_ ثقب؟!
_ غالبًا مادة كاوية..وده بيهدِّد حياتها.
رفع صوته فجأة:
_حضَّروا العمليات حالًا! واطلبوا جرَّاح عام فورًا!
تدخَّل أحد الأطباء بتردُّد: 
_ بس يا دكتور، لسه نوع السم مش معروف.
قاطعه بحدَّة: 
_ مش مستني التحاليل وهيَّ بتنـزف من جوَّه! ده لازم تدخُّل جراحي عاجل.
في نفس اللحظة، صوت الجهاز ارتفع بإنذارٍ حادّ.
_ النبض بيقلّ جدًّا!
صرخت الممرِّضة بها: 
_ارفعوا المحاليل..حضَّروا نور أدرينالين!
اندفع يوسف ناحية السرير، وقال بصوتٍ خرج مكسورًا لأول مرَّة: 
_ ضي! ردِّي عليَّا..إنتي أخدتي إيه؟!
حركت شفتيها بصعوبة:
_ يو...سـ......ولم تكمل، ارتخت يدها تمامًا،و فقدت الوعي!
_ جهِّزوا أنبوبة تنفُّس حالًا!
قالها الطبيب بسرعة، بينما تمَّ إدخال أنبوبة حنجرية وتوصيلها بجهاز التنفُّس.
تراجع يوسف خطوة، بأنفاسٍ متقطِّعة، قبل أن ينفجر: 
_مراتي بتموت! مش هتستنَّى تحاليل!
نظر له طبيب السموم بثبات:
_ وإحنا مش مستنيين..بس لازم نشتغل صح.
في نفس اللحظة، دخلت الممرِّضة بالأوراق:
_ يا دكتور، النتائج الأوليَّة..مادة كاوية قوية.
خطفها الطبيب، نظر فيها سريعًا، ثم قال بحسم:
_ تمام..كده واضح.
التفت فورًا: 
_ على العمليات حالًا، جراحة استكشافية عاجلة!
تحرَّك الفريق كلَّه، ودفع السرير بسرعة ناحية الباب.
مرَّ يوسف بجوار والده، الذي كان واقفًا كالصنم، عيناه معلَّقتان بضي..
همس بصوتٍ مخنوق:
_ تسمُّم...
ردَّ الطبيب وهو يتحرَّك معهم: 
_ للأسف..وحالة حرجة جدًّا، لازم نلحقها دلوقتي.
اختفى يوسف خلفها ودلف لداخل غرفة العمليات.
بمنزل إلياس.. 
دلف مالك إلى غرفة المراقبة، يبحث في الأجهزة بعد مهاتفة إلياس له، دخلت ميرال.. 
_مالك إيه اللي حصل، مالها ضي؟. 
كان ينظر للشاشة وهو يقول:
_أُغمى عليها، ضغطها نزل متقلقيش.
اقتربت منه تنظر للشاشة: 
_أُغمى عليها ياخدوها المستشفى؟! 
وقعت أعين مالك على دارين وهي تتحدَّث بهاتفها بالحديقة، ثم التفاتها لضي وابتسامتها الخبيثة، قرَّب الشاشة ينظر لضي إلى أن ألقت الكوب الذي بيديها على الأرض، وحديثها لدارين ثم مغادرتها، انحنت دارين تحمل الكوب وتتحدَّث مع نفسها.
_فيه إيه يا مالك مالها دارين؟ هيَّ مشيت من إمبارح بالليل 
رفع رأسه إليها: 
_ممكن تسبيني أشوف شغلي، بعمل حاجات مهمَّة. 
_طيب ضي كويسة؟ بتَّصل بإلياس ويوسف ما بيرُّدوش. 
_معنديش أخبار والله، استنِّي شوية واتِّصلي تاني. 
أومأت وخرجت ترفع هاتفها تتَّصل ببلال، بينما بالداخل قرَّب مالك الشاشة محاولًا فهم كلمات دارين من حركة شفتيها، عاد بالكاميرا لداخل المنزل يتفحَّصه، لا يوجد أثر لأي شيء سيِّء، وقفت تعدُّ قهوة بسهولة ثم خرجت، مرَّة واثنتان يقلِّب بين الصور ولكن لايوجد جديد.
نهض واتَّجه إلى الإستراحة التي كانت تمكث فيها، مع ارتفاع رنين هاتفه..
_كلُّه تمام يا مالك باشا.
خلِّيك مراقبها، عينك عليها، وقت ما تروح المطار عارف هتعمل إيه. 
_تحت أمرك يا باشا. 
رفع الهاتف: 
_مفيش حاجة معينة، كل اللي ظهر إنَّها عملت قهوة إمبارح وقعدت شوية مع ضي، بس فيه حوار هبعته لك، شوفه، لأن حركات الوش بتقول القهوة فيها حاجة، بس وهيَّ بتعملها عادية، يعني مضفتش حاجة.
_ادخل شوف القهوة دي.
_تمام. 
_عملت زي ما قولت لك، حطِّيت الجهاز زي ماقولت؟.
_كلُّه تمام وهيَّ دلوقتي في شقَّة مفروشة في مصر الجديدة والشقَّة تحت السيطرة. 
_تمام..خلِّيك وراها مش عايزها تفلت من تحت إيدك، ووقت ما نوصل للحيوان تجبهم متعلَّقين مش عايز شوشرة. 
_حاضر..ضي عاملة إيه؟ ميرال لاحظت وقلقانة وسألتني معرفتش أجاوب. 
_لسة مفيش أخبار، لسة هنشوف نوع السم، عايزك تسحب يوسف عشر دقايق بأي طريقة. 
_مش فاهم ليه؟. 
_مش لازم يعرف إنَّها اتسمِّمت، التحاليل لازم تتغيرَّ.
_بس مش هيصدَّق... 
_اعمل اللي بقولَّك عليه وأنا هتصرَّف، مش عايز حد يعرف حاجة، حتى بلال. 
_طيب أرسلان. 
_دا سيبه لي، هوَّ عارف وبيلعب من بعيد. 
_تمام. 

بمنزل أرسلان…
دخلت ميرال بخطواتٍ متردِّدة، عيناها تبحثانِ بقلقٍ واضح:
_بلال فين؟
رفعت غرام كتفيها بلا مبالاة:
_بلال مش هنا…بكلِّمه ومبيردِّش.
عضَّت ميرال على شفتيها، توتُّرها يزداد:
_يمكن في عملية ولَّا حاجة..شوية وهيرد…أنا بس محتاجاه ضروري.
راقبتها غرام باستغراب، بينما هزَّت ميرال رأسها كأنَّها تطرد فكرة مخيفة من عقلها، وتراجعت هامسةً لنفسها:
_أكيد مفيش حاجة، مدام غرام متعرفش يبقى مفيش حاجة.
لكن قلبها لم يصدِّق..تشعر بأنَّ هناك شيئًا وخاصَّةً عدم رد إلياس. 
في المشفى…
مرَّ الوقت كأنه سكِّين بطيء يقطع أعصاب يوسف، حتى انتهى الطبيب أخيرًا بعد  إنقاذ ضي.
نُقلت إلى العناية المركزة، جسدها ساكن كأنه فقد الحياة، فقط الأجهزة هي من تُعلن أنَّها ما زالت هنا…
وقف يوسف بجوارها، لم يتحرَّك، ظل يراقب كل انش بها
اقترب إلياس، يربت على كتفه:
_يوسف..واقف كدا ليه؟ ارتاح شوية… متنساش إنَّك لسه تعبان.
لم يحوِّل عينيه عنها:
_أنا كويس يا بابا.
تنهَّد إلياس وهو ينظر إلى ضي:
_حبيبي هيَّ كويسة.
لكن يوسف التفت فجأة، وعيناه تشتعلان بشيءٍ مرعب:
_كان فيه سم في جسمها.
تجمَّدت ملامح إلياس لثانية، قبل أن يتصنَّع الذهول:
_إيه اللي بتقوله دا؟ أكيد فيه غلط إرهاق ولَّا تعب عادي.
استدار يوسف بكامل جسده نحوه، كأنَّ شيئًا انفجر بداخله:
_إيه اللي حضرتك بتقوله دا يا بابا؟! حضرتك مشفتش حالتها؟!
_عادي يا ابني..المعدة بتتأثَّر، واللي مرِّت بيه مش قليل.
اشتدَّ صوته وشعر بأن أعصابه تتمزَّق:
_بابا ضي كانت مسمومة. 

_يوسف اهدى..أكيد فيه غلط، مش كدا يا دكتور؟
تدخَّل الطبيب الذي وصل للتو، وأومأ بتردُّد:
_آسف يا دكتور يوسف، بس مفيش سم، ممكن يكون تشخيص غلط، والتحاليل دي تثبت كدا.
أمسك التحاليل وعيناه تتجوَّل عليها بقلبٍ كاد نبضه يتوقَّف، هنا تصلَّب جسده، واشتعلت عيناه بجنون:
_غلط! بقولَّك سم تقولِّي غلط؟! هو أنا نقَّاش!!.
كاد يندفع نحوه لولا أن بلال أمسكه بسرعة:
_يوسف..اهدى!
اندفع صوته غاضبًا، مبحوحًا:
_إيه اللي وصَّل السم لضي؟!
أشار إلياس ليوسف على كلمات بلال وقال بثباتٍ بارد:
_جاوب..علشان تعرف إنَّك متوهِّم، مين هيسمِّمها وخصوصًا إنَّها كانت نايمة، يعني لا خرجت ولا دخلت، السمِّ هيوصلَّها إزاي؟. 
تجمَّد يوسف مكانه:
_متوهِّم؟!
تسلَّلت كلمات والده إلى عقله، لتفتح بابًا أسودًا داخله..
بدأ صوته الداخلي يهمس، ثم يصرخ:
_ممكن تكون حاولت..تنتحر؟!
اتَّسعت عيناه، وارتجف جسده:
_معقول؟.معقول تهون عليها نفسها بالشكل دا؟!
تدفَّقت كلماتها الأخيرة في أذنه، كطعنةٍ لا تتوقَّف.
مرَّر يده في شعره بعنف، وشعر بالاختناق.
اقترب إلياس منه مجدَّدًا، وقال بصوتٍ هادئٍ مزيف:
_يوسف مفيش سم..ارتاح، أعصابك تعبانة.
تراجع يوسف خطوة، ثم أخرى
ينظر إليهم جميعًا وكأنَّهم غرباء..
قبض على أوراق التحاليل بقوة حتى تجعَّدت بين يديه، عروقه نافرة، وأنفاسه متقطِّعة، ثم فجأةً ألقاها أرضًا.
رفع عينيه إليهم بضياع، ثم استدار بعنف، متَّجهًا إلى غرفتها، وكلُّ خلية فيه تصرخ بما أوصله عقله أنَّها حاولت الانتحـ ار..
ولكن لماذا والده يكذِّبه؛ يجب عليه التريُّث ولكنَّه عزم على مواجهة والده بتكذيب كلَّ ما يحاول تدبيره.

دلف إلى غرفة العناية كمن يُساق إلى غرفة إعدامه، نعم بعدما أوصلها لهذه المرحلة، توقَّف وشعر بأنَّ الهواء ثقيلًا، يطبق على صدره، وخطا خطوة واثنان ولكن خطواته متعثِّرة كأن الأرض ترفض أن تحمله بعد كل ما اقترفت يداه بحقِّها، توقَّف أمام فراشها، وحدَّق في وجهها الشاحب، ذلك الوجه الذي كان يضيء حياته يومًا، فإذا به الآن ساكنٌ كليلٍ بلا نجوم
مرَّر أنامله على وجهها، يتابع أنفاسها المنتظمة وهي الشيء الوحيد الذي يُبقيه واقفًا…
انحنى ببطء، مثل الذي يشعر بأنَّ انحنائه اعترافًا مهينًا بكلِّ ذنوبه، مدَّ يده المرتجفة يمرِّرها على خصلاتها، بحنانٍ مؤلم..اشتعلت داخله نيرانًا لا تُطفأ، تحرقه بسؤالٍ واحد: ماذا فعلت حتى وصل بها إلى هنا؟
_أحبَّته، وهو الذي عاندها بكلِّ قسوة، وأراد إبعادها.
_معقول فيه حبّ بيموت، معقول فيه حبيب يوصَّل حبيبه للموت؟!  

ابتلع ألمه، وصوته الداخلي كان أقسى من أي حكم: "بتضحك على مين؟..إنتَ حتى ما قدرتش تبعد عنها ساعات..من إمتى كنت قاسي؟ 
ارتجفت أنفاسه، وأكمل بصمتٍ ينهش صدره: "أبوك عنده حق…إنتَ ما تستحقَّهاش..عمرك ما كنت تستحقَّها ارجع لظلامك، وابعد عنها، كفاية اللي عملته فيها لحدِّ دلوقتي "
أغمض عينيه بقسوة، وشعور خانق قبض على قلبه، كأنَّ أنفاسه تُسحب منه ببطء، لوهلةٍ تمنَّى لو تنتهي حياته هنا، عند قدميها، كنوعٍ من العقاب العادل.
لكن فكرة أن يفقدها، أن تُسلب منه للأبد..
فتح عينيه فجأة، مذعورًا، وكأنَّ الموت اقترب منها ..اتَّسعت عيناه، وارتعش صدره، وقلبه تحوَّل إلى شظايا حادَّة تمزِّقه من الداخل.
مدَّ يده إلى عنقها، حيث لا تزال آثار جراحها محفورة على بشرتها، وكأنها وصمة عار لن تزول..هنا تذكَّر أحداث ليلة الأمس وكأنها حيَّة أمام عينيه، لمعةُ عيناها وابتسامتها، همسها بعشقه.. 
دمعة ساخنة سقطت رغمًا عنه، شقَّت طريقها على وجهه بلا مقاومة، وهو يهمس بصوتٍ مكسور: "أنا ما أستحقَّكيش والله ما أستحقَّك…"

هنا تحرَّكت شفتيها وهمست باسمه.
"يوسف…"
تجمَّد مكانه، وكأنَّ الزمن توقَّف عند تلك الهمسة..حدَّق في شفتيها غير مصدِّق، كأنَّ روحه عادت إليه فجأة، ثم لمح دموعها تنساب بهدوء على وجنتيها، رغم سكونها، 
كأنَّ روحها تعذِّبها حتى وهي غارقة في غيبوبتها…
اقترب منها بسرعة، بأنفاسٍ متقطِّعة، وراح يمسح دموعها بأنامله المرتجفة،  يحاول محو كلَّ ما فعله بها، كلَّ ألمٍ زرعه في قلبها.
مال عليها، وقال بصوتٍ خرج مهزوزًا، محمَّلًا بكلِّ ما عجز عن قوله:
_ "ضي…أنا هنا، طمِّني قلبي وافتحي عيونك. 
لكن لا يوجد رد غلبه بكاءٌ مكتوم، فوضع جبينه على يدها الباردة، وأغمض عيناه وما زالت دموعه تنساب في صمت. 

بالخارج.. 
دار بلال حول نفسه وعقله كاد أن يتوقَّف، ماذا حدث لأخته، كيف وصلت لهذه المرحلة، استمع إلى هاتفه، فأخرجه بيدٍ مرتعشة/ 
_أيوة طنط ميرال.
_حبيبي إنتَ في المستشفى؟. 
نظر إلى وقوف إلياس مع أحد الأطباء ورد: 
_أيوة، لو عايزة عمُّو إلياس هوَّ مع الدكتور.
_طمِّني ضي عاملة إيه؟. 
_الحمدلله كويسة.
_مالها حبيبي، خرجوا ومعرفش إيه اللي حصل. 
مسح على وجهه وأعاد خصلاته للخلف، ردَّ بصوتٍ مختنق: 
_معرفش، لسة مشفتهاش، الدكتور بيقول قرحة في المعدة، منتظر يوسف يطلع من عندها وهدخلَّها. 
_لا حول ولا قوة إلَّا بالله العليّ العظيم، ربِّنا يطمِّنا عليها، يبقى طمِّني لو فيه حاجة. 
_حاضر، متقوليش حاجة لماما علشان متقلقش وخصوصًا بابا مش هنا.
_متقلقش ما قولتش حاجة. 
أنهى اتصاله وتحرَّك إلى داخل غرفة العناية. 

بقصر الجارحي.. 
كانت تغفو بين أحضانه، غارقة بنومٍ عميق، استمع إلى رنين الهاتف، سحبه وردَّ بصوتٍ ناعس:
_أيوة يا ماما.
_آسفة حبيبي، لسة نايمين؟.
نظر بساعته ثم قال: 
_فيه حاجة ولَّا إيه؟.
_باباك كان عايز نفطر كلِّنا مع بعض، هوَّ مسافر بعد ساعتين. 
_حاضر، شوية ونازلين. 
اتَّجه بنظراته إلى طفلته الغافية بين ذراعيه، رفع شعرها من فوق وجهها، لتظهر شمس حياته تسطع، انحنى وطبع قبلة على جبينها، تململت بنومها ترمش بأهدابها: 
_صباح الخير حبيبي. 
_صباح الحبّ يا شمسي. 
صح النوم حبيبي، ياله علشان ننزل نفطر مع بابا.

اعتدلت تجمع خصلاتها ببطء، وكأنها تؤجِّل لحظة الابتعاد عنه، ثم همست بنبرةٍ دافئة:
_حاضر..إديني شوية وقت أجهز.
لكنَّها لم تكد تبتعد حتى سحبها فجأةً إلى أحضانه، كأنَّ بين ضلوعه مكانًا خُلق لها وحدها، وقال بصوتٍ منخفضٍ يحمل شوقًا لم يُطفأ بعد:
_نمتي كويس، ولَّا لسه عايزة تنامي؟ لو عايزة…نامي تاني هنا.
رفعت رأسها إليه، وعيناها تلمعان بالحب، وابتسمت بدلال:
_يعني نايمة في حضنك..ومش هشبع نوم؟
لم يمهلها فرصة لإكمال مزاحها، طبع قبلةً سريعةً على شفتيها، ثم مرَّر أصابعه بين خصلاتها بحنان:
_كنتي وحشاني أوي..شموستي.
ابتسمت بخجلٍ صادق:
_وإنتَ كمان.
أدار وجهها إليه:
_إيه رأيك آخد إجازة..ونسافر يومين؟
تسلَّل الارتباك إلى ملامحها، فسكتت لحظة، فرفع ذقنها برفق، وعيناه تبحثان عمَّا يؤلمها:
_مالك يا شمس؟
همست بخفوت:
_مش هتزعل؟
اعتدل سريعًا، ثم احتوى وجهها بكفَّيه، وغاص في عينيها:
_أنا أزعل منِّك؟ إنتي ما تعرفيش إنتي إيه في حياتي.
ارتجف قلبها بين ضلوعها، ونظرت له بعشقٍ صافٍ:
_وإنتَ والله حبيبي…مكنتش متخيلة إنِّي هحبّ حد كده بعد بابا وأخويا، أنا بحبَّك أوي يا حمزة…ومش عايزاك تزعل منِّي..لو عملت حاجة من غير قصد، قولِّي.
ابتسم، وكأنَّ كلماتها لامست شيئًا عميقًا بداخله:
_أنا معرفش عملت إيه علشان ربِّنا يرزقني بملاك بريء زيك…تعرفي أنا نفسي أروح أبوس طنط ميرال؛ علشان جابتلي أحسن بنت في الدنيا.
ضحكت بخفَّة، وهي تلوِّح بيدها تحذِّره:
_روح…بس اتأكِّد إنَّك هترجع مضروب من بابا في دماغك.
قهقه، وضحكته ملأت المكان دفئًا، ثم جذبها إليه بقوةٍ محببة، فاختبأت داخل حضنه كأنها وجدت ملاذها الأخير..أحاط جسدها بذراعيه، وهمس بالقرب من أذنها:
_ما قولتيش..عايزة إيه؟
رفعت رأسها، وعيناها تلمعان بعشقه:
_لو ينفع بعد ما تسافر، أروح أقعد أسبوع عند بابا، وحشوني أوي… وكمان عايزة أشوف يوسف وضي، علاقتهم وصلت لإيه..بسأل ماما تقول كويسين، بس صوت ضي دايمًا حزين.
مسَّد على وجهها بحنانٍ عميق،  ثم مال ليخطف قبلةً طويلة:
_موافق…خلِّيكي هناك لحدِّ ما أرجع. ممكن أتأخَّر المرَّة دي.
ابتسمت بارتياح، وهمست:
_يعني مش زعلان؟
تأمَّل عينيها طويلًا…تلك البراءة التي لا تعرف الخبث، وذلك القلب الذي لم يتعلَّم القسوة بعد، وفي داخله، همس لنفسه:
_ياالله…كم هي بريئة وجميلة، كيف أتعامل معها كزوجتي، وليست طفلتي؟ رغم أنها بلغت سنَّ النساء…إلَّا أن قلبها ما زال قلب طفلة، لا يعرف من الدنيا سوى الضحك…والأحلام.
شدَّد احتضانه لها دون أن يتكلَّم، وكأنَّ صمته وحده كافٍ ليخبرها…أنها عالمه كلِّه.

رفعت أناملها الرقيقة تلامس وجهه بحذرٍ، وهمست بصوتٍ يحمل صدقًا خالصًا:
_مش هزعل لو رفضت؛ لأنَّه حقَّك، وأنا مستحيل أعمل حاجة إنتَ مش راضي عليها.
تصلَّب للحظة…وكأنَّ كلماتها أصابت شيئًا عميقًا داخله.
_كفى…طفلتي، كفى…
كيف تجتمع هذه البراءة في زمنٍ قست فيه القلوب؟ كيف لا يعرف قلبها إلَّا الصفاء، بينما العالم يمتلئ بما يلوِّثه؟
فاقت براءتها قدرته على الاحتمال، فاجتاحه شعورٌ عارم، جذبها إليه أكثر…أكثر، حتى تلاشت المسافات بينهما..احتواها وكأنَّه يخشى أن تضيع منه، وغاص في قربها، حيث يمتزج عشقه برجاءٍ خفيّ أن تبقى كما هي… نقية.
كانت تتعلَّم منه معنى الاحتواء، ويتعلَّم منها كيف يكون العشق بلا حساب…بلا خوف، قضيا وقتًا يعلم كلًّا منهما أن العشق لم يكن سوى بنبض القلوب البريئة، وقتًا كومضة بصرٍ تعانقت بها الأرواح قبل الأجساد، ليبتعد قليلًا، يشعر بأنَّ سعادته لم تكن سوى بين ذراعي تلك الصغيرة، لملمت نفسها بخجل وابتعدت قليلًا تبتعد بنظراتها عنه، كان يراقبها وقلبه يهفو إليها، كما لو كانا لم يقتربان منذ عام، ابتلع ريقه بصعوبة في محاولة السيطرة على تلك المشاعر التي لم تخمد أبدًا، فأشار إلى الحمَّام:
_قومي خدي شاور، علشان منتأخرش. 
أومأت ثم اقتربت، قبَّلته على وجنتيه 
وتحرَّكت سريعًا لتختفي خلف باب الحمَّام.
أمَّا هو ظلَّت ابتسامته تزيِّن وجهه.. يقسم بداخله أنه لم يذق للحياة سعادة سوى بقربها. 

بعد وقت، كانت تقف أمام المرآة، تجفِّف خصلاتها، والماء يتناثر كقطرات ضوءٍ فوق كتفيها.
خرج من الحمَّام، وتوقَّف خلفها، يتأمَّل انعكاسهما معًا…كأنهما صورة واحدة لا تنفصل.
اقترب ببطء، حتى حاوط جسدها من الخلف، ودفن وجهه في عنقها الندي، يغمض عينيه وكأنه يستمدُّ منها سكينةً لا يجدها في غيرها، وهمس بصوتٍ دافئ:
_بحبِّك.
أغمضت عينيها، تتذوَّق الكلمة وكأنها أول مرَّة تُقال، ثم استدارت إليه، وعيناها تنطقان بما يعجز عنه الكلام:
_هتفضل تحبِّني كده على طول؟
ابتسم، وقبلةً سريعة خطفها منها، وهو يومئ برأسه بثقةٍ هادئة:
_إنتي متعرفيش…حبِّك يوم عن يوم بيزيد.
تعلَّقت عيناها به أكثر، وسألته ببراءةٍ صافية:
_حتى لمَّا يبقى عندنا بيبي؟
تراجع قليلًا، وجلس على المقعد، ثم جذبها برفق لتجلس أمامه، أخذ المجفِّف من يدها، وبدأ يمرِّره بين خصلاتها ببطء، وكأنه يستمتع بكلِّ تفصيلةٍ فيها، يقترب أكثر يستنشق عبير شعرها، ثم همس مبتسمًا:
_شعرك ريحته زي ريحة الأطفال.
ضحكت بخفَّة، وهي ترفع كتفيها:
_علشان بستخدم منتجات الأطفال… بتكون نقية ومفيهاش ضرر.
توقَّف لحظة، ثم رفع ذقنها بأنامله، وعيناه تغرقان في عينيها بعمقٍ مختلفٍ هذه المرة:
_لا…علشان إنتي  طفلة يا روحي.
تبدَّلت ملامحها قليلًا، وظهر الضيق في صوتها:
_حمزة..ما تقولش كده بجد، أنا بزعل.
لم يتمالك نفسه، فضحك بصوتٍ عالٍ، ثم نهض فجأةً وحملها بين ذراعيه، يدور بها في الغرفة، وصوته يمتلئ بحبٍّ مشاكس:
_طفلة…طفلة…طفلة!
تعلَّقت به، تحاول التذمُّر، لكن ضحكتها خانتها، فاختلط اعتراضها بفرحٍ واضح.
أمَّا هو…فكان يضحك، لكنه يدرك جيدًا، 
أنه لا يرى فيها طفولة تُنقصها…
بل نقاءً يخشى عليه من هذا العالم.

بمكتب رولا.. 
انتهت من بعض أعمالها، ثم نهضت من مكانها واتَّجهت تقف في الشرفة تنظر لمرور الناس بالشارع، شردت قليلًا في حياتها غير المستقرَّة، وحديث بلال أمس مع والده ويزن، والاتفاق الذي استقرَّ على عودتها اليوم، وضعت كفَّيها على أحشائها: 
_خلاص حبيبي، النهاردة بابا هيعرف بوحودك، يارب بس ميحصلش حاجة ويرجع يقولِّي كمان يومين.
التفتت إلى هاتفها وقامت بالاتصال به، لحظات وأجاب: 
_أيوة رولا. 
_وحشتني.. 
مسح على وجهه وعيناه متعلِّقة بيوسف الذي يجلس يحتضن كفَّ ضي، ثم قال:
_بعدين نتكلِّم حبيبتي، الوضع مش تمام عندي. 
اعتدلت وشعرت بالذعر.
_فيه إيه يابلال، إنتَ كويس؟ 
_أنا كويس، بس ضي في المستشفى تعبانة. 
شهقت تضع كفَّها على فمها:
_من إيه؟. 
نظر إلى أخته والشكُّ يتسلَّل داخله ورغم ذلك ردَّ باقتناع:
_قرحة معدة، ربِّنا يستر. 
_حبيبتي ضي، إن شاء الله ربِّنا يشفيها، هخلَّص مقابلة مهمَّة بعد عشر دقايق وآجي لك، مينفعش أعتذر والراجل في الطريق. 
_كمِّلي شغلك حبيبتي، بالتوفيق. 
قالها وأغلق الهاتف، ثم اتجه إلى يوسف، وضع كفِّه على كتفه:
_لازم ترتاح، إنتَ لسة مخفِّتش، روح ارتاح في الأوضة التانية وأنا معاها.
_رفع رأسه لبلال وهزَّها بالرفض، رغم ألم ظهره، إلَّا أنه ظلَّ كما هو، جلس بلال بجواره وعيناه على شحوب أخته:
_ليه قولت تسمُّم يا يوسف؟ الدكتور مصرّ إنَّها قرحة.
_ممكن يا بلال، كلِّ شئ جايز.
طالعه بتدقيق ثم قال: 
_إنتَ زعلت؟ 
كانت نظراته على ضي، فقال: 
_هزعل من إيه، لا مش زعلان، أهمِّ حاجة عندي ضي تبقى كويسة. 
_لمَّا إنتَ بتحبَّها كدا، ليه بتعذِّبها وتعذِّب نفسك؟
_علشان نصيبنا كدا، حبِّي لضي مش علشان مراتي، يمكن علشان من صغرنا وإحنا بنعاند بعض. 
مسَّد على ظهره: 
_يوسف، الوقت اللي بيعدِّي ما بيرجعش، الأيام بتعدِّي فينا، أنا مش هدخل في حياتك وأجبرك على حاجة، بس ضي بتحبَّك أوي، ومستعدة تضحِّي بنفسها علشانك، أنا مش هدخَّل بينكم، لكن علاقتكم بالتمرُّد دا بقت بتوجعكم وتأذيكم، بتخسروا وهتندموا، لا إنتَ هتقدر تشوفها مع غيرك ولا هيَّ هتخليك تفكَّر في غيرها، بلاش توجعها لو سمحت، خلِّيك ورا قلبك وما تقولش نصيبنا خلص، أنا مرِّيت بأكتر من كدا وشوف دلوقتي، أتمنَّى تصلَّح علاقتك بيها. 
بمنزل آدم.. 
انتهت من ارتداء ثيابها، المكوَّن من بنطال أبيض، وكنزة حمراء ناعمة، وضعت قليلًا من مستحضرات التجميل، دلفت والدتها: 
_حبيبتي، عملت لك ساندوتشات، كليها قبل ما تنزلي. 
_اتأخَّرت يا ماما، يبقى هشتري أي حاجة.
طبعت قبلة على وجنة والدتها وحملت حقيبيتها وخرجت سريعًا، بخروج رائد يتحدَّث بهاتفه:
_خلاص تمام، هعدِّي وأطمِّن عليها. 
أوقفته إيلين:
_هترجع إمتى حبيبي؟. 
_الأول هعدِّي على المستشفى، بابا كلِّمني وقالِّي مرات يوسف في المستشفى، هسأل عليها، وبعد كدا هعمل كام مشوار شغل، قولي قدَّامي لخمسة، بتسألي ليه حبيبتي فيه حاجة؟ 
_إنتَ بتقول مرات يوسف مين، يوسف الشافعي؟. 
انحنى يحمل هاتفه وهو يقول:
_وإحنا نعرف غيرها يا ماما. 
قبَّلها ثم سحب أشيائه الخاصَّة، يشير إلى فرح التي توقَّفت تردُّ على هاتفها هي الأخرى..
_فروحة ياله حبيبتي.

وصلت بعد قليل إلى جامعتها، ترجَّلت من السيارة بخفَّة و استدارت نحو أخيها الذي نزل هو الآخر، فوقف أمامها يحجب عنها ضوء الشمس للحظة، كعادته..دائمًا يقف بينها وبين أي شيء قد يؤذيها، حتى وإن كان مجرَّد شعاع.
نظر إليها وقال: 
_احتمال معرفش أجي لك، يبقى كلِّمي السوَّاق أو ماما…هكون برَّة القاهرة، خدي بالك من نفسك.
قبل أن ترد، جاءها صوت أصدقائها:
_هاي فرح.
التفتت بسرعة، ولوَّحت بيدها لصديقتها، ثم عادت بنظرها إليه، وأشارت نحوه بعبث: 
_انزل إنتَ طويل كده ليه؟ هتفضحني!
قهقه بصوتٍ دافئ، فاقتربت منه وطَبعت قبلة سريعة على وجنته، ثم قالت بخفَّة مصطنعة: 
_أنا هتصرَّف…امشي بقى علشان صحباتي واقفين، ودول هيعاكسوك زي ما بيقولوا.

مدَّ يده ومسَّد على خصلاتها بحنانٍ أخوي صادق، ثم أشار لها:
_ادخلي الأول…أطمِّن إنك دخلتي، وبعد كده همشي.
ضحكت تهزُّ رأسها، بشقاوة:
_يا بني أنا كبرت…على العموم همشي أهو.
تحرَّكت نحو صديقاتها بخطواتٍ واثقة، لكن قلبها التفت خلفها قبل عينيها، وهي تلوِّح له، أمَّا هو…فظلَّ واقفًا مكانه، يتابعها بعين مُحبَّة.
اندسَّت بين صديقاتها، ضحكاتهنَّ تعلو، لكنها لم تلتفت مرةً أخرى..
ظلَّ يراقبها إلى أن اختفت بالداخل، ثم استقلَّ سيارته وغادر الحرم الجامعي.
لكن..لم يكن هو الوحيد الذي يراقب.
في الطابق العلوي، خلف نافذة زجاجية واسعة، وقف عمران يحتسي قهوته ببطء، عيناه ثابتتان عليهما منذ بدايته، يتابع حديثهما، رأى ضحكتها، قربها منه

خفض فنجان القهوة ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة: 
_وعاملة فيها الطفلة البريئة. 

عند فرح:
_أنا مفطرتش، وعايزة آكل السندوتشات دي قبل ما ندخل، لسه فاضل ربع ساعة.
_أوكيه يا باشا.
قالتها إحدى صديقاتها بتهكُّم خفيف.
بعد انتهاء جزء من المحاضرة، وأخذ فترة راحة، أخرجت سندوتشاتها وبدأت تلتهمها بشهيةٍ واضحة، بينما كانت الأخرى تراقبها وتضحك:
_إيه يا بنتي! اللي يشوفك يقول إنك بقالك أسبوع ما كلتيش.
رمقتها بنظرةٍ متضايقة:
_يا بنتي إنتِ مش فاهمة…الطعم تحفة، بجدِّ بعشقه.
قالت أخرى بمشاكسة لاذعة:
_سيبيها…ربِّنا يستر وما يجيلهاش تلبُّك معوي.
رفعت حاجبها بدهشة:
_نعم ؟ ليه إن شاء الله! ده فول وطعمية مش سم!
انفجرت الفتيات ضاحكات:
_طعمية يا جاهلة…مش فلافل.
لوَّحت بيدها بلا مبالاة:
_المسميَّات مش مهمَّة، المهمّ الطعم، جرَّبي بس.
هزَّت الأخرى رأسها رافضة:
_لا يا ستي، خليهالك..المغامرة دي مش ليَّا.
في تلك اللحظة، كان هو يراقبهم بصمت من بعيد، بعد أن أنهى شرح المحاضرة.
التقطت ساندوتشًا آخر، وأغمضت عينيها وهي تتذوَّقه باستمتاعٍ واضح، تتمتم بنبرة رضا:
_والله إنتوا ما بتفهموش في الأكل.
تنحنحت صديقتها فجأة حين لمحته واقفًا أمامهم، ثم لكزتها بقوة، لكنَّها تمتمت بضيق دون أن تنتبه:
_إيه يا بنتي! هوَّ أنا ماصدَّقت آخد بريك من المحاضرة الكئيبة دي؟
ساد الصمت فجأة، كأنَّ القاعة ابتلعت أصواتها دفعةً واحدة.
تقدَّم بخطواتٍ هادئة، ثم اتَّكأ بساعديه على حافَّة المدرَّج، ونظر إليها مباشرة بنظرةٍ باردة قبل أن يقول بسخرية قاسية:
_طيب نعمل إيه عشان نروَّق مزاجك؟ نجيب لك شوية بصل؟ ولَّا نزوِّدها بطبق فول سخن وعليه عصرة ليمون؟
تجمَّدت اللقمة في فمها، واتَّسعت عيناها بصدمة، قبل أن تمتلئ بالدموع..حاولت ابتلاعها، لكن حلقها خانها، وشعرت بالاختناق.
اعتدل واقفًا، وجال ببصره في القاعة كلَّها، ثم قال بصوتٍ مسموع ونبرةٍ حادَّة:
_ اللي شايف المحاضرة تقيلة عليه، يتفضَّل يكمِّلها بره، المطعم أولى بيه.
توقَّف لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ أكثر قسوة، وكأنه يتعمَّد إذلالها:
_بس يا ريت تختاروا أماكن أنضف شوية، مش أي حد يلمّ أكله من عربية على الطريق وييجي هنا يتلذَّذ.
التفت إليها وقال: 
_كنتي خلِّيه يستنضف، اللي يشوف العربية يقول يا ما هنا يا ما هناك، بس تستاهلي أخرة الناس اللي بتتسلَّى.

ارتعش جسدها، وشعرت بأن الكلمات تسقط عليها كصفعاتٍ متتالية..سقط الساندوتش من يدها على الأرض، بينما انحبست أنفاسها داخل صدرها، وكأنَّ الهواء اختفى فجأة.
تكوَّرت الدموع في عينيها، واهتزَّت شفتاها دون صوت…واقفة في مكانها، عاجزة حتى عن الدفاع عن نفسها، بينما انكشفت هشاشتها أمام الجميع في لحظةٍ قاسية لا تُحتمل.

نهضت بجسدٍ مرتجف، تكاد ساقاها لا تحملانها، وحاولت أن تبتلع ما علق بحلقها، لكن أنفاسها كانت ثقيلة، متقطِّعة، سحبت نفسًا عميقًا، خرج مشوَّهًا من بين شفتيها، قبل أن تقول بصوتٍ مهتز يخفي خلفه انكسارًا حادًّا:
_وأنا مستحيل أحضر محاضرة لحضرتك بعد كدا…
انحنت بسرعة تجمع أشياءها بيدين مرتعشتين، تريد أن تهرب من المكان لا تغادره، وتحرَّكت بخطواتٍ متعجِّلة.
جاء صوته كالسوط خلفها، حادًّا، غاضبًا، يحمل إهانة صريحة:
_استني عندك! إنتِ فاكرة نفسك إيه؟
توقَّفت خطواتها رغماً عنها.
تابع بنبرةٍ أكثر قسوة، كأنه يتعمَّد سحقها أمام الجميع:
_أنا ممكن أسقَّطك…ومش ممكن وبس، إنتِ فعلًا ساقطة.
كلماته أصابتها في مقتل.
التفتت إليه ببطء، وكأنَّ روحها تُنتزع منها انتزاعًا..عيناها كانتا ممتلئتينِ بالألم، لكن خلف ذلك الألم اشتعلت اتِّهامات صامتة، نظرات موجعة تقول ما عجز لسانها عن نطقه.
ثانية واحدة فقط ثبتت فيها عيناها بعينيه…كانت كافية لتترك أثرًا عميق
ثم استدارت فجأة، واندفعت خارج القاعة، هاربة من نظرات الجميع، من همهماتهم التي بدأت تتصاعد، ومن انكسارها الذي لم تعد قادرة على إخفائه.
ساد الاضطراب بين الطلبة، همسات متداخلة ونظرات متبادلة، بينما وقف هو مكانه يغلي غضبًا، صدره يعلو ويهبط بعنف، وكأنَّ ما حدث لم يروِ شيئًا من احتدامه.
قبض على حافَّة المدرَّج بقوة، ثم صاح بصوتٍ غاضب اهتزَّت له القاعة:
مش عايز نفس!

بمكانٍ آخر.. 
كانت تجلس خلف مكتبها، تركِّز بعملها، استمعت إلى حمحمات أحدهم، رفعت رأسها مبتسمة:
_أهلًا مستر نور. 
استند على مكتبها بظهره:
_عاملة إيه، فيه حاجة واقفة معاكي في الشغل؟.
_أبدًا، كلُّه تمام.
سحب المقعد وجلس بالقرب منها: 
_فكَّرتي في عرض الشغل، على فكرة متفكريش عرضت كدا علشان المعرفة اللي بينَّا، أنا شايف إنِّك تستاهلي. 
_أيوة فكَّرت، ادِّيني شوية وقت بس. 
قطع حديثهم رنين هاتفها: 
_سوري، ممكن ارد على التليفون؟ 
أومأ برأسه: 
_طبعًا..رفعت الهاتف وهي تنظر إليه:
_أيوة يا رولا.
_آسيا..ضي اتحجزت في المستشفى، وأنا رايحة لعندها، لو حبِّيتي تروحي.. 
_إيه! ليه مالها ضي؟!. 
رفع رأسه بانتباهٍ لحديثها، وهي تستمع إلى كلمات رولا: 
_معرفش والله، سألت بلال قالِّي مفيش حاجة واضحة. 
_طبعًا هعدِّي عليها بعد الشغل... توقَّفت عن الحديث تنظر إلى نور وقالت: 
_مينفعش دلوقتي، لسة عندي شوية شغل. 
_تمام حبيبتي، أنا حبِّيت أعرَّفك، وأه محدش يعرف، هوَّ قالِّي بلاش نقلق حد. 
_أوكيه متقلقيش. 
أنهت المكالمة واتجهت إلى عملها مرةً أخرى، فتساءل:
_فيه حاجة ولَّا إيه؟. 
هزَّت رأسها بالنفي وقالت:
_لا مفيش، ممكن أخلَّص شغلي، لازم أخرج بدري. 
انحنى على المكتب ينظر إليها باستفهامٍ نطقته عيناه. 
حمحمت وقالت بهدوء: 
_ضي، تعبانة ونقلوها للمستشفى. 
أغلق جهازها فورًا، وأشار إلى أشيائها:
_ياله علشان أوصَّلك في طريقي، يبقى خلَّصي شغل بكرة.
_لا ميرسي مستر، أنا هخلَّص وأمشي.
_أنا بقولِّك ياله، الشغل مش هيطير. 
نهضت تجمع أشياءها وهي تقول: 
_خلاص مفيش داعي توصَّلني، هطلب أوبر.
أشار إليها بالسير دون حديث، فتحرَّكت معه..وصلت بعد قليل إلى المشفى، ترجَّلت من السيارة تشكره: 
_ميرسي مستر نور، وبعتذر لحضرتك على اللي حصل.
_خلاص ولا يهمِّك، استدارت بوصول آسر بسيارته، ألقى عليها نظرة، ثم تحرَّك دون حرف. 
داخل السيارة استمع الى رنين هاتفه
_مرحبا نانا... عاملة ايه وحشاني 
_وانت اكتر نور.. هتيجي امتى وحشة نانا كتير
_خلال شهر يانانا، ماما عاملة ايه
_كويس حبيبي، متتأخرش 
تمام 
وصل الى المشفى فترجلت اسيا، فتحت باب السيارة وترجلت منها 
_آسيا..صاح بها نور بعدما نزل من سيارته:
_ممكن يبقى تطمِّنيني على ضي. 
ارتبكت قليلًا، ثم قالت:
_أصل..صمت ثم أومأت واستدارت متحرِّكة للأعلى. 

عند أرسلان دلف إلى أحد المباني، ومنه إلى أحد المكاتب، طرق الباب ثم دخل. 
توقَّف الرجل: 
_أهلًا أرسلان باشا.
_فيه جديد؟..أشار إليه بالتقدُّم:
_اتفضل حضرتك وشوف بنفسك. 
جلس يستمع إلى أحد الاجهزة، ثم تراجع بجسده ورفع هاتفه:
_جاسر باشا، إزي حضرتك. 
_كلُّه تمام...وصلت لحاجة؟.قالها جاسر الذي ترجَّل من سيارته وهو يتجه إلى منزله.. 
أجاب على الجانب الآخر  أرسلان:
_عايز أعرف جبت منين المعلومة، لازم أعرف ضروري، دلوقتي يوسف اتعرَّض لحادث مدبَّر، هل دا من الشخصية الغامضة اللي حضرتك قولت عليها؟.
توقَّف جاسر أمام عز وأجابه:
_هتأكِّد وأرد عليك، عمومًا ما أظنش، لأن المعلومات اللي وصلتني إنُّه ميعرفش بيكم. 
_الراجل دا جنسيته إيه، إنتَ قولت أجنبية؟.
_لا مقصدش إنُّه أجنبي، أجنبي، أنا قصدي إنُّه مش مصري. 
_يعني؟. تساءل بها أرسلان.
_على ما أظن عربي، هتأكِّد وأرد عليك، دا خارج من شخص مخابراتي ومش عايز ضرر، فهمت قصدي؟. 
_مخابراتي!..أغلق أرسلان وعقله كاد أن ينفجر، كيف ولم يعلم إسحاق، هل هذه مزحة..أم أنَّ إسحاق كان يعلم ولم يخبره؟!. 
نهض واتجه إلى النافذة، ومشاهد كثيرة تمرُّ أمام عينيه، كوَّر قبضته وهو يربط الأحداث:
_لحدِّ إمتى بتلعب بيَّا يا إسحاق.

عند رائد بالمشفى.. 
دلف إلى المشفى بخطواتٍ متعجِّلة، عيناه تبحثان عن أي إشارة تقوده إلى غرفة "ضي". أوقف أحد الممرِّضين، فسأله عن وجهته، وما إن أشار له حتى اندفع دون تردُد، عيناه تتنقَّلان بين أرقام الغرف دون تركيز، وفجأة اصطدم بشيءٍ صلب أمامه.
شهقةٌ خافتة خرجت من "كارما"، التي ترنَّحت قليلًا، لتسقط الزجاجات التي كانت تحملها من بين يديها، متناثرةً على الأرض، وبعضها انسكب محتواه.
انحنى هو سريعًا، وقد بدا عليه الارتباك: 
_أنا آسف..والله ما خدت بالي.
لكنها لم تكن تستمع إليه، كانت عيناها معلَّقتين بالأرض، تراقب الأدوية بقلقٍ حقيقي، ويدها ترتجف وهي تحاول جمع ما يمكن إنقاذه..تمتمت بضيقٍ مكتوم:
_أعمل إيه بأسفك دلوقتي؟
تنهَّد بضجرٍ خفيف، وقد بدأ التوتر ينعكس على نبرته: 
_طيب ما قولت آسف..لازم تعملي قصة يعني؟
رفعت رأسها إليه ببطء، نظرة صادمة استقرَّت في عينيها: 
_إنتَ بجد قليل الذوق.
اعتدل واقفًا، يمرِّر يده في شعره بعصبية:
_وأنا مش فاضي أجادل، شكلك بتحبِّي الدراما زيادة.
اشتعلت عيناها غضبًا، ونهضت هي الأخرى: 
_لا، أنا بحبِّ الناس اللي عندها ذوق... بس واضح إنك مش منهم.
رمقها بنظرةٍ حادَّة، لكنه لم يرد هذه المرة، فقط زفر بضيق، ثم استدار وانطلق سريعًا.
أمَّا هي، فبقيت مكانها للحظات، تنظر إلى الفوضى أمامها، ثم أغمضت عينيها بإحباط: 
_يارب..أتصرَّف إزاي بس دلوقتي...
تنهَّدت، وعادت تنحني تجمع الزجاجات بحذر، بينما لا يزال أثر اصطدامه وأسلوبه عالِقًا في صدرها.

بعد يومين استقرت بهما ضي بغرفة العناية، ثم خروجها لغرفة عادية، اخبر الياس الجميع بقرحة بالمعدة، وحدث نزيف داخلي بسبب الحزن والعصبية 

امتلأت الغرفة بدفء المقرَّبين القلقة،   جاءوا ليطمئنوا قلوبهم قبل أن يطمئنُّوا عليها..كانت "ضي" مستلقية على الفراش، ملامحها شاحبة قليلًا، لكنها تحاول التماسك، تبتسم رغم الإرهاق الذي يسكن جسدها.
جلست غرام إلى جوارها، ويدها تنساب بحنان فوق خصلاتها: 
_إيه اللي حصل يا حبيبتي؟
تنهَّدت ضي بخفوت، وعيناها تتهرَّبان:
_معرفش يا ماما..نمت وصحيت على وجع شديد في بطني، وحاسة بترجيع وبعدها مش فاكرة حاجة..غبت عن الوعي.
اشتدَّت يد غرام على شعرها: 
_ألف سلامة عليكي يا روح قلبي.
رفعت عيناها نحو  ميرال التي كانت تقف قريبة، تراقبها بقلقٍ ظاهر:
_ليه محدش قالي؟
تنهَّدت ميرال وهي تهزُّ رأسها:
_مكنتش أعرف إنها هتتحجز…قالوا قرحة بسيطة وهترجع، والحمد لله إنهم خلُّوها تقعد شوية في المستشفى للاطمئنان بس.
قاطع حديثهم دخول رحيل برفقة إيمان: 
_ألف سلامة يا حبيبتي..لسه عارفين دلوقتي، والله يزن ما قال حاجة.

أومأت إيمان مؤكِّدة:
_إحنا كمان ما عرفناش غير الصبح.
دلف يوسف إلى الغرفة، ألقى السلام سريعًا، ثم اقترب من ضي، عيناه تتحرَّكان بدقَّة على الأجهزة، يتفحَّص مؤشراتها باهتمام الطبيب..وخوف الرجل.
_الحمد لله..أحسن، كمان نصِّ ساعة الممرِّضة هتعلَّق لك محلول، وبعده هنمشي.

اقتربت ميرال خطوة، عيناها تضيقان بقلق: 
_مالك يا حبيبي؟ وشَّك مخطوف كده ليه؟
رفع حاجبه ساخرًا رغم الإرهاق الواضح على ملامحه: 
_إيه يا ماما مخطوف دي..هوَّ حد خطف وشِّي ومشي؟
ضحكت غرام بخفَّة محاولةً كسر التوتر:
_هيَّ قصدها وشَّك أصفر يا حبيبي… دي استعارات للألم.
زفر  يوسف بنفاد صبر مصطنع:
_والنبي يا ماما استعاراتك دي خديها وذاكريها لوحدك..أنا كويس.
لكن ميرال  ظلَّت تحدِّق به وكأنها تقرأ ما يخفيه:
_والله أنا مش عارفاك؟
تدخَّلت رحيل محاولةً إنهاء الحوار: _خلاص يا ميرال، ما هو كويس قدَّامك أهو.
هزَّ يوسف رأسه بخفَّة، محاولًا التهرُّب: _قولي لها يا طنط رحيل…لازم أجري زي الحصان قدَّامها علشان تصدَّق إني كويس!
رفعت ضي عيناها ليوسف تراقبه بصمت، بعينينِ تحملان الألم. 

تذكَّرت حين فتحت عينيها بصعوبة، وجدته إلى جوارها..غافيًا، رأسه قريب منها، وذراعه يحيطها بحمايةٍ غريزية.
أغمضت عيناها وارتجف قلبها كلَّما تذكَّرت دفء أنفاسه، دمعة انبثقت من عيناها، بدخول إلياس وهو يوقظه، وحركته السريعة مبتعدًا عنها…ومنذ تلك اللحظة..لم تراه سوى الآن.
خرجت من شرودها على صوت غرام وهي تقترب من يوسف: 
_خلِّي بالك منها يا حبيبي.
ثم مالت على ضي، تقبِّل جبينها بحنان: _هروح بقى…يوسف بيقول مينفعش زحمة في الأوضة علشان التنفُّس، وكمان …عاملة إيه دلوقتي؟
ابتسمت "ضي" ابتسامة خافتة: 
_كويسة يا ماما.
غادرت  غرام برفقة رحيل وإيمان، بينما بقيت ميرال..ثم اقتربت ببطء، جلست إلى جوارها، ويدها تنساب فوق شعرها بحنان: 
_حاسَّة بإيه يا حبيبتي؟
نظرت إليها "ضي"  ثم انزلقت عيناها دون وعي نحو يوسف الواقف يتحدَّث مع غرام.
وهمست بصوتٍ خافت…يحمل ما لم تقله: 
_كويسة…

ولكنها تشبَّثت بكفِّ ميرال قبل أن تنهض، وصوتها خرج خافتًا: 
_ما تمشيش..خلِّيكي، محبتش أطلب من ماما علشان متقلقش.
نظرت لها "ميرال" مطوَّلًا، ثم جلست جوارها دون تردُّد، تراقبها بعين أم 
همست بهدوء: 
_حاسة إن فيه حاجة بينك وبين يوسف.
تسلَّلت نظرة "ضي" نحو يوسف لكن ملامحه لم تكن هادئة كما يبدو.
ثم عادت بعينيها إلى ميرال، وصوتها خرج هذه المرة مُنهكًا: 
_عايزة أنفصل عن يوسف.
سقطت الكلمات ثقيلة على قلب ميرال لكنَّها لم تتراجع.
_خلاص…مبقتش عايزة أكمِّل، ابنك أذاني وتعبني بما فيه الكفاية…وكأن وجودي وعدمه واحد عنده…إحنا اتجوزنا غصب عنه من الأوَّل.
ارتجفت أهدابها، وامتلأت عيناها بدموعٍ أبت أن تسقط: 
_كفاية تنازلت عن كرامتي علشان بحبُّه، كفاية وجع لقلبي، كفاية يا طنط.
انحنت "ميرال" نحوها، تمسِّد على شعرها بحنانٍ : 
_حقِّك يا حبيبتي، مقدرش أقولِّك حاجة..اللي إنتِ عايزاه، دي حياتك.
رفعت "ضي" عينيها إليها بسرعة،  تخشى أن تُفهم خطأ: 
_مش علشان حالة يوسف والله، أبدًا. أنا كان يكفيني حضنه وبس، لكنه استكتره عليَّا.
في تلك اللحظة دلفت الممرِّضة، وبدأت بتعليق المحلول.
_دكتور يوسف، كلُّه تمام؟.
ردَّ بهدوءٍ مهني:
_تسلم إيدك يا هنا.
اقترب يتفحَّص المحلول بعين الطبيب، لكن قلبه لم يكن حاضرًا سوى مع تلك التي تبتعد بنظراتها عنه. تراجع وجلس، محاولًا أن يبدو عاديًا.
ظلَّت "ميرال" صامتة لحظات، ثم التفتت إلى "ضي"، وكأنها قرَّرت أن تحكي شيئًا:
_هحكيلك أنا اتجوزت عمِّك إزاي… بس ما تضحكيش، تمام؟
رمقت يوسف بطرف عينها، وهو منشغل بهاتفه…أو يتظاهر بذلك.
ابتسمت على ذكرى بعيدة:
_منكرش، كنت بتمنَّى أتجوزه، وجنِّنته كمان، يوسف ما يجيش حاجة في أبوه.
رفعت ضي حاجبها باهتمام، بينما ظلَّ يوسف صامتًا…لكن أذنه كانت معهم.
_لمَّا بابا مصطفى قال هنكتب كتاب ميرال وإلياس…أنا، أسكت؟ نو… فضلت أزن عليه لحدِّ ما زهق.
ضحكت بخفَّة، ثم صمتت لحظة، وابتسامتها تحمل شقاوة الماضي: 
_تعرفي كان مسمِّيني إيه؟
هزَّت ضي رأسها، تنتظر.
رفع يوسف رأسه دون وعي.
انفجرت ميرال ضاحكة:
_البايرة!
ضحكت "ضي" رغم تعبها، حتى دمعت عيناها، بينما عادت ميرال تمسِّد على شعرها بحنان.
لكن صوتها تغيَّر قليلًا: 
_كان بينا ذكريات وحشة كتير، بس الحلو مسح الوحش، وده الطبيعي. رغم إني كنت بحبُّه أوي، إحنا الاتنين جنِّنا بعض.
سكتت، ثم نظرت نحو "يوسف" مباشرة:
_اللي بينكم ده، ولا حاجة جنب اللي مرِّينا بيه..إحنا اتجبرنا، إنَّما إنتوا، بتجبروا نفسكم، وبتبنوا حواجز بإيديكم.
ساد صمتٌ ثقيل.
نهض يوسف فجأة، وكأنه يهرب من شيءٍ داخله، واتجه نحو الفراش: 
_خلَّصتي قصِّة الحبِّ الباير؟ وسَّعي كده أشوف المحلول خلص ولَّا لأ.
نظرت له "ميرال" بغيظٍ مصطنع: 
_شوف الواد! بدل ما تقولِّي تعيشي وتفتكري!
ردَّ ببرودٍ ساخر:
_ما تعيشيش الدور يا ميرال…ما إنتِ عايشة وبتشجينا بقصصك إنتِ وإلياس.
رفعت حاجبها متحديَّة:
_هتجيبه من بعيد يا ابن إلياس؟ ما إنتَ شبه أبوك.
قطب جبينه:
_أنا مش شبه حد، قال بايرة، لا وفرحانة بنفسها!
تدخَّلت "ضي" فجأة، وصوتها خرج هادئًا…لكنَّه يحمل وجعًا خفيًّا: 
_طيب ما إنتَ كنت بتقولِّي "ضلمة" ولَّا نسيت يا دكتور؟
تجمَّد "يوسف".
تابعت، وعيناها مثبَّتتان عليه: 
_بس عندك حق، لحدِّ إمبارح أنا كنت ضلمة حياتك بس خلاص.
سقطت الكلمات كصفعة..ساد صمتٌ ثقيل خانق.
نظر إليها "يوسف" طويلًا، وكأنَّ شيئًا انكسر داخله، لكنَّه لم يظهره.
ثم قال بنبرةٍ حاول أن يجعلها طبيعية: _ممكن ما تتكلِّميش؟ إنتِ لسه خارجة من عملية، ومش سهلة.
انتفضت "ميرال":
_عملية! عملية إيه يا حبيبي؟
لم ينظر إليها، فقط قال بسرعة: _ماما…يلَّا انزلي تحت، بابا مستنيكي.
تردَّدت لحظة، تنظر بينهما، ثم ربتت على كتفه بهدوء:
_خلِّي بالك من مراتك.
قالتها وغادرت الغرفة ببطء.
مضي ثلاث ايام الى أن قرر يوسف خروجها من المستشفى 

بعد قليل، اتَّجه إليها وهو يحمل حقيبةً صغيرة تضمُّ بعض ملابسها..
قال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا، لكنه خرج مثقلًا: 
_غيَّري علشان نمشي.
تعلَّقت عيناها بالحقيبة للحظة، ثم اعتدلت بصعوبة، جسدها ما يزال مخدَّرًا، ووجعها أعمق من أن يصفه دواء..انحنى نحوها ليساعدها، لكنَّها رفعت يدها سريعًا، كأنَّ لمسته النار.
_ما تقربش منِّي...أنا كويسة، مش محتاجة مساعدتك.
تجمَّد للحظة، وكأنَّ كلماتها صفعة نزلت على وجهه، ثم فتح الحقيبة وأخرج ملابسها بصمتٍ ثقيل.
_اطلع برَّة...ولمَّا أخلص هخرج، مش ههرب ولا حاجة.
نظر إليها مطوَّلًا، وعيناه تتوقَّفان عند ارتجافة أصابعها وشحوب وجهها.
_ضي...جسمك لسه مخدَّر، مش هتقدري.
رفعت وجهها إليه، وفي عينيها بقايا انكسار وشرارة غضب موجعة.
_ما يخصكش...قلت اطلع برَّة.
في لحظةٍ امتزج فيها الخوف بالعناد، انحنى وأوقفها رغم مقاومتها..كانت قدماها ترتجفان، لا تقويان على حملها..بيدٍ واحدة أسندها، وبالأخرى بدأ ينزع عنها ثياب المشفى، رغم محاولتها انتزاع نفسها منه بيأس.
_اهدي...هتوقعي، إنتي لسه تعبانة.
_ابعد عنِّي...ما تلمسنيش بقولَّك!
ارتجف صوته عندما شعر بدموعها المختنقة، لكنَّه لم يتوقَّف..أحاط جسدها بالكامل حتى أصبحت حبيسة ذراعيه، عاريةً من كلِّ شيء إلَّا من ألمها وكسرتها.
أغمضت عينيها بقوة، وانسابت دموعها في صمتٍ موجع.
أمَّا هو...فكانت أنفاسه مضَّطربة، وقلبه يعتصره ندمٌ يأكل روحه ببطء، لكنه أخفاه خلف ملامح جامدة..أكمل إلباسها ملابسها بيدينِ ترتجفان رغم محاولته الثبات، ثم ساعدها على الجلوس برفق.
مال بجسده نحوها، وقال بصوتٍ خرج منخفضًا:
_خدي نفس بالراحة..حاسَّة بإيه؟
أبعدت عينيها عنه، كأنه لم يعد يستحقُّ حتى نظرة، وظلَّ الصمت بينهما أوجع من أي كلام.
جلس بجوارها، وسحب نفسًا طويلًا، ثم أطلقه ببطء، كالذي يطرد نارًا تشتعل بصدره.
_زعلانة ليه؟.هوَّ أنا غصبتك على حاجة؟
التفتت إليه فجأة، وعيناها امتلأتا بوجعٍ بارد، وجمودٍ يخيف أكثر من الصراخ.
_انا حبيتك كتير اوي، حبيتك اوي، وانت أذتني اوي علشان كدا طلَّقني يا يوسف، كفاية إهانة كدا..أنا بتأسِّف لك، وبتأسِّف لنفسي، آسفة... غلطة ومش هتتكرَّر طلَّقني.
تلقَّى كلماتها كطعنةٍ استقرَّت في صدره..للحظة، شعر أن الهواء انسحب من رئتيه، وأنَّ شيئًا بداخله ينهار بصوتٍ مدوٍّ.
ظلَّ ينظر إليها، وداخله بركان من الندم والغضب والألم.
 اعتدل واقفًا، وقال بنبرةٍ خرجت حادَّة بعض الشيء، لكن خلف حدَّته اختبأ رجلٌ مكسور:
_هوَّ يوسف مالوش أي رأي في حياته؟ وقت ما تحبُّوا تجوِّزوه تجوِّزوه... ووقت ما تحبُّوا يطلَّق، يطلَّق؟
ارتجفت ملامحها للحظة، شعرت بقسوة حديثه، لكنَّها لم تتراجع..بقيت تنظر إليه بعينينِ خاليتينِ من الحياة، كأنها أنهت كلَّ شيء بداخلها.
وقف ينظر إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ أكثر خفوتًا:
_هخلِّي الممرِّضة تجبلك كرسي، علشان متتعبيش.
نهضت بجسدٍ مرهق، وتحرَّكت بخطواتٍ ضعيفة، كلُّ خطوة كانت كأنها تسير فوق جراحها..شعرت بدوار الأرض يميل بها، فاستندت إلى الجدار، وأنفاسها تتسارع.
وفجأة شهقت، حين وجدت نفسها معلَّقة في الهواء.
حملها بين ذراعيه قبل أن تسقط، كأنَّ غريزته سبقت غضبه.
فتحت فمها لتعترض، لكنَّه نظر إليها بعينينِ يملؤهما قهرٌ وندمٌ موجع:
_هتوقعي..لمَّا نروح..ابعدي زي ما إنتي عايزة.
مضى بها نحو الخارج، دموعها تنساب بصمتٍ على صدره، وندمه ينهش قلبه مع كلِّ خطوة..حملها بين ذراعيه، وخطواته ثابتة ظاهريًّا، لكن داخله كان ينهار مع كلِّ خطوة يخطوها.
كانت خفيفة…خفيفة بشكلٍ مرعب.
كأنها لم تعد تلك التي عرفها، أو كأنَّ الحياة انسحبت منها وتركَت له جسدًا فقط…وذنبًا أثقل من أن يُحتمَل.
أنفاسها الدافئة كانت تلامس عنقه، ودموعها تتسرَّب بصمتٍ إلى صدره، 
كلُّ دمعة كانت كأنها تحفر قبره.
شدَّ عليها أكثر دون وعي…  

ارتجف فكِّه، واشتدَّت ملامحه، يحاول أن يدفن ألمه الذي صرخ بظهره لحملها…لكنَّه لم يتوقَّف..لم يعد يهتم لشيء، ما الذي ظلَّ ليحافظ عليه.. خطا بصعوبة والألم يزداد ورغم الأم نظرة ألمها وغضبها كانت أشدَّ ألمًا عليه. 
صوتها وهي تطلب الطلاق للمرَّة الثانية، هل يحرِّرها منه للأبد، ويحرِّر نفسه من عناده، ويعود يغوص بالظلام مرَّةً أخرى، كيف وهي نقطة ضيائه الوحيدة؟..
هنا..توقَّف قلبه للحظة عند هذه الفكرة، وارتبكت خطواته، وكاد أن يسقط بها، فشدَّ عليها أكثر وكأنَّه يعتذر بصمتٍ لا يُسمَع.

وضعها بهدوء، رغم أن الألم تضاعف داخل ظهره كأنَّ أحدهم يغرس سكِّينًا في فقراته مع كلِّ حركة.
في تلك اللحظة، وصل بلال، الذي ترجَّل من سيارته متجمِّدًا على مشهد حمله لها.
_يوسف! إنتَ اتجنِّنت؟! إزاي تشيلها وفقرات ضهرك مش في مكانها؟!
شدَّ يوسف على أسنانه، وعرقٌ باردٌ بدأ يغزو جبينه، لكنه قال بصوتٍ متماسك بصعوبة: 
_أنا كويس...
لم ينتظر ردًّا، واتجه إلى مقعد القيادة، تحرَّك بالسيارة بينما الألم ينهش ظهره بلا رحمة، يمتدُّ تدريجيًّا إلى ساقه، كتيَّار نارٍ يسري في عروقه… ومع ذلك، ظلَّ صامتًا، رافضًا أن يُظهر ضعفه.

كانت تنظر من النافذة، كلماته ليلة أمس تصدح بأذنيها، دمعة غائرة تطبق على جفنيها، وهي تقرِّر نهائيًا الابتعاد عن ذلك الحبِّ المؤذي، التفتت إليه ببرودٍ قاتل:
 _أنا هروح بيت أبويا…وأبعت البنات يلمُّوا حاجتي.. 
لم يلتفت، لم يعترض، فقط شدَّ على المقود حتى ابيضَّت مفاصله..
التفتت إليه فجأة: 
_يوسف علشان منرجعش نندم ونوجع بعض…طلَّقني بلا رجعة.
هنا لم يعد الألم في ظهره وحده.
اشتدَّت قبضته أكثر، واهتزَّ نفسه، كأنَّ قلبه انضغط داخل صدره مع فقراته.
التفت إليها ببطء، وعيناه تحترقان: 
_ضي لمَّا نروح فيه حاجة لازم تعرفيها، أنا مقدرتش أوجعك أو أهينك، ولاعمري فكَّرت أبكِّيكي في يوم من الأيام.
_مبقاش فيه حاجة تتقال يا يوسف، إنتَ صح..اتَّجهت مرَّةً أخرى بنظرها إليه:
_للأسف كلِّ ذكرياتنا مع بعض وحشة أوي، مفيش ذكرى حلوة معاك فكراها.
_مش هتمشي يا ضي ريَّحي نفسك، عارف أذيتك وضغطت عليكي، لكن عندي أسبابي، ولمَّا تعرفيها أوعدك بعدها هعمل اللي إنتي عايزاه.
للحظة شعرت بضعفها، هي لاتريد أن يقصَّ لها شيئًا.
نظرت إليه لثانية، ثم أدارت وجهها في هدوء، وأسندت رأسها على زجاج النافذة.
لم يكن ضعفًا..بل إنهاك..قرارها انتهى، ولم يعد فيه رجوع.
وصلت السيارة أمام منزل إلياس.
توقَّف فجأة، أنفاسه أصبحت أعلى، متقطِّعة، ويده ترتعش على المقود، وظهره يصرخ فيه بلا توقُّف…كلَّ ما يريده الآن هو أن يصل للفراش.
أشار إليها دون أن ينظر: 
_انزلي بالراحة، علشان هتحسي إنِّك دايخة. 

فتحت باب السيارة، وقالت: 
_هبعت حد ياخد هدومي. 
 ترجَّل بصعوبة، يشعر بأنَّ جسده كلِّه أصبح ثقيلاً عليه، استدار نحوها…وقف للحظةٍ صامتًا، عينيه عليها، يريد أن يقول لها أنَّه يتألَّم …ولم يستطع.
نظرت إلى وقوفه أمامها:
_وسَّع عايزة أمشي.
 انحنى يحملها رغم اعتراضها.
_نزِّلني! قولت نزِّلني!
لكنَّه لم يتحرَّك، فقط كان ينظر إليها
ثم…فجأة، وكأنَّ شيئًا اشتعل داخله، فانحنى وحملها وهو يقول بصوتٍ خرج ممزوجًا بالألم والغضب، رغم صرخة ظهره التي كادت تُسقطه في نفس اللحظة.
_أنا آسف حبيبتي، حبيبك غبي. 
نطقها بصعوبة وارتعاش. 
لكنَّها صاحت فيه:
_يوسف نزِّلني، مش هدخل معاك البيت.
في تلك اللحظة وصل بلال، وترجَّل من سيارته سريعًا. 

_يوسف، نزِّلها يا مجنون! إنتَ بتعمل إيه؟!
أشار بلال نحو الداخل وهو يصرخ بإلياس الذي دلف للتو: 
_الحق ابنك بيأذي نفسه!
ولكن تحرَّك يوسف بها…خطوة…ثم أخرى.
كلُّ خطوة كانت كأنَّها تمزِّق عموده الفقري.
الألم لم يعد احتمالًا..بل صار طوفانًا يجتاح جسده.
تعالت أنفاسه، وازداد عرقه، وارتجفت يده التي تحملها وهي…لم تتوقَّف..
كانت تضربه بصدره، تركل الهواء، تحاول الإفلات منه: 
_سيبني! بقولَّك سيبني!
لكنَّه لم يسمع… 
شدَّّ عليها أكثر:
_ضي اهدي هقع، بطَّلي غلبة، إنتي عارفة بحبِّك، بطَّلي بقى جسمك ضعيف حبيبتي من السمِّ مش هتقدري تمشي. 
_نزِّلني يا يوسف بقولَّك ما لكش دعوة بيَّا.
لم تكترث لكلماته..
_يوسف نزِّلني مبقتش طيقاك.
خطوة أخرى وفجأةً توقَّف.
شهقة حادَّة خرجت منه، وشعر بتجمُّد جسده.
تسلَّلت من بين يده، بعد وقوفه، ظنًّا أنَّه حزن من كلماته، ولكن انقبضت يده بعنف على أسفل ظهره، وعيناه اتَّسعتا من شدَّة الألم..لم يعد قادرًا.

ابتعدت عنه فورًا، تلتقط أنفاسها، وتنظر إليه ببرودٍ قاسٍ:
 _أنا همشي تطلَّق ولَّا مطلَّقش…ما يهمنيش أصلًا.. 
المهم إنِّي مبقتش عايزة أفضل معاك.
 لم يكن يسمعها لأنَّ جسده خذله في تلك اللحظة.
سقط على ركبتيه فجأة، وكأنَّ ساقيه انهارتا تحته، قبض على أسفل ظهره بقوة، وأطلق أنينًا مكتومًا خرج رغمًا عنه..
حتى شعر بتقطُّع أنفاسه، وشحب وجهه، وعرقٌ باردٌ غطَّى ملامحه.
حاول أن ينهض…لكن قدمه اهتزَّت، ولم تحمله.
_يوسف!
صرخ بلال وهو يركض نحوه، ومعه خروج ميرال مذعورة على وقوع ابنها.
_لو بتنتحر مش هتعمل كدا يا متخلِّف!
لكن يوسف لم يرد…
رفع عينيه بصعوبة، ونطق بصوتٍ خرج مكسورًا، متقطِّعًا، مليئًا بعجزٍ لم يعرفه من قبل:
_بلال..ضهري مش..مش قادر أقف.
ضغط أكثر على ظهره، وكأنَّ الألم ينهش عظامه من الداخل.
هنا انهار بلال وصاح غاضبًا به: 
_أعمل فيك إيه يا متخلِّف...أعمل فيك إيه؟ 
أنا مش محذَّرك وقايلَّك عندك انزلاق غضروفي حاد في الفقرات القطنية، واللي إنتَ عملته زوِّد الضغط على الغضروف بشكل كبير.
حرَّك يده على ظهر يوسف، وصرخ بأنين من جوف يوسف.
ضمَّ بلال رأسه: 
_أومال لو مش دكتور وعارف إنِّ  الغضروف بيضغط على العصب..
حرام عليك يا يوسف، ليه تعمل في نفسك كدا، ليه يا بني؟. 
_بلال...فهِّمني إيه اللي بتقوله؟. 
سحب يوسف ذراعه بقوة، رغم تفاقم الألم:
_ألم بسيط وهيروح يا بابا، مش كدا يا دكتور؟. 
هزَّ رأسه ودمعة انبثقت من جفنيه:
_اتِّصل بالإسعاف يا عمُّو، ابنك لازم يعمل عملية، وياعالم يمشي تاني ولَّا لأ.

تعليقات