رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والستون 67 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والستون 


قبل ساعتين 

يجلس فى المقعد أمامه منذ عدة دقائق لكنه صامت 
ينظر للفراغ أمامه بشرود وذهن غائب فى بحر افكار
متلاطم يقذف به بين طياته، محاولًا السيطرة على 
حزنه ووجعه المكتوم بداخله،  كسرة قلبه 

طعنته بدل المرة ألالاف المرات قبض على اصابعه بقسوة

-على فكرة أكيد كانت خايفة عليك 

كانت هذه كلمات تامر، فابتلع  كنان غصته المكتومة بحلقه 
لكنه لا يستطيع  التخلص منها ولا يقوَ على ازالتها 
بل تظل واقفة فى حلقه كحجر حُشر فى مجرى تنفسه 
فيعيق تنفسه وراحته، ابتسم بألم فتابع تامر قائلًا: 

-صدقنى خوف بدليل انها محكتش لحد كانت ممكن 
تقول لأى حد مننا لكنها خافت 

ارتعش فكه ليهمهم بصوت مختتنق: 

-خوف!!
لأ مش خوف دي حواجز هى حطاها بينا ورافضة تشيلها او تساعدنى، أنت متخيل أنه الحيوا.ن دا كان ممكن يقتلها فى لحظة 
طب لو هى خايفة ليه مفكرتش فى الحل الأسهل انها 
تديه الفلوس اللى طلبها لكن هى وقفت قصاده ودي النتيجة 

بعد أن انهى كلماته ارتجف قلبه قائلًا: 

-خلينا فيك أنت دلوقتى ومتقلقش من العملية إن شاء الله 
هتقوم بخير ، وبعد العملية هتكون بنى ادم طبيعى وهتباشر حياتك عادى جدًا ياتامر

-مش قلقان بس عندى طلبين منك معلش 

أومأ كِنان وهو يستمع له بإهتمام تنهد تامر قائلًا بخزى: 

-الأول عايزك تسامحينى على أى حاجة حصلت بينك وبين كيان بسببى

اغمض كنان عيناه فدائمًا الحقيقة قاتلة صعبة ثم تابع 
تامر 

-التانى أنك تسامح كيان ومتبعدش عنها مهما حصل 
لأنها بتحبك جدًا بس بتخاف لأنه لسه الماضى مأثر عليها 
اوعدنى مش هتسيبها 

ساد الصمت للحظات ليجده يقترب منه ويجذبه بين ذراعيه هامسًا: 

-وانت كمان اوعدنى تتمسك بالحياة فى ناس محتاجينك
كيان محتاجة وجودك معاها 

-استغفر لله، استغفر لله 

قال هذا كرم وهو يضع يده على عينين اخيه ، ابتعد كنان
عن تامر وهو يرمقهما بإستنكار فتابع كرم: 

-لأ خليك مغمض يا طاهر، دا انت لسه قاصر على الكلام دا 

فهم كنان ما يرمى إليه كرم فجز على اسنانه قائلًا: 

-ما تظبط عشان أنا مش فايق ليك 

تحمحم طاهر قائلًا: 

-احنا شكلنا جايين فى وقت غير مناسب 

زفر تامر قائلًا: 

-انتوا مفيش وقت لا مُرحب بيكم ولا مُناسب ليكم 

حك كرم ذقنه قائلًا: 

-ابقى فكرنى يا طاهر نوصى بيسان تجيب حتة من لسانه
عشان طول 

ابتلع طاهر ريقه هاتفًا: 

-يا جمالوا ياتكاتوا ياكرم 

تأفف كنان وقال بعصبية: 

-خلاص مش وقت هزار 

مال كرم على طاهر هامسًا: 

-واضح أن الدكتور خلص مع تامر فى الممبار بسعر أعلى مننا 

-الواد تامر طلع رخيص باع نفسه بحضن 

كان صوتهما مسموع فرمقهما كلا من تامر و كنان بصدمة 
فلوح طاهر بيده قائلًا: 

-خلاص يا عم الله يسهلُه بقى إحنا ماشيين 

****

بعد أن عادوا ثلاثتهم إلى الشقة مسحت هاجر عينيها من الدموع وخرجت من الغرفة وتركت حماتها نائمة بعد 
يقظة طويلة، ومرت بالردهة لتجد فجأة عينيه أمامها 
أرتعش جسدها بطريقة مخيفة هامسة: 

-لو سمحت عايزة اعدى 

لمح برودًا غريبًا بعيناها رغم الدمع اللامع بعيناها إلا انها بدت قوية في هذه اللحظة قوية لدرجة مؤلمة لتخليها عنه بأول 
منعطف بحياتها، مما جعله يشك للحظات فى حبها له 
ذلك الشعور احرقه من الداخل 

فرمقها بنظرة تحمل الخذلان وخيبة الأمل هامسًا: 

-واخرة اللى إحنا فيه يا هاجر متعبتيش من البعد 
والهجر عجبك الوضع الجديد 

اسبلت جفونها لينهمر منها الدمع الحارق تشعر بتحطم قلبها لإشلاء صغيرة وشهقة عالية خرجت منها غصب 
عنها، جسدها يرتعش بجنون هتفت بحزن وسيل من 
الدمع يحجب رؤيتها:

-أنا دا الوضع العادى الدنيا تيجى عليا اعيط واقعد لوحدى 
وبكرة انسى بعده عادى اكتم كل حاجة جوايا، بس المرة دي لأ كفاية حياتى اللى بوظتها وأنا ساكتة، بس والدتك تسترد صحتها وهامشى ومش هتشوفنى تانى لأنى تعبت من كل حاجة حتى النفس اللى خارج مني دلوقتى تعبنى تعبنى 

ثقل عظيم اجتاح جسدها جاعلًا منها ورقة خريفية فى مهب الريح، سقطت على الأرض فاقترب منها يضمها 
لكنها دفعته بقوة ونحيبها يقطع نياط قلبه ولم يستطع 
المغادرة، فبقدر رغبتها فى كسر كبريائه ورجولته ضمها 
بين أضلعه علها تنفذ بين عظامه وتخترق فؤاده وتعلم 
بمدى عشقه، شعر بإرتخائها بين ذراعيه فحملها متوجهًا 
نحو غرفته ليتحسس عرقها النابض ابتلع بخوف وهو 
يستشعر بطء نبضاتها نهض مسرعًا ليحضر عطره ثم 
نثر على يده ومررها بجوار انفها فرمشت بعيناها هامسة

-لو سمحت أنا عايزة أنام مرهقة اخرج برا 

هز رأسه حتى لا يرهقها اكثر فاسبلت جفنيها وشعر 
بانتظام انفاسها، لكن جسدها كان ينتفض بين الفينة
والأخرى، فاقترب منها يضمها يستنشق عطره الذى
حرم منه ليالى هامسًا بحزن: 

-والله حبيتك من أول مرة، وأنا كنت عايز اقولك وغلطت
لما سمعت الكلام وخبيت بس حبى يشفع ليا 
اللى حصل فى المستشفى كان هيخلى قلبى يقف يا هاجر
وعد منى إنى ارجعك فى أسرع وقت لحضنى 

انصرف من الغرفة بمفرده وشعور الألم يتضاعف بداخله 
كلما تذكر لحظات إنهيارها.

******

-جاهز يا بطل 

وقفا كلا من كنان وتامر ولكل منهما مشاعر متضاربة 
وما أن خرجوا من باب الغرفة وجدوا ساهر والدموع بعيناه وهو ينظر له وكيان تجلس بجواره بهدوء
لا يدل على حياتها سوى انفاسها التى تصعد بصعوبة 
وتتعثر فى منتصف حلقها، تسمرت عيناها على تامر 
وألم يعتصر قلبها أقوى من أن تفسره دموع اوصرخات 
لتضع يدها على أذنيها لتمنعها وصل صوت بكاء تارا 
التى انهارت فور خروج تامر من الغرفة 

استدارت بيسان لصوت الشهقات فتوسعت عيناها بذهول 
وهى ترى اختها كلما مسحت دموعها بظهر يديها زاد نحيبها اكثر بينما طالع كنان تارا وكيان بقلب متألم يعلم أنهما اكثر الأشخاص حزنًا على تامر 

ابتسم تامر لتارا ثم اغمض عيناه ليطمئنها لكنه لم يقو 
على مواجهة كيان سينهار أن نظر إلى عيناها غادر مسرعًا 
نحو المصعد وهو يسمع صوت نحيب تارا 

اقتربت تارا من بيسان هامسة بصوت متقطع: 

-هيكون كويس صح 

ارتجف قلب بيسان على حالة اختها فضمتها بقوة وتشبثت
بيها تارا هامسة: 

-أنا خايفة أوى، خايفة عليه 

ابعدتها عن حضنها ومسحت على وجنتيها المبللتين قائلة 
بعتاب كى تخفف عنها: 

-عشان مش عارفة قيمة اختك بتسألى السؤال دا 
هيخرج احسن من الأول كمان ادعيلهُ هو وضياء 

اسرعت خلف تامر فهى يجب أن لا يؤثر شئ على اعصابها 
قبل العمليات 

جلس كنان على ركبته امام كيان وابعد يدها عن أذنيها 
هامسًا ثم دلك باطن يدها فارتجف قلبها ونظرت لعينيه 
بخزى هامسة:  

-ابعد عنى أنا سبب كل مشاكل حياتك وانا كل المصايب 
ابعد أنا واحدة مستاهلش أنا وشى نحس عليك 

-هيبقى بخير هو ضياء 

خنجر مسمومًا بمنتصف قلبها وهى تراه يجلس على 
ركبتيه يواسيها على خطأها

على الجانب الأخر 

كانت تدفن وجهها بين يديها وتبكى بحرقة فهمس بجوار 
أذنيها: 

-هيبقى بخير ويقوم بالسلامة ياكارما 
الدعاء بيغير القدر ياكارما والناس كلها بتدعى ليهم 
الموضوع قالب الفيس كله في حملات بس عشان الدعاء 
ليهم ادعى ياكارما يقوموا بالسلامة وميوجعش قلبنا على
حد فيهم 

-خايفة ياكرم 

-يا قلب كرم متخافيش والله هيقوم بسلامة 

****** 

فى الأسفل كانت بيلا فى احضان ابيها الذى لم يفارقها 
ولم يدعها تفارق حضنه كان خير داعم وسند وطاهر 
انضم لهم يقف بجوارهما 

جاء طقم التمريض والأطباء برئاسة بيسان التى كانت 
تسير بخطوات واثقة وبوجه زجاجى حتى أنها لم تلتفت
لهم، لكن طاهر قلبه كان ينتفض بين ضلوعه كطير ذبيح وهو يراها أمامه تسير كملكة متوجة وخلفها الحاشية 

فى الداخل بعد أن تم تخدير تامر وضياء بدأت بيسان 
ترتدى ثياب العمليات ونظرات إلى اجهزة ومؤشرات 
القلب ثم اخذت المشرط واقتربت من جسد تامر 
وبدأت بتوجيهات 

******

بعد مرور اكثر من ثلاث ساعات

كانت تقف فى المطبخ وشعرت به خلفها فاشاحت وجهها 
للجهة الأخرى وقد بدت انها لا تريد أن تخوض معه نقاشًا 
أو ربما تريد أن تتحدث معه البته ليقول: 

-إنتِ بتعملى أكل ايه؟! 

نفضت يدها بقوة مما جعل الأوانى تقع أرضًا محدثة ضجة 
عالية ثم هتفت: 

-انا رجعت بس مش عشانك أنا رجعت عشان اللى نايمة 
تعبانة جوه وأول ما هتتحسن همشى، فلو سمحت متحاولش تتعامل معايا 

-أنا مستغرب أن بعد كلامك ولسه إنتِ اللى زعلانة

خفق قلبها بقوة، ماذا يعنى بكلامه أنها هى المذنبة بعد 
أن تزوجها وهو يخدعها جعلها تحبه فوق حبه لها اضعافًا 

-أنت عايز ايه دلوقتى كل حاجة خلصت وانتهت وجودى 
هنا مسألة وقت 

-عايز بقلاوة 

-نعم!! 

-بقولك حابب نعمل بقلاوة عشان قومت أمى بالسلامة 

اشاحت بوجهها للجهة الأخرى حتى تبقى صامدة فهمست: 

-بقلاوة ايه مينفعش احنا بنظبط السكر وكدا غلط 

-بس أنا عايز نفسى فيها يا هاجر 

كان صوته متألم فكيف لا تشعر هى به، اغمضت عيناها 
حتى لا تنهار أمامه هامسة: 

-لما مامتك تتحسن هتقوم تعملها هى أنا ماليش فيها 

بات كل شئ مسرعًا عندما سحبها من يدها وارغمها على القرب منه، ورفع يدها على فمه ليقبل باطن يدها 
وهو مغمض عيناه: 

-وحشتينى يا هاجر، بلاش كلمة همشى واسيبك أنا 
استحملت منك كلام زى النار على كرامتى ورجولتى لكن 
طول ما انتِ قريبة منى أنا قادر اتنفس، بحبك 

كان يقبل يدها تارة ويمررها على وجنته تارة مما جعل 
رعشة تسرى بجسدها، دفعته فى صدره وخرجت مسرعة
تشعر انها تحترق، بينما هو بالداخل ابتسم قائلًا: 

-بتحبينى يا هاجر لسه

******

على حافة بئر الخسارة الجميع بينما هى كانت تحوم أمام 
غرفة العمليات زوجها بالداخل عشقها بالداخل، كانت تطلب 
منه الطلاق بكل بساطة ليتها ما طلبته ولم تثور ليلة الحفل 
ليتها هى مكانه الآن 

اما كيان كانت تدور عينيها بغيمة وجع خزى خوف، وبجانبها تقف تارا التى تنظر إلى غرفة العمليات بتيه 
وافكارها السوداء لا ترحمها، الجميع ينتظر بوجع مغلغل 
ينهش قلوبهم يفتته قطع اطرافها حادة كشظايا 

خرجت بيسان ليلتف حولها الجميع وأولهم كنان الذى همس بصوت مرتجف خائف: 

-اخبار العملية 

لمحت الخوف بعيناه وادركت أن قلبه على شفا الموت 
فاخفضت رأسها هامسة: 

-العملية تمت بس مقدرش أقول أى حاجة غير بعد ٤٨
ساعة هما هيخرجوا دلوقتى 

نظر كنان فى عمق عيناها فتهربت بنظراتها وانصرفت من امامه والجميع سار خلفها لعله تطمئن أحد لكنه انتظر 
بدر وما أن خرج بدر سأله: 

-بدر قول وطمنى أنت عارف إنى هاعرف اول مايخرجوا 

-ضياء الحالة مستقرة نسبيًا، بس تامر الوضع حرج 
كان هيفارق مننا فى العمليات وعملنا صدمات ولسه 
هنشوف خلال اليومين دول وانت عارف أننا جاهزين 
لأى حاجة

-لأ لأ

انتفض كنان على صراخ تارا التى جلست على رخام 
المشفى تبكى، اقترب منها كنان وهو يبكى هو الأخر 
يضمها ونحيبها يمزقه هامسًا::

-تارا حبيبتى إهدى دا وارد بيحصل فى أوضة العمليات 
لكن هو هيبقى كويس صدقينى 

****

ما أن ولجت ارتمت على الأريكة وجسدها يرتجف العملية 
طرق الباب وولج بدر دون استئذان وجدها ممددة حتى 
انها لا تقو على رفع يدها فاقترب منها بكوب عصير وحبة 
مسكن لكنها ظلت كما هى دموعها تنهمر فى صمت 
فوضع يده وراء رأسها يعاونها على النهوض واليد 
الأخرى يحمل كوب العصير ويقربه من شفتاها 
فى هذه اللحظة فتح  الباب وكان طاهر، الذى توسعت 
عيناه بغضب أعمى وسحبها من يدها خلفه غير عابئ 
بتعثرها خلفه 

****

تعليقات