رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والستون 68 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والستون 

عقدت شاهندة ذراعيها امام صدرها واراحت ظهرها للخلف 
هامسة بحرقة من نيران الغيرة التى تلتهمها من الداخل: 

-اعمل أيه يا بابى حاولت اقرب مفيش فايدة، حاولت 
اقرب من اخوه البنت اللى كانت مراته عشان استغله واعمل مشاكل بينهم ومعرفتش طلع اصلًا حد ضايع 
لوحده

قست نظران والدها هامسًا بغضب: 

-عشان غبية، اخوها أيه بس 
انتِ هتتعاملى مع المشبوهين يا شاهندة ركزى عليه هو على كنان ذات نفسه على الصرح بتاع ابوه فى دبى ركزى ديه هتبقى نقلة لينا أنا بحكم منصبى مقدرش افتح حاجة زى كدا هناك، على طول من أين لك هذا واخسر منصبى لكن كدا هتبقى كل حاجة بإسمك واسمها فى الأخر فلوس جوزك 

كانت تغلى كفوارن الحليب عند بستره هى لم تعد تهتم 
لكل ذلك هى عشقته، تريده هو، وتريد ايضا النيل من 
تلك اللقيطة التى قضت على سعادتها قبل أن تولد 

*****

حشرها فى الزواية بين الحائطين كأرنب حشر فى خانة 
اليك، اجفلت بعيناها الواسعتين وهى ترى عيناه مبلدة بالغيوم الوحشيه، ثم سألتها بحدة مفرطة: 

-انت اتجننت يا طاهر؟! إزاى تدخل الأوضة 
أنت إزاى تسحبنى كدا قدام بدر 

فقد السيطرة على غضبه مع ذكرها اسم بدر امامه فصرخ 
بغضب: 

-بدر، بدر.. مش دا اللى قولتى اخ ليا صديق مش اكتر 
البيه طلب إيديكِ وشغال يطبطب ولأ وكمان بيحط
البرشام فى بؤقك بإيده وكمان مش عجبك اللى عملته 

اجابته ببرود وهى تنظر فى عيناه بثبات: 

-وانت مالك صديق ولا اخ ولاحبيب وبعدين يعمل اللى يعمله بدر دا ميديش ليك الحق أنك تسحبنى كدا 
بصفتك أيه

نيران اشتعلت بداخله فاقترب ثانية يشدها من ذراعها: 

-بصفتى هبقى جوزك فهمتى ولا اقول كمان 

كلماته جعلت قلبها الأحمق يتقافز داخل صدرها كالفأر المذعور لكنها استعدات ثباتها وعادت ملامحها تتصلب من جديد تسأله: 

-أنت بتقول أيه؟! 

اجابها بحزم غاضب: 

-هتكونى على ذمتى أنا بحبك يا بيسان 

ضربته فى صدره لتبعده عنها بغضب قائلة: 

-أنت مريض، مريض بداء التملك وأى حاجة عايزة تمتلكها 
وبس، أنت مبتعرفش تحب أصلًا يا طاهر، بس عشان بدر 
طلبنى للجواز بتقول كدا، زى اللى حصل معاك قبل كدا 

قاطعها بصوت مذبوح ونبضات قلب تخفق بعنف: 

-أنت شايفنى كدا؟

تابعت وهى تحترق كمدا من عشقه: 

-انت شايف غير كدا، جاى كدا تسحبنى وتقولى 
هتجوزك، أنت عارف أنا خارجة من أيه؟!
اعصابى عاملة إزاى؟! أنت أنانى ومش بتفكر غير فى نفسك 

فغر طاهر شفتاه، واتسعت عيناه بصدمة بعد أن ألجمته 
كلماتها، قاوم رجفة قلبه وهو يقول بمرارة: 

-أنا انانى أنا، مش شايفة أنك قاسية اوى يا بيسان أنا طاهرأنانى، دا أنا عمرى ما فكرت فى نفسى قبل اللى حواليا أما ودلوقتى اللى حركنى كدا دا 

انهى جملته وهو يشير إلى أعلى اليسار، اختنقت بغصتها 
وهى تسمعه يتحدث بهذه المرارة والألم، لمعت الدموع 
بعيناها فتحكمت بها بقوة هامسة: 

-وسع يا طاهر أنا لازم أباشر الحالات من أول خروجها 
أنا ودكتور بدر 

نظر لها بقلب ملكوم لكنها تمالكت نفسها وتجاوزته 
لكنه فجأة قبض على يدها بقسوة قائلًا: 

-بيسان متحاوليش تختبرى صبرى وإياك ثم إياك 
يقرب منك تانى 

اجابته ببرود مستفز وطعنته بخنجر الغيرة كما تعذبت 
هى به 

-شئ ميخصكش يا طاهر، بدر طلب إيدى قدام الكل 
غير كدا هو عارف أنا تعبان إزاى بعد العملية وبعدين كتر 
خيره بعد العملية وشد الاعصاب اللى كنا فيه أنه بيفكر 
فيا

تحطمت سيطرته بسبب كلماتها السامة فضرب الحائط 
خلفها عدة مرات بقسوة، اغمضت عيناها مما أدى لترنحها 
مد يده يساندها من مرفقها هامسًا: 

-بيسان، إنتِ كويسة؟! 

كست المرارة عيناها وانخفض صوتها بألم: 

-لسه فاكرة تسأل وساحبنى ومجرجرنى فى المستشفى كلها 

لمعت الدموع بعيناه ولعنة نفسه بقوة قائلًا: 

-أنا اصلًا كنت داخل الأوضة بتاعتك عشان كدا بس 

مسحت دموعها واعتدلت فى وقفتها تنظر فى عينيه 
هامسة قبل أن تنصرف وتتركه خلفها: 

-من غير بس يا طاهر أنا هنا الدكتورة بيسان، أى حاجة 
تخص شغلى وعلاقتى بزملائى هتا متخصكش يا طاهر 
عن إذنك بقى 

******

الفراق نوعان 
هناك من يهجر وتأتى به الأيام ليعود ثانية، وهناك فراق 
دون وداع فراق للأبد، وهى كالغريق الذى يتعلق بالقشة تعلقت بتامر وتخشى فقدانه لن يتحمل خافقها ضياعه بعد أن وجدته، شعرت بكيان تقف بجانبها وتنظر لتامر من خلف الزجاج ودموعها تنهمر على وجنتيها، اقتربت منها تارا والدموع بعينيها ثم أرجعت خصلة فارة خلف أذنها قائلة: 

-تامر بيحبك أوى 

هزت كيان رأسها فى صمت وهى تنظر إليه فتابعت تارا 
بغيرة رغمًا عنها: 

-بس زى أخته 

تنفست كيان وهمست بحفوت متألم: 

-أنا أخته فعلًا طول عمره بيهون عليا وجع الدنيا 

-وقفتكم هنا مالهاش لازمة 

كانت هذه جملة بيسان التى اردفتها قبل دخولها غرفة  العناية لتامر، دقائق وانضمت كارما تقف بجوار تارا تسألها 
بحزن: 

-أيه الاخبار 

رمقتها تارا بطرف عينيها والتزمت الصمت ابتلعت كارما 
حزنها وظلت واقفة بجوارهما، دقائق وكانت بيسان تخرج من الداخل وملامحها لا تنذر بالخير، لاحظت نظراتهم 
فهمست: 

-إن شاء الله هيبقى كويس، احنا بنتعامل مع الوضع 

كتمت تارا صوت بكائها واقتربت من اختها تقف امامها هامسة: 

-لأ، أنا عايزة اسمع انه بقى كويس، أنا قولتله قبل 
ما يدخل العمليات أنا بالنسبة ليك أيه مردش عليا 
عايزة يقوم ويرد عليا ويقولى أنه بيحبنى زى ما حبيته
لما خرجنا وروحنا الملاهى كان طفل،  طفل بس
هو بيدفنه كأنه بيعاقب نفسه أن أمه رمته ومش من حقه الحياة، وساعات  بيبقى طفل خايف من كل حاجة ومحتاج حد يطبطب عليه، عايزة يقوم تانى عشان نعيش 
اللى فاتنا من عمرنا مع بعض، لما ببقى معاه ببقى 
حاسة أن معايا بابا او اخويا حد منى خايف عليا، أول
مرة يكون ليا حد بيخاف عليا هو حقيقى بيشخط ويفضل
يزعق فيا بس عينيه كانت بتقول خايف عليكِ
قولى يومين وهيخرج معاكِ يا بيسان

صوتها ودموعها الحارقة برهنت على حبها لتامر، تساقطت 
دموع الفتيات وعلت شهقات كيان فهمست بيسان وهى 
تمسد على خصلات اختها بمرح زائف

-وعشان كل دا لازم تبقى قوية وتدعى ليه وبإذن الله 
هيقوم عشان تعرفى أنى المذاكرة ليل ونهار بتاعتى 
مش على الأرض وتصدقى إنى اشطر دكتورة، وساعتها 
ربنا يستر وتامر يستحمل لسانك 

ضحكت تارا من بين دموعها دون أن تنطق بكلمة 
ران الصمت بينهم وداخل كل منهم صرخات تمزق 
كيانهم وجع يحتلهم 

*****

-أنت متخلف ياجدع 

قال هذه الكلمات كرم لأخيه مما جعل طاهر يهب واقفًا وصك اسنانه بقوة: 

-متخلف دا أيه بقولك كان بيديها البرشام بإيده 
كنت عايزنى اقف اتفرج 

هز كرم رأسه بيأس قائلًا: 

-هو إيده نقطعها ليه عادى لكن هى تجرجرها فى مستشفى قدام الكل زى البهيمة فى سوق الجمعة
 بيسان ديه دكتورة قد الدنيا يا تور انت

انهى كرم كلماته ثم رفع كوب الميه يرتشف منه، فتابع 
طاهر بحدة : 

-على نفسها دكتورة على نفسها بقى، انت جاى تحاسبنى 
أنت متعرفش قالت أيه ليا الهانم قال أنا أنانى ومتملك 

بصق كرم المياه المختزنة بفمه فى وجه طاهر ولم يستطع
أن يكبح ضحكاته قائلًا: 

-أنانى ومتملك دا ناقص تقولك أنك كنت بتطفى السجاير 
فى قفاها ديه معبية منك أوى 

-كرم

جذبه كرم تحت يده قائلًا: 

-معلش ياض ماكنش قصدى، افهم بلاش كدا تبقى زى 
التور كدا، العملية كانت كبيرة اوى الدنيا كلها مستنيه النتيجة
يعنى بيسان على اعصاب اعصابها فرصتك تقف جنبها وتاخد نقطة على حساب بدر ما هو هيبقى مشغول مع 
الحالات يعنى بمعنى اصح طبطب ودلع وبعدين نبقى 
نشوف حوار خطوبتها من بدر احنا فى أيه ولا أيه 

نزع طاهر يد اخيه هاتفًا: 

-بدر دا 

-بدر دا عيل ملسلس، بس هو مش موضوعنا خلينا فى بيسان 

اغمض طاهر عيناه بحرقة متأوهًا: 

-آه يا بيسان ، اخر حد كنت اتوقع انه شايفنى كدا تبقى هى
دبحتنى وقهرتنى يا كرم 

لكزه كرم فى كتفه هامسًا: 

-لا عاش ولا كان اللى يقهرك يلا غيرى، وبعدين انشف كدا
ياض مالك هو اول مرة تترفض 

-كرم 

-خلاص إهدى كدا احنا لو فشلنا لسه عندنا الكارت الرابح
نوجا، أمك ياض متخافش وراك رجاله

*****

يؤلمها قلبه بشدة، محطمة من الداخل هى بالأخير 
امراة وضعت قلبها بين يد رجل استغل نعومتها 
وطيبتها لأجل مصلحة خالته، جريمة بكل ما تحمله
الكلمة من سوء، قلبها يميل لتصديقه فعينيه كانت 
صادقة عندما ينظر إليها، ابتسمت بوهن

كان يقف يراقبها لكن بسمتها الشاردة اشعلت قلبه 
أحقًا فؤادها هجرها؟! لماذا تبتسم هكذا؟! ما الذى 
تتذكره؟! لم تكن تستحق منه كل ذلك كان يجب 
أن يخبرها ولم ينتظر احد هو الخاسر الوحيد 
الآن، شوقه لها جارف، فجأة شعرت بيده تضغط 
برفق على يدها هامسًا: 

-بتفكرى بإيه شاغلك كدا؟! 

تلاقت جفونهما الحزينة وشعرت بمغزى سؤاله حينما 
زاد من ضغطه فهمست: 

-فى حياتى اللى قبل ما تبدأ واتهدت وأنا لا حول ولا قوة

ضم كفها لقلبه لتستشعر دقات قلبه الهائجة هامسًا: 

-يا ونيسة القلب ووليفة روحى 
هاجر القلب فهل من وصال؟! 
طالت ليالى الهجر وقلبى مشتاق يشكو غيابك 

ترقرقت الدموع بعينيها ولم تتمالك نفسها فسحبت 
يديها من براثينه هامسة: 

-اديت الأمان وسنة بتطلب الوصال وأنا كل مرة احط 
قلبى بين ايديك وانت للاسف كنت بتخنقه بإيديك 
ازاى يا شيخ هاجد تعمل كدا فيا، أزاى تطلب الوصال 
وانت بتضحك عليا يا هاجد 

-مش قادرة تصدقى أسالى قلبك 

ران الصمت للحظات ثم سألها بتوجس: 

-أوعى يكون كرهنى يا هاجر 

ظلت كماهى ولم تجيبها نهض منصرفًا خارج البيت  تنفست بوجع بعدما ابصرته يخرج ضعيفًا وهزيلًا، بدا 
عليه التعب والارهاق، وقلبها الخائن رغم ما قاساه يطلب منها الوصال لكن عقلها يقف لها بالمرصاد 

*****

هل يجز رأسه يفصلها عن جسده، اما يكتم نفسه كى 
يلفظ انفاسه الاخيرة بينما هو ينتظره على نيران يتحرك 
بدر فى الردهة بكل هدوء وبرود، حاول كرم ضبط انفاسه 
حتى اقترب بدر فسحبه من معصمه داخل المصعد هامسًا 
من بين اسنانه: 

-ما لسه بدرى يا دكتور 

-خير يا كرم؟! 

ابتسم كرم بتكلف وهو يحك ذقنه: 

-طبعًا أنا مقدر أنك وافقت تساعدنى من الأول بس 
مش ملاحظ أنك زودتها 

اشار بدر إلى نفسه هامسًا: 

-أنا، إزاى

-ايه هو اللى إزاى أنا طلبت منك تطلب ايد بيسان فى خطوبتى بس أنت متقمص الدور اوى ولازق فيها يعنى 
مش كدا 

أوما بدر بتفهم ثم اجابه بالنفى قائلًا: 

-لأ أنت فاهم غلط، أنا ساعدتك ونفذت طلبك عشان زى 
ما قولت اللوح اخوك يتحرك، بس اللى مع بيسان دا مش 
تمثيل دا من واجب الانسانية بتحكم بكدا

توسعت عين كرم بصدمة واخرج (المطوة) من جيب بنطاله يحك بها ذقنه هامسًا: 

-الواد تامر مطوته بركة حتى هو تعبان هتشتغل 
اخويا ايه بتقول ايه لوح 

-أنت اللى قولت لوح وبصراحة معاك حق دا من العصور الوسطى 

جز كرم على اسنانه هامسًا: 

-أنا اقول انت إياك ثم إياك اسمه الباشمهندس طاهر 
داخل هندسة بمجهوده مش بدعوات امه، وبقولك تخف
وتبعد عن بيسان خالص، احسن اخلى الوسطى والانسانية اللى بتقول عليهم دول يعيطوا عليك 

وما أن فتح باب المصعد جذبه كرم يحتضنه هامسًا: 

-ربنا يقويكم يا دكتور بدر 

-ايه العيلة المجنونه ديه هو أنا ناقص 

*****

بعد اسبوع 

تألمت ملامحها عندما وخزة كنان بالابرة فى وريدها كى 
تهدأ وتنام وقفت خلفه والدته وهى تسأله: 

-هويدا عاملة أيه يا كنان 

نار تشتعل بقلبه انينها الضعيف وهو يراها بهذا الشكل 
همس بضعف: 

-مش عارف حاجة ياامى انا حاسس انى مدرستش طب 
المهدئ عليها غلط ولو فضلت فايقة بتشوفيها عاملة إزاى 
انا بضطر اديها من فترة لتانية بس أنا مش عارف أعمل ايه 

اقتربت منها نهلة تربت على يدها وهى تتأملها بوجع هامسة: 

-الله يكون فى عونها اللى فيه هى مش فى حد 

هز رأسه وتركها متجهًا إلى مكتب والده يشعر بضياع 
ولج للداخل ووقف فى المنتصف متذكرًا ذكرياته مع 
والده وضياء، جلس على الأريكة دفننًا وجهه بين 
كفيه المرتجفتين وتوالت دموعه الملتهبة التى تحرقه 
من الداخل، كيف تساقطت عليه تلك اللعنات، وتيرة 
ألمه تزداد عليه، يرغب فى وجود والده الآن لا بأس
من ضمه حنونه كى يخفف عنه، الألم يمزق احشائه يبكى هلعًا وخوفًا من القادم مرت ساعة وهو على وضعه حتى 
ثقلت جفونه وغفى 

فتحت باب الغرفة ولجت بهدوء لتقترب منه ثم جثت 
على ركبتيها تمرر اصابعها فى خصلات شعره بحنان 
بالغ واليد الاخرى وضعتها على صدره اعلى اليسار 
فتململ فى نومته وهو يقبض على يدها هامسًا: 

-متسبنيش محتاجك 

اقتربت من اذنه هامسة: 

-استحالة يا قلب شاهندة 

شهقت تلك التى تقف خلفهما فانتفض هو من نومته 

******

-امى فين هاجر؟! 

قال هذه الكلمات هاجد فاردفت والدته 

-معرفش هى مش فوق انهارده قالتلى انتى كويسة هطلع 

اطاح بكل شئ امامه وهو يصرخ بألم: 

-لا مش فوق مش فوق نفذت كلامها ومشيت 

******

 مؤشراته تعمل بصورة طبيعية وقفت تنظر نحوه حتى 
رمشت اهدابه فاغمضت عيناها والدموع تنهمر تحمد خالقها فيكفى ما مروا به الليلة الماضية من وجع وألم 

***

تعليقات