رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والستون
تسمرت بمكانها وتجمدت حدقتيها المتسعتين بألم دون أن ترف وشعرت بالضعف والهوان ضمت قبضتها
وهى تقاوم لسعة دموعها بعينيها، أما هو كان ينظر إلى
شاهندة بنظرات حادة هاتفًا:
-انتِ ازاى دخلتى هنا؟!
التقطت همسته الهادرة بضيق لتوجه نظراته الغاضبة، اللائمة ببراءة زائفة وهى تقول بمغزى:
-أنا لما عرفت اللى حصل جيت على طول عشان اطمن عليكم أنا كنت مسافرة فى الشاليه بتاع سانت كاترين
مع بابى الشاليه اللى كنا فيه أنا وانت ولسه واصلة حالًا ولما عرفت إنك هنا دخلت على طول ولما قربت لقيتك بتهلوس سورى لو دخلت كدا
اضاف كنان موجهًا حديثه إليها بحزم:
-مهما كانت الأسباب يادكتورة شاهندة مينفعش تدخلى عليا وأنا نايم
ظلت كيان كما هى على نظراتها المصدومة تتذكر كلمات اخيها ساهر حين اخبرها أن كنان يحتاج إلى الدعم
فهو يبث فى نفوسهم جميعًا الطمائنية لكنه موجوع
الروح، خائف حد الموت، هو الآن يحتاجها اكثر من
أى وقت ويجب أن تكون بجواره فى محنته
لم تشأ أن تضغط عليه الآن فسمعت لصوت العقل قائلة:
-الدكتورة اكيد نيتها خير وبعدين، الدكتورة بتحب
تقوم بالواجب من ساعة شاليه سانت كاترين واضحة يعنى
جبينه معقود على اخره، وكأنه لا يستوعب ما تقوله
بينما ابتسمت شاهندة بغرور ورمقتها بطرف عينيها
-ميرسى
وقفت كيان تنظر لها بغضب ترغب بالتهامها
عاقدة ذراعيها أمام صدرها فكنان فالأيام الماضية كان خير داعم لها مراعيًا لمشاعرها ولأول مرة تشعر بإنه ملكًا لها وحدها حقها فهذه الحياة
أما كنان لم يعد يحتمل وجودها الغير مرغوب به ونبرة الثقة والمكر التى تستعمر حديثها البغيض فنظر لها بعينين مستفهمتين ماذا تنتظر بعد فابتلعت ريقها وهى
تشتعل من الداخل قائلة
-طب هاروح أغير أنا موجودة يا كنان لو احتجتنى
عن إذنكم
انصرفت وقد غامت عيناها بسواد حقد وامتلأ داخلها بالكره اما كيان رمقت كنان بطرف عينيها وتحركت
نحو الباب فاسرع يقبض على معصمها برفق هامسًا بصوتٍ
باهتٍ هزيل
-استنى رايحة فين؟!
ابتسمت بتهكم قائلة:
-أنا قلقت عليك وجيت اطمن، بس واضح إن فى ناس
تانية قلقانة عليك بردوا، ومتعودة شكلها أنها تطمن عليك
قبل أن يجيبها كان قد فتح باب الغرفة وولجت الممرضة
قائلة:
-دكتور كنان دكتور ضياء فاق والدكتورة بيسان قالت نبلغك
*****
لا يجيب علي أحد فقط يفتح عيناه بضعف يتأمل الوجوه
ثم يسبل أهدابه بهوان، ويهلوس بكلمات غير مترابطة
يختلط فيها والدته واخته وبيلا وكنان، ويهلوس بأخر
حدث وفى اللحظة التى هجم فيها على ذلك الرجل
يفتح عيناه لثوانٍ ليرى من هم بالغرفة، لكن وجود
الطاقم الطبى حوله يحجب عنه الرؤية بوضوح
على اعتاب الغرفة يقف كنان بقلب مرتجف سارح
النظرات على ضياء يبتلع ريقه بصعوبة حلقه ناشف وكأنه
ملئ بعشرات القطع الزجاجية، اقتربت كارما بأعين
دامعة تسأله:
-ضياء حبيبى أنت كويس؟!
لم يجيبها لتتطلع لوجه بيسان بتوجس:
-هو مش بيرد ليه؟!
همست بيسان بنبرة عملية لتطمئنها:
-المؤشرات الحيوية كلها تمام مسألة وقت ويفوق متقلقيش الخطر زال
اقترب كنان يربت على كتف كارما
- متقلقيش هو كويس
قاوم ضياء ضعفه ليصغى للحديث المدار قربه وفتح عينيه ينظر لكنان والدموع تغرق عينيه هامسًا بخفوت:
-انتوا بتعيطوا ليه أنا كويس
اقترب كنان منه وهو يقيس نبضه واضعًا اصابعه على يده
هكذا يبدو الأمر لكنه كان يريد أن يريح قلبه وأن يرجوه
بالصمود والمقاومة لأجله، ركز ضياء بصره علي كنان بنظرات ضعف وهو يفهم صديقه أوما له بوهن ثم اسدل جفنيه ثانية فابتسم كنان بعد أن ترك يده ثم ضم كارما قائلًا:
-هو كويس الحمدلله، الدكتورة بيسان مقصرتش
دا كله بفضلها هى والدكاترة بعد ربنا
بعد أن تم نقله لغرفة عادية جاءت بيلا التى كانت قد
ذهبت لترى صغيرها ولم تصدق ماسمعته صارت للداخل بخطوات واهية لا قوة لها، اقتربت من الفراش وهى تنظر إلى ضياء عارى الصدر، تحركت بخطوات ثقيلة تجلس امامه ببطء على طرف الفراش ثم ازاحت كمامتها قليلًا، ومدت يدها تمسك بأصابعه
شعر بمن يمسك أصابعه، بينما عطر يعرفه جيدًا يتسلل
لأنفه فدق قلبه بعنف وتغيرت ملامحه بابتسامة وقبض
هو على اصابعها ثم فرق جفنيه ونظر إليها لا يزال شاحبًا
سألته بصوت مهزوز:
-ضياء انت سامعنى؟! انت كويس؟!
ابتسم ضياء وهو يجيبها:
-سامعك، الحمدلله، إنت كويسة؟!
ابتسمت دون شعور وهى تهز رأسها فسألها بهمس:
-اصيل؟!
-بخير ومستنيك يا ضياء وحشته؟!
-طب ومامته وحشتها
سألها وهو يقبض على يدها، اغمضت عيناها تجيبه
وهى تبلع تلك الغصة هامسة:
-أنا كنت هاموت من الخوف عليك يا ضياء
ابتسم وهو يمرر عيناه عليها يشبع اشتياقه لها
بعد الجفاء والبعد
فتح باب الغرفة وتعالت الشهقات المكتومة حرك ضياء
عيناه وترك يد بيلا يرفعها للأعلى فكانت والدته التى
هرولت عليه تمسك كف يده وتقبلها بوجع سحب ضياء
يده هامسًا:
-ليه يا أمى ليه؟!
-يا عمر أمك روحى كلها فدا كلمة امى منك يا ضياء
حمدلله على سلامتك يا قلبى
ألتمعت عينيه بالدموع وجف حلقه هامسًا:
-أنا اللى فدا عمرك يا أمى
ولجت بيسان هامسة
-جماعة لازم تخرجوا كدا كفاية وغلط
اغمضت بيلا عيناها فمن الصعب أن تتركه بعد أن فتح
عيناه فنظرت لها برجاء لكن بيسان هزت رأسها بأسف
*****
-يعنى هتكون راحت فين؟!
تلك الجملة نطقها مصطفى لهاجد الذى اغمض عيناه
مردفًا بصوت منفعل أجش من وطأة العجز والألم:
-معرفش، معرفش روحت عند خالها وعند كيان وسألت
الكل عليها محدش يعرف
ولجت هاجر للداخل وتسمرت مكانها حين ألتقطت اذنيها
جملة زوجة والدها
-يعنى ايه طفشت وهتجبلنا العار
ليهب الألم فى قلبها لاسعًا إياه بسوط قاسى، بالأساس
هى تمر بأزمة ثقة، ثقتها بنفسها مهزوزة واهية، نفسيتها
مبعثرة روحها ترتجف من الداخل حتى سمعت
هاجد يهتف بشراسة من بين اسنانه:
-إنتِ بتقولى أيه يا خالتى؟!
عار أيه اللى بتكلمى عنه، هاجر تجيب العار
شكلك نسيتى إنتِ بتتكلمى على مين يا خالتى هاجر
مراتى أنا، وتخصنى أنا ومش مسموح لأى حد يغلط فيها
مهما كان مين ومهما كانت صفته، واللى يدخل البيت دا
ويجيب سيرة أهله لازم يحترمهم
-جرى أيه يا هاجد أنت اتجننت تكلمنى كدا؟!
شوفى يا سوسن ابنك
هو فقط احترم رغبة والدها فى مصارحتها لكنه لن يقبل
أن يؤذيها أى مخلوق وهو حى يرزق او يقلل منها لذلك
أجابها بغضب:
-تجيبلنا العار، إنتِ مين عشان هاجر تجيبلك؟!
إنتِ رفضتى انها تكون في بيتك قولتى حقى
اظن دلوقتى مش من حقك تتدخلى فى اى حاجة
تخصها وكمان تقولى عار
تدخلت سوسن بحزم قائلة:
-هاجد اعمل احترام لينا دي مهما كان خالتك، وانتِ كمان راعى انه قلقان على مراته وكلامك مايصحش
اشاح بوجهه للجهة الأخرى بتهكم هل تتوقع أن يصفق
لها وهى تخطأ بحق زوجته فقد حذرها سابقًا فى بيتها
حتى أنها لم تهتم لحالتها النفسية فهى فقدت جنينها
التى كانت تحلم به
داست على ألالمها وفتحت الباب ثم اغلقته ثانية متوجهة
للداخل متصنعة اللامبالاة هامسة:
-سلام عليكم
اجابها مصطفى بعد أن نهض واقفًا:
-وعليكم السلام يا هاجر، إنتِ كويسة يابنتى؟!
هزت رأسها فى صمت وهى ترمق هاجد بطرف عيناها
أوما لها والدها ثم نظر لزوجته يحدجها بنظرات نارية
وبعصبية شديدة جذبها من ذراعها قائلًا بعصبية:
-يلا عشان اختك، وبنتى وجوزها يستريحوا
انصرفوا وبقت هاجر وحماتها وهاجد الذى كان يبدو انه يقف على الجمر، فسألتها سوسن:
-كنتِ فين يا هاجر؟!
-كنت فى المحل بقالى كتير منزلتش اشوفه
-مش تقولى يا بنتى أحنا قلقنا عليكِ
هتف هاجد بشراسة حقيقية:
-وتقول ليه الست هاجر نسيت انها متجوزة وأنها على
ذمة راجل، راجل بس تعرف توجعه وتضربه فى رجولته
وكبريائه
اغمضت عيناها بأسف اوجعها واوجعته هى التى لم تؤذى احد طيلة حياتها، وجعها يقودها للانتقام منه
تنهدت سوسن قائلة بثبات:
-بس مش عايزة اسمع كلام تانى، الموضوع دا طول واخد اكبر من حجمه ابنى كان نيته خير يا هاجر والعالم بيه ربنا
وإنتِ حقك وحاسة ومقدرة بقلب أم اللى انتِ فيه يا بنتى
بس الحياة مش هتكمل كدا
انتوا هتطلعوا دلوقتى شقتكم ومش هتنزلوا منها غير وانتوا مقرريين يا اما هتكملوا وتبدأوا صفحة جديدة
او يبقى العشرة بينكم انتهت ونخلص بالمعروف انا
هاجر بنتى وميرضنيش وجعها، مش عايزة اسمع
ولا كلمة دلوقتى غير على شقتكم
غمغم هاجد بأسى قائلًا:
-حاضر يا أمى
انهى جملته ونظر إلى هاجر كيف يتوسلها للبقاء وعدم
هجرانه فقد اشتاق إليها واشتاق كثيرًا لحضنها ولملمس
بشرتها فكيف السبيل لإعادتها تود أن يتوسلها وقد فعل
*****
بعد ألحاح على اختها، لم تقو بيسان على منعها، فهم فى ليلة الماضية كانوا على وشك خسارته الجميع كان
يبكى بحرقة حتى أن كنان بنفسه هو من قام بالصدمات
الكهربائية، وهو يصرخ حتى تقطعت احباله الصوتية
-اجمد صدقنى لو مت دلوقتى مش هاسامحك
بالله يا تامر أجمد، يارب رحمتك بينا كلنا
هزت رأسها تمحو هذه الذكرى ثم تناولت من الممرضة
الكمامة وغطاء الرأس ثم قميص العمليات واكياس معقمة
تضعهما فى حذاءها ثم وضعت على يدها معقم لتعقم
يدها وولجت للداخل كان عارى الصدر متصلة به
اجهزة كثيرة وقناع الأكسجين يغطى نصف وجهه
اقتربت منه هامسة:
-تامر
نطقت اسمه ثم صمتت محاولة أن تستجمع شتاتها
-أنا عارفة إنك مش باقى على الدنيا، بس أنا باقية عليها
معاك، معلش أنت انقذتنى بدل المرة اتنين وجاى دلوقتى
بتحارب عشان تسيبنى دا مش عدل خالص، لو سمحت
ممكن تقاوم أن محتاجاك، صعب شعور أن حد يرميك
يسيبك يا تامر عندك حق، أنا دلوقتى حاسة بكدا، بليز
قوم عشانى الكل هنا موجود جنبى بس محتاجة ليك
معرفش كل دا حصل امتا وإزاى بس حاول
أنا لازم اخرج وهاحاول بيسان تدخلنى تانى على فكرة
بسببك علاقتها بيا اتحسنت، وضياء كمان فاق وهيشوف
ابنه انت بطل بجد وانا محتاجاك
مسحت دموعها وارتعشت بالكامل وهى تخرج خارج العمليات نزعت الكمامة وجلست أرضًا تضم نفسها
نظرت لها بيسان واقتربت منها تجثو على ركبتها
هامسة:
-هيبقى كويس إن شاء الله، تارا روحى ارتاحى وتعالى
-لأ مش هاقدر ممكن تسبينى على راحتى
*****
انتقلا إلى شقتهما فى الأعلى كل منهما فى غرفة
كانت تجلس على الفراش تضم نفسها وصوته بجملته
المحبب إليها يلاحق قلبها قبل إذنيها فتتدفق دموعها
بقدر ما هى سعيدة لسماع مواجهته للكل بقدر ما هى
تتألم، ياليتها تخرج وتطرق باب غرفته وتترمى بين
ذراعيه، تتألم ..تتألم بشدة وهى من طلبت الطلاق
لكن لو هو قرر ذلك، اغمضت عيناها بقهر
ربما النهاية تكون هى البداية ونقطة الانطلاق
نهضت من مكانها وذهبت وتوضأت ثم عادة لغرفتها
كى تصلى لتريح قلبها من تلك الحرب الضارية
*****
وضعت يدها على قلبه ثم اقتربت تطبع قبله على وجنته
بنعومة وبراءة ففرق جفنيه وطالعها بابتسامة واسعة
صاحبة عيون الغزال رائحتها مسك نفس رائحة الغزال
-بابى
-وصالى
اسدلت الطفلة صاحبة الاربع أعوام رموشها الكثيفة بدلال
هامسة:
-زحلانة منك أنا وتيتا سوسو
اعتدل من نومته وهى بين ذراعيه متسائلًا:
-ليه بس وأنا اقدر على زعلكم
-هاجر قالت كدا أحنا مش بنكلمك صالحها يابابى
تنهد هاجد وهو يطبع قبله على منبت رأسها هامسًا:
-العمر كله فدا هاجر بس هي ترضى يا وصال
-هترضى
فرق جفنيه يبدو أنه كان يحلم لكنه حلم جميل لا زالت
رائحة المسك تملأ الغرفة، نهض مسرعًا متجهًا للخارج
وفتح باب غرفتها هامسًا بإسمها بخوف وعجز
-هاجر
نهضت من وقفتها ودموعها تملأ عينيها وشهقتها تسحق
روحه من ألم هامسة:
-نعم
-أنا شفت وصال يا هاجر حلوة شبهك نفسك
صدقينى شفتها طلبت من الوصال وأنى اراضيكى
قضمت شفتها السفلى وهى تضع يدها اسفل بطنها هامسة
-وصال راحت خلاص، ومحدش حاسس بيا
اغمض عيناه يتذكر تلك اللحظات المخيفة والقاسية بل
المرعبة هامسًا:
-كنت بموت يا هاجر كنتِ بين إيديا وبتصرخى كل
اللى كنت حاسس بيه إنى عاجز وحاسس بالذنب
احساس إنى أنا السبب بيخنقنى بيموتنى، بين إيديا وبتنزفى
وبتتوجعى وتقولى أنا بموت يا هاجد ألحقنى
كنت حاسس إنى بكابوس الدم كان كتير اوى كنت
زى المدبوح
-حاسس بوجعى
جذب خصلات شعره بقوة وهو يقترب منها حتى اصبح
امامها لا يفصلهما سوى إنشات قليلة حتى اختلطت انفاسهما هامسًا:
-الضعف، يا هاجر كل حاجة حاسس بيها الضعف وجعك
دموعك ألمك حتى البيبى اللى راح وجعى عليه وكمان
الضعف احساس الذنب بيقتلتى، طمنى قلبك أنا مش بس حاسس بوجعك أنا مدبوح
ثورة مشاعر بداخلها انتفض قلبها بين ضلوعها هى لما تتمنى له الوجع هزت رأسها بالنفى وهى تنظر إلى عينيه
ابتسامة شجية منحها إياها هامسًا:
-خايفة عليا من الوجع
أطرقت رأسها فهمس لها:
-وصال كانت حلوة زيك بتفوح بالمسك عينيها غزلان
اغمضت عيناها وهى تتخيلها كما يوصفها فابتسمت
من بين دموعها فهمس لها بترجى
-يا هاجر هاجر القلب إليكِ فهل من وصال
ام إنى نُفيت من قلبكِ
نظرت إلى الأرض هامسة:
-ولا لحظة لو كنت اقدر مكانش دا بقى حالى
ضمها هاجد بقوة وكأنه يريد أن تتغلغل داخله وتذوب بين
عظامه وتستريح فى قلبه كان يربت على ظهرها بحنو
وهو يتأوه:
-آه يا هاجر عذبتينى يا هاجر عذبتينى
لما حسيت إنك مشيتى قلبت الدنيا ادور عليكِ كنت
هتجنن
رفعت رأسها تسأله بحيرة:
-دورت عليا فين؟!
-في كل حتة بيت خالك، عند كيان ولما ماعرفتش اوصل لها
كلمت الدكتور كنان وعرفت اللى حاصل معاهم
عقدت حاجبيها متسائلة:
-حصل أيه؟!
سرد لها باختصار ما قاله كنان فشهقت هاتفة:
-يانهار ابيض، وأنا اللى بقول بلاش اكلمها اشيلها همى
وهى الدنيا معاها سودة كدا ..يلا نروح ليها بسرعة
جذبها من خصرها هامسًا بلوعة:
-يلا فين معلش؟! ووصال؟!
عضت على شفتيها بخبث هامسة:
-ما خلاص أحنا اتصافينا ورجع الوصال
جذبها اكثر لترتطم بصدره هامسًا بصوت أجش فهو الوصال بالنسبة له أكثر من مجرد صلح:
-إنتِ عارفة الوصال بالنسبة ليا، ولا عايزة وصال بنتى
تقول إنى مقصر
دفعته فى صدره وهى تشعر بالخجل وكأنها مرتهما الأولى
هامسة:
-هاجد خلينا نروح ليها هى لا حول ولا قوه وانت مش بيفوتك الأصول
ارتفع حاجبيه الكثفيين، وضاقت عينيه بالنظر إليها
شعر ان الكون اختفى وهو يضمها إلى صدره ويقبلها
قبلة شغوفة تحمل عاطفة جياشة، شوق وعذاب وجفا
جعلت قوتها تضعف فاشتد من احتضانها، بعد أن فصل
القبلة ترنحت فنظر إلى عينيها المخدرة هامسًا:
-وماله كفاية عليا الصلح دلوقتى وبليل الوصال يا هاجر
اجهزى
*****
ولجت هاجر وهاجد إلى المشفى فوجدت كنان وكيان
يجلسان امام غرفة تامر وعلى الجهة الأخرى يجلس
ساهر وبجواره فتاة لا تعرفها، اقتربت مسرعة تحتضن
كيان هاتفة:
-والله لسه عارفة حالًا حقك عليا
ثم وجهت حديثها لساهر بعتاب:
-وانت يا ساهر مش تقولى على حاجة زى دي
-والله يا هاجر احنا من ساعتها واحنا مش فينا دماغ
كانت كيان نال منها التعب والإرهاق وبدت شاحبة كالأموات جلست هاجر بجوارها تربت على ضهرها
هامسة:
-كيان يا حبيبتى إن شاء الله كله خير. عاملة فى نفسك
كدا ليه؟!
ارتمت فى حضنها تبكى بحرقة هامسة بمرارة ووجع:
-أنا السبب يا هاجر أنا السبب، تامر بيموت يا هاجر
تحمحم هاجد هامسًا:
-وحدى لله كدا يا اخت ياكيان كلها اسباب وربك ليه
حكمة ولعل الخير يكمن فى الشر وكلها إختبارات
هزت هاجر رأسها بالإيجاب هاتفة:
-زى ما بيقولك كدا بالظبط، قومى يلا تعالى روحى معايا
فى نفس واحد نطق هاجد وكنان:
-تروح فين؟!
رمقتهما بإستنكار هامسة :
-تروح معايا انتوا مش شايفين حالتها
ابتلع هاجد وهو يضيق عيونه على هاجر بغيظ هاتفًا:
-تنور طبعًا
نظرت هاجر لكنان هاتفة:
-متقلقش هى معايا فى أمان، وهاجد هينام تحت عند والدته
توسعت عين هاجد بصدمة بينما قاطعتها كيان هامسة:
-مش هاسيب تامر لوحده
ابتسمت هاجر وهى تنظر نحو تارا التى لا تعرفها ودموعها
تنهمر على خديها ثم قالت:
-تامر مش لوحده معاه ربنا وملايكته والقمر كمان موجودة
انتفض قلب تارا وهى ترمقها فابتسمت هاجر هامسة:
-هيبقى بخير متقلقيش
******
مرت الأيام كالمر على الجميع وهم ينتظرون ان يفيق
تامر، حتى ذلك اليوم الذى صرخ فيه بدر قائلًا:
-الدكتورة بيسان بسرعة
وقف الجميع فى الخارج والرعب يأكل قلوبهم مضت
اكثر من ساعة بالداخل حتى خرجت بيسان بابتسامة
واسعة والدموع تملأ عيناها:
-تامر فاق وكل المؤشرات الحيوية تمام الحمدلله
دلوقتى نقدر نقول كدا تعدى الخطر بس مش هيخرج
من العناية قبل ٣أيام
أومأت تارا وكأنها كانت إشارة لتسمح لنفسها لإنهيار
ترنحت لتقع فجأة مغشيًا عليها صرخت بيسان فحملها
طاهر مسرعًا متوجهًا بها لغرفة الطوارئ
*****
فى غرفة ضياء
بدأ ضياء يسترد عافيته قليلًا فنظر إلى الجميع وهو
بداخله عاصفة من التساؤلات لكن اولها
-هو مين اللى اتبرع ليا يا جماعة
قرص كنان مقدمة انفه قائلًا:
-حزر فزر حد أنت تعرفه بس من بعيد
قطب حاجبيه وهو يفكر ثم اجابه:
-دا وقت فوازير نيللى وشريهان ما تنجز
ابتسم كنان بخبث ثم اقترب من اذنيه هامسًا فانتفض
ضياء باعدًا رأسه:
-أيه خده مش عايزه رجع الكبد بتاعه مش عايزه
ومفيش غير طاهر اللى يتطابق
قهقة كنان قائلًا:
-إهدى عشان الجرح المتبرع تامر مش طاهر
-الحمدلله يا جدع خضتنى، طب وتامر كويس
-انهارده فاق وبقى احسن
دقائق وكان يدخل كلا من كرم وطاهر ليطمئنا على ضياء
لكن ملامح طاهر كانت لا تنذر بالخير رمقه ضياء بطرف عيناه ثم تابع تساؤلاته:
-مين عمل العملية؟!
-بيسان وبدر ودكتور إمام
هز ضياء رأسه بيأس قائلًا:
-فقرى أنت كنت ادخل معاهم دي عملية تفوتك
امسح لبيسان عرقها اسندها لو اغمى عليها اى منظر
اشتعلت عين طاهر بنيران الغيرة فركل السرير بقدمه فتأوة ضياء، حك كنان مؤخرة رأسه هاتفًا:
-احنا داخلين على سواد
تزامنًا مع جملته ولجت بيسان بوجه محتقن هامسة بحدة:
-دي غرفة مريض كله بره لو سمحتوا مش مسموح بدخول كل دا هى عملية اللوز كله بره اتفضلوا
*****
فى الخارج
همست كارما باسم كرم أمام الجميع فابتسم بعذوبة
فهى منذ أن فاق اخيها ولم يستطع أن يحدثها لكنه
قطب حاجبيه عندما نزعت خاتم الخطبة تمد يدها
به قائلة:
-أنا اسفة بس مش هينفع نكمل مع بعض
ضياء اخويا كان رافض جوازنا وبعد اللى حصل عرفت
انى مستحيل اخسره لأى سبب
بعد أن هام بها تود التخلص منه، كل ما يشعر به الآن
مرارة العشق ابتسم وهو ينظر لعيون الجميع ثم نظر لها واخذ
الخاتم منها هامسًا
-حمدلله على سلامته
قال جملته وانطلق
****
