رواية لاجلها الفصل التاسع والستون والاخير
في المشفى، فتح عطوة، عينيه بعد فترة طويلة من النوم، خُيّل إليه فيها أنه استغرق سنواتٍ في غيابة الجب. أخذ يجول بنظراته حوله، متفقداً أجواءً غريبة عما اعتادت عليه عيناه في منزله؛ سقفٌ أبيض شاهق، إنارةٌ خافتة، وأزيز أجهزةٍ طبية منتظم.. اللعنة! أهذه زوجته الحبيبة؟
نورا تجلس بجواره، وقد غلبها النعاس فأسندت رأسها على طرف فراشه. تساءل في سره بذهول: "أأنا عائدٌ من الموت؟". همّ برفع ذراعه كي يربت على كتفها ويوقظها، إلا أن جسده خانه؛ لم يستجب له طرفٌ واحد. حينها فقط، بدأ يستدرك حقيقة وضعه المأساوي. راحت عيناه تجوبان جسده الساكن المغطى بالغطاء الأبيض، فلا يظهر منه سوى يده المغروز بها إبرة المحلول، والأخرى ملتفة بالأربطة الطبية الكثيفة التي تمتد حتى أسفل الكتف، وكأنها قطعة من الجبس الصامت.
— أنت فقت يا عطوة؟!
، دوى الصوت المحبب إلى قلبه، تنتشله من شروده وتؤكد له أنه ما زال على قيد الحياة. سبقت كلماتها شهقة فرحٍ مكتومة، وعيناها تتلألآن بدموعٍ انهمرت كأنها لا تصدق أن الروح قد ردت إليه أخيراً.
ارتمت عليه بلهفةٍ لم تسعها جدران الغرفة، راحت تقبل طرف يده المغروزة بها إبرة المحلول وكأنها تعتذر له عن كل وخزة ألم، وناجته بصوتٍ مخنوق بالعبرات:
— "حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. ده أنا روحي كانت ضايعة وما ردت لي غير دلوقت برجوعك، مِتّ وحييت ميت مرة من امبارح من خوفي عليك!"
بدأ الوعي يعود تدريجياً لـ عطوة، ومع كل نبضة وعي كان يشعر بآلامٍ تنهش أنحاء جسده كأنها سياطٌ لا تنتهي. عادت به الذاكرة سريعاً إلى تلك اللحظات المريرة التي مر بها تحت رحمة "عرفان المتوحش"، فنظر لنورا بعينين يكسوهما الذهول والتعب ليباغتها بسؤاله:
— إيه اللي حصل؟ وأنتي وصلتي لي كيف؟ ده أنا قولت الكلاب هتاكل جثتي في الخلا، بعد ما يشبع عرفان ضرب فيا ويخلص عليا ويقتلني!"
انتفضت نورا، وخرجت منها الكلمات كالقذائف وهي تقول بحرقةٍ وغضبٍ سكن عينيها:
— كلب لما ينهش مصارينه هو! والله يا عطوة لو كان حصل، ما كنت سيبته عايش على ظهر الدنيا دقيقة واحدة، ولا كان هيكفيني فيه طلقة تخش قلبه تريحه!"
ارتسم ذهولٌ ترافقه تساؤلاتٌ كبرى على ملامح عطوة المنهكة، وبدأ عقله الذي أضناه التعب ينسج الظنون والهواجس؛ فالمكان كان مقفراً، وعرفان ليس بالرجل الذي يسهل الغفلة عنه. ثبّت نظراته المتعبة في عينيها وأمرها بحزمٍ جاف:
— أنتي اللي لحقتيني من تحت إيده يا نورا؟ طب كيف؟! وعرفتي المكان اللي كنا قاعدين فيه إزاي؟ جاوبي يا نورا.. من غير لف ولا دوران!"
تجمدت الدموع في عيني نورا، وابتلعت غصتها وهي ترى نظرات "الشك" تلمع في عينيه رغم حالته، وكأنه لا يصدق أن نجاته كانت مجرد صدفة أو تدخلاً إلهياً، بل وراءها سرٌ يخشى اكتشافه. تنهدت نورا بأسى، وكأنها تزيح حملاً ثقيلاً عن صدرها، لتجيب عن تساؤلاته وتخمد نيران الشك التي بدأت تنهش رأسه:
— جمعة هو اللي وصلني ليك يا عطوة.
عند سماعه الاسم انتفض رغم ألمه، وزمجر بمرارة:
— جمعة؟! جمعة الخاين!"
هزت نورا رأسها نفياً وقالت بسرعة لتصحح له الصورة: — "لأ.. ما كانش خاين يا عطوة. جمعة كان مجبور، عرفان هو اللي هدده بخطف ولده، يعني مسكه من يده اللي بتوجعه."
توقف عطوة عن الحركة، ورمقها بذهولٍ تام:
— ولده مين؟ أنا مش فاهم حاجة واصل.. هو إيه اللي حصل من ورا ضهري؟" اقتربت منه نورا، وأمسكت يده برفق وهي تحاول تهدئته:
— "أنا هفهمك كل حاجة يا حبيبي .. بس اسمعني للآخر."
بدأت نورا تسرد له الحكاية منذ اللحظة التي أخبرها فيها بسفره، وكيف سيطر الرعب على حواسها وتملّك منها؛ شعرت بقلبها ينبئها بشرٍ مستطير، فاتخذت قرارها عازمةً على اللحاق به. لم تتردد، بل حزمت أمرها وسافرت إلى بلدتهم القديمة، لتبحث عن خيطٍ يوصلها إليه، ولم تجد أمامها سوى جمعة، صديقه الوحيد. رغم علمها بضعف نفسه أمام بريق المال، ومقالبه الحمقاء التي طالما أوقع بها "عطوة" سابقاً، إلا أنها لم تملك بديلاً غيره؛ فجمعة هو الصندوق الأسود لتحركات زوجها، والوحيد القادر على فك شفرة غيابه في تلك البلدة حين وصلت إلى منزله، راحت تطرق الباب بعنفٍ وتكرار، لكن لم يفتح لها أحد؛ بدا البيت صامتاً وكأنه خالٍ من أي أثر للبشر. لم يبقَ أمامها خيارٌ سوى أن تسأل الجيران أو المارة في الزقاق، وبينما كانت تهمُّ بالتحرك، تفاجأت به قادماً من بعيد بملامح يعلوها همٌّ ثقيل، وقد تضاعف ذلك الهمُّ أضعافاً حين اصطدمت عيناه بها تقف أمام داره. أسرع نحوها والذهول يلجم لسانه، ليبادر بسؤالها فور اقترابه:
— نورا؟! أنتي جيتي هنا إمتى؟ وكيف عرفتي طريقي لوحدك؟!"
تجاهلت نورا الإجابة عن استفساراته التي رأتها حمقاء ولا وقت لها، فلم تأتِ من مسافةٍ بعيدة لتتبادل الأحاديث الروتينية؛ بل توجهت إليه بسؤالٍ واحد كان ينهش صدرها، وبنبرةٍ آمرة وقلقة سألته عن زوجها:
— "عطوة فين يا جمعة؟ انطق.. مكانه فين دلوقت؟
ـ يا زين ما اختارتي! ملقيتيش غير الخاين وتسأليه؟" قاطعها عطوة بسخريةٍ مريرة مرسومة على وجهه المنهك، إلا أن نورا باغتته بإجابةٍ خالفت كل توقعاته، وهي تمسح على رأسه بهدوء: ـ
ـ عندك حق تقول كدة، بس اللي أنت ما تعرفوش إن جمعة المرة دي كان مظلوم بجد. عرفان كان مراقب بيتك برجالته، ومن وقت ما رجلك خطت البلد كان عرف بوصولك، فسبقك على جمعة وهدده بخطف الواد الوحيد اللي حيلته من مراته اللي طلقها." توقف عطوة عن الكلام، واتسعت عيناه بذهول بينما تابعت نورا بحماس:
ـ "جمعة اضطر يسايره ويهاوده لحد ما خدك من بيته ومشي بيك للمكان المهجورة، بس وهو بيعمل كدة كان بيخطط لكل حاجة؛ أول ما أمن ولده وبعِده عن إيد عرفان، جري يطلب الرجالة اللي تنجدك ويخلصوك من تحت إيده وأنت بين الحياة والموت، وفي نفس الوقت بلّغ البوليس عشان يلبسه القضية كاملة ويتمسك متلبس بيك.. إلهي ما يطلع منها تاني واصل!" ...........................
على الأرض.. استيقظت لتجد نفسها ممددةً فوق البرد والصلابة، لم يكن يسند رأسها سوى ذراعها المخدر، وسجادة الصالة التي شعرت ببعض وبرها يقتحم فمها الجاف. اعتدلت بسرعة وهي تمسح فمها بتقززٍ وجسدها يرتجف، نظرت حولها بذعرٍ لتجد نفسها في صالة المنزل الساكنة؛ سكونٌ موحش جعلها تشعر وكأن البيت مهجور لا يسكنه غيرها. تأملت النافذة الخشبية التي اخترق ستائرها نور الشمس بقوة، خيوط الضوء كانت تشي بأن الوقت قد تجاوز الظهيرة على الأقل. تخبطت الأسئلة في رأسها المشوش: كيف نامت هنا؟ وماذا حدث؟ وأين كمال وعمله؟ لكن مع أول خاطرٍ مرّ ببالها، تدفقت الذكريات كالسيل الجارف.. تذكرت كل شيء؛ اللحظات المريرة التي عاشتها بسبب "سهوٍ أحمق" منها، وتلك التهمة التي لم ترتكبها من الأساس، لكنها وقفت أمامها عاجزة عن الدفاع عن نفسها. عادت بذاكرتها إلى ما قبل ساعات.. إلى تلك اللحظة التي انهار فيها كل شيء. حين رفع امامها شريط العلاج وتساءلت بعفوية وعدم تركيز لم تعِ في تلك اللحظة كيف توحشت ملامحه، وكيف انسلخ من رقته لينقلب إلى شخصٍ آخر تماماً لا تعرفه. لم يمهلها لتفهم، بل باغتها بقبضةٍ حديدية اعتصرت شعرها من الخلف، وهو يزمجر بفحيحٍ مرعب:
— "إحنا هنستعبط يا غالية؟ في حد في الدنيا ما يعرفش إيه ده؟ ولا أنتي من كتر مصايبك بقيتي مش مركزة؟ انطقي يا هالة.. الحبوب دي بتاخدي منها من إمتى؟ انطقي وإلا وديني لأكون موريكي العذاب ألوان!"
—"آآآه!
انطلقت منها صرخة وجعٍ غير محتمل، شاعرةً بجمجمة رأسها وكأنها ستقتلع بين يديه القويتين، فأردفت برجاءٍ يقطعه الألم:
ـ "كمال.. شيل إيدك الأول وخلينا نتفاهم.. كمال اسمعني!"
لكن كلماتها كانت كزيتٍ صُبَّ فوق نيران غضبه؛ فبدلاً من أن يلين، زاد عنفه، وأحكم يده الثانية على عنقها يدفعها للخلف بقسوة، حتى تهاوت وسقطت على الفراش بظهرها وهو فوقها كالجبل، يحاصر أنفاسها بنظراته التي لم تعد تحمل سوى الوعيد.
فهدر فيها بصوتٍ زلزل أركان الغرفة، وعيناه تشتعلان بنيران الحقد والخذلان:
— "قولي إنك قرفانة تخلفي مني! قرفانة من الراجل اللي خرجك من قضية كنتي هتلبسيها وترنخي في السجن سنين.. تبقي فيه خدامة لنوسة واللي زيها! رافعة مناخيرك عليا أنا ومش عايزة خلفة مني؟ أنا اللي خليتك بني آدمة وسط أهلك اللي كرهتيهم فيكي بأذيتك، وجعلتك رافعة رأسك وسطهم.. ده جزائي؟! ده جزائي منك يا هالة!
أعماه الغضب عن كل شيء، حتى تضاعف ضغطه على عنقها، ولم يشعر بنفسه وهو يحاصر أنفاسها حتى كادت تروح منها. كانت هالة تترجاه بعينيها التي أغرقتهما الدموع، وصوتها يخرج متحشرجاً، مخنوقاً، بالكاد يُسمع من شدة الاختناق:
— "والله العظيم.. ما قربت منه.. الشريط.. كامل قدامك.. كمال.. اسمعني!"
بصق كلماته في وجهها بسخريةٍ لاذعة، والشرر يتطاير من عينيه:
— "أسمع إيه؟ أسمع عشان أصدق واحدة كدابة زيك؟ وكمان غبية ما بتعرفش تسبكها! هو الشريط الكامل ده ما ينفعش يبقى فيه غيره؟ ولا هو إيه اللي جابه أصلاً وسط هدومك ومخبياه ليه لو مش ناوية تستخدميه؟" كانت هالة تبكي بحرقة مع كل كلمة يلقيها فوق رأسها كالسوط، وجاهدت لتخرج صوتها المبحوح وسط انهيارها:
— "والله العظيم ما في غيره.. دي كانت نيتي من الأول منكرش، بس والله ما قدرت أعملها.. أنا حبيتك يا كمال، وده اللي اكتشفته في الآخر!"
لم يزدها هذا الاعتراف في عينيه إلا قبحاً؛ ففي هذه اللحظة بالذات، بدا له حبها كخديعةٍ أخرى، وكأنها تحاول استعطافه بكلماتٍ واهية لتفلت من العقاب، مما زاد اشتعاله وصاح بها بجنون:
— "دلوقتي حبيبتيني؟ لما اتكشفتِ بقيتي بتحبيني؟ بتمثلي الحب عشان تداري على وساختك!"انتي ايه؟ معندكيش إحساس؟ قلبك دا معمول من ايه الله يخرب بيتك، انا تعبتك منك، تعبت وقرفت
دفعها في الأخيرة ونهض كالملسوع، منتفضاً من جوارها وكأن القرب منها بات يحرقه. كان صدره يعلو ويهبط بإنهاكٍ شديد وهو يتابع بصوتٍ يملؤه الانكسار:
— "كان لازم من الأول أعرف إني دخلت حرب خسرانة.. لا في انتقام نجحت، ولا في إني أغيرك لبني آدمة برضه نجحت! أنا فاشل والبركة فيكي، ضيعتي حتى الجزء اللي كان باقي من حب قديم نحوك.. أنتي لعنة، ولازم أخلص منها!"
مع صرخته الأخيرة التي زلزلت كيانها، ورغم بكائها وانهيارها، لم تستسلم هالة؛ بل حاولت الزحف نحوه مدافعةً عن رمقها الأخير في قلبه، وقالت بنبرةٍ يمزقها الألم، وهي تحاول أن تقبض على تلابيب أي فرصةٍ للنجاة:
— "قسماً بالله.. وحياة بناتي.."
— "متحلفيش!"
صرخ بها مقاطعاً في نوبةٍ من عدم التحمل، وكأنه لم يعد يطيق سماع صوتها، فما بالك بقسمها الغليظ؟ لقد اكتفى من أكاذيبها التي عاش معها طويلاً، ولم يعد في قلبه متسعٌ لتصديق قسَمٍ جديد يُضاف إلى سجلها. أما هي، فقد كانت تترجى منه فقط فرصةً للاستماع، نظراتها تستجديه أن يهدأ لترى بريق الصدق في عينيها. لكنها في تلك اللحظة، واجهت الحقيقة المرة: كيف تثبت براءتها في خطأ كانت تنويه بالفعل؟ وكيف لها أن تعيد ثقته التي لم تجتهد يوماً في بنائها من الأساس؟ لقد كانت صرخته رصاصةً أصابت ما تبقى من آمالها، ووقفت عاجزةً أمام جدار الشك العالي الذي شيدته يداها في علاقتها معه
اهتز رأسها باستسلامٍ ويأس، فقد أدركت أن لا فرصة لها في هذه اللحظة العصيبة، ولا حلَّ أمامها سوى التأجيل حتى تهدأ النيران المستعرة في صدره. فقالت بصوتٍ متهدج:
— "أكيد عندك حق في غضبك، وأنا مش هلومك لو حتى ضربتني.. بس كل اللي بترجاه إنك تسمعني لما تهدى."
رد عليها بفحيحٍ يقطر كرهاً:
— "مفيش 'اسمع' ولا زفت! أنتي بكرة الصبح ترجعي على بيت أهلك، وورقة طلاقك هتوصلك بعدها.. أما أنا..."
— "يا مري! ورقة طلاق مين يا كمال؟ إيه اللي يوصلها لكدة؟!"
صرخت بها وهي تلطم صدرها بكفها، لكنه أبدى جفاءً وحِدّة وهو يسحب سلاحه "الميري" ليدسه في حزامه ويرتدي سترته، متابعاً بحزمٍ مميت:
— "اللي سمعتيه يا برنسيسة.. مش رافضة الخلفة مني؟ أنا بقى قرفان منك ومن سيرتك! وحياة ربنا ماني بايت في نفس البيت دقيقة واحدة في وجودك!"
— "لااااه!"
انتفضت تجري لتلحق بخطواته المسرعة، وقبل أن يفتح باب الشقة، تشبثت بساعده وهي تترجاه بنحيبٍ يمزق القلب:
— "حن عليك يا كمال.. ما تمشيش وتسيبني! أنا استاهل ضرب الجزمة، بس ما تسيبنيش ولا تطلقني.. أبوس على إيدك!" نفض ذراعه بقسوة، رافضاً حتى لمستها التي باتت تثقل كاهله، وصاح بها:
— "ابعدي إيدك عني! بقولك خلاص قرفت منك.. غوري بقى!" دفعها في الأخيرة بقوة أسقطتها أرضاً، فجُرحت شفتاها من أثر الوقعة الصلبة، لكنه لم يأبه ولم تَلن ملامحه أمام ضعفها؛ بل خرج صافقاً الباب خلفه بقوةٍ زلزلت أرجاء المكان، تاركاً إياها تعاني الألم الجسدي والانهيار التام. ظلت تبكي في مكانها وكأنها التصقت بالأرض، حتى غلبها سلطان النوم من فرط الإجهاد. والآن.. تنهض وهي تعي كل شيء، تلعن حظها البائس؛ فلقد أوشكت أن تتغير بعدما فهمت حقيقة مشاعرها، ولكن أخطاء الماضي أبت أن تتركها وشأنها. ومع ذلك، اشتعلت بداخلها قوة مفاجئة؛ لن تستسلم! بحثت عن هاتفها بجنون حتى وجدته، وشرعت في الاتصال بزوجها. في المرة الأولى لم يرد، وفي الثانية أتاها الرد، لكنه لم يكن صوت كمال.. كان صوتاً رسمياً غريباً:
— "ألو.. مين معايا؟" تصلبت ملامحها وهي تسأل بخوفٍ فطري:
— "مين؟.. أهلاً يا حضرة الظابط.. فين كمال؟.. مأمورية إيه؟" سكتت لحظة وهي تستمع للتصريح الأخير عبر الأثير، قبل أن تخرج صرختها مشروخة: — "ماله كمال؟! إيه اللي حصل له؟!"
............................
داخل الجناح الكبير في "المنزل الكبير"، استقرت مزيونة على تختها منذ الأمس بعد عودتها من المشفى، لكن الراحة التي تمنتها كانت بعيدة المنال؛ فالصغيرتان (تالا وتاليا) لم تكفا عن الصراخ المتبادل، وكأنهما في سباقٍ لمنعها من النوم ولو لدقائق. صاحت مزيونة بابنتها الكبرى بنداءٍ يملؤه التعب:
— يا ليلى! تعالي شيلي واحدة منهم يا حبيبتي.. المنتوشتين دول كأنهم جايين مسلّطين عليا، أنا هلكت ونفسي أخطف لي ساعة نوم."
ركضت ليلى ملبية نداء والدتها، وفي يدها زجاجة الرضاعة التي أعدتها، وباليد الأخرى تحمل صغيرها "مؤيد"، الذي اضطرت لوضعه على طرف الفراش بحذر لترفع بدلاً منه إحدى الصغيرتين لترضعها. ولكن، ما إن استشعر الصغير الفراش من تحته وشعر بانسحاب دفء أمه، حتى انطلقت صرخته مدوية كأنه يعلن رفضه لهذا الاستبدال. ارتد الأمر بغضبٍ وتوتر على الجدة التي صاحت:
- "الواد! هتسيبي الواد يصرخ يا ليلى؟!" تطلعت إليها ليلى بحيرةٍ وإرهاق:
— "يا أمه ما أنا هخلص رضعة تالا وهشيله على طول!" ردت مزيونة بنبرة حادة من فرط التعب:
— "ويعني تسيبي الواد يتفلق من الصراخ على ما تخلص المحروسة رضعتها؟!"
زفرت ليلى بضيق وهي تحاول إمساك الزجاجة والصغيرة المتململة:
— "وه! ما هو حرام برضه ما تكملش رضعتها يا أمه.. اصبري لحظة الله يرضى عنك، ده هما دقيقة وهيسكتوا."
في تلك اللحظة، دخل حمزة يتابع جانباً من السجال، بينما كانت صرخات الصغيرين الآخرين تعزف سيمفونيةً زادت من صخب الأجواء وتوترها. وقف يراقب المشهد بابتسامة متعبة وقال:
— "إيه الحكاية؟ العيال دي بتصرخ كدة ليه؟ هو الجناح قلب حضانة ولا إيه؟" التفتت إليه مزيونة بلهفة قائلة: — "تعالى شوف يا حمزة! تعالى شوف بناتك اللي كانهم متسلطين عليا والواد اللي هيتقطع من الصراخ ده!"
— "أشيل معاكم يعني؟ وماله!"
تفوه بها حمزة وقد انعشه المشهد من الداخل رغم انزعاجه القليل من الصراخ؛ فهذا الضجيج هو "عمار" البيت الذي طالما انتظره. هبّ نحو أول من وقعت عليه عيناه، مؤيد الذي كان على طرف الفراش ليرفعه ويحمله بين يديه، إلا أن زوجته نادته باعتراضٍ خبير:
— "لاه يا حمزة، أنت مش هتعرف تسكّته واصل.. خد البت دي وهات لي مؤيد."
امتثل حمزة لأمرها، فاقترب منها وتبادلا "الصغيرة" بـ "مؤيد". وما إن استشعر الصغير حضن جدته حتى استكان فوراً، وبدأت صرخاته تتحول إلى أصوات مرحٍ ومناغاة بلقياها. ضحكت مزيونة وهي تضمه إلى صدرها بقوة، مترجمةً رد فعله بعاطفة الجدة:
— "يا حبيب ستك أنت! شايف يا حمزة بصته عليا؟ كأنه بيقولي كنتي فين من امبارح يا ستو؟ آآه يا نور عيني، والله ما هسيبك تاني واصل!"
بشيءٍ من الغيرة والحنق الطفولي، نظر حمزة إلى التناغم التام بين زوجته وهذا "الصغير المجرم" الذي سرق الأضواء، ثم نقل نظره نحو ليلى التي اندمجت هي الأخرى بسعادة تراقب المشهد. فقرر هو أن يقطع هذا الانسجام بتعقيبه الساخر:
— "شوفي المرة! كل عقلك بمكره وهينسيكي المساكين اللي جنبك.. ما تعقلي شوية يا محروسة، ابن الكلب ده طالع نصيبة أكتر من أمه وأبوه!"
شهقت ليلى بدفاعية ضاحكة وهي تحاول تبرئة نفسها: — "أنا برضه يا عم حمزة؟ طب والله خايبة واللعب ده ما أعرفه واصل، أكيد وارث المكر ده من أبوه.. ومن حضرتك، معلش يعني!"
قالت جملتها الأخيرة بصوتٍ خفيض، لكنه وصل إلى أذني حمزة بوضوح، فغضّ على شفته السفلى رافعاً قبضته في الهواء نحوها بتهديدٍ مزيف، مما جعلها تواصل الضحك. شاركتها مزيونة الضحك، وقالت بشيءٍ من التوازن وهي تهدهد مؤيد:
ـ معلش يا حمزة، بس هو حقه يعمل أكتر من كدة كمان؛ ده بقاله شهور لابد في حضني وهو اللي على الحجر، وفي يوم وليلة يلاقيني انشغلت عنه ومسكت غيره؟ والنعمة ما يحصل أبداً ولا أبعده عني، ده فرحة عيني بعد سنين شوق، وطب وربنا ما حد شجعني ولا طلّع الخوف من قلبي في موضوع الولادة ده غيره.. عشان أقولهالكم بالمفتشر أهه!"
اتسعت عينا حمزة بذهولٍ ممزوج بالغيظ، وصاح مقاطعاً:
— "وه وه! قولي لأمك 'حاس' يا ليلى، بدل ما أعجنها دلوقت! قال هو اللي شال عنها الخوف؟ أمال أنا كان دوري إيه؟ كيس جوافة جنبك يا مرة يا مش معدلة؟"
ضحكت ليلى وهي تردد خلفه الدعابة التقليدية بتمثيلٍ مرح:
— "حااااس يا أمه.. عمي حمزة جاب آخره!" ثم أردفت ليلى موضحةً وهي تنظر إليه:
— "أكيد أنت فاهم قصدها يا عم حمزة، مش أنا اللي هفهمك يعني، دا انت اكتر واحد كنت واقف معاها ." احتفظ حمزة بملامحه العابسة دون إبداء أي استجابة، وظل صامتاً بطريقةٍ جعلت مزيونة تتوجس خيفةً من حقيقة شعوره، فسألته بقلق:
— "حمزة؟ لتكون زعلت بجد؟"
نظر إليها من طرف عينه وهو يداعب الصغيرة ويهدهدها بين ذراعيه بجفاءٍ مصطنع، مما زاد من شكها. شعرت ليلى أن الموقف يحتاج لخصوصية، فقررت المغادرة وقالت مستأذنة:
— "طب أنا هاخد 'تالا' معايا الشقة فوق تكمل رضعتها، وبالمرة أشوف معاذ يمكن محتاج حاجة.. آخد مؤيد معايا يا أمه؟"
— "لاه!"
قالتها مزيونة بحسم رداً على ابنتها، قبل أن تعود لزوجها بنظرةٍ متمعنة محاولةً التوضيح وفك شفرة صمته:
— "حمزة.. أنا بتكلم عن عاطفة الأمومة اللي رجعت لي مع ولادة مؤيد، يعني دي ملهاش دعوة واصل بدعمك ليا ولا وقفتك جنبي.. أنت السند والظهر، وده غلاوته في حتة تانية خالص.
استمع لها ولم يُظهر أي رد فعل سوى أنه تحرك خطوتين ببطء حتى أصبح جوارها تماماً، وفجأةً انجلت ابتسامة متسعة على شفتيه، استفزتها تلك الابتسامة بعد كل ذلك القلق، فدفعته بقبضتها على كتفه بعفوية، لكن صلابة جسده جعلتها هي من تتأوه:
— "آه! يدي كمان وجعتني.. ده أنت غلس قوي يا حمزة!"
قهقه وهو يمسك كفها الصغير ويقبله بحنان، مردداً بلهجته الصعيدية الرخيمة:
— "سلامة اليد الحيلة الحلوة.. حد قالك تضربيني طيب وأنتي عارفة نفسك تعبانة وحيلك مبتوت؟"
نظرت إليه بعتابٍ مشوب بالحب وقالت:
— "ما أنت السبب، وقفت قلبي بمقالبك فيا.. صحيح أنت زعلان يا حمزة؟"
قهقه مجدداً، لكنه هذه المرة مال وقبّل خدها بقوة، قائلاً: — "بذمتك أنا لو زعلان هاجي ألزق فيكي وأبوس الأيادي والخد كمان؟ ما تفهمي بقى يا ولية.. أنا من ساعة ما ولدتي وأنا مش عارف أقعد معاكي لوحدنا دقيقة واصل!"
طالعته بدهشة شديدة وابتسامة عريضة أنارت ملامحها: — "وه يا حمزة! ده أنت طلعت كهين.. يعني كل التمثيلية دي كانت "أونطة"؟"
هز رأسه موافقاً بابتسامة نصر، فعادت تتمايل بدلالٍ وهي تضم مؤيد:
— "وعشان إيه كل ده؟ عشان تقعد جنبي وتلزق فيا؟" ضحك وهو يكمل خلفها بنبرة ذات مغزى:
— "وأبوس اليد.. وأحب على الخد!
"— "يا عيني على روقانك! تمتمت بها مزيونة بذهولٍ لذيذ، وسعادة لا تنكرها وهي ترى أفعاله التي تؤكد شدة تعلقه بها. وعند خاطرٍ مفاجئ، استدركت تسأله بعفوية: — "يعني بجد بتبوسني عادي كدة؟ اللي أعرفه إن الرجالة ما بتطيقش الحريم في الأيام دي واصل.. أنت بقى معندكش الكلام ده؟"
رد حمزة بثقةٍ مطلقة وهو يضمها من كتفيها إليه بخفة وحرص:
— "لاه، معنديش الكلام ده.. أنا أعرف إن الراجل اللي يحب مرته ما يطيقش لحظة تبعد عنه، سواء كانت تعبانة ولا فيها إيه حتى. وأنا بعشق بنت الأحرار والتراب اللي بتمشي عليه، والبنيات اللي جابتهم شبهها.. ولا حتى 'ابن الكلب' اللي قاعد عزول وسطينا دلوقت!"
أشار في كلمته الأخيرة نحو مؤيد، الذي كان يطالعه باستهجان طفولي مضحك وكأنه يرفض اقترابه من جدته. لاحظ حمزة ذلك فتابع بمرح وهو يوجه كلامه لمزيونة:
— "شوفي يا خوي الواد مش طايقني كيف! طب تعرفي بقى إنك عملتي طيب إنك جبتيهم بنات؟ عشان ما يبقاليش ضرة تانية ولا تالتة.. كفاية عليا الضرة اللي في حضنك ده!"
راقبت مزيونة رد فعل الصغير، ورأت العبوس المرتسم على وجهه وكأنه يفهم التحدي، فانطلقت في موجة صاخبة من الضحك، بينما غرق حمزة في تأمل ملامحها التي لم يزدها التعب إلا جمالاً في عينيه.
— "الله يجبر بخاطرك يا حمزة، ضحكتني من قلبي.. ربنا ما يحرمني منك يا رب.
تفوهت بها مزيونة بامتنانٍ صادق، بينما ظل حمزة على وضعه؛ يتأمل وجهها تارة، وقطعة السكر الصغيرة التي يحملها تارة أخرى، ثم يرمق ذلك "المشاكس" الذي تحولت نظراته لعدائية صريحة، مما خلق جواً من العند الجميل والمرح بين الثلاثة. لكن، وكأن القدر يرفض أن تكتمل لحظات الصفو، دوى صوت الباب فجأة بطرقاتٍ عنيفة متلاحقة، وارتفع صوتٌ متوتر يقطر ذعراً من الخارج:
— حمزة! يا حمزة تعالى بسرعة.. عايزينك بره ضروري!"
تلاشت الابتسامة عن وجهه في لمح البصر، وحلّ مكانها قلقٌ فطري، بينما انتفضت مزيونة في فراشها وهي تضغط على "مؤيد" بخوف، وقد استشعرت أن خلف هذا النداء خبرا ليس جيد بالمرة
.............................
فواجعُ الأقدار التي تأتي بلا ميعادٍ ولا إنذار؛ ما أبشعها وما أقساها على النفس!
بخطواتٍ متعجلة متلهفة، كان حمزة يقتحم الرواق المؤدي إلى غرفة العمليات داخل المشفى، يرافقه شقيقاه معاذ وخليفة، ومعهما منصور زوج شقيقتهما. كانت الردهة تعجُّ برجال الأمن ورتبٍ رفيعة في الداخلية منتشرين في كل مكان، وفي زاويةٍ خاصة، كانت صاحبة المصيبة؛ هالة، التي لم يتبين أحدٌ ملامح وجهها وهي تدفنه في صدر والدها الذي كان يضمها بقوة، بينما والدتها تنتحب بجوارها في انكسار. ركض الأربعة نحوهم بعد تبادل تحياتٍ سريعة ومقتضبة مع عدد من أصدقاء "الذي يمكث" خلف الأبواب المغلقة الآن. توجه حمزة نحو عمه متسائلاً بلهفة:
"أنتم جيتوا هنا من إمتى؟!"
أجابه عمه والكلمات تخرج منه بصعوبةٍ بالغة:
— "أول ما اتصلت بينا.. معلش يا ولدي، مقدرتش أستنى حد فيكم، اتصلت بلّغت خليفة وركبت العربية ألحقها عشان أوقف جنبها.. أديك شايف حالتها كيف؟" هنا، انطلقت والدتها بـ "ولولة" شقّت صمت الردهة الثقيل:
— "يا مري يا كمال! يا وجع قلبي عليك يا ولدي.. يا ريتني كنت أنا وأنت لأ يا ضنايا، يارب نجيه يارب.
" زجرها حمزة بنظرةٍ قاسية حازمة كي تصمت؛ فلا وقت للعويل الآن بينما يحتاج هو لفهم الحقيقة من ابنتها. اقترب من "هالة" وهتف بها بصوتٍ منخفض لكنه آمر: — هالة.. ارفعي وشك وكلميني، عايز أعرف مين اللي بلغك بالخبر؟ وإمتى ده حصل اصلا؟!" مرت لحظاتٌ ثقيلة من الصمت، لا يقطعها سوى صوت نحيبها المكتوم وتلاحق أنفاسها، قبل أن تتمكن أخيراً من رفع رأسها إليه. كانت ملامحها شاحبة، ذابلة، وعيناها غارقتان في الدموع وهي تتحدث بصعوبةٍ بالغة:
— "واحد صاحبه.. كان معاه في المأمورية النحس.. قالي إنه اتصاب هو وعسكري كان معاه.. دوكها مات في لحظتها، وكمال..."
توقفت عن الكلام وشهقات البكاء تمزق صدرها بحرقة، قبل أن تتابع بصوتٍ واهن قطع نياط قلوبهم جميعاً:
— "كمال بين إيدين ربنا دلوقت.. عمليته خطيرة يا حمزة، والجرح واعر قوي.. يا مرك يا هالة، يا مرك يا سواد أيامك
— "بس.. فِضيها!"
هتف بها حمزة بحزمٍ يوقف سيل عويلها، حتى لا يصل صوتها إلى الرجال الغرباء والضباط المنتشرين في أرجاء الردهة؛ فسترة بنت عمه في هذه اللحظة أوجبُ من إشفاقه عليها.
وبالرغم من حزمه، إلا أن قلبه كان يعتصر وهو يراها في حالةٍ من الضعف والهوان لم يشهدها عليها من قبل. حالتها تلك استنفرت غريزة الحماية لدى أبناء عمها؛ منصور ومعاذ وحتى خليفة..... خليفة الذي كان زوجها يوماً، وبينها وبينه خلافات السنين ومرارة الماضي، لم يملك أمام هذا المصاب الجلل إلا أن ينحي الضغائن جانباً، ويعاملها بمسؤولية الأخ وشهامة الرجل الصعيدي، مشدداً من أزرها مثلهم تماماً. يا الله! ابنة عمه التي كم عانوا من تعجرفها وغرورها، والتي كانت ترى نفسها فوق الجميع، ها هي الآن يعتصرها الحزن والتمزق خوفاً على رجلٍ لم تكن تحترم صفته كزوجٍ يوماً. يا إلهي.. منذ متى كانت "هالة" تبالي بشيء آخر غير هالة لتنهار بهذه الصورة المفجعة الآن؟ لقد فعلها القدر أخيراً؛ كسر كبرياءها لتدرك في أصعب لحظات حياتها أن من كانت تظنه قيداً، هو في الحقيقة أنفاسها التي تخشى انقطاعها.
....................
قدم إليهم في تلك اللحظات أحد الضباط، ملامحه يكسوها الإرهاق لكنها تحمل فخراً حزيناً. عرّف عن نفسه ماداً يده لحمزة، الذي بادره بالسؤال دون انتظارٍ لمراسم التعارف:
— "السلام عليكم.. أنا الظابط سليم فتوح، حضراتكم تبع الرائد كمال؟"
قبض حمزة على يده بقوة وجيبه ملهوفاً:
— "أيوة إحنا أهله.. طمنا يا ولدي، عايزين نعرف إيه اللي أصابه؟ إحنا هنا زي الأطرش في الزفة من ساعة ما جينا، ومحدش راضي يدينا كلمة مفيدة!"
أجابه الضابط "سليم" بهدوءٍ شديد يحاول فيه امتصاص غضبهم وقلقهم:
— "معلش يا فندم، اتأخرت عليكم.. بس عقبال ما خلصت الإجراءات وسلمت المجرم اللي كان مطلع عيونا بقاله شهور؛ مطاردات وجرايم ما بتخلصش. الحمد لله، بفضل مجهود كمال باشا وشجاعته، قدرنا أخيراً نوصله ونقبض عليه بعد حصار للوكر اللي كان مستخبي فيه هو وعصابته، بس للأسف الخسائر كانت روح جندي بريء، وحضرة الظابط البطل اتصاب في صدره.
— "عند قلبه؟!"
صرخت بها هالة بجزعٍ شقّ سكون المكان، لفتت نظر الضابط وعددٍ لا بأس به من الحاضرين، فسارع بطمأنتها على الفور:
— "في صدره.. في صدره يا فندم. يمكن ده مكمن خطورة العملية دلوقت، حضرتك تبقي مراته؟"
أومأت برأسها وهي تشهق بالبكاء، فتابع مرحباً بنبرة رسمية:
— "يا أهلاً وسهلاً بيكي يا فندم، كمال باشا بطل ويشرف أي حد.
. — "يا باشا خليك معانا في المهم!"
هتف خليفة بخشونة وصوتٍ جهوري قطع مجاملات الضابط، ليستدرك الأخير خطأه ويعود للجدية سريعاً:
ـ "حاضر يا فندم، معاكم أهو.. حضرتك تبقى مين بقا؟" ..........................
طال الانتظار خلف باب الغرفة المغلقة لساعاتٍ ثقيلة كأنها الدهر، حتى خرج أخيراً كبير الأطباء بملامح منهكة، يمسح حبات العرق عن جبينه، ليخبر الجمع الذي التف حوله بلهفةٍ عارمة:
— "اطمنوا يا جماعة، خير إن شاء الله.. هو هيخرج يقعد في العناية تحت الملاحظة أربعة وعشرين ساعة، ادعوا له إن الأزمة تمر بسلام."
— "يعني لسه فيه خطر على حياته؟!"
هتفت بها هالة للمرة الثانية بصوتٍ متهدج، فالتفتت الرؤوس نحوها بصورةٍ كانت تستفز أبناء عمومتها، لكن لا أحداً يملك لومها في تلك اللحظات الحرجة. ولأنها كانت لافتةً للنظر بطبيعتها، والرجال الغرباء في المشفى لا يعرفون أصولاً ولا تقاليد في غض البصر، كان هذا ما يضاعف من سخطهم
طمأنها الطبيب بكلماتٍ روتينية محفوظة لتهدئتها، وما إن فُتح الباب وخرج "كمال" مسطحاً على "الترولي" يحيط به طاقم التمريض، حتى ركضت هالة بلهفة ونحيبٍ عالٍ هزّ أركان الردهة:
— "كمال! رد عليا يا كمال.. كمال كلمني!"
تمتم حمزة بغيظٍ مكتوم وهو يرى نظرات الفضول تنهش بنت عمه، وحبس رغبته في إزاحتها بيده بقوة، ثم وجه حديثه الصارم نحو عمه:
— "ارفعها وأبعدها الله يرضى عنك يا عمي.. إحنا في مستشفى حكومي ومش ناقصين فضايح من المجنونة دي .
................................
خلف الزجاج البارد، كانت عيناها معلقتين به، تتابع في ذهول كل نَفَسٍ يصعد ويهبط في صدره المثقل بالجراح. كانت الأجهزة المحيطة به تومض بمؤشراتها الحيوية، وكأن نبض قلبها هو المعلق بتلك الأسلاك وليس نبضه هو. لم يرممها التفافُ الجميع حولها، فبرغم وقوف أهلها وإخوتها وبنات عمها بجانبها يشدون من أزرها، إلا أن إحساس الذنب كان ينهش روحها كالنار في الهشيم. كان يقتلها مجرد التفكير في أنه كان سيرحل وهو ساخطٌ عليها، دون أن يدرك حقيقة مشاعرها المكبوتة التي لم تستيقظ إلا في الوقت الضائع. لكن الصفعة الأقوى لضميرها، تجسدت حين شعرت بيدٍ حانية تربت على كتفها، فالتفتت لتصدم برؤية أكثر شخصين ألحقت بهما الأذى: اعتماد، التي كادت أن تفقد حياتها بسبب مكائدها، وليلى التي دبرت لها خطة دنيئة لتدفعها نحو الحمل غصباً عنها بغرض تخريب زواجها. فخاطبتها اعتماد بنبرة هادئة:
— "قلبي عندك يا هالة.. طمنينا، عاملة إيه دلوقت؟" تابعت ليلى بأسفٍ حقيقي:
— "سامحينا إن كنا جينا متأخر، بس والله كنت 'متشندلة' مع أمي والعيال الصغيرين، واعتماد كانت واقفة تستقبل الحريم اللي جايين يباركوا لأمي."
تملكت الصدمة منها، فالاثنتان الآن وبكل نبلٍ، تطلبان منها "السماح" لمجرد تأخرهما، وكأنها لم تخطئ في حقهما يوماً!
وقفت تنظر إليهما بذهول، وكأن طيبتهما سياطٌ تجلد ظهرها؛ فكيف لمن طعنتهما في ظهورهما أن يأتيا ليمسحا دموعها؟ كانت نظرات ليلى الحانية وصوت اعتماد القلق أشد وطأة عليها من رصاصات المأمورية التي أصابت زوجها الراقد الآن تحت رحمة الأجهزة.
لم تحتمل هالة المزيد؛ فجدارُ الكبرياء الذي شيدته لسنوات انهار تماماً أمام فيض نبلهما. وبحركةٍ مفاجئة حملت كل أوجاعها، ارتمت عليهما معاً، تضمهما بذراعيها بقوةٍ كأنها تتشبث بطوق نجاة، وانفجرت في بكاءٍ مريرٍ وهي تردد بصوتٍ متهدج:
— "أنتوا اللي تسامحوني.. أبوس يدكم سامحوني! حنّ عليكم سامحوني على كل اللي عملته معاكم!"
كانت كلماتها تخرج مخنوقة بالدموع، معلنةً عن توبةٍ ولدت من رحم الفاجعة. في تلك اللحظة، لم تعد هالة هي المغرورة المتعجرفة، بل كانت نفساً منكسرة تبحث عن مأوى في قلوبٍ طالما حاولت هي كسرها، بينما خيّم الذهول الممزوج بالشفقة على وجوه الحاضرين من هذا المشهد الذي لم يتوقعه أحد
عايزين تحضروا سبوع البنات ولا تسمعوا اعتراف هالة اللي هيعرفكم شخصيتها،
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
داخل الحجز الضيق، كان عرفان جالساً على الأرض الباردة، يسند ظهره إلى الجدار المتسخ وعيناه غائبتان في فراغٍ لا يراه غيره. لم يكن يرى القضبان، بل كانت مخيلته تعيد عرض شريط الدقائق الماضية؛ لحظة انقضاضه على عطوة وضربه له بعنفٍ وحشي، وكأنه يفرغ في جسده سواد السنين كلها.
تذكر محاولات عطوة اليائسة لصد ضرباته، لكن غضب عرفان كان يحيل ذراعيه إلى مطارق من حديد، تجعل أي مقاومة أمامه هباءً منثوراً. كان متأكداً من حقيقة واحدة: لو تأخرت قوات الشرطة خمس دقائق أخرى قبل أن ينتشلوه من تحت يده، لكان مصير عطوة الآن "جثة" توارى التراب، أو في أحسن الأحوال "قعيداً" بعاهةٍ مستديمة تذكره بعرفان كلما حاول النهوض.
لم يندم.. بل كان يشعر براحةٍ غريبة تشفي غليله، خاصة وهو يتذكر صورة الملعونة "نورا" وهي تصرخ بجزع، تحاول رفعه عن الأرض وكأنه طفلها المدلل لا زوجها، واندفاعها المجنون لتتهجم عليه هو بأظافرها لولا قبضة العساكر التي حالت بينها وبينه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وسط الظلام؛ فبرغم القيد الذي يلتف حول معصميه الآن، إلا أنه ولأول مرة منذ فترة طويلة من الشك، أخذ ثاره وشفى غليله، حتى لو كان الثمن هو قضاء بقية عمره خلف هذه الجدران
ورغم نشوة الانتقام، لم يكن ينكر حسرةً تسكن سويداء قلبه وتنهش كبرياءه؛ لماذا تحمل تلك الملعونة كل هذا الحب لعطوة؟! عطوة هذا الذي لا يزن شيئاً في "سوق الرجال"، كيف تفضله عليه؟ وهو الذي يملك المال، والصحة، والوسامة رغم خشونته المفرطة؛ فهو أبيض البشرة، يملك تلك العيون "الملعونة" التي ورثها بعض أبنائه، أما عطوة.. فمن يكون عطوة لتهرب معه نورا وتعشقه بهذه الصورة الانتحارية؟
لم يتوقف نصل التفكير عند نورا فحسب، بل امتد الجرح ليطال ماضيه مع مزيونة. تذكر أنها كانت زوجته الأولى، وسنوات عمرهما معاً تمر أمام عينيه كشريطٍ باهت؛ لم يلمس فيها مرة واحدة حباً حقيقياً له، ولم يرَ في عينيها قط تلك النظرة التي تنظر بها الآن لـ "حمزة" زوجها الحالي.
زفر عرفان بضيقٍ وهو يضرب بقبضته أرض الزنزانة، وسأل نفسه بمرارة:
— "أليس رجلاً كباقي الرجال كي تعشقه النساء؟ ما العيب فيه؟ ألا يكفي أن يكون الرجل قوياً، مهاباً،
وصاحب مال لتنحني له القلوب؟"
انقطع حبل تساؤلاته وشروده فجأة على صرير باب الزنزانة وهو يُفتح بعنف. دخل العسكري المناوب، ملقياً نظرةً فاحصة على مجمل المحبوسين المكدسين في الزنزانة، حتى وقعت عيناه عليه وقد كان منزوي في ركنٍ وحده. صاح العسكري بصوته الأجش:
— "مسجون عرفان.. قوم فز، فيه ست جاية لك زيارة وبتقول إنها مراتك!"
سهم "عرفان" لثوانٍ، وتوقف الزمن عنده وهو يحاول استيعاب الكلمات. "مراته؟".. وفي تلك اللحظة المباغتة، استدرك بمرارة أن المرأة الوحيدة التي لم تمر بخياله طوال ساعات شروده، هي زوجته الحقيقية، وأم أولاده، صفا تلك هي الوحيدة التي بقيت معه وتمسكت به رغم كل ما فعله معها.
..........................
— "عايزة إيه يا صفا؟"
كان هذا أول سؤالٍ رشقها به فور رؤيتها، بعد أن سُمح لهما بالانفراد داخل حجرة معاون المباحث. نظرت إليه بذهولٍ واستنكار، ثم ردت بنبرةٍ غلب عليها العتاب:
— "ده برضه سؤال تسأله يا عرفان؟ ولا أنت فاكرني قليلة أصل عشان أشمت وأفرح فيك في وقت زي ده؟"
بابتسامةٍ ساخرة باردة، لا تخلو من جلد الذات، رد عليها:
— "وما تفرحيش ليه؟ ده أنتِ هترتاحي مني على الأقل كام سنة قدام.. المرة دي 'لابسة' ومضمونة يا صفا، عشان ممسوك متلبس بـ 'الجزين' اللي كان هيموت في يدي. بس أنا بقولها لك أهه؛ لو عايزة تطلبي الطلاق مفيش مانع، والمحامي اللي هيترافع عشان يخفف عني الأحكام هو نفسه اللي هيعمل لك الإجراءات."
استشاطت صفا غضباً، وشعرت بنيران القهر تحرق صدرها من جفاء كلماته، فردت عليه وصوتها يرتجف من القهر:
— "بقى هو ده اللي ربنا قدرك عليه يا عرفان؟ بدل ما تسألني حتى عن العيال وكيف حالهم في غيابك، جاي تكلمني عن الطلاق؟! يا أخي ده أنا ما طلبتهاش وأنت مكسر عظامي ومحجوزة في المستشفى بسبك! تقرير واحد بس من الدكتور كان يطلقني منك وآخد حقي فلوس، أو حتى أسجنك.. بالعكس، ده أنا اتنازلت عن حقّي عشان رضاك اللي عمره ما نلته!"
قاطعها عرفان بنبرةٍ حادة:
— لا نلتيه يا صفا.. ونلتيه سنين كمان بالعملات والسحر! خلتيني كرهت مزيونة ورميتها، جاية دلوقتي تتكلمي عن الأصول يا بتاعة العملات؟"
لم تنكسر صفا، بل واجهته بحقيقته العارية:
— "وأنت كنت ملاك يعني؟ ولا كنت واقع في حبها؟ ما تفوق يا عرفان وافتكر إن قصتكم كانت منتهية من أصلها.. أنا كل اللي عملته إني بصيت لمصلحتي وعشقي ليك. أيوه غلطت وعملت كل 'العفش'، بس أنت برضه كنت أعفش مني وما زلت! الفرق إن أنا الزمن فوّقني، لكن أنت لسه عايش في الوهم. أنا جاية أزورك وأقف جنبك عشان أنت جوزي وأبو عيالي.. عايز تخلص منينا أنت حر، إنما أنا مش هطلبها، لحد ما أموت مش هطلبها!"
ساد الصمتُ أرجاء الغرفة، ورغم أن موقف صفا كان معروفاً له من البداية، إلا أن ردها القوي كان مفاجأة.. مفاجأة فتحت عينيه على حقيقةٍ غابت عنه؛ أن هناك من يحبه بصدقٍ رغم كل الخراب الذي سببه. نعم، ليست "نورا" ولا "مزيونة" اللتان كان حلم الوصول إليهما يشغله طوال الوقت، لكنها ابنة خالته وأم أولاده.
أدرك عرفان في تلك اللحظة حقيقةً غريبة؛ أنه حتى بعدما "فاق" من سحرها، لم يكن ينفر من القرب منها أبداً رغم بغضه لفعلتها. هل يعقل أن يكون لصفا مكانٌ في قلبه لم يشعر به إلا الآن، وهو خلف هذه القضبان
............................
هدأت الأجواء في المستشفى في هذا الوقت المتأخر من
الليل، بعدما اطمأن الجميع على حالة "كمال" التي يباشرها الأطباء بكل دقة، وقد استقر رأيهم الأخير على أن وضعه قد تجاوز مرحلة الخطر الحرجة وبدأ في الاستقرار.
دلفت هالة بخطواتٍ وئيدة إلى داخل الغرفة، تطالع في وجلٍ عمل الأجهزة والمؤشرات الحيوية التي تومض بجوار رأسه، لكنه لم يظهر أي علامة من علامات الاستفاقة الكاملة بعد. اقتربت تسحب مقعداً معدنياً أصدر صوتاً خافتاً على الرخام، ثم جلست عليه والتصقت بجانب السرير الطبي حيث كان زوجها الحبيب متسطحاً في سكونه الاختياري.
حاوطت بكفيها يده الملقاة على طرف "التخت"، ثم دنت برأسها حتى لثمتها بخفةٍ وحنان، وكأنها تعتذر له عن كل ما فات. فجأة، شعرت باختلاجٍ بسيط في أصابعه، حركة تكاد تكون خفية لا يلحظها إلا من كان قلبه معلقاً بالآخر. انتبهت هالة، واقتربت من أذنه تخاطبه بصوتٍ هامس يملؤه اليقين:
— "أنا عارفة إنك فقت يا كمال.. يمكن مش بكامل وعيك لسه، بس المؤكد إنك حاسس بيا وحاسس بوجودي جنبك."
ساد الصمت الغرفة، إلا من رنين الأجهزة المنتظم، بينما بقيت عيناها معلقتين بوجهه، تنتظر منه رمشة عين أو ضغطة يد تخبرها بأنه قد سامحها حقاً.
................................
طال انتظارها وهي تتمعن في مراقبته، وحين يئست من استجابته، وجدت نفسها – دون وعي – تنساق خلف شريط ذكريات الماضي، تهمس له بصوتٍ شريد
— "فاكر أول مرة عينك جات في عيني؟ لما كنت راكب على الحصان مع حمزة.. أنا كمان خدت بالي منك ومن نظراتك عليا. شكلك كان حلو، وحاجة تعجب أي بت، لكن الشهادة لله أنا مكنتش بفكر غير فيه.. هو وبس. مش لأنه أحلى منك ولا أحسن، لاه.. بس عشان مكنش ينفع أصلاً."
صمتت للحظة وكأنها تسترجع ثقل تلك الأيام، ثم تابعت بنبرة مريرة:
— "كيف أبص لواحد صاحب خطيبي؟ أو اللي في حكم خطيبي زي ما كانوا بيزرعوا في راسي من ساعة ما اتولدت.. (هالة الحلوة محدش هياخدها غير ولد عمها)، (حمزة الرجّيل ما يليقش بيه غير هالة أحلى إخواتها وأحلى بنات العيلة).. حمزة مكنش بيتكلم، لكن أبويا وأمي وعمي كانوا طول الوقت حاطينه في راسي أمر واقع."
تنهدت بعمق، وكأنها تزيح حملاً عن صدرها، ثم أردفت بأسى
— "كنت طول الوقت عايشة في حلم وردي.. اليوم اللي هتجوز فيه ولد عمي والبنات تحسدني عليه، الفستان اللي هلبسه، الوكل اللي بيحبه كنت بتعلم كيف أطبخه.. لحد ما جه اليوم اللي كل أحلامي اتهدت فيه وكانت صدمة عمري، لما فقت على زعيق أبويا معاه في المندرة وهو بيوبخه؛ كيف يجرأ وييجي يخطبني لصاحبه!"
صمتت لمدة من الوقت، وابتلعت غصةً مريرة وقفت في حلقها، ثم تابعت بنبرة متحشرجة يملؤها القهر:
— "يومها يا كمال، كرهت الدنيا وكرهت حمزة، وكرهتك أنت كمان.. كنت شايفاك الشخص اللي سرق مني حلمي، والسبب اللي خلى ولد عمي يبعني لصاحبه برخص التراب. مكنتش فاهمة وقتها إن حمزة كان بيعمل كدة عشان مبيحبنيش، كنت فاكرة إنه بيضحي بيا عشانك.
— "ليالي عدت في كلام ورط ما بيخلصش؛ أبويا اللي كان بيشتكي لعمي، وعمي مش عارف يعمل إيه؟، وولده ساكت ما بيتكلمش، ولا هان عليه يطيب خاطر عمه ويرضيه. الغل ملا قلبي من ناحيتك، لحد ما شفتك معدي من قدام بيتنا وعينك كالعادة على شباكي.. ما دريتش بنفسي ساعتها، وجريت ألحقك من الباب الوراني عشان أوقفك في نص السكة وأتعارك معاك!"
تنهدت بشهقة مكتومة وتابعت والدموع تغسل وجهها:
— "شفت اللهفة في عنيك، نظرة في حياتي ما شفتها من حمزة.. لكن الشيطان كان عامي عيني، دخلت فيك شمال وما كنتش دارية إني بغرز الخنجر في قلبك. ونفس الخنجر ده اتغرز في قلبي لما عرفت بخطوبة حمزة لواحدة غيري.. كنت زي المجنونة ومش مستوعبة، وطول الوقت كانت صورتك في عيني وأنا حطاك السبب في كل اللي حصل لي، ومع ذلك كنت بتمنى ترجع وأنا أصلح غلطتي.. لكن محصلش!"
غصّ صوتها بالبكا وهي تكمل:
— "عمي حب يرضي أبويا وطلبني لولده التاني، وأبويا صمم إني أوافق عشان يرد كرامتي ويقول إن خليفة طيب وهيعرف يحتويني.. لكن ده يحصل كيف والحسرة كانت بتحرق قلبي كل ما أشوف حمزة مع مرته اللي خدت مكاني بيتسايروا قدامي؟ واللي كان السبب في اللي حصل لي أكنه فص ملح وداب.. ليه ما رجعتش يا كمال؟ ليه؟ وأنا كنت والله ساعتها هوافق برضايا، ليه يا كمال ليه؟ اكيد ساعتها مكنتش هعمل كل النصايب اللي عملتها، ولا كان قلبي هيقسى لما اقابلك تانية بعد مرار السنين واللي غيرتوا فيا.
نكست رأسها فوق كفه الممدودة وانفجرت في بكاءٍ مرير لا يتوقف، وكأنها تغسل بدموعها خطايا السنين. وفجأة، شعرت بتحرك أنامله بصورة واضحة تحت وجهها، فرفعت رأسها بلهفة لتجد عينيه مفتوحتين، ينظر إليها بوعيٍ تام ونظرةٍ عميقة طالما هربت منها.
ـ يعني طلع العيب مني انا في الآخر
شهقة اجفال خفيفة صدرت من حلقها وقد انتابتها حالة من اللهفة الممزوجة بالذهول وهي تراه يستعيد وعيه؛ لم تكن تدري أتبكي من فرط الفرح أم تضحك؟ أتحضنه أم تقبل يديه؟ وبحركة عفوية ملهوفة كادت أن ترتمي فوق صدره، لولا صوته الوهن الذي خرج منهكاً ينبهها:
—"حاسبي يا هالة.. إياكِ تهوّبي ناحية الجرح!"
انتبهت لنفسها بآسف شديد، وتراجعت وهي تعتذر له بكلمات متلعثمة وعينان تلمعان بدموع السعادة، بينما ظل هو يراقبها بصمت وصبر، ينتظر أن تهدأ ثورتها. وما إن استعادت أنفاسها، حتى سألها بنبرة تحمل من الجدية أكثر مما تحمل من الألم:
— "كنتِ بتقولي إيه بقى قبل ما افوقلك؟"
صبغت الحمرة وجهها، واعتراها خجلٌ لم يعهده فيها من قبل، فحاولت التهرب من نظرته، لكن "كمال" لم يكن في حالة تسمح له بالصبر أو المجاملة؛ لذا أعاد عليها السؤال بإصرارٍ أكبر وعينين لا تحيدان عن وجهها:
— قولي يا هالة.. ما تهربيش واصمدي قدامي. يعني أنتِ فعلاً كنتِ مستنياني أرجع؟ طب إزاي؟"
ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما المضطربة. كان السؤال يطالبها بأن تضع قلبها بين يديه كما فعلت حين ظنت أنه لا يسمعها، فهل ستملك الشجاعة لتكرار اعترافها وهو ينظر في عينيها
— "خلاص.. أروح لك في غيبوبة خالص عشان تستريحي!"
قالها كمال بنبرة تهديدٍ مغلّفة بالدعابة وهو يغمض عينيه مرة أخرى متظاهراً بالانسحاب، فذعرت هالة وسارعت تنهره بلهفةٍ حقيقية:
— "لاه يا كمال.. بلاش الله يخليك، أنا هقول أهه!"
فتح عينيه ببطء، وببرودٍ غير متوقع ونبرةٍ تحمل استمتاعاً بموقفها، رد عليها:
— "هفتح عيني مش عشان رجاءك.. لاه، أنا هفتح عشان دي أول مرة في حياتي أشوف الخجل على ملامحك.. ده منظر غير طبيعي وأول مرة يحصل، دا حقه يتسجل في التاريخ"
أطرقت رأسها بخجلٍ حقيقي، وشعرت بحرارةٍ تغزو وجنتيها، فتمتمت بصوتٍ خفيض:
— "ما هو اللي حصل يا كمال إن الواحد مبيعرفش قيمة النعمة غير لما تروح من يده.. وأنا شفتك وأنت بتروح مني، وساعتها بس عرفت إن كل اللي فات كان عفرة وسحابة سودة وعميت عيني.. أيوه كنت مستنياك، مستنياك من غير ما احس، مستنياك وانا طرشة عن صوت قلبي اللي كان بينده بإسمك، مستنياك وانا صورتك ليل نهار في خيالي، مرة اشتمك وأصب اللعنات عليك. ومرات كتير اتمنى اشوفك، حتى وانا متغاظة منك.... وبكرهك زي ما كنت فاكرة
كانت كلماتُها بمثابة "إنعاشٍ" حقيقي يُحيي قلبه ويُداوي جرح صدره الغائر. حاول –ببقايا كبريائه– أن يجد ثغرةً واحدة ليُكذّب اعترافها، كي لا يُخدع مرة أخرى ويملأ رأسه بالأوهام، لكن صدق نبرتها ورجفة صوتها لم يتركا له فرصةً للشك.
تضخّم قلبه داخل صدره بانفعالٍ جامح، ظهر في صعود صدره وهبوطه المتسارع، حتى ترجمت الأجهزة الطبية الموصولة به هذا الاضطراب في مؤشراتها الحيوية. انتبهت هالة للأمر، فدنت منه بلهفةٍ وقلق ينهشها:
— "مالك يا كمال؟ أوعى تكون تعبت ! يا مرك يا هالة.. ليت لساني كان انقطع قبل ما أتكلم وأتعبك!"
— "بـس.."
خرجت الكلمة منه بإنهاك، لكنها حملت تحذيراً لم تخلُ منه نبرة التملك:
— "لسانك ده.. أنا هعرف أعاقبه كويس، ومش عشان اتأخر في الكلام بس.. استني عليا لما أخف وأقوم بالسلامة، وأنا هعرف آخد حقي منك حقي تالت ومتلت.
قطبت جبينها بتوجسٍ امتزج بـ "تغابٍ" مقصود وهي تسأل:
— "قصدك إيه مش فاهمة؟ وهتعمل له إيه لساني ده؟ هتعاقبه كيف يعني؟"
لاح المكرُ على ملامحه الشاحبة، وازدادت نظراته عمقاً وهو يهمس:
— "قربي بشفايفك مني.. وأنا اعرفك هعاقبه إزاي!"
شهقةٌ عالية خرجت منها وقد فهمت مقصده تماماً، فاحتقن وجهها بالدم وابتعدت خطوة وهي تداري بسمتها خلف كفها:
— يا مري! إيه اللي أنت بتقوله ده يا كمال؟ ده أنت لسه طالع من الموت يا راجل!"
......................................
عاد خليفة إلى داره هالكاً من تعب المستشفى، ومن وقفته الطويلة بجوار رجال العائلة لمؤازرة ابنة عمه "هالة"؛ فهذه هي صفتها الوحيدة الآن في قلبه: "بنت عمه"، وطليقته، وأم بناته. دلف إلى غرفته بخطواتٍ مثقلة، ليجد ابنتيه تغطان في نومٍ عميق على تخته، داخل حضن زوجته الحنون "اعتماد". وقف يراقب المشهد بصمت؛ لم يدرِ أيغضب من "دلال" اعتماد المفرط للبنات، أم يفرح بتلك الرابطة التي جمعت بين زوجته وصغيراته؟ زفر بتعبٍ وضيقٍ مصطنع وهو يرى "الجميلات الثلاث" كأنهن قططٌ بريئة احتلت فراشه بالكامل، بل كنّ أربعاً إذا حسب الجنين "العزيز الغالي" القابع داخل أحشاء أمه، والذي يشتاق لضمه هو الآخر. اقترب من طرف السرير، ومد يده يلكز "اعتماد" بخفة ليوقظها من غفوتها:
"اعتماد.. يا اعتماد.
انتفضت هي رغم حرصه، ونظرت إليه بإجفالٍ وهي تحاول استعادة وعيها، مما جعله يسارع بطمأنتها بصوتٍ خفيض:
— "بسم الله الحفيظ.. اهدي ما تتخلعيش، مش عايزينهم يصحوا."
رمى بنظرةٍ ذات مغزى نحو صغيراته لتفهم قصده، فاستدركت الأمر وحاولت النهوض بجسدها المثقل بالحمل، فسبقتها يداه لتجذبها وتساعدها برفق حتى غادرت الغرفة دون أن تشعر بها الصغيرات. وما إن أُغلق الباب عليهما، حتى التفت إليها بشيءٍ من الضيق المصطنع:
— "تاني يا اعتماد؟ منيماهم ع السرير برضه! طب أنا أرتاح فين دلوك؟ على الكنبة؟ ولا أروح أنام على سرير واحدة منهم؟"
لحقت به بخطواتٍ وئيدة قبل أن يبتعد، ولفت ذراعيها حول ساعده قائلةً بدلالٍ يحاول امتصاص تعبه:
— "حقك على راسي يا حبيبي، وسلامتك من ألف تعب.. بس أنا عملت كيف ما منبه عليا بالظبط، نيمتهم على فرشتهم بعد ما سمعوا حدوتة قبل النوم، بس أعمل إيه بقى؟ بتك 'منة' بعد نص ساعة بس صحيت مفزوعة وجات عليا الأوضة، اضطريت آخدها في حضني لحد ما نامت، بعدها مفيش دقائق جات 'جنا' تقول لي اشمعنى هي تبات في حضنك! اضطريت أرضيها كمان والنوم غلبني غصب عني."
رد عليها خليفة بنبرةٍ متهكمة وهو يحاول كتم ابتسامته:
— "أيوة.. ارضيهم هما وأنا اتفلق!"
ضحكت رداً على كلماته وقالت بحب:
— "بعد الشر عليك من الفلقة، ده أنت الكل في الكل يا 'أبو إياد'.. هو إحنا لينا حد غيرك؟"
لانت ملامحه تماماً حين نادته بذلك الاسم المحبب، الذي اختاراه بعناية ليكون اسماً للوليد القادم. رق قلبه واقترب منها ليدنو برأسه ويقبل بطنها التي تحمل حلمهما الصغير، وهمس بامتنان:
— "عشان حلفتيني بالغالي بس.. المرة دي سماح
تبسمت اعتماد بارتياح لسماحته المتواصلة معها، حتى عاد إليها يربت على موضع معدته يشتكي بمداعبة:
— "طب 'أبو إياد' هلكان جوع.. ممكن يا 'أم إياد' حتى تدليني على مكان الوكل؟"
شهقت اعتماد وهي تتراجع خطوتين لتتجه نحو المطبخ بلهفة
— "يقطعني يا حبيبي.. دقائق والوكل يكون جاهز قدامك!"
حاول منعها رفقاً بحالها:
— "استني يا ولية أنتِ تعبانة.. روحي نامي وأنا هعرف أحضر لنفسي."
ردت بإصرار الزوجة الأصيلة:
— "والله ما يحصل واصل!"
وأثناء جدالهما، دوى فجأة صوت نداءٍ غاضب من الخارج، زلزل أركان الدار:
— "أنت يا زفت الطين يا معاذ! أنت يا رُبراب يا سخام البرك!"
اتخذ الاثنان طريقهما نحو مخرج الجناح، وقد علما يقيناً من صاحب الصوت؛ إنه حمزة، يصرخ من جناحه بالأسفل، موجهاً نداءه الغاضب إلى معاذ في الجناح الأخير، والذي خرج باستهجانٍ وصوتٍ يغلبه النعاس:
— "خبر إيه يا أبوي؟ البلد كلها سمعت تهزيقي في نص الليل! ليه ده كله يا عمي.. جرى إيه يا حمزة؟"
صرخ به الآخر بنفاذ صبرٍ كاد يذهب بعقله:
— "تعالى يا ضنايا خُد ابن الكلب ولدك من هنا.. يا إما همشيك أنت وهو من البلد
.........................
قبل قليل..
دخل حمزة هو الآخر بتعبٍ شديد، يجر أقدامه جراً بعد انتهاء ذلك اليوم الثقيل؛ فبعدما اطمأن على استقرار حالة صديقه "كمال"، جاء الدور الآن ليتفقد زوجته وطفلتيه اللتين تركهما منذ الصباح.
دلف إلى غرفتهما، فوجد مزيونة مستيقظة تهدهد إحدى التوأمين بجزع، وقد ارتسم الخوف على ملامحها من استيقاظ الأخرى، وهي تهمس بتوسل:
— "بس.. بسم الله عليكي يا توتو.. بس يا نن عيني، يا بت الله يهديكي المصيبة التانية هتصحى!"
تبسم حمزة وهو يلج إلى الغرفة، وعلّق بسخرية محببة:
— "صاحية ليه البت دي؟ لتكون مستنياني أنا كمان؟"
طالعته مزيونة بنظرة استنجاد، فاقترب منها وتناول الصغيرة ليحملها بين ذراعيه وهو واقف، فصمتت الطفلة فوراً مستمتعةً بهدهدته. علّقت مزيونة بقهرٍ مضحك:
— "مضروبة الدم! وكأنها حسّت بيك وأنت واقف بيها!"
صار حمزة يؤرجحها رغم تعبه، وقد أعجبه إحساس الأبوة الذي يغلبه، فأراد أن يغيظ زوجته "بغبطة":
— "وليه متقوليش إنها حسّت بحنان أبوها؟"
ردت مزيونة بتهكم:
— "ويعني دلوك هي لحقت عرفت إنك أبوها يا حمزة؟"
أجابها بثقة:
— "ده أكيد من وهي في بطنك كمان!"
تبسمت له مزيونة بيأس؛ فهي تدرك أنها لن تغلبه أبداً في الكلام. ظل حمزة على وضعه لحظات حتى اطمأن لنوم الصغيرة، ثم جلس على الفراش مقابل زوجته وقال بشفقة:
— "كان حقك نمتِ وارتحتِ دلوك.. هي ليلى مش قالت إنها هتبات عشان تراعيكي؟"
أجابته بهدوء:
— "حصل يا حمزة، وهي نايمة دلوك في الأوضة التانية عند ريان."
وايه لزمتها بقى لما تنام في الأوضة التانية؟"
ردت مزيونة مبررة:
— "يا حمزة ما هي اتكسفت لترجع أنت من برا وتدخل على الأوضة 'دُغري' زي ما عملت دلوك.. المهم، عملت إيه في المستشفى؟ أنا سمعت إن صاحبك ربنا نجاه بعد العملية."
أجاب حمزة بامتنان:
— "أيوة فعلاً الحمد لله، ربنا كان كريم وخد بيده.. ههه سبحان الله
قال الأخيرة بشيء من الشرود، مما جعلها تطالعه بتساؤل أجاب عنه دون تردد:
— "لو شوفتي هالة النهاردة تفتكريها واحدة تانية، متصدقيش أبداً إن دي اللي كانت مطلعة عينا ورافعة مناخيرها في السما.. الجزينة طلعت هوا، وفي أول اختبار انكشفت قدام الكل!" سألته بشيء من الضيق والفضول:
— "يعني إيه مش فاهمة؟ وضح أكتر."
رد حمزة بتعجب:
— "هالة طلعت بتحب جوزها! كمال اللي قطعت رجله من البلد سنين طلعت حباه! طب لما هو كدة، كان لزومه إيه المرار ده كله؟ ما كان من الأول!" تنهدت مزيونة بحكمة:
— "النصيب يا حمزة.. ليهم نصيب يتشندلوا لحد ما ربنا يأذن بالوصال.
" تبسم حمزة بملء فمه، يشاكسها بمغازلته المعهودة: — "أيوة صح.. زي نصيبي أنا وأنتِ يا عسل، دوخنا عشان نتلم في الآخر على بعض، ونجيب 'المنتوشة' اللي في يدي دي وأختها!"
ضحكت مزيونة وقد تسلل إلى قلبها ارتياحٌ نسبي بعدما فهمت وجهة نظره من ذكر ابنة عمه؛ يبدو أن الغيرة أصبحت سمةً في شخصيتها على يديه. قاطع شرودها صوته وهو يميل برأسه:
— "سهمتي ليه؟ أنا بكلمك!"
هزت رأسها بحركة غير مفهومة لتطرد أفكارها، ثم مدت ذراعيها تطالبه بصغيرته:
— "هات البت عشان أنيمها."
رد حمزة برفضٍ قاطع:
— "لااه.. هنيمها أنا!"
قالها حمزة وشرع في تسطيح الصغيرة على الفراش برفقٍ بجوار شقيقتها، فانشغل بمشهدهما الرائع وتناسى تعبه، ليبدأ في التخطيط بعفوية:
— "هما بس يومين النفاس دول، وبعدها البنتين دول مكانهم يكون على سراريهم.. ولا أقولك؟ أنا من بكرة هنقلهم عليها!"
وما إن انتهت كلماته ولامس جسد الصغيرة الفراش، حتى صدح صوتها بصرخة مستيقظة مدوية، وكأنها فهمت قرارات والدها واعترضت عليها في الحال
تعالى صراخها، وبدأ حمزة محاولاته اليائسة لتهدئتها، بينما مزيونة تراقب بجزعٍ خشية أن تستيقظ الأخرى.. وهذا ما حدث فعلاً! في ثوانٍ معدودة، تحولت الغرفة إلى "جوقة" من الصريخ المتواصل، ووقف الاثنان عاجزين تماماً أمام ثورة التوأم.
كان حمزة قد استنفد طاقته، أما مزيونة فقد أهلكها تعب الولادة حتى أصبحت على وشك البكاء، وهي تشتكي لربها من "جوز المفاغيص" اللذين لا يقدر عليهما أحد وهما في عمر الأيام.
كان حمزة يحاول تهدئة زوجته قبل الصغيرتين، حتى انفتح الباب ودلفت ليلى التي استيقظت على الجلبة تتساءل في دهشة:
— "خَبَر إيه؟ إيه الحكاية عاد؟"
رأى حمزة في ظهورها نجدةً من السماء لتساعدهما، بينما سارعت مزيونة تطلب منها بجفاء ممتزج بالتعب:
— "اجري يا ليلى حضري الرضعة بسرعة!"
وما إن همت ليلى بتنفيذ الطلب، حتى اخترق مسامعهم صريخُ طفلٍ صغير آخر من الخارج، صرخة جعلت مزيونة تنتفض بجزع وهي تصيح بابنتها:
— "اجري يا بت هاتي 'مؤيد'.. متخليهوش يبكي واصل!"
هنا، فاض الكيل بحمزة؛ فقد تجمع عليه تعب اليوم المهلك في المشفى حتى يطمئن على صديقه، بناته يصرخن، وزوجته تنهار، ابن أخيه "معاذ" يبكي في الخارج بينما أبوه يغط في نومٍ عميق في جناحه الهاديء في الاعلى! وبدون سابق انذار خرج فجأة إلى الشرفة كالإعصار، وصرخ بصوتٍ زلزل أرجاء البيت:
— "أنت يا زفت يا معاذ! تعالَ خُد ولدك يا ض.. يا إما هماشيك أنت وهو من البلد كلها!"
...........................
بعد عدة أيام
كان موعد زيارتهم المعتاد، وقد تحسنت حالة كمال من إصابته الصعبة، وبدأ يتماثل للشفاء شيئاً فشيئاً. كانت زوجته هالة ترابط بجواره كظله، تحيطه برعايةٍ لم يعهدها منها، ومعها أبناء عمومتها الذين لم ينقطعوا عن زيارته المتعاقبة على الدوام.
كان حمزة وخليفة يتبادلان الحديث معه بمحبة ومودة، ملتزمين بأقصى درجات الحرص في تعاملهما مع هالة؛ فرغم صلة القرابة القوية، إلا أن الجميع يراعي تلك الشعرة الفاصلة، ويدركون جيداً مشاعره الجامحة في الغيرة عليها. فرغم صمته ورزانته، إلا أن نظراته وحدها كانت تفضحه وتعلن تملكه لها، لذا يلتزم الجميع الحدود الرسمية معها، رغم التغيير الواضح في شخصيتها.
تُرى.. هل كان السبب أنها أحبت "حبه" لها؟ أم أنها كانت تعشقه منذ البداية ولا تدري؟ في كل الأحوال، لقد تبدلت هالة للنسخة الأحسن بسببه. ومع ذلك، يظل للبيئة والأصول حكمها؛ فمهما طوى الزمن صفحة الخلافات القديمة، يظل الاثنان أبناء عمومتها، وأحدهما هو والد بناتها، مما يجعل للحذر مكاناً في كل كلمة.
كان حمزة يحتل مقعده بجوار التخت الطبي، بينما في الجهة المقابلة وقف خليفة بجوار منصور، الذي لم يكفّ عن مشاكسته المعهودة لكسر جمود الجو:
— "آه لو تعرف يا سيادة الضابط باللي كان حاصل فينا! يا راجل ده إحنا قاعدين مستنيينك تفوق وركبنا بتخبط في بعضيها من كتر الرعب بسبب الرتب اللي مرشقة في المستشفى! كنت خايف أتحرك ولا أعمل أي 'تكة'، لأتاخد تحري ولا اشتباه، حتى الحمام ما دخلته غير لما روحت البيت.
انطلقت ضحكات حمزة وشقيقه لترنّ في ردهات المستشفى، أما "صاحب الشأن" فكان يجاهد بالكاد للسيطرة على عضلات بطنه حتى لا يضحك ويؤذي جرحه الذي لم يندمل
فحاول كتم وجعه وهو يردد بصوتٍ منهك:
— "حرام عليك يا بني.. الجرح هيفتح!"
فيرد عليه خليفة ضاحكاً وهو يغمز له:
— "لا، أنت خلي بالك من نفسك عشان هو مش هيوقف واصل.. هو ومرته نسخة واحدة، أموت وأعرف مين فيهم اللي بهت ع التاني!"
وفجأة، خرجت شقيقته منى من مرحاض الغرفة بعدما انتهت من تغيير حفاضة ابنتها، لتهجم عليه بصوتها الرخيم الذي أجفله:
— "مالها مرته بقى يا غالي؟ ولا أنت اللي عايز تنكشها دلوك عشان تفتح في الكلام وتفرج علينا الناس ، وانت عارف لساني طويل مبسكتش.
هنا تدخل حمزة، والضحك لا يتوقف على ملامحه، ليقول بخبثه المعهود:
— "قلبك أبيض يا خيتي.. إحنا في مستشفى غريبة وبلاش ننشر غسيلنا قدام الأجانب، خليها لما نبقى في بيتنا واستفردي بيه هو ومرته براحتك."
هزت منى رقبتها بإعجابٍ شديد للفكرة، ولمعت عيناها بوعيدٍ مضحك وهي تقول:
— "جدع يا حمزة.. أهو ده الكلام الزين
— "جاه على مزاجك كلام السهن!"
هتف بها خليفة بمشاكسة، لتؤيده منى على الفور وهي تضحك:
— "قوي قوي! أخويا وفاهمني، رغم إنه برضه مش سالك زيك!"
— "برضه؟!"
هتف بها حمزة مستنكراً بضحكة، فتجاوزت هي عن مشاكسته واقتربت من هالة، لتمسك بالطفلة وتضعها بين يديها قائلة بتعبٍ مُفتعل:
— "خدي يا بت شيليها شوية.. دراعي اتختل من شيلتها!"
حملت هالة الطفلة برفق، واهتزت مشاعرها بعفوية وهي تهدهدها، في تلك اللحظة التقت عيناها بعيني زوجها العزيز، والذي ما إن رأى مشهدها وهي تحمل الصغير بين يديها، حتى اهتز قلبه داخله؛ فقد ولدت في أعماقه أمنيةٌ قديمة تجددت بقوة.. أمنية يتوق لتحقيقها في الإنجاب منها، وأن يرى طفلاً يحمل ملامحهما معاً يغفو بين ذراعيها
بارتباكٍ ملحوظ حاولت هالة أن تتصرف بطبيعية لتداري أثر نظرته التي اخترقتها؛ فرفعت الصغيرة لتقربها من زوجها المتابع لكل لفتةٍ وسكنةٍ منها، وقالت بمحاولة لفتح حوار عادٍ:
— "شوف يا كمال.. المضروبة دي فيها شبه كبير من 'جنا بنتي'.. صح؟"
— "بسم الله ما شاء الله.."
قالها في البداية وهو يرمق الصغيرة بابتسامةٍ هادئة، قبل أن يرفع عينيه نحو هالة مباشرةً ويكمل بنبرةٍ غازلة:
— "ما شاء الله فعلاً.. فيها شبه منها، وقمر زيك.
صعقت جملته هالة بخجلٍ شديد، فهربت بعينيها نحو منى التي كانت تتابع المشهد بمكرٍ واستمتاع، ولم تفوت الفرصة دون أن تتدخل بخفتها المعهودة:
— "يا حلاوة يا ولاد! بقى بنتي أنا شبه 'جنا' اللي حلوة وزي القمر زي أمها؟ ماشي يا سيدي.. شالله ربنا يراضيك يا حضرة الظابط باللي في بالك، ويقر عينك بولي عهد يشيل اسمك ويشبه أمه في حلاوتها!"
تبسم كمال بخجلٍ حقيقي، ورغم أن هذه الصفة ليست من شيمه العسكرية، إلا أن "منى" استطاعت بكلماتها المصيبة أن تلمس وتراً حساساً في قلبه. وهنا تدخل حمزة ليقطع حالة "السهو" التي أصابت الجميع
— "طب نقوم إحنا بقى، وكفاية لحد كدة.. ورانا أسبوع "البنات" والبيت واقِف على رِجل!"
قالها حمزة وهو يستعد للرحيل، فظهر الابتهاج على وجه كمال وهنأه بقلبٍ صافٍ:
— "ربنا يبارك لك فيهم يا حمزة.. يا ريتني كنت بصحتي، كنت جيت وحضرت ونقّطتهم كمان."
جاء الرد سريعاً من خليفة وهو ينهض عن مقعده بابتسامةٍ
هادئة:
— "تحضر عقيقتهم إن شاء الله، ولا أسبوع 'النونو' اللي جاي في السكة!"
كان خليفة يقصد طفله القابع في بطن "زوجته"، وقد فهم كمال المقصد ليخطف نظرةً خاطفة نحو هالة؛ وقد انتبهت هي للنظرة، لكنها ادعت انشغالها في مناغاة الصغيرة بين يديها، ثم رفعت رأسها نحو حمزة قائلة بودّ:
— "يتربوا في عزك يا ولد عمي.. يا ريت بس تبعتوا لي صور البنات، جنل ومنة اصلهم وحشوني قوي."
أجابها حمزة وهو يتجه نحو الباب:
— "أنا هَوصّي ليلى تصورهم وتبعت لكِ الصور أول بأول."
وهنا تدخل شقيقه خليفة ليتمِّم "الواجب" قائلاً:
— "وأنا المرة الجاية هجيبهم معايا يزوروا عمهم كمال بنفسهم."
تلقى كمال قوله الأخير بامتنانٍ شديد، وشكره بجديةٍ واضحة؛ فقد أسعدته هذه المبادرة من خليفة، والتي اعتبرها بمثابة بداية حقيقية لصفحة جديدة بينهما
تحركت منى هي الأخرى، فتناولت طفلتها من يد هالة، بينما كان زوجها يستأذن كمال في الرحيل. قبلتها منى، وضمتها بمحبة صادقة، داعيةً لها بالاستقرار، ولزوجها بالشفاء العاجل والوقوف على قدميه مجدداً.
انصرف الجميع، لتخلو الغرفة أخيراً عليهما.. ساد صمتٌ لم يكن فارغاً، بل كان مشحوناً بنظراتٍ تفصح عما هو أبلغ من ألف كلمة. كسر كمال هذا الصمت بفعلٍ عملي؛ حيث مد يده ليرفع كفها اليه، ويطبع فوقه قبلةً طويلة تعبر عن فيض حبه، ثم تمتم بمكرٍ أذاب ما تبقى من صمودها:
— "إمتى بقى أخرج؟ أنا زهقت من الحيطان دي.. واشتقت اوووي!"
صُبغت وجنتيها بحمرة الخجل، وأدركت من نبرته أنه لم يشتق لبيته فحسب، بل اشتاق إليها هي.. وإلى تلك الحياة التي بدأت تولد من جديد بين جنبات قلبهما
...................................
اندفع حمزة بخطواته السريعة، يحثُّ الخطى ليلحق بما ينتظره من تجهيزات "السبوع" الصاخبة في الدار. وأثناء مروره السريع نحو المصعد، لمحت عيناه مشهداً استوقفه رغماً عنه؛ امرأة حامل تسند زوجها الذي بدت عليه آثار إصابات بليغة، فقد كانت إحدى قدميه "مجبّرة" بالكامل، وعلامات الكدمات والقطوب تملأ وجهه ويديه.
ثبت حمزة نظراته عليه لثوانٍ، وفجأة اتسعت عيناه بذهولٍ صاعق حين ميز ملامح الرجل.. إنه عطوة!
في لحظةٍ واحدة، دار شريط الذكريات في رأسه كالإعصار؛ وتذكر دموع ليلى قريبا وحزنها الشديد ذات ليلة على والدها الذي يقبع خلف القضبان بتهمة "الشروع في قتل" هذا الرجل الماثل أمامه!
— "يااااه.. ياما الدنيا صغيرة بجد!"
صدحت الكلمات في عقله قبل أن يتحرك متجهاً نحوهما دون تفكيرٍ في العواقب، تاركاً خلفه خليفة ومنى ومنصور يراقبونه بذهولٍ تام، وقد عقدت الدهشة ألسنتهم
..................................
عن إذنكِ.."
قُيلت بخشونةٍ ملحوظة اخترقت أسماع نورا وزوجها، من رجلٍ اقترب منهما بحركةٍ واثقة ومباغتة، جعلتها تتراجع للوراء بتلقائية، ليتسلم هو منها مهمة مساعدة زوجها. أما عطوة، فقد شلت المفاجأة تفكيره، واستسلم تماماً لسحب "حمزة" ومساعدته التي خففت عنه الثقل بصورة كبيرة، بعدما كان يحاول ألا يحمل على زوجته مراعاةً لضعفها بسبب الحمل.
ساد صمتٌ قصير، لم يقطعه سوى كلمتين فقط خرجتا من بين شفتي حمزة بنبرةٍ غامضة:
— "ألف سلامة عليك يا عطوة."
رد عطوة بارتباكٍ شديد، وعينيه تزيغان بعيداً عن نظرات حمزة:
— "الله.. الله يسلمك يا حمزة."
هنا تدخلت "نورا" بعفوية، وقد أشرق وجهها بابتسامةٍ ساذجة:
— "وَه! أنتم طلعتوا تعرفوا بعض؟ عشان تعرف إنك ابن حلال يا عطوة.. أهه، كنت مستثقل إن حد غريب يساعدك، وربنا بعت لك الجدع ابن الحلال اللي يعرفك
........
