رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل السادس
ذهبت ملوك إلى عملها وهي عازمة على كشف الحقيقة ومعرفة حقيقه عمر الراوي . دخلت على أحد رؤسائها في القسم وكان طبيبا من أصول صعيدية ويعرف عائلات الجنوب جيدا. طلبت منه خدمة شخصية أن يستقصي أخبار عمر الراوي. أعطته الاسم بالكامل ومكان السرايا ووعدها الرجل بأن يأتي لها بالخبر اليقين.
كانت ملوك تظن في أسوأ كوابيسها أن عمر قد غدر بشقيقتها أو أنه استسلم لجبروت عائلته وقرر نسيانها. خاصة وأنه مر شهران دون اتصال واحد.
لكن الأيام مرت وعاد الدكتور بوجه شاحب يحمل فاجعة لم تكن في الحسبان.
قال لها بصوت منخفض.. يا دكتورة ملوك.. البقاء لله عمر الراوي مات.
تجمدت ملوك... مات مات إزاي دا شاب صغير.. مات إزاي.
تنهد الرجل.. والله دي مصيبه عيله الراوي كلو بيحكي بس إللي عرفتو يا ملوك إنه انقتل بطلقة خطأ في بيته وبين أهله.
وقعت الكلمات على ملوك كالصاعقة. ارتعبت وتجمدت الدماء في عروقها. قتل خطأ.. طلقة بين أهله..
كانت الشياطين تصارع نفسها بداخلها لتتحكم فيها أكثر. وفي تلك اللحظة تأكدت داخلها كل الظنون السيئة عن عائلة الراوي. همست لنفسها بذهول مرعب... قتلو الواد .. هما وحوش قوي كده.. قتلوا ابنهم غدر عشان يمنعوه من البت؟
لم تستوعب ملوك كيف يمكن لعائلة أن تنهي حياة ابنها في عقر داره. جلست مصدومه لأول مره مشلوله ماذا ستفعل الآن؟ وكيف ستنقل الخبر لملك التي تنتظر طوق نجاة من زوجها الراحل؟ كانت ملك تقول دائما إنهم وحوش لكن ملوك لم تتخيل أبدا أن تصل البشاعة بهم إلى سفك دمهم بأيديهم.
دارت بداخلها دوامات من التساؤلات... طب و ملك اللي بقت حامل في يتيم... قتلو ابوه اللي وقع بين أنياب وحوش. قتلوا أبو الطفل قبل ما يشوفه. هعمل إيه البت هتموت كده أعمل إيه يا رب كتير.
دخلت ملوك والحزن يمزق ملامحها كانت تحاول رسم القوة لكن عينيها فضحتا كل شيء. بمجرد أن رأتها ملك هبت واقفة بلهفة وأمسكت بذراع ملوك كأنها تمسك بطوق نجاة..
إيه الدكتور جاب أخبار صح؟ شكلك بيقول إنك عرفتي حاجة.. انطقي يا ملوك عمر فين؟
سكتت ملوك وأشاحت بوجهها بعيدا وهي تعتصر كفيها لم تقو على النظر في عيني أختها.
هنا ارتجفت ملك وبدأ صوتها يعلو هستيريا..
مالك.. عيونك بتقول مصيبة.. جوزوه صح؟ وافق وكسر قلبي وجوزوه؟
بدأت ملك تصرخ وهي تضرب صدرها..
عمر عايش مع غيري.. سابني واتخلى عني عشان يرضيهم.. باعني بفلوسهم وأرضهم؟ قوليللي يا ملوك إنه عمل كدة قولي إنه واطي وخان بس متبقيش ساكتة كدة.
نظرت إليها ملوك بقهر ودموع متحجرة كالعاده هزت رأسها ببطء....
لا.. لا يا ملك ياريت الموضوع كدة.. عمر ما سابكيش بمزاجه.
بلمحة جنون وضعت ملك يدها على بطنها وهتفت برفض قاطع..
لااا هو ما سابنيش اصلا مش مصدقه. عمر قالي إنه هيرجع. قالي يا ملك أنتِ النفس اللي بطلعه هو وعدني.. أنتِ أكيد بتكدبي أو الدكتور جاب خبر غلط هو أكيد محبوس.. عيلته الوحوش حبسوه. لا يا ملوك.. عمر مش هيسيبني لوحدي في الدنيا دي ومعايا حتة منه هو ميعملهاش.
استمرت مليكة في الهذيان وهي تضحك ببكاء مرير..
تلاقيه جاي في الطريق تلاقيه دلوقتي بيجهز السرايا عشان ياخدني هو بس اتأخر شوية.. لكن يسيبني؟ عمر ما يسيبنيش يا ملوك أنتِ مش عارفة عمر بيحبني قد إيه.. هو مش هيسيبني أبدا
بدأت تلطم علي وشها.. لا مش هيتخلي عني لا..
اندفعت ملوك تحتضنها بقوة وهي تبكي بحرقة.... لا يا قلبي عمر ماتخلاش عنك.. عمر دافع عنك وعن حبكم لحد آخر نفس في روحه.
تصلب جسد مليكة في حضن أختها وتوقفت أنفاسها للحظة كأن الزمن جمد دماءها. همست بصوت مرتجف وكأنها ترفض الفهم....
آخر نفس في روحه يعني إيه؟ بتقولي إيه يا ملوك.. أمال ماجاش ليه؟ ملوك أنتِ مخبية إيه أنا ليا فترة قلبي مقبوض وبحلم بكوابيس.. فيه إيه؟
نظرت إليها ملوك بقهر وأزاحت وجهها فصرخت ملك بهستيريا وهي تهز كتفي ملوك.... انطقي يعني إيه؟ عمر جراله حاجة؟ عملوا فيه إيه الوحوش دول؟ انطقي.
هتفت ملوك بغل وحرقة... قتلوه يا ملك.. قتلوا جوزك في وسط بيتهم.
وقعت الكلمات على ملك كأنها صاعقة من السماء شقت صدرها ظلت تنظر للفراغ بحدقتين متسعتين وتهتف بذهول مرعب.. قتلو مين... مين.. عمر.. قتلوا عمر؟ قتلوا حبيبي؟ انت مجنونه قتلوا ابنهم إزاي؟ مين اللي قتله...
هدرت ملوك بغل.. الكلاب إخواته قتلوه وطرمخوها قتل خطأ.
جحظت عيون ملك... إخواته قتلوه ليه.. ليه ييتموا ابنه قبل ما يشوفه؟ للدرجادي كان متمسك بيا وقتلوه؟ كان يطلقني يا ملوك.. كان يرميني في الشارع بس يعيش كان يسيبني والله كنت هسامحه بس يفضل يتنفس..
فجأة انفجر بركان الوجع داخلها فاندفعت تصرخ وتلطم وجهها وجسدها بعنف صرخات شقت سكون الليل وخلعت القلوب... جوزي مااااات.. موتوا سندي... آآآه يا حرقة قلبي يا عمر.. يا كسرة ضهري يا حبيبي.. يا عماااااااار
وضعت يدها على بطنها وهي تصرخ بنحيب يقطع الأنفاس... طب ابني.. ابني هعمل فيه إيه؟ هيشوف أبوه إزاي؟ هيقول لمين يا بابا والقتلة اللي من دمه دبحوا أبوه؟ ياريتني مكنت عرفتك يا عمر.. ياريتني مت أنا وأنت عشت.. ليه يا رب؟ ليه يحرقوا قلبي كدة؟
تواصلت صرخاتها المحملة بوجع السنين صرخات مذبوحة فقدت أغلى ما تملك وظلت تلطم بهستيريا وهي تنادي إسمه...
يا عُمر.. يا حبيبي ارجعلي.. ماليش غيرك يا عُمر... يابو قلب حنين ياللي ماشفت بخنيتك يا قلبي اااااه ..
نظرت لاختها بهذيان... كان قلبو حاسس والله كان حاسس قالي.. قالي مش هرجع يبقي مت.. قالي آه.. كان بيحضن فيا ويوصيني كان بيديني وصيته الاخيره قبل ما ياخدوه... اداني خاتم عيلة وحفر عليه كان عااارف كان عارف يا كفره أنكو هتموتوه..لبسنس الخاتم وقالي روحي لجدي لو جرالي حاجه يا خرررابي يانا..يا حبيبي يا قلبي يا نن عيني من جوا..
لطمت علي قدميها... طب أعمل إيه أعمل إيه.. طب موتوه إزاي قالهم لا هرجع لمراتي جابو قلبو جابو قلب حبيبي الكفرة.. .. اااااه يا حرقه قلبي عليك يا قلبي. خدوك غدر يا وأخد روحي.. مني لله يا ريتني ما وافقت يا ريتني كسرت قلبو بدل ما ياخدو روحو.. إيه كلاب.. إحنا عشنا ماعايزينش حاجه..
.. طب وابني هوديه فين أروح بيه فين يا رااااب خدني يا رااااب أروح لحبيبي يا رااااب ماعتش عايزه دنيا...
لم يتحمل جسدها الضعيف كل هذا القهر فخارت قواها وسقطت في حضن ملوك فاقدة للوعي بينما بقيت صرختها الأخيرة تتردد في أرجاء المكان كأنها نعي لقصة حب ذبحتها قسوة عيلة الراوي.
---
مرت الأيام ثقيلة كأنها دهور كانت ملك واهنة لدرجة مرعبة تحولت لشحوب الأموات. لم تكن تأكل فكل لقمة كانت تشعر بها كأنها جمر يحرق حنجرتها ولم تكن تتكلم فما نفع الكلام بعدما رحلت روحها.
كانت تبكي وفقط.. دموعها تسيل في صمت مريب على وجنتيها وعيناها مثبتتان على الفراغ كأنها ترى طيف عمر يلوح لها من بعيد.
كانت تنعي حبيبها بقلب منفطر تنعي الرجل الذي تحدى الدنيا لأجلها والقلب الذي لم ينبض إلا لاسمها والروح التي قُتلت غدرا في عقر داره وبين أهله.
كانت تهمس باسمه في نص الليل بصوت مبحوح تتلمس خاتمه..
ليه يا عمر ليه سيبتني للوحوش وطلعت للسما؟ كنت خدني معاك يا حبيبي.. ماليش مكان هنا من غيرك.
وضعت يدها المرتجفة على بطنها التي بدأت تبرز قليلا وشعرت بمرارة لا توصف طفلها ينمو في أحشائها بينما أبوه تحت التراب ينمو ليحمل اسم عائلة قتلت من أعطاه الحياة.
قامت بصعوبه ولبست اسدالها وجلست تصلي لعل قلبها يبرد كانت تترنح فجلست أرضا تصلي.. تناجي ربنا بقلب محروق وصوت مبحوح ....
يا رب.. لكل إنسان دعوه وانا ماعتش ليا الا الدعوه دي.. يا رب.. يا رب ماليش طاقة يا رب خدني ليه.. وحياة وجعي ده وحياة الكسرة اللي أنا فيها ماتسيبنيش وسط الوحوش دي.. خذني لعمر يا رب أنا مابقتش قادرة أتنفس هوا. ولا قادرة أشيل ابنه وأنا عارفة إن أهله هما اللي دبحوا أبوه.. يا رب ريحني يا رب خلي روحي تطلع لروحه أنا رخصت نفسي عشانه يا رب خذني لحبيبي.. يا رب انت ادري بقلبي وعالم بيا.. كسره القلب وحع وكسره الروح موت.. خدني يا رب بحق حبيبك محمد خدني وريحني.
سجدت ووضعت راسها تدعو وتدعو علي نفسها وتبني بحرقه .. كانت بتناجي الموت وكأنه طوق النجاة الوحيد.
دخلت ملوك البيت فوجدت مليكة تبكي بقهر.. همست لها... هنسيبها كدة؟ دي هتموت من قلة الأكل والبيبي حرام ملوش ذنب أنا خايفه .
اقتربت ملوك طبعت قبلة حانية على جبين أختها المبلل بالعرق والدموع وهمست.... حبيبتي اهدي قومي ارتاحي وأنا هسهر جنبها الليلة.
دخلت ملوك علي ملك سمعتها تدعو علي نفسها فانقبض قلبها... أنهت ملك صلاتها أقتربت ملوك وجلست واحتضنها وهمست.... وحدي الله يا قلبي.
رفعت مليكة عينيها الذابلتين وهمست عايزة أموت يا ملوك.. عايزه أروح لعمر وحشني قوي الدنيا من غيره ضلمة ومخيفة.
ردت ملوك بحزم محب... حرام كدة وابنك ذنبه إيه؟ فكري فيه هو ملوش غيرك.
نظرت إليها ملك بمرارة وقالت... عايزاني أوديه لأهله.. هيقتلوه ويقتلونا.. نفسي أموت عشان أنتِ فعلا مالكيش ذنب تشيلي شيلتي. سنين وأنتِ شايلة البيت والعيلة وأب غادر سابنا وآخرتها فضيحة وجرسة أنتِ شايلة همنا وما بتشتكيش. جبل واقف سادد عننا الشر لحد ما جبته بأيدي.. أنا نفسي أموت بابني لا أشيل حد همي ولا أتعب حد معايا. بدعي ربنا في كل صلاة ياخدني وحاسة فعلا إني هموت.. أنا اتوجعت بزيادة وقلبي ماعادش متحمل حاسة إن روحي بتتسحب مني.
صرخت ملوك بانهيار...بطلي حرام عليكي هتسيبيني لمين؟ ده أنتِ روحي وتوأمي حرام والله اللي بتعمليه فيا وفيكي.
هتفت ملك بصدق موجع... روحك وتوأمك.. أنا فين وأنتِ فين يا ملوك.. أنا رخصت نفسي.. طول عمري معتمدة عليكي. أنت تشتغلي وتنزلي وتتعبي وأنا بدلع وأتآمر. رحت اتجوزت من غير ما تعرفي وكان عندك حق إني رخصت نفسي. أنتِ تشرفي وأنا عار أنتِ دكتورة وأنا اتقالي يا رخيصة أنتِ عالية وأنا كناسة البطن.
نظرت إليها بقهر.... عمري ماهنسا قعدتي تحت رجل إبن الراوي وهو بيقلي بصي لجزمتي إللي بتلمع.. بصيت والله جزمت فعلا بتلمع عني لأني رخيصه قوي.
صرخت ملوك.. اخرسي إنت مش رخيصه إنت ست الناس وإلا ماكتش عمر ضحي بنفسه عشانك.. اللي يضحي بروحه يضحيها عشان حاجه غاليه.
شهقت مليكه بقه وقبضت علي قلبها... الحسرة مكلبشة في قلبي بشوف نفسي حاضنة عمر كل يوم بس من غير ابني.. يا ترى هيموت من القهر ولا أعمامه هيموتوه؟ لو رحتلهم هيقتلونا ولو فضلت هنا الحسرة هتاكلني.. عمر كان بيحلم ياخدني لجده كان بيقولي جدي حقاني وقلبه طيب وهيفرح بيكي.. وعدته نروح سوا بس الظاهر هموت بوعدي.
صرخت ملوك وهي تحتضنها بقوة.. كفاية بقة أنا ماعدتش متحملة قلبي انهري والله لكل واحد طاقة وأنا طاقتي خلصت.
ردت ملك وهي تمسح علي وجهها .. أنتِ طاقتك طوفان أنتِ جبل يا ملوك. سامحيني يا قلبي إني عملت فيكي كدة سامحيني يا عمري.
احتضنتها ملوك وهتفت.. أسامحك على إيه بس؟ كفاية اللي اتعمل فيكي. إحنا مش عايزين حاجة من حد وابنك في نن عيني هربيه أنا عايشة ليكم وبس.
ابتسمت ملك بوهن.. وأنتِ ذنبك إيه تربي ابن غيرك بدل ما تربي ابنك وتعيشي حياتك؟
ردت ملوك بمرارة وقسوة.. أربي ابني منين.. أنا لو انقلبت الدنيا مش هدخل صنف راجل حياتي.. عايزاني يتعمل فيا زي ما اتعمل فيكي؟ ولا زي اللي عمله أبوكي فينا؟
هتفت ملك بضعف مدافعة عن ذكرى حبيبها.. بس عمر ماكانش وحش يا ملوك.. عمر كان حنين قوي كان قلبه ملوش زي.
هتفت ملوك بصوت مخنوق بالغل...
بس معاه كلاب صعرانة.. معاه وحوش تنهش في الجتة معاه موت وقضا ربنا.. بتقولي إيه أنتِ... بطلي.. أجيب مين وأودي مين. أجيب عيال للدنيا يتعذبوا زيك وزي ابنك اللي أهله موتوا أبوه؟ اسكتي يا ملك.. اسكتي وخلاص هنربي الواد ومش عايزين من حد حاجة.عهد عليا لاربيه أحسن تربيه ولا هحوجه لمخلوق. ملوك هتعيش ليكو وإللي هيقرب منكو هاكل قلبه.. نامي وسيبها لله.. لينا رب.
---
في قصر الراوي كانت الحياة تسير على وتيرة واحدة كئيبة السرايا تحولت إلى بيت للأشباح. الجد سعفان انزوى في عالم خاص به مبتعدا عن الجميع كأنه ينتظر أجله.
أما عامر فقد استمات ليعيد عمار إلى عمله وبالفعل استجاب له أخيرا بجسد حاضر وروحه غائبة. كان عمار يذهب كل يوم للمقابر يرتمي فوق تراب أخيه يتوسل إليه أن يسامحه ويبكي بدموع جفت من كثرة ما انهمرت.
نساء البيت لم يعدن يطقن العيش في هذا السواد... ندى تحول حبها لعمر إلى كره أعمى بعدما علمت بتبجحه وهوانه عليها. وأمها تحثها باستمرار أن تنقل اهتمامها لعمار وتتزوجه لتضمن مكانها بينما مها لا تزال تنتظر في صمت أن تبتسم لها الأيام وتصبح لعامر.وفواده عادت بطلوع روح أبنائها ولكنها دائما ما تذهب لاختها بعيدا.
على الجانب الآخر كانت ملك تذبل كزهرة انقطع عنها الماء. مرت الأيام وجاءت آلام المخاض مبكرة وقاسية. هرعت ملوك بأختها إلى المشفى الخاص بها. دخلت ملك غرفة العمليات في حالة خطيرة للغاية. مرت ساعات كأنها سنين لتخرج ملوك والطفل بين يديها بينما نُقلت ملك للعناية المركزة وهي تصارع الموت.
دخلت ملوك عليها فنظرت ملك إليها بعينين تلمعان ببريق الرحيل وهمست بصوت ضعيف..
خلاص يا ملوك.. قصتنا خلصت يا بنت أبويا سامحيني.. هسيبك وأروح لحبيبي.
صرخت ملوك بانهيار... بطلي بقة أنتِ هتبقي كويسة وهتقومي لابنك.
ردت مليكة بابتسامة باهتة.. كويسة فين؟ ده أنا شايفة عمر.. شايفاه جاي ياخدني وأنا فرحانة. جه إمبارح حضني وقالي مستنيكي يا قلبي الدنيا هنا حلوه قوي وماتخافيش. والله جه ولابس حلو قالي هنعيش هنا يا ملك عندنا بيت حلو قوي. شفتي هعيش وافرح مع حبيبي ماتزعليش أنا هفرح والله هفرح..
مسكت يد اختها بقوة... ... بس عاهديني يا ملوك.. خلي بالك من ابني إياكِ تسيبيهم ياخدوه. ربيه عالحب طلعيه قوي زيك ونضيف شربيه من قلبك دفا إنت عندك دفا يكفي عالم ..
ابتسمت بحب... سميه عمر. عمر عمر الراوي.. قولي له أبوك كان أحسن وأحن أب مات عشانك ومافرطش فيك. قولي له أمك مش رخيصة أمك حبت بجد وراحت لحبيبها. أمك. كانت غلبانه بالدنيا وحيده لقت قلب يحبها حبت ماكفرت.. قولي أمك كان نفسها تعيشلك بس ربنا خدها عشان إنت تعيش أهلك ماكتش هيقبلوك كان هيقولو ابن الرقاصه إللي خطفت ابنهم.. ربنا خد أبوك وخدني عشان إنت تعيش بنساك وتبقي منهم.. بس اوعي يا حبيبي تبقي زيهم.. اوعي يا ملوك.
شددت ملك على يد ملوك وتابعت بنهج متقطع..
أنتِ أمه يا ملوك.. أنتِ السند.. انت بقيتي ملك . ولو جه يوم ياخدوه انهشي قلبهم.. لينا حق عندهم قدرتي تاخديه خديه ماقدرتيش اهربي بالواد. إياكِ تسيبيه للوحوش.. عاهديني يا ملوك.
خلعت مليكة خاتم عمر من يدها وألبسته لملوك بضعف..
ده خاتم عمر.. محفور بخط ايدو.. ده العهد والأمان اللي مابينا وبين سعفان الراوي. دي أمانة عمر لو ضاقت بيكِ اظهريله ووريه الواد.. الخاتم ده يا ملوك هو اللي هيرد حق ابني ده خاتم الواد مابيلبسوش الا رجاله الراوي ومابيتقلعش الا بدمهم.. حبيبي كان حاسس قلعه ولبسهولي.. حقك عليا يا قلب أختك غصب عني حبيت.. غصب عني..
ثم سكتت للحظة وشخصت عيناها نحو السماء بابتسامة باهتة لا يراها غيرها وهمست بآخر ذرة من روحها...
ربي عمر يا ملوك.. ربّيه راوي بالاسم.... وهاشمي بالقلب . .سيف في وش اللي قتلو أبوه... سامحيني يا أختي.. أنا رايحة للي قتلوه عشان يحميني واختار يموت وهو شاينلي..
عمر بيندهلي يا ملوك.. ابني أمانة في رقبتك.. ما تكسريش خاتمه ولا تسيبي حقه.. استودعتك روحي اللي ماشية وروحي اللي باقية في ابني.... أبني يا قلب اختك..
في اللحظة اللي بدأ فيها النفس يهرب من صدر ملك انقشع السواد من قدام عينها وبان نور غريب ملاه المكان. فجأة شافت عمر واقف بعيد متبسم لها بنفس الضحكة اللي خطفت قلبها أول مرة مادد إيده كأنه بيقولها..انا جيت يا قلبي زي ما وعدتك حقك عليا آن الأوان يا ملك.. تعالي في حضني يا وجع قلبي.
ابتسمت ملك بوهن وصدرها اللي كان بيضيق بدأ يرتاح. كانت عارفة إن موتها هو الثمن الوحيد لنجاة ابنها. لو عاشت آل الراوي مش هيسيبوها في حالها وهياخدوا الواد يربوه وسط الغل والدم أو يقتلوه لو طلع شوكة في ضهرهم. لكن بموتها ملوك هتكون هي الدرع وهي السيف ملوك هتاخد الواد ترجع بيه وهي قوية والكل هيفتكر إن ملك الضعيفة راحت ويسيبوا الواد في أمان ملوك.
همست ملك وهي بتطلع آخر نفس بابتسامة صافية..
أنا جاية يا عمر.. جاية لك عشان ابننا يعيش. دمي اللي بيسيل ده هو اللي هيغسل طريق الواد من قرف السرايا. . أنا لازم أمشي يا أختي.. لازم أمشي عشان الواد ده مايشوفش اللي شفته.. عشان يعيش حر مش عبد لاسم الراوي.
شافت عمر بيقرب منها وبدأ صوت ملوك يختفي ويحل محله صوت نبض عمر. كانت مبسوطة وهي بتموت، لأنها عارفة إن ملوك هتربيه يكون سيد مش ضحية وإن موتها النهاردة هو الحيا" اللي وهبتها لابنها عشان يبدأ من جديد بعيد عن غدرهم.
غمضت عينها والابتسامة لسه مرسومة كأنها كانت شايفة الجنة في عيون عمر وفاضت روحها وهي مطمنة إن الأمانة في إيد أمينة.
دوى صراخ ملوك في أرجاء المشفى صرخة مذبوحة خرجت من أعماق قلب لم يعد يحتمل مزيدا من الطعنات...
لاااااا.. لاااااا مش تاني مش تاني يا رب روحي بتروح مني.. نصي التاني راح
قومي يا ملك. قومي عشان ابنك قومي ملوك تعبت الشيلة تقلت قوي يا أختي. ملوك ماعادش فيها مكان للوجع.. قومي. قومي أنا كتير عليا قومي اشيل إيه ماعتش فيا نفس الوجع بينهش جتتي وبيعصر قلبي قومي.
ظلت تصرخ وهي تهز جسد ملك الهادئ كأنها تحاول استرداد روحها منها حتى خانتها قواها وانهارت فوق اختها جثة هامدة من فرط القهر والذهول.
فحتى الجبال العاتية تتزلزل إذا ما انتزعت أساسها وملوك التي كانت سدا منيعا للجميع جف سيل صمودها وهوت أمام قسوة الفقد. فلكل جبل طاقة وقد هدم الموت اليوم قمة ملوك وتركها حطاما فوق جسد توأمها
في تلك اللحظة دخلت مليكه. تلك الفتاة الملائكية التي كانت دائما ما تحتمي بظل ملوك . تسمرت مكانها ورأت المشهد الذي لا يطيقه بشر...
أختيها التوأم ملك فارقت الحياة وسندها الوحيد ملوك ملقي على اختها لا تنطق.
أصيبت مليكه بـ ذعر صامت وتجمدت الدماء في عروقها . حاولت الصراخ ولكن فقدت النطق تماما. الوجع كان أكبر من حنجرتها الضئيلة.
تحولت صرختها إلى شهقة مكتومة مزقت صدرها من الداخل. سقطت مليكه على ركبتيها بجانب جثة ملك وجسد ملوك الهامد عيناها الواسعتان كانتا تفيضان بدموع حارقة لكن بلا صوت.. بلا أنين.
تنتفض بجنون كانت تحرك شفتيها كأنها تستغيث بـ ملوك تنجدها ولكن أين الملوك.. كأن الدنيا قررت إن الرقة دي ليس لها مكان في صراع الوحوش فخرست مليكه لتبقى شاهدة صامتة على دمار عيلة كاملة.لم تحتمل الصدمة فاهتزت بعنف وسقطت هي الأخرى فوق جسد أختيها مغشيا عليها.
ثلاث بتلات.... في دنيا الوحوش..
أحدهم ذبلت قبل الأوان وواراها التراب تاركة خلفها جرحا نازفا لا يندمل وسرا سيظل يطارد القتلة في منامِهم وصحوِهم. ذهبت للحبيبِ الذي ناداها وتركت للدنيا جزء من روحهم.
الثانيه ملاك بقلب حالم وجدت نفسَها وحيدة في ساحة الذئاب خرسها الوجع فلم تعد تملك إلا دمعا يحكي ورعشة تستغيث. النسمة التي انكسر جناحها فتاهت تبحث عن أمان ذبحوه آل الراوي بدم بارد.
واخيرا تأتي الملوك... تلك التي ارتدت قناع الوحش بهيئه مهيبة كالصخر لكنها في الداخلِ ملاك طحنتها الأيام وكال لها الزمن بمكيال القهر فسقطت أخيرا تحت وطأة الأحمالِ التي تكل بها الجبال لتعيد ترتيب أشلاء روحها من أجل الانتقام.
**********
وبكدة.. انفرط عقد التلات بتلات يا جماعة.. 💔
ملك راحت لحبيبها وسابت نار مابتنطفيش ومليكة خرسها الوجع ومبقتش تملك غير الدموع وملوك.. ملوك النهاردة ولدت من جديد بس المرة دي ولدت بمشرط في إيد وقلب محجر مابيعرفش الرحمة.
الوحوش النهاردة افتكروا إنهم كسبوا ميعرفوش إن عمر الصغير والخاتم اللي في إيد ملوك هما اللي هيحفروا قبور آل الراوي واحد ورا التاني. السرايا اللي فرحانة بجبروتها بكرة تنهد فوق دماغهم ببركان الغل اللي ملوك بتحضره.
وهنا.. نقفل بالدم والدموع صفحة عمر الراوي وحبيبته ملك الهاشمي. صفحة انكتبت بوجع القلب وانختمت بكفن أبيض وقصة حب ذبحتها عادات الوحوش وقسوة السرايا.
لكن مع موت ملك انكسر السد.. وصحي من وسط الرماد هشيم ملوك الهاشمي. ملوك اللي سابت قلبها يندفن مع أختها وقامت بجسد صوان وعيون مابتعرفش طعم النوم. الست اللي كانت شايلة الهم بصمت النهاردة اتحولت لعاصفة جاية تكنس قصر الراوي باللي فيه.تفتكروا ملوك الهاشمي هتعمل إيه في الراوي؟
الحكاية مخلصتش دي لسه بتبدأ.. بس المرة دي القواعد اتغيرت والملوك جاية عشان تقلب الترابيزة على الكل.
ملك وعمر راحوا لدنيا أنضف بكتير وسابوا لنا (اليتيم) و(العهد) و(الغل). اللي فات كان دموع ملك واللي جاي نار ملوك. استعدوا.. لأن هشيم ملوك لما بيولع مابيخليش وراه غير الرماد.
