رواية وجع قلب الفصل السادس 6 بقلم اسماء العذب


رواية وجع قلب الفصل السادس بقلم اسماء العذب 

زيدونا نورًا بالصلاة على محمد


صحيت سهى بعد فترة… متعرفش قد إيه.  


لاقت نفسها مرمية في الأرض زي الجثة، وهدومها متقطعة، وحالتها تقطع القلب.  


اتعدلت براحة، ودموعها بتنزل بقهر… من سكات.  

اتسندت على الحيطان، وبقت تداري جسمها باللي لابساه، لحد ما خرجت بره الأوضة.  


بصت حواليها، لحد ما عينها وقعت على طارق اللي بيتكلم في التليفون، ومن طريقة كلامه عرفت إنه بيكلم واحدة.  

طارق بص عليها ببرود، وبص لشكلها، وكمل كلام بلا مبالاة… وكأنها هوا، مش موجودة.  


سهى مهتمتش بيكلم مين ولا بيعمل إيه، لأن خلاص الكره بقى الحاجة الوحيدة اللي بتحس بيها ناحيته، بعد ما كسرها وذلّها الذل ده كله.


دخلت الحمام، وملت البانيو اللي جوه بماية سخنة، وقعدت فيها عشان تفك جسمها المتخشب.  

بينما طارق بره كان بيكلم مي، اللي رجع يكلمها بعد ما لمار رجّعتهم لبعض زي ما بتقول.


طارق ببرود:  

- آه صحيت، ودخلت الحمام… يكش تغرق في البانيو وأرتاح من وش أمها الفقر.

  

مي:  

- معلش يا طارق، أنا عارفة إنك متحملها بالعافية… بس إنت أكيد مش هتخليها تعمل اللي تعمله وتنفد بسهولة. إنت بس هتخليها تذل فيها لحد ما تكسرها، وبعدها ترميها رمية الكلاب.


طارق ابتسم بشر على الفكرة، واتكلم:  

- طب إيه، مش هتيجي إنتي ولمار عندنا ولا إيه؟ عايز أشوفك… ومش هينفع أخرج، عشان ممكن حد يشوفني وكل حاجة تتكشف.  


مي بفرحة شديدة:  

- طبعًا، طبعًا… أنا هكلم لمار ونيجي كمان ساعة ولا اتنين كده. وأهو بالمرة أشوف فقرة من فقرات الإهانة بتاعة ست الحسن والجمال.  


طارق:  

- اشطا أكون أنا استحميت وفرفشت، وأخلي الخدامة اللي جوه دي تحضّر حاجة عشان ناكل مع بعض، ونلاقي حد يخدم علينا.


سمع صوت ضحكتها المسرسعة، وضحك معاها زي ما يكونوا بيقولوا نكتة.


في الوقت ده خرجت سهى من الحمام وهي لابسة الروب الرجالي عشان يداري كل جسمها.  


كانت ماشية، ومش قادرة تبص في عينين طارق بعد اللي عمله فيها. 

 

دخلت الأوضة، وقفلت الباب بالترباس عشان متتفاجئش زي امبارح، ونقّت أول عباية قابلتها ولبستها.  


اتنفضت بفزع شديد لما سمعت صوت الباب وهو بيحاول يتفتح، لكن مش راضي من الترباس.  


بعدها سمعت صوت الخبط العالي، وطارق وهو بيشخط فيها إنها تفتح.

  

لبست باقي هدومها بسرعة، وجريت فتحت الباب بخوف، وكل اللي في تفكيرها إن طارق ممكن يكسرها زي ما عمل امبارح بطريقة فظيعة.


أول ما فتحت الباب، طارق مسكها بسرعة من شعرها قبل ما تبعد، واتكلم بزعيق:  

- جرى إيه يا روح أمك؟ فاكرة نفسك في ملك أبوكي؟ بتقفلي بيبان وتتمشي في المكان على كيفك، ولا كأنه ملك اللي خلّفوكي يا حيلتها!  


طلع بيها بره، وزقها في الأرض وقّعها، واتكلم بقرف:  

- يلا بقى، زي الـ*_* الشاطرة، تدخلي على المطبخ تحضّري أكل عدل، عشان ستك لمار وستك مي جايين هنا كمان شوية. وروّقي المكان، خليه يبرق. اعملي بلقمتك يعني.


سهى مكنش في إيدها غير إنها تبص له بانكسار، ودمعة متمردة نزلت من عينها غصب عنها.  


هزت راسها من غير كلام، وكانت هتتحرك، لكن طارق قرب منها، وبص لها من فوق، واتكلم بإهانة:  

- لما سيدك يكلمك ويقولك تعملي حاجة، تقولي: "تحت أمرك".  


مد رجله، وحطها قدامها، واتكلم بنرجسية:  

- بوسي رجلي يلا، عشان غلطك ده.  


سهى بصت له بعدم تصديق، وبقت تهز راسها بمعنى: "مستحيل يكون ده الشخص اللي أنا حبيته… مستحيل".  


طارق صرخ:  

- بووووسي!  


صرخ فيها بصوت عالي فزّعها… لكنها رغم ده مقدرتش تعمل كده وتوطي على رجله تبوسها، كرامتها مسمحتش.  


والرفض بان في عيونها، وللأسف طارق قدر يقراه.  


طارق بنبرة مليانة فحيح زي التعبان:  

- يعني مش عايزة تبوسي رجلي؟


ورغم خوف سهى ورعبها من اللي ممكن يعمله، لكنها هزت راسها بمعنى: "أيوه، مش هبوسها".  


ومن قبل ما تنطق كلمة تدافع بيها عن نفسها، كانت رجل طارق الممدودة بتخبط في وش سهى بسرعة رهيبة، خلتها تقع في الأرض، وراسها تتخبط فيها، والدنيا لفت بيها في ساعتها، ومحستش بنفسها ولا بالد/م اللي بقى ينزل من بُقها.  


بصت للسقف ثواني بدوخة، ومفيش صوت طالع منها.  


حست بطارق وهو بيشدها من هدومها يوقفها، لكن رغم ده كله مكنش عندها القدرة تفتح بقها بحرف، والدوخة اتمكنت منها.  

وزاد الطين بلة لما طارق نزل على وشها بقلم، خلّى راسها تلف أكتر وأكتر، ونز/يف بُقها زاد.  


مسكها من رقبتها، رماها على الحيطة، واتكلم بجحود:  

- اقفي هنا بقى لحد ما لمار تيجي، وارفعي إيديكي الاتنين. وكل ما أشوفك بتنزلي إيدك، هلسعك بالقلم على خلقتك، أخلي راسك تلف.  


سهى اتسندت على الحيطة، والدوخة متمكنة منها، ومقدرتش ترفع إيدها.  


صرخت غصب عنها بخضة ووجع لما حست بقلم نزل على وشها، وصوت طارق في الخلفية:  

- براحتك، خليكي منزلة إيديكي، وأنا بقى أسقّف على خلقتك براحتي.  


بصت له بنظرة اللي كفيلة تليّن الحجر، لكنها مقدرتش تثير أي شفقة من ناحيته ليها.  


سهى اتعدلت براحة، ورفعت إيدها زي ما قال، عشان تتحاشى أذاه، رغم الوجع اللي بيشتد عليها، والدوخة اللي لسه متمكنة منها.


ـــــــــــــــــــــــــ  


مي ولمار وصلوا البيت، ومي هتطير من الفرح لأن طارق بنفسه هو اللي طلب منها تيجي.  


لمار رنّت الجرس، ومن قبل ما تشيل إيدها، الباب اتفتح، وطل من وراه طارق اللي استقبل الاتنين بالبسمات والسلامات، لحد ما دخلوا وشافوا المنظر اللي قدامهم:  


سهى واقفة وشها للحيطة، ورافعة إيديها زي الطالب المشاغب.  

الاتنين بصوا لبعض باستغراب، وحوّلوا نظرهم لطارق اللي هز كتافه ببرود واتكلم:  


- إيه… بذل فيها زي ما كنت بقولكم.  


لمار بعدم فهم:  

- هي طالبة في مدرسة ومعملتش الواجب ولا إيه؟


سهى لما سمعت صوت لمار لما اتكلمت، التفتت بسرعة، وقربت منها وهي بتتكلم بانهيار.  


لكن الاتنين اتصدموا من شكل وشها اللي شبه متدمر ونازف، ولسه الد/م عمال ينزل من وشها.  


سهى قربت منها، ومسكت إيدها، واتكلمت برجاء وهي منهارة:  

- لمار، أبوس إيدك الحقيني… خلي طارق يبعد عني ويصدق إني معملتش حاجة. والله العظيم يا ربي معملتش حاجة… وفي حاجة غلط في الموضوع.  


لمار نترت إيد سهى منها وهي بتتكلم بقرف:  

- إيدك يا حيوانة، كلها دم… ابعدي، جاتك القرف.  


سهى بانهيار:  

- يا ناس صدقوني، والله العظيم مظلومة. ولو مش مصدقين، مستعدة أروح معاكم لدكتور يكشف عليا ويعرفنا إيه حصل… بس والله العظيم… ووالله العظيم كمان مرة، ما في حد لمسني غيرك يا طارق. صدقوني، حرام عليكم.


مي ولمار بصوا لبعض بخوف إن طارق يعمل كده، وكل اللي خططوا ليه ينكشف. 

 

لمار قربت منها بتوتر، واتكلمت بزعيق عشان تلغوش على الموضوع:  

- دكتور إيه يا رخيصة اللي هنروح له؟ إنتي كمان عايزة تفضحينا قدام الناس عشان سيرتنا تبقى على كل لسان؟ طب إنتي أصلك واطي وعادي معاكي… لكن احنا… إنتي مش عارفة احنا عيلة مين ولا أهلنا مين؟ عايزة تسوّئي سمعتنا وتخليها في الأرض؟  


بصت لطارق واتكلمت بغل وتوتر:  

- طارق، أوعى تعمل زي ما هي بتقول. دي لو رجلها عتبت الأسفلت، ممكن تهرب وتفضحك، ومنعرفش نلم من وراها.


طارق زق سهى برجله بعنف بعيد، واتكلم بغضب:  

- ده أنا كنت أجيب خبرها، ولا آخد فيها دقيقة حبس… مش على آخر الزمن حتة *_* لا راحت ولا جات هي اللي هتلوّث شرفي وتسوّء سمعة العيلة.  


بص لسهى وزقها بقرف:  

- غوري يا بت على المطبخ، اعملي أي أكل ناكله. اختفي من قدامي بدل ما أجيب خبرك دلوقتي… غووووري.


الاتنين بصوا ليها وهي بتمشي بتتمطوح من وجع جسمها.  

التلاتة قعدوا قدام التلفزيون، وخلّوه شغال بصوت عالي، عشان سهى متسمعش هم بيقولوا إيه.


طارق:  

- إنتو هترجعوا البيت بتاعكم إمتى؟  


طارق بتنهيدة:  

- مش عارف يا مي… بفكر أرجع كمان يومين. أنا اتخنقت من القعدة بوزي في بوز الـ***_ دي.  


لمار بضيق:  

- حاسب على ألفاظك يا طارق، احنا بنات.  


طارق بتأفف:  

- بلا بنات بلا ولاد… أنا اتخنقت وعايز أرجع لحياتي. عايز أطلع وأخرج وأتفسح وأروح شغلي. اتخنقت بجد، ومبقتش قادر. مش مصبرني غير الشديد القوي.  


لمار اتنهدت هي كمان بضيق واتكلمت:  

- عندك حق… ما هو القعدة مع البت دي أكيد تخنق.  


سكتت واتكلمت بعد تفكير:  

- بص… إنت خليك يوم ولا اتنين كمان، وقول إن راجع، ولما حد يسألك قول إن الجو هناك معجبكش ومرتحتش إنت وست الشيخة هناك، عشان طبعًا أجانب ومايوهات وكده، وهي طلبت ترجعوا.

  

مي باستحسان:  

- فكرة حلوة… جيّب الحق على الزفتة دي، ومحدش هيقدر يعلّق.  


التلاتة بصوا لبعض، وطارق هز راسه بعد ما عجبته الفكرة:  


- خلاص تمام… هبلّغ أهلها بكرة، وأفطّمها على اللي لازم تقوله عشان محدش يحس بحاجة.


اتفقوا على كده، وفعلًا تم التنفيذ، وبلّغوا أهل سهى بحوار الرجوع، واللي كانوا هيطيروا من الفرحة عشان سهى هترجع.  


بينما أهل طارق كان الموضوع عادي بالنسبة ليهم، وقالوا إنهم هيجوا زيارة في أقرب وقت. 

 

وبعد يومين بالضبط كانوا راجعين شقة طارق، اللي سهى مسكتها من أولها لآخرها تنضيف، عشان الضيوف لما تيجي، وعيلة طارق لما تيجي تبارك.


ـــــــــــــــــــــــــــــــ  


في بيت أهل سهى،  

كان الكل بيستعد عشان يروح يزور سهى بعد ما رجعت من السفر، وطارق اتصل بيهم بلّغهم.  


أمها كانت بتحضّر الهدايا اللي هياخدوها، والأكل اللي هي حضّرته، وهي بتتكلم بفرحة كبيرة:  

- أخيرًا هشوف بنتي وأملي عيني منها… أول مرة تبعد عني كده، وهشوفها بعد مدة. يا حبيبتي يا بنتي.  


محمد بفرحة:  

- وأنا كمان وحشتني أوي أوي… كأنها غايبة بقالها سنين، مش كام يوم. مكنتش أعرف إنها هتوحشني كده لما تتجوز. لو كنت أعرف، مكنتش خليتها تتجوز وتبعد عننا.  


مروان بفرحة:  

- مش وقته الكلام ده… يلا بسرعة، عشان منتأخرش ونقعد معاها وقت كتير.  


بص لأمه واتكلم بتحذير:  

- وخلي بابا ميقعدش يقول كل شوية "يلا بينا". احنا مش يوم هنروح نشوف أختي، يعني ميقعدش يستعجلنا. أنا ما صدقت إنها رجعت وهشوفها.  


في الوقت ده خرج أبوه من الأوضة بعد ما لبس، وهو بيتكلم:  

- وهو احنا نقعد نفرشط عند أختك وجوزها؟ الراجل يقول علينا إيه؟ قلالات الذوق… لازم نكون خُفاف، عشان الناس متزهقش مننا.  


معاذ اتكلم المرة دي:  

- ناس مين يا بابا؟ دي سهى… لا بقى، أنا سهى وحشتني أوي أوي، وهقعد معاها كتير. وعايز ترجع تبات عندنا كام يوم زي الأول. حاسس البيت ملوش أي طعم من غيرها.  


الأم باستعجال:  

- إنتو لسه هتتخانقوا؟ يلا بينا، هنتأخر. أنا جهزت كل حاجة. شيل معايا يا محمد. وإنت يا مروان، انزل وقّف تاكسي بسرعة، خلينا نلحق اليوم من أوله بسرعة.  


الاتنين هزوا راسهم بسرعة وفرحة، وكل واحد بيتخيل المقابلة لأختهم وجوز أختهم هتكون إزاي.


ـــــــــــــــــــــــــــــــ  


بينما عند سهى، كانت لمار موجودة معاهم من الصبح، وهي حريصة إنها تحضر الزيارة دي، عشان تضمن إن محدش هيعرف حاجة.  


وطارق كمان هو التاني كان على أهبة الاستعداد، ومفكّر في جواب لكل سؤال ممكن يتطرح في القعدة دي، ومن أي شخص.  


سمع صوت الباب وهو بيتفتح، وعلى أثر الصوت التفت.  


للحظة سرح في شكل سهى اللي كانت لابسة فستان أبيض بيتي زي عبايات الاستقبال، وفاردة شعرها، وعملته على هيئة تسريحة بسيطة، ووشها كان كله مكياج عشان يداري أي أثر لجرح أو لكدمة، ولو حتى بسيطة.  


وكل ده كان الغرض منه الطمس على جريمتهم وعمايلهم… لكن بالغلط طلّعوها جميلة جدًا.  


فاق من شروده بسرعة، واتكلم بتحذير شديد اللهجة:  

- حسك عينك حد من أهلك يعرف حاجة، وإلا في ظرف أربعة وعشرين ساعة هتكون مصر كلها عارفة فضيحتك. وسيرتك إنتي وأهلك على كل لسان. واحمدي ربك إني متستر على عملتك الو_سخة.  


سهى بدموع:  

- وأنا هفضل أقولك إني مظلومة، وفي حاجة غلط في الموضوع وشرفي محدش مسه.  


طارق كان هيقرب منها عشان يضربها، لكن لمار منعته واتكلمت بتحذير:  


- طارق، لا… كده هتبوّظ كل اللي عملناه. احنا ما صدقنا وشها خف شوية. خلي اليوم ده يعدي عشان خاطري، وبعدين اعمل اللي إنت عايزه.  


طارق اتراجع بعد ما كان هيفش غلّه فيها.  


رفع صباعه واتكلم بتحذير:  

- عشان شكلي بس… ظبّطي نفسك، وأوعي… إوعي حد يعرف حاجة. يمين بالله أخلي فضيحتك وسط الناس بجلاجل.  

بعدت عنه عشان تتحاشى أذاه، وراحت المطبخ تتأكد من كل حاجة، عشان لما أهلها ييجوا تستقبلهم أحسن استقبال، وقررت إنها مش هتقول حاجة لحد ما براءتها تظهر، عشان محدش يشيل همها.


دقايق، وسمعت صوت الجرس… محستش بنفسها غير وهي بتجري ناحية الباب عشان تفتح، لكن لاقت طارق سابقها وواقف قدامه، وبصلها بتحذير، وشاور براسه إنها تروح ناحية المطبخ.  


لمار سحبتها لجوه بسرعة، وطارق هو اللي فتح الباب.  


سمعت صوته وهو بيرحب بيهم، وأصوات إخواتها اللي هزت كيانها… وصوت أبوها اللي زلزل كيانها، وحست في اللحظة دي إنها مش عايزة غير تترمي في حضنه.  


فاقت من شرودها على صوت طارق وهو بينده عليها.  


لمار بتحذير:  

- تاخدي الصينية دي إنتي وخارجة، وتتصرفي عادي معاهم. ولو حد شم خبر بس، هخلي طارق يطيّن عيشتك.


هزت راسها بلهفة… المهم تشوف أهلها. مسكت الصينية، وخرجت بسرعة، ولمحت أهلها قاعدين، والبسمة مرسومة على وشوش الكل.  


كان الود ودها ترمي الصينية وتجري تترمي في أحضان الكل.  

سندت الصينية على الطرابيزة، وبسرعة خيالية اترمت في حضن أقرب شخص ناحيتها، وهو محمد، اللي حضنها بلهفة لدرجة رفعها من الأرض.  


بعد شوية اترمت في أحضان أبوها، واللي مقدرتش تتحمل ودموعها نزلت غصب عنها.  


الأب:  

- وحشتيني يا حبيبتي… وحشتيني ووحشني صوتك وحسك في البيت.  


سهى بصوت مخنوق:  

- وإنت أكتر يا حبيبي، وإنت أكتر والله… وحشتني، وحشتوني كلكم.  


خرجت من أحضان أبوها، واترمت في أحضان أمها، وصوت شهقاتها بقى خارج، وخلى طارق مش على بعضه ويقلق من رد فعل الكل على عياطها المبالغ فيه.  


أم سهى بحنان:  

- مالك يا روحي؟ حساكي زعلانة… إنتي كويسة؟ بتاكلي كويس؟ طارق عامل معاكي إيه؟ كويس؟  


طارق بهزار مصطنع:  

- جرى إيه يا سهى يا حبيبتي؟ هو إنتي كنتي مفهماهم إني بعذبك ولا إيه؟  


بصلها بتحذير في آخر كلامه، خلى سهى تترعب منه.  


بصت لأهلها، ورسمت ابتسامة مزيفة، واتكلمت:  

- مفيش يا ماما… بس إنتو وحشتوني أوي أوي. مع إني كنت بكلمكم كل يوم، بس برضه مش زي ما أشوفكم قدامي زي دلوقتي.  


أمها طبطبت عليها بحنان، وحضنتها تاني، وبعد ما سلّمت على بقية إخواتها، الكل اتجمع وقعدوا يدردشوا. وفي الوقت ده كانت لمار خرجت وقعدت معاهم، وكان حجة وجودها إنها جات تسلّم عليهم وتساعد سهى، لأنهم بقوا أصحاب.  


قعدوا على الحال ده كام ساعة، واتغدوا هناك، ووروها الهدايا اللي لمار كانت بتقلل منها وتتريق عليها، وعلى تمنها وذوقها، بطريقة أحرجت عيلة سهى، وخلتهم يكرهوا وجود لمار.  


ده غير إن أم سهى حاولت تختلي ببنتها عشان تطمن على أحوالها، لكن لمار كانت عاملة زي اللزقة، ومش سامحة بكده… لحد ما مشوا من عندها، وساعتها سهى رجعت للجحيم اللي كانت عايشة فيه.


ـــــــــــــــــــــــــــــــ  


بالليل كانت مي وصلت عندهم، عشان تعرف حصل إيه في اليوم ده.  


ولمار متوصتش، وحكت ليها عن كل اللي حصل بالتفصيل.  


لمار بحقد:  

- بقولك يا طارق… البت سهى دي لازم تضيّق عليها العيشة شوية، مش كده؟ دي واخدة راحتها على الآخر.  


طارق بعدم فهم:  

- أضيّقها عليها في إيه؟  


لمار:  

- في كل حاجة… الأكل، الشرب، والكلام… حتى النفس. ضيّق عليها من كله.  


فكّر شوية، ولمار متوصتش، وبقت تقترح عليه إزاي يعمل كده، ومعاهم مي كمان.  


طارق نادى على سهى من المطبخ، وأول ما خرجت،  

قرب منها، ومسكها من شعرها، واتكلم:  


- بصي بقى يا ست الشيخة، في شوية قوانين هنمشي عليها من هنا ورايح.  


هز راسها بقسوة واتكلم:  

- من هنا ورايح مش هتاكلي في نفس الطبق اللي الناس بتاكل فيه، ولا تشربي… إنتي هتاكلي في طبق بلاستيك، وتشربي برضه في كوباية بلاستيك، وأنا بنفسي هتأكد من كده.  


هز راسها أكتر، خلاها تتوجع، لكن مقدرتش تطلع صوت عشان ميزودش أو يحس بانتصار، بينما طارق كمّل:  


- تاني حاجة، مفيش نوم على السرير تاني… إنتي اللي زيك مكانهم الأرض… الأرض وبس. يعني هتنامي وتقعدي وتعملي كل حاجة وإنتي في الأرض، لأن ده مكانك.  


سكت ثواني وهو بيفكر، وكمّل:  

- تالت حاجة بقى يا شيختنا، إنك مش هتتكلمي ولا يتسمع ليكي حس في البيت ده. مش هتقولي غير: "حاضر"، و"نعم"، و"طيب". ولو اتسألتي، تردي على قد السؤال. تمام؟  


سهى هزت راسها بضعف، وبقت حاسة إنها هيغمى عليها من كتر الشد، لدرجة إن الدم مبقاش واصل لراسها.  


كمّل باقي كلامه:  

- بالنسبة للِمار ومي، فا دول بقى أسيادك. هتلاقيهم هنا كل شوية. ولازم تخدمي على أسيادك، وتسمعي كلامهم، ومتفتحيش بُقك بكلمة.  


لمار قربت هي التانية واتكلمت بغل وكره:  


- أما بقى موضوع خروجك من البيت ده، فا ده من سابع المستحيلات. إنتي هتفضلي محبوسة هنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومحدش هيلمح طرفك ده تاني. ومفيش كلام مع حد على الموبايل، حتى أهلك، غير في وجودنا. ولو عملتي كده من ورانا… إنتي عارفة بقى طارق هيعمل فيكي إيه. والمرة دي أنا هخليه يربطك من غير أكل وشرب، لحد ما تقولي: "حقي برقبتي".

  

مي عجبها الجو هي كمان، وقربت منهم واتكلمت بتعالي:  


- إوعي تنسي إنتي هنا ليه… إنتي خدامة وبس. وكفاية إن طارق لحد دلوقتي مفضحكيش، وخلى سيرتك وسيرة أهلك على كل لسان. يعني تحطي عقلك في راسك، وميتسمعش ليكي حس طول الوقت، وبطّلي بقى دور الشيخة اللي إنتي عايشة فيه ده… ما خلاص، كل حاجة بانت، واتعرفتي على حقيقتك.


التلاتة كانوا محاصرينها بكلامهم اللي بيقطّع في قلبها تقطيع، ولسانها اتعقد، معرفتش تقول إيه أو تدافع عن نفسها بإيه، وهم عملوا نفسهم قاضي وجلاد، وحكموا عليها وبيطبقوا الحكم كمان. 

 

هزت راسها، وكأنها بتنفي التهم دي كلها عنها، أو بترفض تحكماتهم… أيًا كان، فاهي مكنتش موافقة أبدًا على أي حاجة بيعملوها. لكن الكفة كانت راجحة لصالحهم.  


حطت إيدها على قلبها لما حست بوجع ونغزة فيه، وظهر الوجع والقهرة على وشها.  


لكن ده برضه مخلاش التلاتة يسكتوا، بالعكس، كلامهم زاد، وكله إهانة وتجريح فيها، وطعن في شرفها.  


رجليها خانتها، ونزلت على ركبها قدامهم بضعف، والدموع في عنيها بتنزل شلالات، والنغزة اللي في صدرها عمالة تزيد.  

طارق مسكها من إيدها، وبقى عايز يقوّمها عشان يكمّل وصلة الشتم، لكنها مكنتش بتقف، بعد ما حست إن رجليها خلاص مبقاش فيها عضم تقف عليه.  


مي قلقت من حالتها واتكلمت بتوتر:  

- طارق، خلاص. أنا حاسة إنها مش كويسة، وخايفة يحصلها حاجة ونلبس احنا فيها.  


طارق سابها، واترمت في الأرض، ولسه حاطة إيدها على قلبها، وعنيها بتدمع لا إراديًا، والشيطان بقى يوسوس ليها على طرق كتيرة ترتاح بيهم من عذابها ده… زي الهرب، أو الأسوأ… الانتحار.  

والتلاتة انسحبوا من المكان، وسابوها مرمية زي الجثة، من غير حتى ما يتأكدوا إذا كانت كويسة ولا لأ.


ـــــــــــــــــــــــــــــــ  


طارق كان رجع الشغل بعد ما إجازته خلصت.  


كان طول الوقت سرحان، ومش مركز في حاجة غير ليلة دخلته من سهى… أسوأ ليلة مرت عليه.  


كان طول اليوم مش مركز مع أي حاجة وأي حد، وتقريبًا الكل أخد باله.  


وماصدق الشيفت بتاعه خلص، وجه جري بسرعة.  


دخل من باب الشقة بتعب، لكن وقف للحظة يتأمل المنظر اللي قدامه.  


للحظة قلبه رق من شكل سهى وهي قاعدة في الأرض، مسنودة على الحيطة، والتعب باين على وشها،  

وهي رايحة في النوم.  


منظر يخلي الحجر يلين… لكن ده محصلش مع طارق، اللي افتكر ليلة دخلته، ورجع قلبه قسي عليها.  


اتحرك ناحيتها بسرعة، ورفسها برجله بقسوة، خلاها تصحى مفزوعة.  


بصت حواليها، لاقت طارق بيبصلها بقرف وسخرية:  

- وكمان نايمة؟ ما إنتي بجحة، وعينك ميّتة. هتتوقعي منك إيه؟ تحسي على دم أهلك مثلًا؟  


بصلها من فوق لتحت باشمئزاز، واتكلم بأمر:  

- قومي حطي الأكل، عايز آكل… قومي، جاتك القرف في سحنتك الهباب.  


التفت عشان يمشي، لكن سمع الكلمة اللي جمّدته في مكانه.  

سهى بدموع:  

....

الفصل السابع من هنا 

stories
stories
تعليقات