رواية اوركيديا الفصل السادس 6 بقلم نورهان ابراهيم


 رواية اوركيديا الفصل السادس 

أيام المعرض تمر بسلام إلا من قلق يطفو على ملامح "أثير" من حين لآخر ، و ها قد أتى موعد حفلة التوقيع الذى حددته هى و أعلنت عنه للقراء ، و الذى نغص عليها إتزانها النفسي طيلة الأيام الماضية.
تأنقت و أرتدت ثوبها الجديد الواسع و المحتشم ، هندمت مظهرها المتألق ، و خرجت بكل ما بها من شتات قاصدة مكتب والدها و الذى تشكو إليه كلما أصابها إحباط أو فشل .... أو خوف كما تحس به الآن يغزو أوصالها المرتعدة. 
رفع "نديم" رأسه ينظر لها باهتمام يترقب كلماتها التالية :
_ بابي ، عندك وقت ليا ؟ مافيش حد غيرك بيفهمنى و يفيدني ... و كمان برتاح لما بكلمك!
فرد ذراعيه لها لتلقى بنفسها بين أحضانه الدافئة و التى دومًا ما كانت تخفف عنها الكثير من منغصات الحياة ، و قال لها بحب أبوي :
_ دايمًا فى وقت لحبيبة باباها ! 
ثم سألها يريدها أن تفضفض له همها :
_ إيه إللى مزعلك يا عيوني؟!
رفعت إليه عينان متوترتان و قالت بتورية :
_ خايفة قوى من المعرض يا بابي و حاسة إن فى حاجة هتحصل!
تذكر "نديم" أنه سمع بعض كلمات من هذا القبيل عندما كانت تحادث صديقتها فى سيارته و لكنه وقتها لم يهتم كثيراً ، قطعت أفكاره و هى تستكمل بضياع و تعب :
_ حاسة إن فى نار فى دماغي ، حساها هتنفجر و بتضايق لأبسط حاجة و بحس إنى تايهة على طول ، ده كله غير الرواية إللى المفروض تخلص و أنا فى كلمات على طرف لساني و مش عارفة أكتبها ، و كمان الأحداث مش عارفة أجيب أحداث جديدة تشد القراء و تناسب اسلوبي ، و بقيت شايفة الكتابة زي واجب المدرسة إللى فرض عليا مش إختيار!
ربت "نديم" على خدها بتفهم و وضح لها وجهة نظره :
_ إنتى بتضغطي على نفسك ، سيبي الأحداث تيجي براحتها بعدين الرواية دي مش هتتسلم غير السنة الجاية و انتى بالفعل سلمتي روايتك التالتة دي إللى اسمها ....
فشل فى تذكر الإسم ، فضحكت و أخبرته هى :
_ معًا إلى الجنة يا بابي ! دي حتى إسمها سهل!
و أنبته على نسيانه لروايتها :
_ يعنى دي لو كانت قضية من القواضي بتاعتك يا سيادة القاضي مكنتش نسيتها!
ضحك "نديم" و قال بمرحه التى اعتادته فهما ليسا أبًا و ابنته فحسب و إنما 
صديقين متفاهمين :
_ أه يا براوية إنتي!
و بنبرة فضولية و إحساس صادق سألها :
_ فى حاجة تانية غير الكتابة عايزة تسألي عليها؟!
_ لأ يا بابي ، هو ده بس.
قالتها كاذبة عليه و مخفية باقي الحقائق عنه و هو يعلم هذا و لكنه أحترم خصوصيتها و فضل مجاراتها بقوله الحنون :
_ طيب يا أغلى حاجة فى دنيتي ، يلا اسبقيني على العربية عقبال ما اجيب شوية أوراق للقضية الجديدة و احصلك.
رفعت مستوى حاجبيها بتعجبٍ و ردت بلا تصديق :
_ إى ده ؟! إنت هتوصلني؟! كدة هتتأخر على جلسة المحكمة !
ثم ضحكت بلطافة و هى تتخيل :
_ هتدخل موسوعة جينيس ، و هيكتبو بالبنط العريض "قاضى يتخلف عن موعد جلسته فى سابقة لم تحدث من قبل" .
قرص "نديم" وجنتها برفق و قال بضحك :
_ مش قولتلك براوية! و كمان مشاغبة! مكنتيش كدة و إنتى صغيرة إيه إللى غيرك؟
_ و بتسأل يا بابي؟! دي أوفا تغير بلد بحالها مش انا بس!
_ طيب يلا قدامي ، كان زمانك ركبتي العربية و مشينا !
_ حاضر متزقش!
جرجرت قدميها بكسل و سارت بخذلان من نفسها فهذه هى أول مرة تدخل فيها المكتب مهمومة و تخرج و معها همومها إضافة إلى ضيقها من نفسها على كذبتها تلك.
فهناك بعض الأمور لا يقدر الإنسان على إفشائها لأى أحد حتى أقرب الأقربين و أحن المحبين و يظل يحملها معه حملاً ثقيلاً يهد كتفيه و يضعف قوته ، ليصير من الداخل متزعزاً و واهنًا لا يملك أرضًا ثابتة يقف عليها.
♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧☆☆☆☆☆☆♧♧♧♧♧♧♧◇◇◇◇◇◇
إرتدى "معاذ" حلة رسمية راقية متألقًا فى أبهى صوره ، و على وجهه أوسع و أصفى ابتسامة ، فهو على عكسها كان ينتظر بشوق انتهاء اليومين الماضيين ليلقاها بعد كل هذه الأعوام من الفراق ، يكفيه أن يشعر قلبه بها ، و تعود إليه نصف روحه التى فارقته بفراقها ، و تعود الألوان تزين أيامه بعدما بهتت كلها فى عينيه .
طالع صورته المعكوسة بتباهٍ حسن ، و أثنى على نفسه بكلماته المازحة :
_ الله عليك يا معاذ! دايمًا ملك الأناقة و الكاريزما!
= يا لاهوى على الغرور!
قالها "غزال" من ورائه بسخرية مربعًا ساعديه و على وجهه علامات التحدي الممزوج بالمرح .
ليلتفت له "معاذ" قائلاً بتهكم :
_ محدش طلب رأيك ، بعدين أنا واثق من نفسي مش أكتر!
رفع "غزال" حاجبيه الأيسر و واصل مزاحه :
_ بهزر يا رمضان إيه مبتهزرش؟!
جلس "معاذ" على طرف سريره ليرتدي حذاءه الأسود اللامع ، ليقول بعدم تركيز فعلقه ليس معه تمامًا :
_ لأ يا خفيف ، مش وقت هزارك خالص !
تلاعب "غزال" بحاجبيه ، و أضاف ينتشله من أحلام اليقظة التى يغرق بها :
_ أه ، عارف ، ده وقت اللقاء الموعود بسيندريلا!
أحس "معاذ" بالضيق من صديقه ، فهو أصبح يتساهل معه فى الحديث عنها ، ف نهاه زاجراً :
_ مليكش دعوة ، شايفك بقيت بتتكلم عنها كتير ، اتلم احسنلك.
لاحظ "غزال" غيرته على محبوبته بسهولة ، فتراجع بقوله :
_ اهدى يا عم ، خلاص مش هجيب سيرتها لو ده يريحك!
_يستحسن برضو.
كانت آخر كلمات "معاذ" قبل أن يتخطاه خارجًا من الغرفة و هو لا يطيق صبراً للقياها. 
فكل أمنياته توشك أن تتحقق أمام عينيه.
...........
وقفت "روفان" على الرصيف تمد بصرها عن جانبي الطريق و حين رأت السيارة تقبل نحوها ، هللت بحماس :
_ أنا جاية معاكم!
توقفت السيارة إلى جوارها ، لتمد يدها و تفتح الباب و من ثم تركب مغلقة إياه برفق ، فصدمها مظهر "أثير" المرتبك بوجهها المصفر كاليمون و يديها التى تفركهما ببعضهما و تشبكهما و من ثم تفكهما و كررت هذه العملية المتواترة طويلاً ، مما دفع "روفان" لسؤالها بجزعٍ :
_ مالك يا بت ؟! زي ما يكون رايحة تموتى؟! المفروض تكونى هتطيري من الفرحة!
_ نفس الإحساس يا أوفا بيق*تلني!
قالتها "أثير" برجفة و عيونها متلألأة بالدموع .
أخذتها "روفان" فى أحضانها تطبطب على ظهرها بحنان و تقول لها بتفهم :
_ معلاش يا حبيبتي ، أنا حاسة بيكي لكن مش بايدي حاجة اعملها.
لم تفصل الحضن و هى تضيف باقتراح :
_ لو عايزة ممكن نرجع ، و بلاه مرواحك!
هزت "أثير" رأسها رافضة رفضًا قاطعًا :
 _ لأ ، مش هينفع ، أنا وعدت القراء و لازم أكون عند وعدي ، مينفعش خالص يحضروا بناءاً على كلامي و بعدين ميلاقونيش!
اخرجتها "روفان" من حضنها و سلطت أنظارها إلى أعماق عينيها و حاولت بعث الثقة إليها ، بكلماتها المشجعة :
_ مادام كدة ، سيبها على الله و هو يحلها من عنده ، و إنت ملتزمة مع ربنا أكيد مش هيخذلك و الرسول صلى الله عليه وسلم قال فى حديثه الشريف : ((تعرَّف إلى الله في الرخاء يَعْرِفْك في الشدة)).
هنا و فقط ابتسمت "أثير" بشئ من الراحة لمجرد سماع سيرة النبي "صلى الله عليه وسلم " و أزالت الدمعة التى سقطت على خدها و شحنت قواها قائلة بعزم :
_ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الحمد لله بقيت تمام.
مسحت "روفان" على خدها بحب ثم أهدتها عليه قبلة ، لتردد و هى ترى فى صديقتها التأثير الطيب لكلماتها :
_ الحمد لله ، ألف حمد و ألف شكر. 
........
بعد مدة ، فى معرض الكتاب
و على كرسيها المخصص كانت تأخذ نسخ روايتها من الأشخاص الذين قاموا بشرائها و توقع عليها بإسمها ، و على محياها ابتسامة مهزوزة ، لم تعلم ما هى أشكال أو أعمار من توقع لهم و لم تتبين النساء من الرجال ف فكرها شارد فى هوة أفكارها المضنية.
تشعر باختناق عجيب و بغصة تقف وسط حلقها تصعب عليها البلع ، و كأنما "روفان" 
أحست بها و بما تعانيه لتخبرها و هى تقف من جوارها :
_ أثير وشك لونه مخطوف، هروح أجيب عصير أو أى حاجة باردة تشربيها.
إلتفتت لها "أثير" و قالت بصعوبة :
_ ماشي ، بس متتأخريش.
_حاضر يا قلبي مش هتأخر.
ردت بها "روفان" و هى تربت على كتفها تطمئنها قدرما تستطيع ، لتحمل حقيبها و تعلقها على كتفها حتى تبحث عن أى مشروبات تحتسيها. 
.............
و على بعد أمتار من هنا ، كان هو يتلتف حوله بحيرة لا يعلم مكانها بالتحديد ، أضطر أن يوقف أحد السائرين و يريه الكتاب سائلاً بلهفة :
_ الكاتبة دي ، متعرفش بتوقع للقراء فين ؟!
أشار له الرجل إلى ناحية معينة يتجمهر بها العشرات ملتفين حول كرسي ما ، فاقترب بقلب ملهوف و ولهان ، ظهر له طيفها نصب عينيه ، إنها هناك ، الحبيبة الغالية على بعد خطوات منه.
خف الجمع من حولها ، لتبدو له هيئتها أكثر وضوحًا و ما أراحه حقًا هى ثيابها الساترة ذات الألوان الهادئة ، و خمار رأسها الطويل ، تمامًا كما تخيلها.
سأل نفسه متى أرتدت الحجاب؟ لا بل الخمار؟
و لكن لا يهم ، المهم الأن أنها حقًا حبيبته التى قام بتحفيظها القرآن و الحمد لله لم يضيع تعبه هباءاً و أيضًا لم تضيع هى.
و فجائيًا نشبت الغيرة فى قلبه ، لمرآه لشابٍ ما يحدق بها بهيامٍ و يسبل جفونه كالأبله!
كيف ينظر هذا الشاب إليها بتلك النظرات المعجبة؟ و هو الذى يحرم نفسه من رؤية قسماتها التى اشتاقها حفاظًا عليها و على عفة قلبه.
كيف يقوم بهذا الفعل الجريئ؟ 
 أما "أثير" فهى غافلة تمامًا عنهما لأن معاذ يقف بعيداً قليلاً عنها و أما الشاب يقف أمامها و هى تغض بصرها عنه فلم تلحظ تطلعاته إليها .
ماذا يفعل الآن؟ لا يريد أن يثير الشكوك حولها أو أذيتها إن تدخل و فى نفس الوقت يحترق كالبنزين المسكوب على نار متأججة ، أنتظر و كله غيظ و غيرة أن يذهب كل الناس و آخرهم هذا الشاب السمج ، ثم تقدم منها مندفعًا و ثائراً و بلا مقدمات قال بصوته المغتاظ :
_ أوركيديا!
خفق قلبهما بقوة حتى بلغ عنان السماء ، و ارتعشت يداها لتسقط روايتها على الأرض و هى فى قمة إنفعالها و توترها ، توقف عقلها لثوانٍ و هى لا تدري كيف تتصرف!
إنه هو صديق الطفولة و أحن البشر عليها منذ الصغر ، و أيضًا حب الصبا و الذى لم تدركه إلا متأخراً ، أفاقت أخيراً من تلاتطم أفكارها.ح
حان  الآن موعد وفائها بوعدها الذى قطعته على نفسها حين تقابله،  لن تترك له زمام الأمور لن تجعله يحملها سيئات و هى حتى لا تعلم أنه غض طرفه عنها حفاظًا على عفتها و خضوعًا لتعاليم الإسلام فلا يجوز له أن يستبيح النظر إليها و هى ليست حلاله بعد و لكنها سيتصير فى المستقبل بإذن الله.
و كان هروبها مفاجئًا له تمامًا كهروب سيندريلا ، باختلاف أنها لم تُسقط فردة حذائها السحري و إنما تركت له رواياتها ملقية على الأرض 
و هو يقف مزهولاً و كأنما تمثال من طين لا يملك حراكًا و لا قدرة على الحديث..
فقد تأكدت أحساسيه كلها و صدق حدسه ، إنها فعلاً هى "أثيره" و إلا لما كانت ردة فعلها هكذا عندما نطق لقبهما ، نفض عن رأسه الشرود و فكر أن يلحق بها و لكنها مع الأسف كانت قد اختفت.
..................................☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆ ................................
قبلها بدقائق انتهت "روفان" من شراء علب العصير ، و سارت بتمهل تنوى العودة إلى صديقتها و قد أصيب قلبها بوخذة غريبة ، لتصتدم بدون قصد بشخص ما ، تأسفت بحرجٍ و هى تمنع عيناها عن معرفة هويته :
_ آسفة جداً ، مخدتش بالي.
و فجأة تذكرت أنها كانت تسير ببطئ ، إذاً ليست هى المخطئة و الذنب كله يقع على من اصتدم بها ، لتتحول لهجتها إلى الحدة حين قالت موبخة :
_ أنا بتأسف ليه ؟! إنت أو إنتي السبب ، ناس عجيبة صحيح!
أنفجر "غزال" مقهقًا على تحولها السريع و ردود أفعالها المتناقضة ، فعلمت أنه رجل مما جعل وجنتاها تحمران بخجلٍ و هى تسرع فى خطواتها هاربة .
و كأن من نصيبها أن تصطدم بالأشخاص كثيراً فى هذا اليوم ! حيث اصتدمت بها "أثير" و هى تنهج بقوة و رئتيها تكادا تتوقفان عن التنفس .
 اتسعت عيون "روفان" و قد ذاب خجلها تدريجيًا لتسألها بنبرة قلقة و فضولية :
_ مالك يا بت ، إنتى شوفتي عفريت و لا آيه؟ مش سايباكي بتوق......
لم تدعها "أثير" تكمل أى حرف إضافى ، لتشدها من عضدها و تسحبها وراءها تكمل وصلة ركضها ، و حدثتها بنهجانٍ :
_ مافيش وقت ، لازم نمشى حالاً ، بعدين اشرحلك.
انقادت "روفان" خلفها بلا تبرمٍ ، فما بيديها حيلة كى تفعلها ، فلتسايرها الآن ثم ستعرف ماذا جرى فى أجواء أكثر هدوءاً من هذه.
تابعهما "غزال" رافعًا حاجباه بذهول ، فهذه أول مرة يشاهد فيها فتاتان ترتديان تلك الثياب الواسعة و الطويلة و تركضان بها ، رغم كونها غير مناسب للمشى السريع فكيف بالركض الماراثوني هذا!
_ ضاعت منى تاني! 
لفظها "معاذ" مع زفرات يائسة ، و حاله أصبحت بائسة بعد أن كانت السعادة تقفز من عيونه و الحيوية تحتله .
أشار "غزال" إلى ناحية ركضهما و سأله بلا تصديق :
_ هى فى الإتين دول؟!
تهدل كتفي "معاذ" شاعراً بالفشل و أجابه بصوت خامل :
_ أه ، إللى لابسة رصاصي!
سانده "غزال" ببعض كلمات داعمة :
_ خلاص ، المهم إنك اتأكد إنها هى و الباقى أمره سهل.
إنتبه له "معاذ" يتهافت على أى معلومة توصله لها ، قائلاً :
_ يعني إيه؟! هتقدر تساعدنى ألاقيها؟!
و بكل غموض قال "غزال" :
_ قول بس إن شاء الله ، و متقاطعش.
لا بأس فقد انتظر سنينًا ، فلماذا يشعر أن صبره نفذ ، مضى الكثير و لم يبقى إلا القليل. 
...............


تعليقات