رواية اوركيديا الفصل السابع
_ بصي بقى ، أنا سكت يوم حفلة التوقيع بتاعتك و انتي بتجر*جري فيا زي البهيمة و مسألتش ، دلوقتي بقى هتحكيلي بالتفصيل الملل إيه إللى حصل بالظبط و خلاكي تهربي زي حرا*مي الغسيل؟!
بدأت بها "روفان" وصلة تحقيقاتها بكل غيظٍ و هى تطالعها بنظرات المحقق (كرنبو) .
تلجلجت "أثير" و شحب لونها و هى تنفي بشدة :
_ لأ ... مح ... محصلش أى حاجة .. خ ... خالص.
زفرت "روفان" بضيق و قالت بتبرمٍ :
_ بلاش تلفي و تدوري عليا ، و من غير مناهدة كدة هتقوليلي كل حاجة زي الشاطرة.
اكتسى وجه "أثير" بحمرة الغضب ، من هذه النبرة التحكمية فى شؤونها الخاصة ، وقفت من فوق سريرها لتث*ور خصلاتها بفعل نسمات الهواء الليلية ، و هى تشير بسبابتها محذرة :
_ إلزمي حدوك يا روفان!
شعرت "روفان" بالإهانة من كلماتها و قالت تؤنبها :
_ حدودي؟! إللى أعرفه إن مافيش حدود ما بينا ، و إن كل واحدة مبتخبش أى حاجة عن التانية.
و قررت الإنسحاب من الغرفة بل من المنزل بأسره و هى تردد بمرارةٍ و خذلان :
_ لكن يبدو إن ليكي حسبة تانية ، على العموم أنا ماشية و آسفة لو أزعجتك و أوعدك مش هتعدى حدودي تاني .
أغرورقت عيون "أثير" الزرقاء بالدموع ، و أدركت حجم خطئها غير المقصود لتمسكها من يدها مانعة إياها من المغادرة و متأسفة منها بقولها النادم :
_ أنا إللى آسفة ، لكنى و الله مش قادرة أحكى مع إنى هطق من جوايا و الحمل تقيل عليا ، بس و الله مش هقدر أفضفض بسهولة كدة.
لم تستطع "روفان" مقاومة إحساسها بالإشفاق نحوها و قلبها يتمزق حزنًا على ما آلت إليه الأمور ، و هى جاهلة تمامًا بمصابها ، فضمتها إلى أحضانها تمسح على شعرها المتمرد تمامًا كصاحبته .
و الآن سمحت "أثير" لنفسها بالإنفج*ار فى البكاء حتى شاركتها "روفان" تبكي على حال صديقتها المثير لعواطفها الحنونة ، فزادت من ضمها و هى تقول مهدئة :
_ كفاية عياط يا حبيبتي ، و الله بتقطعي قلبي.
هما دومًا هكذا ، لا يخلوا يومهما من الشجار و لكن لا تلبث أن تعتذر إحداهما أو تمرر الأخطاء لصاحبتها و لكنهما أبداً لا تتركان اليوم ينتهى و بينهما خلاف دون حله و مناقشته.
و هذا أحلى ما فى صداقتهما السليمة ، و التى دامت لسنين طويلة ابتداءاً من السنة الثانية فى الإبتدائية و حتى السنة الثالثة فى الثانوية و سوف تدوم بإذن الله فى السنوات الجامعية التى بدأت منذ أيام قليلة.
قامت "روفان" بفصل الحضن برفقٍ و هى تهتف كى تلهيها عما يحزنها :
_ يا نهار أبيييض ، قاعدين بنعيط زي الأفلام الهندى و سايبين مذاكرتنا ، هو ده إللى اتفقنا عليه عشان ناخد الأمتياز من أول سنة؟!
انتبهت "أثير" أخيراً إلى دراستها التى أهملتها منذ البداية و تلك المحاضرات المتراكمة عليها ، و شغفها قد دفن تحت حزنها و قلقها ، فعبست بحزنٍ و هى تهمس نادمة :
_ فعلاً ، إزاي اسيب مذاكرتي كدة؟! أنا حتى نسيت كل المحاضرات إللى أخدتها!
جذبتها "روفان" بنعومة و أجلستها على السرير و هى تقول لها بنبرة شغوفة :
_ و لا يهمك خالص ، لسة قدامنا الوقت كله ، أنا ذاكرت كل المحاضرات و مُستعدة أشرحها ليكي لو حابة!
نظرت لها "أثير" بامتنان ، لترد سريعًا :
_ يا ريت و الله.
_ طيب ، نبدأ ب بسم الله الرحمن الرحيم ، عشان ربنا يبارك لنا.
قالتها "روفان" بنبرة حماسية و هى تتناول الكتب من "الكوميدينو" و ترصها بينهما لتشرعا فى استذكار الدروس الفائتة حتى تكونا على استعداد لتلقى باقى المحاضرات باستيعاب أكثر للمعلومات.
.............💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜
فرد "غزال" ذراعيه على الأريكة الجالس عليها مبادراً الحديث :
_ أول ما خرجوا من المعرض .. قصدي جريوا ، ركبو عربية كدة و لما استقصيت عنها عرفت إنها عربية والدها إللى شغال قاضي فى محكمة ال (.....) ، و هما ساكنين قريب من المحافظة دي إللى كان فيها المعرض .
سأله "معاذ" و قد ظهرت عليه علامات الذهول :
_ هااا؟! إنت بتقول قاضي؟!
رفع "غزال" حاجبيه بتعجب و قال بشكٍ :
_ ليه ؟! هو إنت مكنتش تعرف؟!
نفى "معاذ" قائلاً :
_ لأ و الله ، معرفش.
_ مش عارف إزاي حبيت واحدة و إنت متعرفش عنها حاجة ، لأ و كمان مدورتش عليها بعد ما سابت المدرسة و لا تعرف حتى هى ساكنة فين ؟!
قالها "غزال" ضائقًا منه و منكراً لجهله غير المُبرر.
تنهد "معاذ" بألمٍ و قال آسفًا :
_ لما هى مشيت كنت أنا لسة صغير يادوب ١١ سنة و هى كانت ٧ سنين ، عشان صداقتنا مكملتش غير سنة واحدة و بعدين حصلتها الحادثة إللى قولتلك عليها و من يومها و أنا معرفش ليها طريق و لا أى معلومة.
أغمض عيونه مردفًا :
_ حاولت كتير أوصل لها بس فشلت ، بعدين لما بدأت أكبر عرفت إن مافيش صداقة بين ولد و بنت لإنه لا يجوز شرعًا و باباها وافق على صداقتنا عشان كنا صغار ، و أنا نويت إنى مش هدور عليها غير لما أخلص دراستي و أكون نفسي ، لكن إللى غير ده كله روايتها إللى إنت جبتها ليا يوم التخرج.
ختم حديثه بزفرة حارة ، ثم طلب منه بقوله
الملهوفٍ :
_ عايز عنوانها بالتحديد.
شبك "غزال" أصابعه معًا و هو يهمس بمكرٍ :
_ هديك العنوان بشرط.
إكفهر وجه "معاذ" ، و تأفف قائلاً بغير رضا :
_ قول يا اخويا ، مانت مبتديش حاجة لله!
و بنبرة أخوية ناصحة حاوره "غزال" :
_ هديك كل المعلومات إللى تفيدك بس لازم تتقدم لها ، عشان إللى زيك و زيها ملهومش سكة غير حلال ربنا.
رحب "معاذ" بالفكرة بل إنها شغلت تفكيره لأيامٍ حتى قبل اليوم الذى قابلها فيه ، ليقول بتأكيد شديد :
_ هو ده إللى بفكر فيه من فترة ، صاحبك عارف حدوده كويس و عارف إيه الصح و إيه الغلط.
ركز "غزال" رأسه إلى الوراء نحو كفيه المشبكين الذى رفعهما ، و هو يتلو عليه أفكاره الصائبة :
_ حيث كدة بقى لازم والدك و والدتك يعرفوا إنك هترتبط و مش مهم التفاصيل .
كان يقصد بكلمة "تفاصيل" أى شئ يخص حب صديقه.
اقتحمت "أسماء" الغرفة مباغتة إياهما ، مما جعل الدماء تجف فى عروقهما ، و تكلمت بتحفزٍ و صدمة :
_ هتتجوز يا معاذ من غير إذني و لا مشورتي؟!
....💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙
ودعت صديقتها عند باب غرفتها و كأنها لا تقوى حتى على المشى أكثر من هذا ، تشعر بخمول عجيب و جسدها كله هامد ، حتى التنفس يبدو شاقًا عليها ، كيف للحب أن يصل بها إلى هذه الدرجة البائسة؟!
فبداية الحب تكون مشحونة بطاقات إيجابية و تجعل المحبين يرون الكون سعيداً و مزدهراً و ملونًا بألوان زاهية ، ثم الفراق يأتي و يهدم كل هذا ، يترك خلفه حطامًا لمشاعر تثقل القلوب و ذكريات تنهك العقول ، يدمر كل ما بناه يومًا ما و لا يبقى إلا ظلال حبٍ يصارع للبقاء ، حب لازال نقيًا كالماء .
لاحظت "روفان" شرودها الطويل ، فابتسمت فى وجهها قائلة بنبرة لطفية و صادقة لأقصى حد :
_ أثير ، لو حسيتي إنك مُهيأة نفسيًا عشان تحكي إللى تاعبك فأنا موجودة فى أي وقت و فى أي مكان ، حتى لو طلبتيني نص الليل هتلاقيني جاهزة أسمعك و أخفف عنك.
حاولت "أثير" أن تبتسم مراراً و لكنها فشلت فى ذلك أيضًا ، و أخبرتها بحبٍ صافي :
_ إن شاء الله ، أتمنى اليوم ده ييجي فى أقرب وقت.
بدت خيبة الأمل فى نبرتها و هى تردف :
_ ماشي يا حبيبتي ، عايزة حاجة.
هزت "أثير" رأسها بالسلب و أضافت قائلاً بصدق :
_ لأ ، عايزة سلامتك بس.
مازحتها "روفان" فهى تود أن ترى ابتسامتها قبل أن تتركها حتى و إن كانت ستعود إلى جوها الكئيب :
_ طيب أنا أمشى إزاي لما إنتي هتاخدي سلامتي؟!
قهقهت "أثير" بلا إرادة قائلة :
_ فظيعة يا أوفا !
فارتاحت "روفان" ، لتواصل مزاحها ممثلة عدم الفهم بقولها :
_ يعني إيه؟! حلوة و لا وحشة؟!
تقلصت الضحكات حتى صارت ابتسامة صغيرة على وجه "أثير" التى قالت بمشاعر مرهفة :
_ دايمًا جميلة يا أوفا! و أجمل من أى حاجة فى الدنيا .
تحركت "روفان" بعيداً ملوحة لها ، و هى تقول بلطفٍ :
_ إذا كان كدة أوك ، سلام يا حبوبي💜.
_ سلام يا أوفا.
قالتها "أثير" و هى تراها تبتعد شيئًا فشيئًا ، لتغلق الباب بعدها و تستند عليه منزلقة للأسفل و محيطة رأسها بكلا راحتيها و استبد بكيانها التشتت .
فما حيلتها فى هذه المعضلة ؟!
و ما فائدة الأشخاص من حولها و هى لا تستطيع أن تبوح لأى أحد منهم عن سرها الثقيل؟!
فلا هى قادرة على مواصلة كتمانه فى صدرها ، و لا هى مُستعدة لتبوح به لوالدها أو والدتها .... أو حتى أقرب صديقاتها و مستودع أسرارها.
🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡💖💖💖💖💖💖💖💕💕💕💕💕💕💕💕💕
ماذا دهاهما؟! كيف أصابهما الخرس هكذا فجأة ، بعدما كان يتحدثان كالببغاء؟!
ألحضورها كل هذا التأثير عليهما ، لدرجة تشل وعيهما و أبسط قدراتهما الذهنية؟!
نظر "معاذ" لصديقه بتوسلٍ و لم يخيب "غزال" رجاءه الصامت ، ليتنحنح محرجًا و يتولى أمر الرد عليها بدلاً منه :
_ إنتي عارفة يا طنط إن معاذ ميقدرش أبداً يعمل حاجة دون علمك .
غمز "غزال" لمعاذ بخفية ، و هو يكمل بارتباكٍ طفيف :
_ إحنا .... يعني .. كنا بس بنتناقش فى الموضوع و هو اعترفلي إنه مُعجب ببنوتة كدة ، و إنتى عارفاه و عارفة أخلاقه أكتر من أى حد فهو مش عايز يشيل ذنوب من ورا إعجابه ده ، قومت أنا اقترحت عليه يتقدملها ، ده بردو بعد موافقتك يا طنط.
ضيقت "أسماء" عينيها و قالت بنبرة تلميح :
_ آيوة آيوة ، البنت إياها؟!
رفرف "معاذ" رموشه مرتبكًا للغاية ، فيبدو أنه مُلزم بسرد كل تفاصيل حب طفولته.
ملئ صدره بالهواء و أخرجه ببطئ و شجع نفسه حين قال لها بنبرة صادقة :
_ أيوة يا ماما ، هى.
ض*رب "غزال" جبهته من تهور معاذ ، بعدما أقحمه فى الأمر و جعله يخترع من خياله تلك القصة التى حكاها ل أسماء و التى أبداً لن تغفر له فعلته.
واصل "معاذ" اعترافاته من تلقاء نفسه فيكفيه تكتمًا و تخبئة لحبه :
_ الصور إللى شوفتيها تبقى صورها و هى عندها ٦ سنين ، هى تبقى زيملتي فى ابتدائي ، فى البداية كنا مجرد أصحاب لكن الصحوبية دي اتطورت من دون ما نحس و أصحبنا أصدقاء مقربين ، كنت أنا صديقها الوحيد ، كانت بتشتكيلي من معاملة زمايلها القاسية معاها ، و هى كمان كانت صديقتي الوحيدة ، كنت كل يوم بقرألها صورة أو آيات صغيرة من القرآن و هى تجيني تاني يوم و تسمعلي و عيونها مليانة فرح ، فيوم زمايلها آذوها جامد و دفعوها من السلم ، و ده خلى والدها ياخدها و يمشي من هنا و يعيشوا فى محافظة تانية ، كل أخبارها اتقطعت عنى .
نظر "معاذ" لوالدته يرى تأثير ذكرياته عليها فوجدها مندمجة و قد جلست قبالته .
حينما توقف ابنها عن السرد أشارت له بيدها رغبة فى ربط كل الخيوط ببعضها و إكتمال الصورة المشوشة لها .
فرك "معاذ" جانبي عينيه بارهاق و هو يضيف شارداً :
_ و غزال جابلي رواية ك هدية و مكانش يعرف إنها هى و المفاجأة إنها كانت روايتها ، و عرفت موعد حفلة التوقيع إللى هى محدداها للقراء و روحت و اتأكدت بنفسي إنها هى.
تنفس "غزال" براحةٍ فهو كان خائفًا من هذه الجزئية تحديداً ، فلو علمت "أسماء" أنه يعلم كل شئ و يخفيه عنها فسيكون فى ورطة بالغة الصعوبة.
_ هى دي كل حاجة ؟! .... ياريت متكونش مخبي حاجات تانية عنى!
نطقت "أسماء" بهذه الجملة المتشككة فى ظاهرها و لكنها على يقين تام أنه لم يخفى عنها أى شئ .
أبلغها "معاذ" و هو يجهل ما يدور فى خلدها :
_ ربنا شاهد على كلامي ، و إن إللى قولته هو الحقيقة كلها.
وقفت "أسماء" من مجلسها و هى تسأله مستفسرة :
_ أهم حاجة الأخلاق ، البنت دي أخلاقها كويسة و لا إيه؟!
أجابها "معاذ" بتقدير و بتسرع كعادته فى أى شئ يخص محبوبته :
_ لو شوفتيها يا ماما هتوافقي على طول ، لبسها واسع و هى حتى لما روحتلها يوم المعرض مكلمتنيش بحرف واحد ، دي حتى جريت و سابتني مُذبهل!
قال آخر عبارة ضاحكًا ، ليردف موقنًا :
_ صدقيني يا ماما هترتحي ليها و هتحبيها.
صدمه رد والدته الحاد :
_ أنا إللى هحبها برضوا؟!
تنحنح "معاذ" خجلاً و هو يستشعر تلميحها عن حبه لتلك الفتاة ، و لم يقدر أن يتحدث.
بينما "غزال" يفهم كل همزة و غمزة تدور فى حديثهما و لكنه فضل آلا يتدخل ضمانًا للسلامة العامة.
ختمت "أسماء" حديثها الموتر له ، حين تمتمت بتكفير و ظهرت عليها علامات الاقتناع :
_ و ماله ، نروح و نطلب إيدها و كله بما يرضى الله
افترقت شفاه "معاذ" مصدومًا من موافقة والدته و نظر إلى " غزال" الذى بدوره بادله بنظرة اندهاشٍ ، فالأمور تأخذ منحنى آخر ، منحنى أجمل يوحى بمستقبل باهر ............
