رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والسبعون
ذبحها بسكين ثلم بكلماته، كانت تود أن تصرخ بوالدتها
التى كانت ترمقها بعدم اكتراث، تود أن تخبرها باحتياجها
استعادة هدوئها، مسيطرة على ذلك الوجع الذى تسبب
به ذلك الواقف امامها هاتفة بجمود:
-أنا عارفة أنه قاصد كدا وبتكلم معاها عشان تشوفنا
وتتحرك وتأخد خطوة ويرجعوا لبعض أنا معنديش
مشكلة أنه بياخدنى كوبرى، انت أيه مشكلتك
وبعدين ليه بتقولى اتفضلى على شغلك هو شغلى
يخصك
لم يجيبها ظل صامتًا، يلعن الألم والعذاب الذى يتلاقاه
عند كل لقاء بها، يلعن قلبه الذى تمرد عليه ووقع فى
العشق، فكرة أن يرها مع رجل غيره تقتله، بل تنحره
نحر، اجابها بنبرة قاسية:
-أنا معنديش مشكلة طالما دا مش بيضايقك، أو أنك
بتحاولى تحافظى على منظرك، أما الشغل أن طاهر
صاحبى ووعدته إنى هقف فى اليوم من أوله لأخره
لو كلامى ضيقك اسف تقدرى تكملى جولتك وتقفى
مع اللى يريحك
انطفئت من كلماته القاسية وبهتت ملامحها
وهى تنظر لها بخيبة وألم ثم همست بعتاب
ممزوج بألم:
-ماشى هقف مع اللى هيريحنى عن إذنك
هرولت من أمامه بخطوات واسعة، لحظات وكان يلحقها
دون أن تشعر
وقفت فى زوايا بعيدة عن الانظار، وسمحت لدموع
بتحرر، اهتز جسدها ولم تستطع كبح نحيبها الذى
ابى الصمود اكثر، جلست على الأرض تكتم شهقاتها
كان يراقبها ومشاعره منهكة لكن عليه الصمود والاحتراق
كما اراد وهى فتلك اللحظة؛ لحظة انهيارها أن يجذبها لأحضانه مناشدًا بعض الراحة، لكن هذه الراحة ليس
من حقه، جاهد نفسه بصعوبة على الاقتراب منها
رفع يده ليضعها على موضع قلبه ثم زفر بحرقة مريرة
شعر بيد تربت على ظهره من الخلف ألتفت ليجدها
كيان التى سألته بهمس:
-طب ليه كل دا؟!
ألقى نظرة سريعة على تارا، ثم جذب كيان من يدها
بعيدًا عنها حتى وقف فى مكان بعيدًا عن الجميع
فاعادة سؤالها بصيغة اخرى:
-بتعمل كدا ليه؟!
ابتسم بسخرية ماذا يفعل هو؟! هو بلا هواية، بلا جذور
بلا أمل، رجل غير صالح للحب اجابها باستنكار:
-هو إنتِ عايزينى أعمل أيه غير كدا يا كيان
وتعمل كدا ليه ما البنت بتحبك وبتحبك أوى كمان
كم الأمر مرهق على قلبه وعقله تنهد وهو يجيبها
قائلًا:
-عشان انتِ اكتر حد عارف ظروفى، وعارفة انه مينفعش
-طب ما أنا اهو قدامك
قاطعها مسرعًا وهو يقول:
-اوعى اوعى تقارنى نفسك بيا، أنا ولا حاجة نبته شيطانى
كدا، لكن انتِ ليكِ أب وام حتى لو ماكنوش الأحسن
بس ليكِ عيلة وضهر وسند أنا مش زيك، أنا ماليش
حد هبقى بظلمها لو اخدتها لسواد والعتمة اللى جوايا
هى طيبة اوى ياكيان، هى مش بيهون عليها حد
هى تبان انها قطة وتخربش بس والله عصفورة
هبطت دموعها وهى تشاطره حزنه هامسة
-بس أننا نحب ونتحب يا تامر ابسط حقوقنا
ابتسم من بين دموعه:
-ابسط حقوقنا فالمجتمع دا، بلاش وخلينى معاكِ
على الأقل ابص لحد زى او مستوى
صمت ثم حدثها بألم:
-ممكن طلب ياكيان عشان خاطرى
هزت رأسها سريعًا بالإيجاب:
-ممكن تصاحبيها ومتسبيهاش لوحدها، اخرجى معاها
هى عاقلة، ابعديها عن الوجع اللى فى حياتها، خدى بالك
منها ياكيان عشان خاطرى
رمقته باستنكار وهى تسأله بتوجس:
-أيه الكلام دا؟! ومش أنت بتخلى بالك منها؟! أنت هتروح
فين؟!
ابتسم لها بمرارة هاتفًا بصوت متحشرج:
-هسافر يا كيان محتاج أبعد، محتاج أرتاح أنا تعبان
أوى، وجودها قدامى وبتكلم حد بيموتنى، هسافر
اقتربت منه بصوت باكى لتسأله:
-أنت هتسافر وتسبنى لوحدى ياتامر
اغمض عيناه ثم فتحها بقهر وهو يقول:
-محتاج فترة ارتاح يا كيان عايز ارتاح
بعدين انتى مش لوحدك كلهم حواليكِ وكنان اهم
حاجة، وعشان كدا أنا مطمن
هزت رأسها بالنفى وهو تقول:
-مش مصدقة انك خلاص اخدت القرار وهتمشى
أنت قررت ومفكرتش فيا، أنا اصلًا بخاف وأنت
بس اللى بتفهم
ابتسم بوجع وهو يقول:
-عارفة لو قالوا ليا اتمنى امنية واحدة فى حياتك هتبقى أيه؟!
-تعرف أهلك؟!
-لأ مش عايز اعرفهم، كنت هتمنى تبقى اختى، اختى بجد عشان اعرف اضمك واطبطب عليكِ، أنا بحقد على ساهر
عشان فى يوم ليلة خد حق كدا بمنتهى السهولة، حق
طول عمرى عشت بحلم بيه.
تدمع عينيها وتتساقط عبراتها الحزن كان يستوطنها
كليًا، فتابع هو قائلًا:
-متزعليش منى بس مضطر، مش هقدر وهى حواليا
كدا، خلى بالك منها ومن نفسك لو بإيدى أخد الحزن
منكم وارحل مش هتأخر
هزت رأسها وكلماته الاخيرة ألمتها، كان يخبرها بوجعه
يطلق عبارته بتعبثر دون ترتيب، واخيرًا همس بعذاب
وهو يتحاشى النظر إليها:
-يلا بينا ميصحش نسيب الحفلة اكتر من كدا
****
ما أنهت خبيرة التجميل عملها ولج للغرفة ممسكًا بيده باقة ورد باللون الأحمر كان يتأملها بنظرات
متلهفة أثارت خجلها كانت ترتدى فستانًا باللون الكريمى
يرسم قوامها ذو اكمام طويلة، كانت خلابة سيجن حتمًا
فهو عاشق وقد تأكد همس لها:
-معقولة جمالك دا؟!
كانت نظراتها تأكلها شعرت انها مع طاهر اخر غير ذلك
المراعى الحنون فهمست قائلة:
-طاهر بلاش الكلام دا
-بحبك يا بيسان
لم تجاوبه بل اطرقت رأسها بملامح حزينه فاقترب هو
يسألها:
-معقولة كلمة بحبك زعلت
رفعت رأسها والدموع تملأ عينيها قائلة:
-طاهر أنا شايفة اننا اتسرعنا، أنا ممكن اكون مجرد
حد كان موجود فى حياتك فى مرحلة وخلاص
على فكرة أنا ممكن ألغى دلوقتى عادى وهتحمل
المسئولية كاملة
تغرس فى قلبه سكينًا باردًا دون أن تشعر بقسوته
لم يتحدث وما زال ملتزم الصمت لكن دموعها
ضغطت عليه، وقف امامها
-ليه بتحسسينى أنى عادى ماليش لازمه ممكن تنهى
يوم خطوبتنا ويا دار ما دخلك شر، معقولة مش حاسة
باللى فى قلبى، هو حقيقى مش بعرف أعبر بس
عاشق ورب الكون، ليه بتقللى منى
هزت رأسها بالنفى سريعًا فهى مشتتة الألم يتغلغل داخلها
-أنا من أول ما عرفتك وأنا بهرب منك ومن نفسى، كنت عارفة إنى غصب عنى هقع فى حبك
ووقعت بس أنا ساعتها محسبتهاش، لكن دلوقتى خايفة خصوصًا انى عارفة ومتأكدة من رفض طنط نجاة ليا
وكمان هاجر
فمنذ لحظات كانت البسمة المرتسمة على وجه طاهر
كفيلة بنشر البهجة وتفاؤل، ابتسامته كانت تخبر
الجميع انه امتلك العالم، سألها بألم:
-مالها هاجر؟! بنت عمتى ومش أكتر ليه عايزة توجعينى
هو أنا حد كاذب، خاين، غدار، ليه مش مصدقة انى بحبك
أنتِ مش واثقة فيا صح
-لأ واثقة والله بس أنا خايفة يا طاهر أنا خايفة اتوجع
وماليش حد يقف جنبى ماليش حد افضفض ليه
خايفة اضيع وانهار وسط الطريق لوحدى
جذب يدها ليضع على قلبه الهادرًا هاتفًا:
-ليكِ دا أمانك من الدنيا كلها، وصدقينى لو أنا حتى
جيت عليكِ هو مش هيسمح بكدا، حبيينى يا بيسان
وانسى كل حاجة وسيبى نفسك ومتوجعيش قلبك
كلماته عزفت على اوتار قلبها، وتسللت لخلايا جسدها
دون تشعر او تتحكم، عشقه اجتاح حياتها فهمست
-انت طالع حلو يا طاهر
كان يطالعها بانبهار كان يريد أن يخبرها انها الحياه
لكن لسانه انعقد من فرط السعادة فتناول يدها
يقبل باطن يدها هامسًا
-بيسان أنا عمرى كله فدا دمعة منك اوعى تقولى خايفة تانى وأنا معاك
ابتسمت من بين دموعها فمد يده يمسح عبراتها فتحمحم
-أنا بقول نجيب المأذون ونكتب دلوقتى
انهى كلماته تزامنًا مع طرق الباب فامتعصت ملامحه
ومضى نحو الباب ليجده تامر فسأله:
-خير؟!
حك تامر خصلات ذقنه هاتفًا:
-خير، هو انتوا عاملين الخطوبة على ضيق هنا ولا نجيب المدعوين هنا ونطلع نحتفل، ما تنجز يا عريس وتنزل
جز طاهر على أسنانه هاتفًا:
-احنا نازلين اتفضل انت
-رجلى على رجلك
-ولما رجلى على رجلك مين هينزل بالعروسة، اتفضل
واحنا نازلين
******
كانت كيان تجلس برفقة كنان هاجر وزوجها، لكنها
هائمة بنظراتها، فرت دمعة وحيدها على وجنتها
فرمقتها هاجر بذهول متسائلة
-انتِ بتعيطى ليه؟!
مسحت دمعاتها سريعًا، نظر لها كنان بصدمة امسك
بيدها سريعًا وهو يسألها
-كيان بتعيطى ليه؟!
تحررت دمعاتها من عينيها فهمس هو بحدة طفيفة
وصوت خشن:
-فى أيه ما تفهمينى؟!
نهضت مسرعة تتجه للداخل فلحقها كنان وما أن قامت
هاجر جذبها هاجد هاتفًا:.
-رايحة فين؟!؛
جذبت هى يده هاتفة:
-انت لسه هتسأل قوم بسرعة نلحق الولية
*****
ممكن افهم ايه اللى حصل
تلك الجملة قالها كنان بنفاذ صبر بينما هى اغمضت عيناها
محاولة أن تجد قوتها وصلابتها وقفت حائرة لا تعرف
ماذا ستقول؟ واخيرًا لم تستطع كبح دموعها أكثر
وجلست ارضًا تبكى قهرًا وتعبًا:
-تامر هيمشى ويسبنى هيسافر خلاص أنا مش
هقدر يكون بعيد عنى، هخاف عليه، أنا بطمن
وهو موجود بيفهمنى من عيني من غير كلام
أنا هبقى لوحدى تانى ساهر سابنى وتامر كمان
هيمشى ويسبنى
تصلب فى مكانه هكذا ببساطة تبكى على رجل أخر امامه، هو يتفهم تعلقها بتامر، لكنها ضربته فى مقتل، فهى لم تشعر به مرة واحدة بحياتها، شعور بالغيرة يتسلل إليه
وكأن أحدهم يضربه بقوة
كان كلا من هاجد و هاجر يرمقان كنان بحزن وشفقة، اقتربت
منها هاجر تعاونها على النهوص هاتفة:
-مش لوحدك وساهر موجود وكلنا
-صدق المثل اللى قال اكفى القدرة على فمها تطلع البت
لامها، رجل واحد مش مكفيكى لازم حيش بحاله
رفعت هاجر رأسها هذا الصوت تعلمه جيدًا وما أن وقعت
عيناها عليها همست:
-مرات خالى
★*★*
