رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والسبعون 78 بقلم سارة فتحي


 رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والسبعون 


أما بعد 

فقد حان موعد اللقاء بعد ليالى الظلام الكئيبة من الفراق

ليذوب اكثر ويعشقها اكثر واكثر 

-ضياء 

زفر كرم بحنق وهو يقول: 

-ماله هو وقته ركزى معايا 

-طب ما تركز انت معايا أحسنلك 

حدجها كرم بنظرات إمتعاض ثم أستدار وهو يحاول أن 
يخفيها، فلأجلها هو على أتم أستعداد أن يتحمل المستحيل
لأجلها فقط لأجلها غمغم بنبرة باردة: 

-منور يا ابو نسب

صمت ضياء وهو ينظر لهما ثم أردف بنبرة 
تحمل تهديد مبطن وهو يشير بأصبعه لأخته: 

-كارما إستنينى هناك أتفضلى 

صدرها يعلو ويهبط من شدة الأتفعال والتوتر وامتلأت عيناها بالدموع وهى تهز رأسها وتتحرك من أمامهما فسأله 
كرم بحدة:

-ليه كدا أنت عارف انها بتتوتر

دس ضياء يده فى جيب بنطاله هاتفًا: 

-وأنت مالك؟! 

-مش أحنا متفقين 

هز ضياء رأسه بالنفى وهو يقول: 

-لا إحنا متفقناش أنت جيت لحد عندى وقولتلى أنك 
مش معترف بكلام كارما لأن كان أتفاق رجاله الصراحة
أنا أستجدعتك، لكن إنك تقف معاها كدا أولع فيك

حاول كرم أن يتمالك نفسه قائلًا:

-طب ما أنت عارف أنها كانت مضغوطة عشان تعبك 
ويعتبر أننا لسه مخطوبين 

أبتسم ضياء بسخرية وهو يقول:

-لأ ميعتبرش أنا هسألها عن رأيها وافقت أوك، موفقتش 
هتختفى من حياتنا ودا كلام مفهوش راجعة

-وأنا موافق بس مش هتسألها على الخطوبة هتسألها
على الجواز على طول، أنا شايف أنها عندكم لا مركزة
فى دراسة ولا عارفة تخرج من حالتها، صدقنى أنا 
قادر أنسيها وانت أكتر واحد فاهم 

إستدار ضياء وهو يرمقه من أعلى كتفاه قائلًا: 

-مكانك طول الفرح جنب أخوك ومش جنب أختى 
ولحد ما أرد عليك تلزم حدودك عشان أنا مش طايقك 

أجابه كرم مسرعًا وهو يقول بصدق:

-ولا أنا طايقك للأمانة بس مضطر أني أكون حد كويس 

أستدار ضياء وهو يرمقه بغضب قائلًا:

-تصدق بالله انت مرفود

- دا إيه على أساس أني جاى أقدم على وظيفة 
الرفض يرجع لصاحبة الشأن

******

-صدق اللى قال اكفى القدرة على فمها تطلع البت لأمها 
راجل واحد مش مكفيكى لازم جيش بحاله 

أنك تسمع كلمات قاسية شئ وأن تعيشها شئ اخر 
ضغطت على يد هاجر أكثر كى تعاونها على النهوض
ثم نظرت فى عمق عينيها بعد أن علمت هوايتها
دقات قلبها تتسارع، إرتجاف أصابعها كان دليل على
فزعها، فى ثانية كان كنان يقف أمامها حصن منيع، 
حائط قوى هامسًا: 

-ألزمى حدودك وخدى بالك من كلامك معاها كويس
أوى عشان الرد مش هيعجبك 

كالملدوغة من افعى سامة صرخت وهى تجيبه: 

-اهلًا اهلًا أنت أكيد البيه اللى مقويها ومخليها شايفة
نفسها الهانم اللى مشكوك فى نسبها اللى كانت السبب 
فى موت بنتى هى وامها 

قبل أن يرد عليها كنان وقف تامر أمامها يجيبها بكل بهدوء

-تعقيب بسيط على أول جملة أكفى القدرة على فمها 
تطلع البت لأمها الموضوع دا انتِ ادرى بيه بقى 
لأن كيان ماشفتش أمها اصلًا، اللى شافت أمها وعاشرتها
تطلع زيها وانتِ ادرى

فى هذه الأثناء قد أقترب طاهر وكرم، فزمجر طاهر
من كلمات تامر وهم ليقترب حتى أوقفته يد كرم هامسًا: 

-سيبه ما حدش فينا هيقدر يرد على مرات عمك إكرامًا 
لساهر، خلى تامر ياخد حق كيان ويوقفها عند حقها أنت
مش سامع كلامها 

وقف طاهر فى مكانه ينظر لأخيه بذهول بينما تابع تامر: 

-أما بالنسبة لنسبها، هى كيان عاصم غصب عن عين 
الكبير، إسمها فى التلفزيون كل يوم كيان عاصم 
حتى ورثها أخدته بعد موت أبوها من أيد أخوها 

وقف كنان بجواره هاتفًا: 

-واخيرًا كيان مش سبب فى موت حد كل واحد بيزرع 
اللى حصده 

لمح كرم ساهر يقترب بطرف عيناه فلكز أخيه هاتفًا:

-أدخل يلا خلص الليلة بتاع الدى جى عايز يشتغل 

تسمر ساهر مكانه هاتفًا بصدمة: 

-أمى، انتِ بردو جيتى 

صرخت به قائلة بقهر: 

-لاأمك ولا أعرفك وقولتلك طول ما بتكلم البت دي متقولش أمى 

شهقت هاجر وهى تنظر لساهر بألم فمال هاجد عليها 

-الفرح قلب بغم، مش كنا قعدنا فى بيتنا وركزنا فى 
فى الوصال بتاعنا 

اتسع بؤبؤ عيناها وهى ترمقه بذهول: 

-هاجد إحنا فى أيه ولا فى أيه؟!

تبدلت ملامحه هو يسألها بجدية:

-انتِ حطيتى كحل مش قولت بلاش كحل فى عينيك 

جزت على اسنانها قائلة بغيظ: 

-هاجد الدنيا بتولع فاهم وبتتكلم فى كحل اتدخل 
وحل الدنيا الليلة هتبوظ 

رمقها بطرف عيناه قائلًا: 

-حسابنا فى البيت يا هاجر، بس اتفرجى عليا وأنا بخلص
الليلة 

تقدم هاجد ليقف أمام زوجة خالها هامسًا: 

-حقك علي رأسى أنا يا أمى، الله يرحمها ويصبر قلبك 
ممكن تيجى معايا نتكلم مع بعضنا 

لانت ملامحها وهى تقول بوجع:

-أمها واخويا خدوا منى بنتى 

-الله يرحمها

نظر هاجد بعينيه لساهر الذى مازال يقف مكانه يحترق
من كلماتها، فحدثه هاجد: 

-تعالى يا ساهر اسند والدتك لحد عربيتنا 

تحرك ساهر يمسك والدته تحت رفضها لكنه كان كالمغيب
لا يدرك أى شئ من حوله، أقتربت هاجر تجذبه من 
معصمه هاتفة: 

-أيه اللى عملته دا؟! كدا حليت الموضوع؟! أنت كدا هتزعل كيان مننا ليه كدا بس 

ألتو ثغر هاجد هامسًا: 

-مرات خالك مش طبيعية باين من كلامها وطريقتها 
وأن الكل يجى عليها دا مؤشر للخطر لأنها لو أنفجرت
مش هتأذى غير كيان، أو أبنها الست دي عايزة إعادة
تأهيل لروحها، واحتواء لأنها بمعنى أصح قنبلة موقوتة

-انت عايزها معاك فين بقى إن شاء الله

ارتفع حاجبه الأيسر هاتفًا بهدوء: 

-بيتنا

-بيتنا دا أيه؟! أنا وهى مش بنطيق بعض 

-أنت هتتولى رعايتها أكل وشرب، أما تهذيب روحها 
واللى هيشيل فكرة الأنتقام من دماغها مايسة 

-نعم!!

قالت بإعتراض ثم تابعت:

-والست مايسة ايه دخلها فى الموضوع

تنهد من كثرة اسئلتها قائلًا: 

-طب لما نروح نتفاهم يلا بينا 

حاولت أن تستوعب كلماته هاتفة:

-يلا، يلا فين دا الفرح لسه مبتداش 

حاول أن يخبأ إبتسامته المتشفية، ليقول بهدوء منفعل: 

-يعنى نقعد والفرح يخرب، يلا أحنا هناخد مرات خالك 
عشان الفرح يكمل يعنى هنضحى بسعادتنا باليوم دا 

لم يعطيها فرصة للرد وكان يسحبها خلفه فهمست: 

-طب وكيان هاسيبها لوحدها 

-متقلقيش عليها معاها وحوش، وواحد منهم هيجيب 
اجلها انهاردا .

فى الخارج وقف ساهر أمام هاجد وهو يقول:

-لأ تروح فين؟! أنا هاروح أنا وهى؟!

جذبه هاجد بعيدًا عنها قليلًا وهو يقول: 

-هتروح معايا متقلقش والدتك فى عينى ومعانا هاجر
وهتقعد مع والدتى، هى محتاجة تغير الناس والبيئة
اللى حواليها، طبعًا انت تنورنا فى أى وقت تيجى تطمن 
عليها أنا هاخدها وانت روح أحضر الفرح

-بس 

-من غير بس والدتك أمانة فى رقبتى وفى عينى 

******

انتهت حفل الخطبة سريعًا فى ظل هذه الأجواء المتوترة
وما أن انتهى الحفل اقتربت تارا تقف خلف تامر قائلة:

-على فكرة مفيش داعى لسفرك وأنك تبعد وتسيب 
الناس اللى بيحبوك، أنا اصلًا مسافرة تانى مش هاقعد
هنا بابى ومامى مسافرين وانا هسافر معاهم 

جملتها الأخيرة ألجمته ستسافر مع والديها، كل ما يتذكره
حديث والدة طاهر عن أهلها ورفضها هذه الزيجة، فتشنج
جسده متسائلًا: 

-هتسافرى ليه؟! ومين قالك إنى مسافر عشانك أنا 
حابب أريح شوية

-وأنا مفيش حاجة تقعدنى هنا، أنا أتعودت على حياتى
هناك أنا هسافر بعد شهر عشان طاهر حدد ميعاد 
الفرح 

هدر دون وعى بعصبية مفرطة: 

-مفيش حاجة تقعدك هنا ليه؟! شغلك هنا، أختك هنا 
عايزة أيه تانى؟! اصلًا ليكِ ايه هناك؟! 

نظرت حولها على الموجودين بسبب إرتفاع صوته ثم 
همست بوجع:

-ومش مرتاحة كل دول ومش مرتاحة، وعلى الأغلب
هتبقى اخر مرة أنزل فيها مصر تانى

أطلقت جملتها الباردة كالصقيع، والتى زادت من عذابه  وجعلته فى مكان اخر من الوجع بدون أن تدرى بوجعه

جاء طارق من خلفها هاتفًا::

-أنسة تارا

إستدارت له دون أن تهمس بشئ، فتابع هو: 

-كانت هفتح اتيليه قريب وحبييت أنك تنظمى الحفل
بتاعته أنا كلمت طاهر وقالى أنك المسئولة عن كل 
حاجة حاليًا 

ابتسمت بوجع هامسة: 

-لحد دلوقتى آه، شوف عايز امته وأنا معاك

-بعد بكرة

-صعب أوى احنا عندنا حُجُزات مش هنلحق 

حك مؤخر رأسه هاتفًا هنلحق: 

-لو جيتى معايا دلوقتى هنلحق تشوفى المكان انهاردا 
وبكرة تبدأي الشغل، بليز متحرجنيش هاخدك معايا
بالعربية وارجعك تانى 

زمجر تامر ليقول بخشونة: 

-أنت بتتكلم إزاى؟! تروح معاك فين؟!

همست دون أن تلتفت إليه: 

-أنا هاروح معاه، شغل وهنجزه عن إذنك 

انهت حديثها وللحظات ليست بقليله كان يحاول أن 
يستوعب ما تقوله، سيفقد لسانه وعقله وما بقى من 
تعقله ليسألها بعصبية: 

-تارا انتِ رايحة فين هتركبِي معاه ؟!

-تامر أنت سبت الشغل خلاص وبعد كدا مفيش حاجة تخصك تانى خلاص 

قلبه يُنحر كروحه المعذبة طيلة حياته، تحركت من 
أمامه مسرعة بقى فى مكانه ينظر فى اِثرها، كل 
ما يتمناه الآن الموت الذى سيرحمه من كل هذه
الأوجاع، لماذا يحيا هذه الحياة دون أهل دون
حب، فقط روح معذبة متى ينعم براحة ابدية
  

******
 
جلس بإنهاك فى مكتبه فهو لم يريد سوى ضحكتها
راحتها، وياليتها تعلم كم يعانى كى يبقى بهذه القوة
والصمود، ياليتها تعلم جرحه الغائر الذى لم تدوايه
الأيام بعد، ولا ولم يندمل لكنه يتظاهر أنه بخير
من أجلها، شعور ضارى بداخله يحثه على الذهاب
إليها الآن والصراخ بوجهها

ترى هل تعشقه أم إعتادت على وجوده بحياتها، هل 
ترغبه كرجل أم تريد امتلاكه فى حياتها، ثوانٍ وولج 
ضياء دون استئذان وبيده كوبيين من القهوة ثم 
جلس أمامه هاتفًا: 

-قهوة سادة بما أن القاعدة طويلة

رمقه كنان بطرف عيناه وهو يتلاعب بخاتم خطبته
هاتفًا:

-مش فايق ليك 

-أقسم بالله فرح نحس، وعلى ما يتم كلنا هنولع 

فرك كنان وجهه هاتفًا:

-تعبت بجد تعبت، أنا فعلًا اللى محتاج أسافر وأبعد 

-فى أيه مالك هو أنا اللى هاقولك ظروفها، انت تقدر 
تستغنى عن مامتك بلاش عن كارما واهى مش أختك
كيان كل حياتها اللى قبلنا تتلخص فى تامر، اللى عاش
مأساتها هى خايفة عليه وهو خايف عليها 

ثم تابع ضياء: 

-ورغم كدا مش بطلع مبرر ليها، كيان محتاجة تقفل 
عليها الحنفية شوية

-مش فاهم 

حدثه دون أى مرح هاتفًا: 

-يعنى تنشغل بشغلك وتبطل تدور فى الفلك بتاعها 
خليها هى اللى تدور وتجرى وراك 

-ما أنا بقولك عايز أسافر وأبعد شوية 

التو ثغر ضياء هامسًا: 

-غشيم، تسافر وتبعد دا جفا، لكن انت هتبقى موجود
مش فاضى ليها، وشغلك كله مع دكتورة شاهندة والبقاء
للاقوى، على الاسبوع الجاى هتكون حددت ميعاد الفرح 

زفر كنان بإختتاق: 

-مش حابب كدا، أنا كنت حابب كل حاجة بإرادتها 

-دا على أساس أن إحنا كدا رافعين عليها سلاح، لأ
كل بإرادتها بس هى محتاجة تفوق ركز معايا انت 
واسمع منى وإن شاء الله هتطلع المالديف قريب 

*****

بعد مرور اسبوع

-احلفى انك مش زعلانة منى

تلك الجملة قالتها هاجر للمرة التى لا تعرف عددها بينما 
اردفت كيان: 

-يا هاجر خلاص والله أنا فاهمة وبجد كتر خيره 
هاجد على اللى هو عمله وكلامه كله صح، انتِ 
مش شفتى عملت الز.فت لولا ستر ربنا كان ضياء
راح وكمان تامر 

-اومال بس يا كيان 

همست بصوت متحشرج باكى: 

-كنان 

-ماله 

شرودها طال ووجع بقلبها يزداد وغامت عينيها بالحزن
قائلة:

-حاساه متغير من يوم خطوبة طاهر، بسبب موضوع 
تامر 

لم تجيبها وألتزمت الصمت، هبطت دمعة من كيان 
وهى تقول بخفوت:

-عارفة انه حقه بس أنا غصب عنى والله، أنامعرفش
حد غير تامر من الماضى بتاعى كله،  أنا بجد مكانش 
قصدى، اجرحه اوجعه، أنا غبية بس خفت من فكرة
أن تامر هيمشى ويااما هيرجع تانى أو لأ، هو فهمنى
غلط هو كنان كل حياتى، أما وجود تامر فى حياتى 
فى دا زى الأب والأم، أنا مش متخيلة إزاى يجيله 
قلب كل دا ومايكلمنيش 

-سهلة كل اللى انتِ قولتيه روحى فى وشه وعاتبيه 
هو يستاهل يا كيان فهميه مشاعرك ومتتكسفيش 

-تفتكرى 

كان رد هاجر الوحيد ربتت على كتفها وهى تحسها 
على البوح بما فى قلبها 

*****

كان يقف على اعتاب الغرفة يسمع صوتها وهى تقرأ فقد اعتاد عليه فى الأيام الأخيرة، ابتسم باتساع وهو يسمع
والدته، تتلوا عليها الآيات التى حفظتها، ظل على
وضعه حتى جاءته ضربة من الخلف فانتفض كالملسوع

****

تعليقات