رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والسبعون
قبل اسبوع
تململ تامر بفراشه، جفاه النوم طيلة الليل ليتجه ببصره
لساعة الحائط فى ثانية كان ينتفض من على الفراش
يرتدى ملابسه مسرعًا
بعد مرور نصف ساعة كان يقف اسفل الشركة لحظات
وكان يلج للداخل كان يسير فى الردهة حتى وجد
ضالته، وقف أمامها شاعرًا بالقهر والضيم والعجز فهو لم
يقو على البعد رفعت هى بصرها تسأله:
-تامر عامل ايه؟! أيه اللى جابك؟!
صمت محاولًا إيجاد مبرر ليقنعها ثم أجابها بثبات عكس
ما بداخله:
-طاهر طلب منى أنزل الفترة دي ومرضتش أكسفه
هزت رأسها بالإيجاب وهى تتحرك من أمامه:
-طب تمام عشان فيه شغل كتير
-رايحة فين انتِ؟!
-أنا رايحة اخلص الشغل اللى ناقص فى إفتتاح الاتيلية
دا الإفتتاح بكرة
-أنا جاى معاكِ
-لأ خليك أنت، فيه شغل هنا كتير
غامت عيناه بقتامة وهو يقترب منها قائلًا:
-قولت رايح معاكِ إنجزى
****
وقف معاها أمام الأتيلية فخرج طارق مرحبًا بها ثم
نظر خلفها فوجد معها تامر الذى كان يرمقه بنظرات
نارية، فابتسم طارق هاتفًا:
-نورتوا، تارا تعالى أوريكِ كام حاجة كنت حابب
نبتدى بيها الافتتاح
لحظة هى كل ما مرت وصمت سحيق ساد حتى أنه لم يدرك كيف يسيطر على غضبه، هزت رأسها وهى ترمق تامر بطرف عيناها هامسة:
-تمام
نظر طارق بعيناه لتامر قائلًا:
-الحتة دي يا تامر أنا حابب اعمل فيها ديكور مش
تقليدى أيه رأيك تفكر في حاجة عظمة كدا
تحرك من امامه بعد أن انهى كلماته وسارت تارا خلفه
وداخلها يخبرها بحدوث كارثة
على الجانب الأخر وقفت وهى تحمل الحاسوب المحمول
بيدها واصبعها تمررها على الشاشة هاتفة :
-اختار كدا أى نوع من الورد تحبه نزين بيه المدخل
كانت عيناه تنهش كل أنشًا بها بينما هى كل تركيزها
على الحاسوب، ثانيتان فقط وسمعت صوت
مدوى مخيف تعرفه عن ظهر
قلب من خلفها
-تاراااا
استدار طارق وهو يرى الخوف المنبعث منها تجاه هذا
الشخص الذى يبدو عليه أنه يعشقها ألتو ثغر طارق:
-أنت بتعلى صوتك ليه مش تحترم المكان اللى انت فيه
اغمضت تارا عينيها فقد عبث فى عرين الأسد رمقه
تامر ببرود وهو يقترب منه ثم فجأه لكمة فى وجهه
بعنف هاتفًا:
-لما تبقى أنت اصلًا محترم
شهقت تارا وتدخلت سريعًا تفصل بينهما فهمس تامر
بخفوت خطير:
-إياك تانى تقرب منها هى خط أحمر، وحوار أنك بتكسب
على طول مش معاها
كان تامر يشع هيبة وقوة وطاقة رجولية تحيط به تزعزع
أى من كان يحاول إغضابه فالمعادلة صعبة بينه و تامر
أو ربما قلبها هو من حسم المعادلة، فتحمحمت قائلة
-طارق انت كويس
لم تكمل كلماتها وكان تامر يسحبها خلفه دون مقدمات
وهو يسحب يدها بشدة وتملك همست هى بألم من قبضته
-تامر إيدى
نظر لها بتهديد وما أن وصل للسيارة ادخلها واستدار
وركب على كرسى القيادة يشق طريقه، وهو يصرخ
بها
-نفسى أفهم بتستفادى أيه لما تسمحى لرجل غريب
أنه يتمادى معاكِ ولا بتبقى مبسوطة؟!
رمقته فى عمق عينيه بنظرة حزينة متألمة، فنظر أمامه
مشاعر لم يظن أن يشعر بها لكنها سكنته بسببها
اخذ يصرخ وهو يقود السيارة ثم اوقف السيارة
ومال بجزعه للامام هامسًا بوهن:
-ليه بس؟! ما قولتلك خليكِ بعيدة عنى، ليه أنا
فى بدل الحد مليون يتمناكِ ليه أنا ماليش ماضى
ولا جذور ولا حتى مستقبل ليه مرحمتنيش وبعدتى
كلمات أم حجارة يرميها عليها ساد الصمت لدقائق حتى همست هى پألم
-تعرف كان نفسى اطلع دكتورة زى بيسان طبعًا مكانش ينفع أنا بكره المذاكرة، بس حاسة أن ربنا استجاب ليا
أيه رأيك ابقى الدكتورة بتاعتك اخفف عنك وأكون
جنبك ونبنى مستقبل مع بعض
وأنت تكون دكتور لوجعى و ألمى، وكل واحد فينا
يكون السبب فى شفا التانى
صراع قوى بين قلبه وعقله وكانت ملامح وجهه تعبر
عما يشعر به فهمس:
-بالسهولة دي؟!
ساد الصمت مرة اخري حتى ضاق صدرها واختلج النبض
بقلب تارا هامسة::
-وأسهل من كدا لو فعلًا عايزنى، بس أنا مش هافرض نفسى تانى تعبت أنا هسافر فى أقرب وقت مش هأقعد
هنا تانى كفاية هنا عليا كفاية وجع
-هنا وجع؟!
-أومال كلماتك دي، ونظرة القر..
قاطعها هادرًا بغضب:
-متكمليش متكمليش، لأن النظرات اللى فى عينى
مش زى ما انتى بتقولى دي نظرات حسرة ووجع
وأنا بسأل نفسى يا ترى الست اللى رمتنى بتحس
بإيه وأنا متعذب كدا حتى أبسط حقوقى مش عارف
اخدها
كانت تسمع اعترافه المختبأ بين كلماته فهمست:
-طب ما تأخد أبسط حقوق انت اللى مانع نفسك عنها
جذب خصلات شعره وهو يقول:
-اللى مانع أن كفاية أنا لوحدى اللى بتعذب
مش هيبقى الكل بيتعذب معايا
تنهدت بتعب وهى تشيح بوجهها للجهة الأخرى هاتفة
-روحنى يا تامر أنت واخد قرارك وأنا كمان اخدت قررى
****
بعد مرور اسبوع
خبطت عمة هاجد على كتف ساهر فاستدار وجدها
تقف أمامه كالمدفعية قائلة:
-انتِ مين يا واد انت؟!
تمالكت الصدمة كل جزء فيه وكادت قدميه تخونه ليسقط
أرضًا فابتلع وهو يقول:
-أنا والدتى هى اللى جوه
نظرت له من أعلاه لأدناه ثم همست بشراسة قائلة:
-وأمك جوه مدخلتش ليه؟! واقف تتجسس على باب
الأوضة
خرجت من داخل الغرفة والدته ومن خلفها مايسة
-فى إيه يا ماما؟!
-فى يا ختى أن هاجد دا مش بيجى وراه أى خير
لقيت البيه واقف بيتفرج عليكم وانتوا جوه
اقتربت مايسة من والدتها دون أن تلتفت إليه هاتفة
من بين اسنانها:
-ايه بيتفرج دي ياماما؟!
-ايه ياختتى الباب كان موارب وواقف يبص من ورا الباب
دا يبقى اسمه ايه
وضعت يدها على رأسها تعدل من وضع حجابها هامسة:
-اسكتى ياماما لو سمحتِ
قاطعها ساهر قائلًا:
-أنا بس كنت واقف اشوف ماما وهى بتقرأ القرأن معاها
ونفسيتها هادية دا قصدى مش اكتر
أنهى كلامه مع دخول هاجد وهاجر من باب الشقة
فاقترب هاجد متساءلًا:
-فى ايه؟!
اجابه ساهر باحراج:
-أنا لسه جاى اشوف ماما وطنط قلت أنكم فوق سمعت
صوتها وهى بتقرأ القرأن قربت من باب الأوضة اشوفها عادى مش اكتر
التو ثغر هاجر هاتفة:
-أيوة وفين المشكلة
احتدت ملامح عمة هاجد وهى تحدثه قائلة:
-بقى دي الأصول يا هاجد، مايسة بنتى وتربية إيدك
تكون فى بيتكم زى ما طلبت وبقالها اسبوع قاعدة
عندكم وفى الأخر راجل غريب يكون بيبص عليها
قبل أن يجيب هاجد كان يقاطعه ساهر هاتفًا:
-أنا بطلب إيد الأنسة قدامكم كلكم
ألجمت الصدمة الجميع وكانت مايسة أول من فاقت
من الصدمة وهى تمسح دمعة فرت هاربة من كلماته
التى كانت كنصل تتراشق فى قلبها بقوة فهمست:
-عجبك الموقف اللى حطتينى فيه دا؟!
ليه بتعملى كدا؟!
اجابتها وهى محملة بعواصف الغضب وتجهر بها قائلة:
-موقف ايه ومين اللى قالك إنى ارضى بيه
هزت سوسن رأسها بيأس هاتفة:
-محدش سالم منك حتى بنتك
كل هذا تحت نظرات هاجد الذى لم ينطق بحرف واحد
فاندفعت هاجر هاتفة:
-نعم ومترضيش بيه ليه؟! ساهر متفوق والأول على الكلية
وبيحضر ماجستير دا غير أنه صاحب نص محلات
الدهب فى البلد وألف واحدة تتمناه
لمعت عين عمة هاجد بسعادة ثم همست بهدوء قائلة:
-ولنفرض كل حاجة ليها اصول
كان هاجد يتابع الخيبات والخزى الذى تشعر به مايسة
ويتراقص بوضوح سافر على ملامح وجهها فهمس
-هعتبر نفسى مسمعتش شئ، تعالى معايا فوق
وعمتي لينا كلام فى اللى حصل
هز ساهر رأسه بالنفى وهو يقول بإصرار:
-وأنا بطلب إيدها وأنت اكتر حد عارف أنه المواضيع
دي نصيب وترتيب القدر ط
نظر هاجد له بطرف عينه ثم نظر لهاجر هاتفًا:
-خدى مايسة وادخلوا جوه
هزت هاجر رأسها بالإيجاب واستدارت ومعها مايسة
للداخل ثم عادت ثانية تجذب هاجد من معصمه هاتفة :
-بالراحة على ابن خالى الواد مفيش منه اتنين
عارف يا هاجد لو جيت عليه أنت والحيزبونة عمتك
هقلبها نكد
انهت كلامها وتحركت دون أن تسمع تعقيبه وما أن
ولجت الغرفة وجدت مايسة تجلس على الأريكة
واضعة وجهها بين راحتيها تبكي بحرقة، فلم تحتمل
وجلست بجوارها تزيح يدها من على وجهها فهى
اكثر من يعلم شعور الخذلان، فهمست لها:
-يالهوى كل العياط دا عشان الواد ساهر طلب إيدك
دا احلى وأجمل شب فى العيلة، وطيب أوى وقلبه
أبيض بس هي الدنيا جت عليه أوى، يمكن تكونى
العوض اللى هيطبطب على قلبه
رفعت مايسة وجهها وعبراتها منسابة على وجهها هاتفة
-أى كان الطريقة فيها أهانة ليا
ابتسمت هاجر لتخفف عنها هاتفة:
-اقولك على السر، أنا كمان صوتك وطريقتك بتشدنى
وبقف على الباب كدا اسمع لصوتك وانتِ بتقرأى القرأن
وتفسريه، يعنى سحلتى الواد اللى حيلتنا والوحيد العاقل
اللى فى العيلة
بسمة شاحبة على وجهها خبط هاجد على الباب حتى
أذنت له هاجر فولج وهو يتنهد قائلًا:
-قبل أى حاجة أنا اسف على الموقف اللى اتحطتي فيه
بسببى طبعًا هو قعد وطلب إيدك فى وجود والدته وعمتى
أنا قولت هسأل عن رأيك، لو طبعًا الفكرة كلها مضايقكِ
أنا هخرج وأقول رفضتى
توسعت عين هاجر بصدمة قائلة:
-ايه هو دا لأ طبعًا، مش في صلاة استخارة وتفكر
طب والله ساهر اطيب خلق، سيبها تفكر لحد بكرة
حتى بلاش السرعة دي
-اللى تقولوا مايسة
-هى يا هاجد متضايقة دلوقتى خليها بكرة وترد عليك
بقى
تنهد هاجد مستغفرًا حينما لم يجد رد منها ثم غادر الغرفة
*****
بعد مرور ثلاثة أيام
فى جلسة عائلية كان ساهر يجلس وبجواره طاهر وكرم وأمامه يجلس حسين بجوار هاجد
وعلى الجانب الأخرى تجلس كيان بجوارها نجاة
فتحمحم حسين قائلًا:
-والله يا جماعة احنا النسب الأول زادنا شرف ومش
هنلاقى احسن من دا نسب نقوى بيه علاقتنا اكتر
أنا بطلب إيد بنتكم لأبننا
ابتسم هاجد هاتفًا:
-الشرف لينا، أنا اللى كان حظى حلو والله ومفيش
احسن من دا نسب
ابتسم طاهر قائلًا:
-ربنا يديم المعروف، وساهر بصراحة شاب أنا لو عندي
اخت كنت ادتها ليه وأنا مغمض
رفع هاجد بصره لطاهر وبداخله يتمتم مستغفرًا مجرد
صوته يجعله فى حالة عصبية لكنه ابتسم قائلًا:
-كله بمشيئة لله
جذب كرم طاهر هامسًا فى اذنه:
-الصراحة انت المفروض تقعد ساكت ومغمض لو عايز
ساهر يتجوز الواد مش طايقك
-ليه بروح أمه؟!
قاطع حديثهما عمة هاجد قائلة:
-أنا بنتى مفيش زيها زينة البنات الكمال لله وحده بس
هى مفيش فيها عيب
توسعت عين طاهر وهو يهمس لأخيه:
-مفيهاش ولا عيب اومال هى أيه؟! دي اتفوقت على عمتك
ثم تابعت :
والصراحة هاجر من ساعة ماساهر
طلب إيدها مش نازلة من على ودنها بس مايسة صلت صلاة الاستخارة والصراحة مفيش حاجة خلتها ترفض
فقولت يبقى دي لوحدها اشارة
حدثها ساهر قائلًا:
-حيث كدا يبقى الفرح اخر الشهر أنا ليا شقة جاهزة
من كله كان بابا مشطبها الله يرحمه والعفش كله
جديد لو حبت تختار حاجة تانى تمام والفرح
المكان اللى تختاروه
انهى كلامه أملًا فى موافقتها تاركًا للقدر الكلمة الأولى والأخيرة، ليكن رحيما بقلبه، فهو والدته بحاجتها هو بحاجة دعم بحياته، بحاجة شخص يشاطره احزانه
على الجانب الأخر ولجت عمة هاجد للداخل تخبرهما
بما سار انزلقت دمعة من هاجر هى وحدها من تعلم
وجع ساهر وسبب سرعته هذه فضغطت على يد مايسة
هامسة:
-القرار قرارك بس والله عمرك ما هتندمى
اغمضت مايسة عيناها ونبضات قلبها تدوى بين ضلوعها
خرجت الكلمات من ثغرها كالمسحورة
-موافقة، ومن غير فرح كبير هلبس الفستان وهنكتب
الكتاب فى الجامع ونروح
اطلقت هاجر الزغاريد المتتالية ولم تتوقف ابتسم الجميع
بالخارج فابتسم كرم هاتفًا:
-نقرأ الفاتحة
-نقرأ الفاتحة
رفعت الكفوف للأعلى يقرأوا الفاتحة ثم همسوا فى
نفس واحد
-آميين
****
فى المشفى ما أن نهض كنان بنية المغادرة باغته ضياء
بكلماته:
-ماتثبت كدا فى أيه مالك
هتف كنان بنبرة هادئة فى محاولة لجعله يستوعب ما يقول:
-ما هو أحنا خلينا الممرضة تقولها نص ساعة فى العمليات
وكدا عدى اكتر من نص ساعة
اردف ضياء بنبرة حاسمة:
-وتعدى ساعة كمان أقعد كدا هطلبلك قهوة تانى
ما هى إلا دقائق وكان كنان ينهض بتوتر يقف أمام
الشرفة ثم عاد يقف أمام ضياء هاتفًا:
-لا لا كيان مش هتستحمل الكلام دا، أنا حاسس
أنك هتودينى فى داهية
-ياجدع عيب الكلام، طب وربع الكبد اللى ضاع والدم اللى
ساح، أنا عايز مصلحتك
-كفاية لحد كدا مصلحتى
لم يفكر كثيرًا قبل أن يتجاوزه للخارج فقلبه ملتاع ثائر
على حبيبته
تدور الغرفة ذهابًا وايابًا، تشعر بالتوتر والخوف فهى
تحيا كابوسًا مريرًا ذكريات الماضى تداهمها بقسوة
اترفت عيناها بدمعة تسللت من بين جفونها، كلما
شعرت أنها تقترب من احلامها الفجوة تتسع وتتسع
نبرة صوته الحانية تسللت لمسمعها لتنتشلها من
توترها لتليين ملامحها وتستكين، كان يطالعها هو
بنظرات حانية ما لبثت إلا ثوانٍ، اختلفت وتجهمت
ملامحه، وهو يعنف ذاته على عدم سيطرته فتحمحم
قائلًا:
-قالولى أنك مستنيه من بدرى هنا؟!
صمتت لوهلة ثم اجابته:
-بقالى كام يوم مش عارفة اشوفك فجيت وقعدت واستنيت
زاحم من الأفكار المتناقضة بداخله، احداها تبرر فعلتها
والأخر تأبي وتريد الثأر لكرامته، اجابها بالأخير بتجهم
-شغل كان بقالى فترة مأجله ولازم انتبه ليه دلوقتى
-هو الشغل دا أهم من أنك تطمن عليا الاسبوع اللى
فات بعد اللى حصل
تلك النظرة وتلك النبرة اخترقت قلبها كسهام مشتعلة
وما رأه فى عينيها من خزى ووجع شعر النار فى اعماقه تزداد، لم يحتمل نبرة اللوم المغلفة فى صوتها وكيف
يحتمل تنهد قائلًا:
-الشغل غصب عنى ولازم أخلصه
طريقته تثقل روحها تجعلها تغرق فى بحار الأحزان اكثر واكثر وهو وحده طوق نجاتها، تهكمت بداخلها من جملته
ثم عضت على طرف لسانها، فالكلمات هربت منها
بالأخير همست:
-انت زعلان منى
-ليه؟!
انزلقت دموعها من سجن مقلتيها، لا تعرف إذا كانت
ستبرر له أو تشكيه لنفسه:
-عشان عيطت على فراق تامر قدامك وقدام الكل
عشان كل يوم كنت بتمنى تبقى ليا أم تطبطب عليا
ومالقتش أب يفتح ايده ويستنى أنه ياخدنى فى
حضنه مالقتش، أخت تلعب معايا او حتى نتخانق
على لعبة وبردو ملقتش، مالقتش غير تامر غلبان
زى والدنيا جاية عليه ساعتها فرحت اوى أن فى حد من
غير أم وأب عايش زى مكنتش فاهمة حاجة، بس
هو كان عنده نقص وأنا كمان حابيينا نعوضه ببعض
اتعودت عليه وهو كمان مش اخوات بس اتولدنا
من رحم واحد، رحم القسوة والوجع
أنا فاهمة أنك صعب تقبل دا كرجل بس كانت
لحظة غصب عنى يا كنان ومش عدم تقدير ليك
لأنك أكتر حد وقف جنبى واستحملنى أنا عارفة
أنى انانية بأخد ومش برد فى المقابل بس لأنك
كنان الحد الوحيد اللى بأخد كل حاجة منك بتملك
زفر كنان انفاسه كى لا يبكى تأثرًا بكلامها، اغمض
عيناه فهو اطلق سابقًا وعد لنفسه بسعادتها
مهما كلفه الأمر، اقسم أنه سيكون لها جيشًا
يرد عنها كل وجع فهمس:
-عارفه أمتا بيوحشنى أبويا يا كيان لما تبعدى عنى
بحس أن لوحدى ويتيم
اختنقت انفاسه فى صدره وعلقت ثم تابع:
-أنا موجوع أكتر مما تتخيلى أنا فعلًا تعبت ومحتاج هدنة
من قلبك يا كيان، محتاج يبطل يبعدنى عنك عايز اقرب
واقرب عايزك معايا نبدأ من جديد مش بعد العسر يسر
أحنا مررينا بالعسر خلينا نبدأ فى اليسر أنا بعترف
أنا مش قد البعد
تعلقت عيناها بعيناه هامسة:
-أنا اسفة حقيقى أنا على كل حاجة غلط حصلت منى
من غير قصد
شعر باحتياجها له فضعف أمام توسلت عيناها أما هى
ايقنت أنه هو عوضها من الدنيا، نهض من مكانه يجلس
أمامها ثم أشار إلى نفسه ثم كور يده يضرب برفق
عليه ثم جذب يدها ضاغطًا عليها بقوة فرمقته
بإستغراب فهمس:
-أنا ونبض خافقى جيشك الذى لا يهزم أبدًا
وليتك تصدقين
شهقت مكتومة جعلت جسدها ينتفض هامسة
-ليتك أنت تصدق، أنا متأكدة بس ممكن التعبير بيخونى
الماضى بيكتفنى
لم يطق دموعها فطالما كان واهنًا امامها فهمس:
-كفاية عياط احسن امسحهم بطريقتى
ابتسمت وهى تمسح دموعها هاتفه:
-كنان كتب كتاب ساهر اخر الشهر دا، وأنا مش حابة اكون
موجودة عشان ميبقاش خيار صعب على ساهر بين
وجودى وبين والدته فقولت نسافر أيه رأيك
-استنى استوعب ساهر مين؟! وكتب كتاب أيه؟! وإزاى؟!
-ساهر اخويا هيتجوز بنت عمة هاجد كانت بتساعد
والدته فى حفظ القرأن فطلب إيدها وهيتجوز أخر
الشهر
-كدا بالسهولة دي أومال أنا مالى مش بتقدم خطوة ليه
قهقة ثم صمت يسألها:
-بتهزرى صح ولا بتعملى كدا عشان أطلب اجوزك
-كنان بتكلم بجد
-لأ أنا كدا هحقد على ساهر اوى هو جواز ولا كتب كتاب
-لأ جواز
فرك وجه وهو يقول:
-قومى يا كيان عشان اروحك قومى
****
بعد مرور شهر
كانت مايسة ترتدى فستانًا ناعمًا باللون الأبيض يشبه
نقاء روحها كان الأبيض يليق بها ، ينعكس على وجهها فيشع نورًا، أما ساهر كان مرتديًا حلة باللون الرمادى
الغامق
وعلى الجانب الأخر يقف طاهر وكرم الذى هتف
-أيه اللى بيحصل دا بجد الواد ساهر غفلنا واتجوز قبلنا
كلنا، واحنا مقضينها خطوبة وفسخ دا ولا شغل المراهقين
-متقلبش عليا المواجع
ارتفع جانب شفتاه كرم:
-هى المواجع متقلبتش بعد عملة ساهر
قطع حديثهما دخول المأذون الذى جلس بينهما وبدأ فى
تدوين البيانات ثم ألقى خطبته ومد دفتره لمايسة
التى مدت يدها ونقشت حروف اسمها وتلاها ساهر
وما أن انتهى اطلق المأذون جملته الشهيرة
-بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخير
****
