رواية اشباح المخابرات الفصل السابع
وقفت قبالته بقامة ثابتة، صلبة، نظرات قوية لم تتأثر بما قالته، ولم يظهر له أي خوفًا لندائه الصارخ لها، كأنه يرى نموذج نسائي جديد ، يشرد عن القطيع الذي إعتاد التعامل معه.
مد "هارون" كفه لأحد رجاله يشير له إشارة إخلاء المكان من حولهما، فإذا بالجميع ينصرفون من محيط مكتب السكرتارية، ومع ذلك مازالت تتطلع له بثباتٍ وعدم مبالاة بما يفعله!
خطف نظرة متفحصة للمكان من حولهما، وحينما تأكد بإنسحاب الجميع رنا يهتف:
_ألا يجدر بكِ الخوف لما قولتيه في حقي!
ترنحت على شفتي "مرين" بسمة ساخرة، وقالت بالعربية:
_وأيه اللي يخليني أخاف من شيء الكل معترف بيه.
تفاجأ بنبرتها العربية، فاذا به يضحك بصوتٍ مسموع، ويتساءل باسترابة:
_ولما إنتِ عارفة إني وضيع جاية هنا ليه؟
بنفس الثبات والثقة قالت:
_متعودتش أصدق اللي بيتقال من غير ما أشوف ده بعيني، ودلوقتي بعد ما شوفتك صدقت وإنسحبت بهدوء.
خسر كل قوته أمامها، شعر أن عينيها الزرقاء بهما سحرًا غامضًا، فاذا بذلك السليط ببتسم وهو يسايرها بالحديث الخبيث:
_بس انتِ مشوفتيش مني حاجة وحشة عشان تظلميني الظلم ده!
تحققت غايتها بسرعة تفاجآت لها، لقد علمت مفتاح الدخول السريع لجحيم هذا الشيطان، ربعت مرين يديها أمام صدرها ونطقت بحدة:
_معتقدش إنك من النوع اللي بيتظلم، بالعكس إنت من النوع التاني.
زوى حاجبيه وهو يتمعن بها بدهشةٍ واعجاب شديد:
_إنتِ مين؟
اتسعت ابتسامتها فزادت من جمالها فتنة فوق فتنتها:
_هتطلعلي بطاقة؟
هز رأسه بالنفي وقال ومازال يتأملها:
_إنتِ مش بس ست جميلة وذكية، إنتِ جريئة بشكل مشفتوش في بنت قبل كده.
حلت عقدة ذراعيها وقالت بمكرٍ:
_وضيف عليهم إني صريحة جدًا، عشان كده هقولك إني مش مرتاحالك ولا مرتاحه للمكان ده، فاعتبر نفسك بتشوفني للمرة الاخيرة، سلام.
قالتها واستدارت استعدادًا للمغادرة، بخطواتٍ واثقة من غايتها، فما أن استمر عدها للرقم ثلاثة داخلها حتى هرول من خلفها يوقفها:
_استني، إنتِ جيتي عشان تشتغلي هنا، وأنا قبلتك، همشي كل البنات وهختارك.
وقفت أمام المصعد تستدعيه، هاتفه بازدراء:
_وده راجع لأيه؟ إنت مشوفتش الcv بتاعي ولا حتى اتطلعت على أوراقي.
والتفتت برأسها تمنحه نظرة حادة:
_اختيارك الغاشم ده بيأكدلي بردو انك شمال!
فشل بالتعامل مع تلك الفتاة الجامحه، وهو الذي لم يفشل بالقضاء على غرور أي أنثى قابلها، ثمة شيئًا داخل صدره يخبره أنها مختلفة عمن قابلهن من قبل.
ذلك الشيطان لم يخسر معركة ضد تاء التأنيث يومًا، وتلك المعركة تحفزه بكل قوة على أن يخوضها!
حضر المصعد فأوقفها هارون حينما قال:
_هديكِ المبلغ اللي تطلبيه.
استدارت إليه مرين بجسدها كله، ونطقت بخبث يجعلها تحقق علامات التفوق باختبارات التي اجتازتها من الجوكر والاسطورة:
_أنا قولتلك إني صريحة، فخليني أقولك إنك عرفت فعلًا سكتي بس خد بالك أوعى تنخدع بجمالي ده، أنا مش زي أي بنت انت عرفتها قبل كده.
ردد بهيامٍ وهو يحاول استمالتها بكلماته:
_فعلًا إنتِ مش زي أي بنت أنا عرفتها، إنتِ أجملهم، أنا أعرف ستات بعدد شعر رأسي، في اللي شدني جمالهم وفي اللي شدني ليهم حاجات تانية، لكن إنتِ غريبة، مش بس الجمال اللي لافت نظري ليكِ!
واستطرد وهو يرنو تجاهها:
_عنيكِ فيها قوة وجاذبية آآ.
بتر كلماته حينما تراجعت للخلف وهي تردد ببسمة ماكرة:
_قولتلك خد بالك، ورا الجمال ده في مقاتلة شرسة قادرة تقطع ايدك لو فكرت تستدرجني لأي سكة شمال.
واستطردت دون أن تترك له فرصة الحديث:
_لو سكتنا شغل بس فأنا معاك.
ابتهجت معالمه فرحة من قبولها لعرض العمل، فاءا به يستعمل خبثه:
_وده اللي أنا عايزه منك، شغل وبس، لو حابة تبدأي من النهاردة مفيش مشكلة.
ظن أنها ستطير فرحًا لما قال، ولكنه تفاجأ بها تدخل إلى المصعد وهي تردد دون مبالاة به:
_جهز تفاصيل الشغل والمبلغ اللي هتحدده، وبكره أو بعده هعدي عليك أدرس الموضوع، لو عجبني عرضك هستلم الشغل في الوقت اللي هلاقيه مناسب ليا، سلام!!
جحظت عيني هارون صدمة مما يحدث، راقب باب المصعد وهو ينغلق بعجزٍ تام، جعله رأسه مشوش عن أي تفكير، ولسانه ينطق بصدمة:
_أيه البنت دي!!!!!
****
واصلت التجول حول القصر، وأذنيها تتلصص لذلك الروبوت اللعين، ابتسامة خبيثة جابت شفتيها، بينما تدعي انغماسها بتأمل الازهار والمسبح الضخم.
لقد استغنت عن مكرها وخبثها حينما قابلته، وتعاملت بسذاجة مصطنعة حتى تكشف عن جنسيته، ولكن ذلك الماكر تمكن من النجاة ومزاولة الحديث بالآخر، وها هي تستدرجه باليوم الأول لتثير غضبه وشكوكه حول أنها فتاة عادية مثل الكثير من الفتيات.
ربما تجد الصورة من الخارج ان الروبوت الذكي ينقل لسيده خطواتها، متلصصًا عليها، بينما بحقيقة الأمر هي من قامت بجذبهما لتلك النقطة!!
أخفت حدة ملامحها، وإدعت انشغالها التام بقطف إحدى الازهار، بينما تستدير وهي تبرق بعينيها بفزعٍ أجادت تصنعه:
_بسم الله الرحمن الرحيم!
مالت على السور القريب منها وهي تتمتم بصوتٍ مسموع:
_هو أنا كنت نقصاك يا أخي مش كفايا أجواء بيت الرعب اللي عايشة فيها دي!
تحرك الروبوت نحوها بآلية، ونطق:
_سيدي يريد رؤيتك في الحال.
بالرغم من أنها تعلم بأنه يراها الآن صوتًا وصورة، الا أنها استكملت في بلاهة متعمدة:
_سيدك ده مخيف وشكله كده خنيق!
ومالت تشم عبير الزهور باسترخاءٍ، ثم أشارت له بنفور:
_اتفضل، خدني لسيدك الغريب ده.
سبق "ماتيو" خطواتها حتى توقف أمام أحد المصاعد الداخلية للقصر، يشير بيده أن تدخل قبله، شملته بنظرة ساخرة ورددت:
_حتى الروبوتات عندهم وجع في المفاصل زينا!!
لحق بها "ماتيو" للداخل، حتى وصل بها للطابق العلوي، لاحظت "قدس" أنه يستخدم شفرة خاصة ليفتح باب الجناح دون اللجوء إلى "عثمان"، دخلت من خلفه وهي تسجل ببصرها كل تفصيلة صغيرة، حتى إنتهى بها الطريق بالوقوف أمام زوج الاعين الرمادية الغاضبة
استدارت قدس إلى مايتو وهمست بارتباكٍ:
_ما به سيدك يبدو وكأنه سيبصق النيران من فمه؟
لف الروبوت رأسه إليها وقال:
_سيدي عثمان غاضب لمخالفتك أوامره في يومك الأول هنا سيدتي.
لوت شفتيها بتهكمٍ، وتمتمت:
_بتلفت نظره ليه!
أشار له عثمان بإصبعه فغادر على الفور، بينما يحرك مقعده صوبها، وصوته الرعدي يتهاوى:
_واضح إنك مستغنية عن روحك يا دكتورة.
طالعته بقوةٍ ورددت دون أن يرف لها جفن:
_أنا مبحبش الخنقة، ثم إني نفذت كلامك ومدخلتش القصر بدون إذنك، والأكيد يعني إني مش هفضل محبوسة جوه الملحق ده لحد ما جنابك تحن عليا وتبعتلي، أنا حرة مش سجينه هنا في زنزانة!!
رمقها بصمتٍ كان مخيفًا لها، خاصة آنها تفشل فشلًا ذريعًا في تكوين صورة حتى لو صغيرة عنه، على عكس مرين التي ما ان جمعت معلومات عن هارون ورأته حتى تمكنت من عركلة ساقه.
السكون جعلت صوت أنفاسها هو المسموع، بينما يطالعها الاخر بثباتٍ كالتمثال، حتى أستدار بالمقعد وهو يصدر أمره:
_ هنبدأ العلاج من بكره، الصبح تكوني هنا!
زوت حاجبيها بدهشةٍ من حديثه، بينما تستمع له:
_آيلا أغلقي الباب من خلفها.
تبدل لون عينيها الجذاب لحمرة غاضبة، لقد طردها بشكلٍ صريح، ذلك المغرور الذي يستفزها في المرة الثانية من رؤيتها له، تمنت لو أكتظمت سلاحها وأنهت حياته بنفسها، ولكنها تحاول أن تصبر ذاتها بأنها ستفعلها حتمًا ولكن ليس الآن.
شيعته بنظرة أخيرة، ورددت ساخرة:
_خلي آيلا هانم مرتاحة، أنا هشد الباب ورايا!
قالتها وغادرت على الفور، بينما الديزل المزعوم مازال يتطلع للشرفة الزجاجية بنظرة جامدة، كأن تلك الفتاة لم يكن لها وجود منذ قليلٍ.
*****
زحفت للخلف والرعب يكظم أجنحته من فوقها، بينما يتأملها بحزن وشفقة على حالة الهلع التي أصابتها، اقترب منها كِنان وهو يناديها برفقٍ:
_روز.
لطمت ذراعيه تبعدهما عنها، ومازالت تواصل الزحف للخلف وهي تصرخ:
_إبعد عني، إبعـــد!
إنحنى على ركبتيه قبالتها، وقال بصوته الرخيم:
_روز لازم تهدي وتسمعيني.
هزت رأسها بالنفي وهي تحاول الاستناد على جزع الشجرة لتتمكن من النهوض:
_مش عايزة أسمع حاجة، أنا همشي من هنا.
تمكنت من الوقوف أخيرًا، واستدارت تتفحص المكان الغريب من حولها برهبةٍ، جعلتها تمضي بأول جهة قابلتها، حتى تحظى بالفرار منه.
منعها من استكمال طريقها حينما أمسك معصمها باحكامٍ:
_إنتِ رايحة فين؟؟
حاولت دفعه وجسدها يرتعش من فرط الخوف:
_سبني، قولتلك إبعد عني.
زفر بغضب، وهو يحاول أن يخبرها بهدوءٍ:
_هارون لو عرف إنك عرفتي الحقيقة هيقتلك.
سحبت كفها منه، وهي تقابله بنظرة غائمة، يتعمق فيها الألم:
_وهي أيه الحقيقة، أنا مبقتش عارفة حاجة، أنا اقتنعت بكلامك، أنا عايزة أبعد عن القرف ده وأولهم إنت!
واستدارت قائلة بجمود رغم تساقط الدموع من عينيها:
_أنا عايزة أرجع البيت، وحالًا!
*****
خرج زين من غرفته حينما استمع لصوت قادم من المطبخ الخارجي، فوجد ابنة عمه تتحرك بعصبية تامة، وعلى ما يبدو بأنها تحقق فشلًا ذريعًا في صنع الطعام لها.
جذب احد المقاعد المقابلة للرخامة، وجلس يناديها بمشاكسة:
_أيه الهيصة اللي إنت عاملها دي يا مروان؟
شملته بنظرةٍ حادة من طرف عينيها، ثم استكملت صنع ما تفعله وهي تتجاهل وجوده، مرر يده على شعره وقال بضيق:
_كنت رخم بس إنتِ كنتِ أرخم، عمومًا متزعلش يا صاحبي.
جذبت مرين أحد الاطباق تضع فيه شرائح الدجاج الذي صنعته، واتجهت تجلس قبالته وهي تردد:
_مزعلتش منك عشان عارفة إنك رخم.
تفحص الطبق الذي صنعته بملامح متقززة، وردد:
_كريم طول عمرك يا أشطا.
لم يستطع كبت ما حجب على لسانه فأشار لها:
_إنتِ متأكدة إنك هتأكلي الجريمة دي؟!
هزت رأسها بكل تأكيد، فحك فمه وهو يهمس بشفقة:
_عيني عليك وعلى بختك الأسود يا جارحي!
سألته وهي تجذب السكين والملعقة:
_بتقول حاجة؟
نفى سريعًا:
_لا أبدًا، كنت بسألك لقائك بالقذر ده كان ماشي ازاي؟
أجابته ببسمة غرور:
_اعتبره في جيبي من دلوقتي، دخولي كان سريع بشكل متوقعتهوش.
تخلى عن مزحه وقال بجدية:
_خدي بالك يا مرين، الشخص ده مش سهل، خدي كل حذرك
قالت وهي تستعد لتناول طعامها:
_متقلقش.
وأضافت متسائلة:
_تحب تأكل معايا؟
أشار باشمئزاز:
_لا شكرًا، هستنى ياسين أرحم!
وأضاف حينما وجدها تطالعه بغضب:
_الطبق شكله يفتح النفس بس أنا متقل في الغدا، اتفضلي إنتِ ألف هنا.
شرعت مرين بتناول طعامها، وما أن تناولت قطعة الدجاج حتى جذبت منديلًا ورقيًا تبصق فيه ما تناولت، بينما تتطلع صوب الدماء المنسدلة من الدجاج بتقززٍ، أرغم زين على الضحك وحينما وجدها تتطلع له بنظرات نارية قال:
_بحمد ربنا إن قطعة الكوكيز بتاعتي طباخه محترفة وبالأخص في الرقاق اللي بعشقه.
وتابع وهو يرى الغضب يحتد في زُرقتها:
_خلاص متزعليش،إنتِ كنتِ مشغولة في أعمال وطنية أكتر من المطبخ، يكفيكِ شرف إنك في الوقت اللي البنات بتفكر في ألوان صوابع الروج كنتِ بتفكري في نوعية الاسلحة والقنابل.
وسحب طبق الفاكهة يقدمه لها قائلًا:
_داوي جوعك بالفاكهة حلوة ومفيدة.
واستطرد ساخرًا:
_أنا بقول تفكك من حوار الارتباط من الجنيرال نهائي، الواد عليه حتة نفس في الطبيخ يتوب بتوع الدايت، وإنتِ يا قلب اخوكِ زيزو بتطبخي الفرخة بدمها!!
احتقنت ملامحها بعصبية، وبينما كانت تتطلع له، استمع كلاهما لصوت غلق الباب، وإذا بياسين يظهر من أمامهما، وهو يوزع نظراته بينهما بقلق:
_بتتخانقوا تاني ولا أيه؟
رد عليه زين في حبور:
_لا ده مراون ده حبيبي، كنا بتناقش في أمر مهم يخص مستقبلكم.
تنهدت مرين بسخط، وتركت لهما المكان وصعدت للاعلى، بينما يرنو إليه ياسين وهو يتابعها باستغراب:
_في أيه؟!
أشار بعينيه صوب الطبق وهو يسحب ثمرة من التفاح، يقضمها بتسلية:
_حاول تنفد بجلدك والا هتكمل هتاكل من ايد الطباخين العمر كله.
وأضاف وهو يسحب الحقيبة ويتجه للخروج:
_أنا نصحتك وإنت براحتك يا جارحي.
وتركه وغادر، مال ياسين على الرخامة بتعب، يتفحص بقايا الطعام المدموس بالدماء بضحكة جذابة، بينما ينزع عنه جاكيته الاسود، أشمر عن ساعديه القوي جذب المريول يرتديه حوله، ثم شرع بصنع الطعام لها رغم أنه منهك والتعب يتمكن منه، ولكنه لم يأتي من قلبه أن يتركها جائعة.
انتهى من صنع الطعام لها، حتى أنه صنع لها عصير التوت الطازح بمعكبات النعناع والليمون مثلما تعشقه هي، حبيبته لم ترث جمال أبيها وقوته فحسب، بل ورثت عنه حبه لنوعية محددة من الطعام ولذلك المشروب بالأخص المسمى بمشروب الجوكر، والذي تعمد أن يتعلمه من الجوكر دون أن ينتبه له، حتى يعده لها!
وقف أمام الغرفة يطرق بابها، فإذا بصوتها يتسلل له:
_ادخل.
فتح الباب بترددٍ، ووقف محله يبحث عنها، فجحظت عسليته في صدمة مما رآه، غرفتها كانت تعج بها الفوضى بشكلٍ مذري، الملابس تملأ المكان بأكمله، بينما تجلس هي على أحد المقاعد ترتب خزانة سلاحها، رمش ياسين بعدم استيعاب، وهو الذي كان يعنف ذاته أنه يترك غرفته يومًا واحدًا دون تنظبف!
تعجبت من عدم ظهور زين أمامها، فرفعت رأسها تتفحصه، فاذا بها تفزع عن مقعدها وهي تهمس:
_ياسين؟!
تحرر لسانه أخيرًا وقال من محله الخارجي:
_أيه اللي إنتِ عملاه في الاوضة ده يا مرين؟!!!
حكت جبهتها حرجًا، وأخذت تلملم الملابس سريعًا وتزيحها جانبًا:
_آآ... أنا يعني مكنش عندي وقت أرتبها، بس هحاول.
تغاضى عن أي مشاكسات قد تخرج منه خاصة حينما شعر بحرجها، فمال يضع صينية الطعام على الطاولة وقال مبتسمًا:
_ولا يهمك، اتفضلي غداكِ جاهز.
لمحت عصيرها المفضل، فتلقفته بفرحةٍ وهي تستكشف طعمه، فاذا بها تغلق عينيها بتلذذٍ:
_زي ما بابي بيعمله بالظبط!
ابتسم فرحة لسعادتها، وقال:
_لمحته بيعمله كذه مرة.
وضعت الكوب وجذبت الملعقة تتناول الدجاج الذي صنعه، ثم قالت ببسمة رقيقة:
_واضح فعلًا إنك بتطبخ كويس جدًا، إنت اتعلمت الطبخ امته وفين؟
استند على باب الغرفة الذي لم يتحرك عنه وقال:
_إتعلمته من ست سنين تقريبًا وفين؟ في قصر آل الجارحي تحت اشراف جدتي بنفسها.
توقفت عن الطعام وتطلعت له بفضول، ونظرتها تحثه على التوضيح، فلبى رغبتها وقال:
_جدي متعود على أكلها، مبقاش بيحب يأكل من إيد أي حد غيرها، فلما كنت بسافر معاه كنت بشوفه بيعاني وهو بيحاول يأكل من أكل بره لحد ما يرجع لأكلها، وأنا بصراحة كنت بحب أسافر معاه جدااا، فشغلت عقلي واتعلمت منها الطبخ، وبكده ضمنت إن ياسين الجارحي ميقدرش يتخلى عني أبدًا في كل سفرية شغل تجيله بره مصر، كان بيأخدني معاه عشان اطبخله بنفسي، وأنا قعدتي معاه أصلًا كانت مكسبي وفرحة مهما حاولت أوصفهالك مش هعرف.
رددت بتعجب من حديثه:
_للدرجادي بتحبه؟
اتسعت بسمته وقال:
_انا شوفت العالم ده كله بعيون ياسين الجارحي، اوقات كتير بستغرب عمق العلاقة اللي ما بينا، بس اللي أنا واثق فيه إنه عمل كل اللي يقدر عليه عشان أكون بالشخصية اللي أنا أكون راضي عنها.
وأضاف ومازال يقف محله:
_يمكن ده راجع لانه كان أول شخص من عيلتي شلني وحسيت بحنانه، على حسب ما بيحكولي إن في شخص كان بينتقم من بابا ورماني في ملجأ تابع لياسين الجارحي، وهو متعود يقضي يوم هناك، وفي اليوم ده سمع عياطي وشالني، المفاجأة اني سكت ونمت بهدوء غريب.
لمس ما قاله قلبها، حتى أنها شعرت بوخزاته، لقد سبق لها سماع تلك القصة من أبيها عما حدث مع رفيقه عدي الجارحي، تلك الايام العصيبة التي قيل أنه فقد زوجته وابنه، ووجدهما بعد فترة من العذاب لهم أحياء!
اقتربت مرين منه، ونطقت ببسمة جذابة:
_سبب تعلقك بيه هو حنانه عليك يا ياسين، وأكيد هو كمان محظوظ إنه عنده حفيد بيحبه ومستعد يعمل أي حاجة عشان يكون معاه.
تعانقت المُقل في لقاءٍ خاطف، جعله ينتفض في وقفته كمن لسعه عقرب، فتراجع عن محله وهو يمنحها بسمة صغيرة:
_طيب هنزل أنا أرتاح شوية.
احترمت المساحة الذي يضعها دومًا بينهما، وقبل أن تغلق بابها نادته:
_قائد.
توقف بمنتصف الدرج واستدار لها، فقالت على استحياء:
_شكرًا على الاكل والعصير.
غمز لها بجاذبية خاطفة:
_العفو عنيدة هانم.
واستكمل طريقه، بينما تعود هي لكوب العصير، ترتشفه بنهمٍ هامسة بعدم تصديق:
_ازاي عمله بنفس الطعم!!
******
ضمت هاتفها بابتسامة سعادة تشتق من بين وابل الدموع المنسدلة، روحها الغائبة ترد لها في تلك الدقائق المعدودة التي تختطفها من صديقتها التي تعمل بالمطعم الخاص بتيام، وكل فترة تتحدث معها مكالمة فيديو، وتسلط الهاتف على محل جلوسه.
تدافقت الدموع على وجه رحيق وهي تلمس بأصابعها الشاشة، بينما كان يجلس هو على طاولته المنعزلة بنهاية الفيديو، يرتشف قهوته بشرودٍ ولم يلاحظ ان النادلة التي تتصنع مسحها للبار تنقل صورة حية له لمن ختنمها بميثاق حبه ذات يوم.
كبتت رحيق شهقاتها وضمت الهاتف إلى صدرها وهي تهمس بخفوت:
_وحشتني، وحشتني أوي يا تيام.
واستكملت وهي تعيد النظر له بينما تمسح دموعها:
_حقك عليا، سامحني أرجوك.
وتابعت وهي تميل لحافة المسبح الخاص بغرفتها:
_كان غصب عني والله.
مال تيام للمقعد وعينيه تجوب شاطئ البحر الذي يطل عليه المطعم خاصته، فتلقفته فجوة الماضي، ليرى في نفس البقعة التي ضمتهما سابقًا المشهد يُعاد من أمامه، رأى نفسه يقف قبالتها وهي يحاول أن يسيطر على ذاته بعدما استمعت لما قالته، ومع توتر أعصابه سيطر على ذاته بتمكنٍ ورنا صوبها يهاتفها بهدوءٍ مخادع:
_رحيق أنا مش مصدق كل الكلام اللي قولتيه ده، أكيد في حاجة غلط، قصة أيه اللي انتهت، أنا وانتي اللي بينا مستحيل يكون ليه نهاية.
ابتعدت خطوتين للخلف، ووقفت تتطلع له بقوة لا تعلم كيف امتلكتها، ثم قالت:
_الحب مش كل حاجة يا تيام، أنا حبيتك ووقفت بيك وإنت فرد من عيلة التميمي فجأة جاي النهاردة تقولي أنا سبت القصر وهبدأ لوحدي! لا معنديش استعداد أبدأ تاني بعد كل العذاب اللي عشته ده.
واستدارت وهي تجاهد لنطق ما ستقول:
_أنا موافقة على عرض هارون، وهتجوزه.
صعق محله حتى كاد أن يسقط أرضًا، ولسانه الثقيل يردد بصدمة:
_هارون!!
وفي لحظة كان يقطع المسافة بينهما، يجذبها لتقابله، وهو يهتف بوجع ووجهه يوضح ما يبذله ليتحدث:
_رحيق حبيبتي هارون عايز ينتقم مني عشان سبت القصر والشغل، خليكِ صربحة معايا وقوليلي بيهددك بأيه وأنا هقفله، أنا أكتر حد عارف قذارته ووساخته، أكيد عمل كل ده عشان يوجعني فيكِ فأوعي تحققيله اللي هو عايزه.
سحبت كفها منه، وسيطرت على ضعفٍ كاد أن يوقعها أمامه:
_بس أنا مشفتش منه حاجة وحشه، وبعدين هتوقع أيه منك يعني وأنا بقولك مش عايزاك وهتجوز غيرك، هتحب فيه مثلًا، طبيعي هتطلع فيه ألف عيب.
قبض قبضته بعنف، وعاد يجذبها بعصبية:
_رحيق متحاوليش تشوهي الصورة اللي راسمها عنك، إنتِ عمرك ما كنتِ كده أبدًا.
وأضاف وهو يحذرها:
_ هقولهالك للمرة الاخيرة لو هارون بيبتزك بحاجة قوليلي وسبيني أواجهه انا، لكن أوعي تضحي بنفسك وتدخلي جهنم برجليكِ، مهما خيالك صورلك عمرك ما هتوصلي لرينج الشر اللي ورا هارون.
عصرت جروحها بين ضلوعها ورددت:
_حتى لو كان شيطان يكفيني العيشة اللي هعشها والمستوى اللي هكون فيه، إنت دمرت كل حاجه لما سبت الثروة والفلوس وقررت تبدأ من تاني بالمطعم ده، عايز تكافح من الأول وأنا خلاص تعبت ومش عايزة أرجع للذل اللي كنت عايشة فيه تاني، لو هارون هيكون المنقذ ليا من الفقر والعيشة دي أنا جاهزة أتجوزه وحالًا لو يحب.
واضافت بتهكمٍ:
_الحب مش هيملي دولابي بأفخم الماركات، ولا هيخليني أركب عربية أخر موديل، الحب مش شيء أساسي في حياتنا يا تيام، ومع ذلك بقولك متفقدش الأمل ودور على الانسانه اللي تحب تكافح معاك من الصفر لحد ما تقف على رجليك، لكن أنا تعبت ومش جاهزة أرجع أعيد نفس التجربة اللي عشتها مع أهلي مرة تانية.
قالتها وغادرت من أمامه دون أن تلتفت إليه، تركته في حالة مرعبة من الصدمة وعدم الاستيعاب، كأنه أصيب بخنجر في منتصف صدره، يحاول أن يستعيد قوته ليركض خلفها.
هرول خلفها بخطواتٍ غير متزنة، وحينما وصل خارج المطعم صعق حينما وجدها تصعد إلى سيارة هارون الذي كان بانتظارها، علم الآن بأنها إتخذت قرارها وأتت فقط لتخبره به.
أفاق تيام من ذكرياته المؤلمة وهو يزيح دمعة خائنة تهاوت بجانب جفنه، ثم استكمل ارتشاف قهوته ومازالت عينيه هائمة بمنظر الامواج المرتطمة بالشاطئ، بينما تتمعن فيه رحيق من خلف شاشة هاتف رفيفتها التي ثبتت الهاتف وتركته مفتوحًا، البسمة الرقيقة تزين ثغرها وهي تتأمله، وفجأة انتفضت بجلستها وهي تتأمل من يقترب من طاولته
حبست شهقة كادت أن تخرج منها، حينما رأته يجذب المقعد الذي يقابله ويجلس ببرود، جعلها تغلق الهاتف من شدة الرعب.
أفاق تيام على هارون اللعين الذي يزور مطعمه للمرة الاولى منذ الستة آشهر الذي ترك فيهم العمل.
ظهر فحيح الخبيث بكلماته التي تهاوت على شفتيه:
_قولت أجيلك بنفسي عشان أديك الانذار الاخير!
............
