رواية عهد الذئاب الفصل السابع بقلم نون
لم يكن الصوت الذي شقّ سماء النجع مجرد صوت انفجار بل كان إعلاناً رسمياً بسقوط ظلم الهواري
تطايرت أعمدة السرايا كأعواد الكبريت وتحطمت ثريات الكريستال التي طالما عكست كبرياء منصور لتصبح شظايا تنغرس في لحم رجاله
غطت سحابة من الغبار الأسود والبارود سماء النجع لتخنق الأنفاس وتحجب الضوء
تحت الأنقاض المحترقة لمندرة السرايا كان السعال يمزق صدر عزام
بصق دماً مختلطاً بالتراب ونهض بصعوبة مستنداً على بندقيته التي التوى نصلها.
كان نصف جلبابه قد احترق ودماء ساخنة تسيل من جرح غائر في جبهته.
نظر حوله بذهول... السرايا التي كان يطمع أن يحكم النجع منها تحولت إلى مقبرة مشتعلة
عمي ... يا منصور صرخ عزام بصوت مبحوح
وسط الركام لمح جسداً مكوماً يحاول الزحف
ركض نحوه وأزاح عموداً خشبياً محترقاً
كان منصور الهواري حياً لكنه كان وجهه مغطى برماد أسود
وعباءته الفاخرة ممزقة وعيناه جاحظتين في رعب لا يوصف
لم يكن يبكي على بيته الذي احترق بل كان ينظر إلى الفراغ ويهذي
الورق... حرق الورق يا عزام... الميت حط البارود
أمسكه عزام من ياقته وهزه بعنف أفقده ما تبقى من وقاره
فوق يا راجل يا خرفان فوق مفيش ميت بيحط بارود
بدر عايش وبنتك معاه في الجبل وحياة كل قطرة دم نزلت مني الليلة لخليه يتمنى الموت وميطولوش
في تلك اللحظة قطعت أبواق سيارات الشرطة صمت ما بعد الانفجار
أضواء زرقاء وحمراء لوّنت الغبار الكثيف لقد كان الانفجار أضخم من أن يُدفن كـ سر عائلي
وقف عزام أمام الضابط مأمور المركز الذي ترجل من سيارته وعلامات الصدمة على وجهه
إيه اللي حوصل اهنه يا عزام بيه؟ دي مش حريقة عادية ده شغل ديناميت قال المأمور متفحصاً الدمار.
بصق عزام الدماء من فمه واقترب من المأمور ليهمس له بنبرة تقطر تهديداً
أنبوبة بوتاجاز فرقعت في المطبخ يا بيه... قضاء وقدر
النجع نجعنا والميتين تبعنا
ارجع ببوكساتك دي المركز عشان لو الحكومة دخلت في التار
النجع كله هيقلب عليكم دي حسبة بيني وبين ديب شارد وأنا اللي هسلخ جلده
تردد المأمور قليلاً فهو يعرف سطوة آل العمدة فأومأ برأسه وانسحب تاركاً عزام يلملم بقايا رجاله.
في أعلى الجبل فى مغارة الدم
كانت زينة تقف على حافة المنحدر الهواء البارد يلفح وجهها
لكن عينيها كانتا تشتعلان وهي تنظر إلى النيران التي تأكل بيتها في الأسفل.
سقطت على ركبتيها وغطت وجهها بيديها وهي تنتحب بصوت مكتوم.
خلفها وقف بدر كتمثال يراقب الحريق ببرود
اقترب منها ببطء ووقف كظل فوقها.
بتبكي على إيه؟ سألها بصوت خالٍ من المشاعر
بتبكي على حيطان مبنية بدم الغلابة؟ ولا على أبوكي اللي داس على جثة أخوي عشان يبني السرايا دي؟
رفعت زينة وجهها المبلل بالدموع ورمقته بنظرة تحمل مزيجاً من الكراهية والخذلان
إنت مقتلتش بوي بس يا بدر
إنت قتلت بدر اللي أنا عرفته
إنت بقيت أبشع من منصور الهواري
إنت حرقت النجع كله عشان تارك تفرق إيه عنه دلوقت؟
كلماتها ضربت وتراً مدفوناً في أعماقه لكنه ابتلع غصته وانحنى ليمسك ذراعها بقسوة ويوقفها على قدميها
أنا مابقتش زيه... أنا بقيت النتيجة للي هو عمله
منصور الهواري مماتش يا زينة الشر اللي زيه مابيموتش بحتة بارود
أبوكي وعزام لحمهم مر وأنا عارف إنهم طلعوا منها
النار دي كانت عشان أكسر عينهم قدام النجع
فجأة قاطعهما صوت حشرجة ضعيفة من داخل المغارة
كان ياسين الجسد المحترق الجالس على السرير الخشبي.
حاول ياسين التحدث فخرج صوته كأنه حفيف ورق جاف
سيبها... سيب البنية يا بدر
التفت بدر وزينة نحو ياسين.
تقدمت زينة خطوة وهي ترتجف تنظر إلى هذا الشبح الذي كان يوماً شاباً يملأ النجع ضحكاً.
أكمل ياسين بصعوبة وهو يرفع يداً مشوهة
الدم... مابيتغسلش بدم الحريم يا خوي. زينة... ملهاش ذنب
متخليش غلك يعميك... وتعمل في بنت منصور... اللي منصور عمله فينا
أغمض بدر عينيه وضغط على فكه حتى برزت عروق رقبته و أدار ظهره لهما وابتعد نحو مخرج المغارة
وقال دون أن يلتفت
زينة مش هتتلمس يا ياسين... زينة هتفضل اهنه عشان تكون الطُعم
عزام كرامته انداست والنجع كله عارف إنه عريس اتأخدت عروسته هما اللي هيجولي الجبل وساعتها الموت هيكون ليهم بيدى
في النجع قبل الفجر بساعة
لم ينم النجع رائحة الدخان والكل يتهامس خلف الأبواب المغلقة
في المقهى المهجور كان الشيخ مهران يجلس في العتمة يمسح فوهة بندقيته القديمة بقطعة قماش مبللة بالزيت
كان يعلم أن دوره قد انتهى وأن رصاصته التي أصابت عزام ستكون ثمنها حياته
لكنه لم يكن خائفاً كان يشعر بسلام غريب لأول مرة منذ 15 عاماً.
فجأة تحطم باب المقهى الخشبي تحت أقدام رجال عزام
دخل خمسة من الغفر المدججين بالسلاح وخلفهم دخل عزام وذراعه اليمنى معلقة في حمالة طبية ووجهه ينضحه بشيطنة
لم يرفع مهران رأسه بل استمر في مسح بندقيته وقال بهدوء
خطوتك تقيلة يا ولد العمدة دايس على دماء الناس ومفكر الأرض هتشيلك
ابتسم عزام ابتسامة ملتوية واقترب ليركل الكرسي من تحت مهران فسقط الرجل العجوز على الأرض بقسوة
وضع عزام حذاءه على صدر مهران وانحنى نحوه
إنت اللي ضربت عليا نار في المضيق يا عجوز النحس؟ إنت اللي بعت النجع عشان خاطر حتة ديب جربان ملوش دية؟
بصق مهران في وجه عزام وقال بثبات
بدر رجع عشان ينضف النجع من أمثالك
اقتلني... دمي هيكون لعنة تطاردك لحد ما الجبل يبلعك
ضحك عزام بصوت خافت
وأخرج مسدسه لكنه لم يوجهه إلى مهران بل أشار به للغفر
الموت راحة ليك يا مهران... وأنا مش هريحك
هاتوا ولاد ابنه من جوه
اتسعت عينا مهران في رعب حقيقي لأول مرة
لا العيال ملهاش دعوة تارك معايا أنا يا عزام
سحب الغفر حفيدين لمهران
طفلين لا يتجاوزان العاشرة وهما يبكيان بهستيريا
مال عزام على أذن مهران وهمس
بدر واخد عروستي في الجبل
وأنا هاخد ولادك اهنه قدامك من هنا لحد ما الشمس تطلع
تطلع الجبل وتجيبلي بدر متكتف أو قسماً بعزة جلال الله لأخليك تحفر قبر العيال دي بإيدك اللي بتترعش دى
ترك عزام يصرخ في المقهى
وخرج إلى الشارع
نظر إلى قمة الجبل الأسود الذي وقال بصوت سمعه كل رجاله
الذيب لو جاع بياكل ولاده هنشوف يا بدر الجبل هيحميك ولا هيحرقك إنت واللي معاك
