رواية عهد الذئاب الفصل الثامن 8 بقلم نون

 

رواية عهد الذئاب الفصل الثامن بقلم نون


بينما كانت ألسنة اللهب تلتهم ما تبقى من هيبة آل الهواري في النجع

 كان الجبل في الأعلى كأنه يبارك انتقام ابنه العائد من عالم الأموات

داخل مغارة الدم كان الصمت 
 يقطعه فقط حشرجة أنفاس ياسين المتقطعة
 ونحيب زينة الذي تحول إلى شهقات مكتومة من هول الصدمة

 كانت تنظر إلى هذا الكيان المشوه القابع على السرير ولا تكاد تصدق أن هذا الحطام البشري هو ذاته الشاب الوسيم الذي كان يملأ الدنيا صخباً

اقترب بدر من زينة  كانت عيناه في عتمة المغارة تشبهان جمرتين متقدتين

 لم يعد ذلك الشاب الذي يطارد الفراشات في الغيطان

بل صار قطعة من صخر الجبل صلبة ولا ترحم.

تحدث بدر بصوت  كفحيح الأفاعي شفتي يا بت منصور؟

 ده اللي أبوكي عمله في دمي ولحمي

 خبينا (ياسين) اهنه سنين بنعالج في جروح مابتلمش وبنطفي في نار مابتبردش

 ودلوقتي جاية تقوليلي ارحم؟

زينة وهي تقف من مكانها الرحمة مش عشان أبويا يا بدر

 الرحمة عشانك إنت
 إنت بتقتل نفسك قبل ما تقتلهم بص لوشك في المراية يا بدر مابقتش شبهنا 

بقيت شبه الجبل ده قاسي وضلمة

ضحك بدر والتفت إلى أخيه المشوه الذي أشار بيده المرتعشة نحو زينة

ياسين بصوت يخرج كأنه من بئر عميق سيبها تروح يا خوي.. البنية ملهاش صالح واصل الحساب بين الرجال

بدر بحدة تروح فين؟

 تروح لعزام اللي حالف يهد الجبل فوق روسنا؟ 

زينة دلوقت هي الرهان الأخير منصور الهواري لو مفرقش معاه دم  هيفرق معاه شرفه اللي بقا في يد الذيب

على الجانب الآخر وفي قلب النجع 

 كان عزام قد تجاوز مرحلة الجنون

 لم يعد الجرح يؤلمه بقدر ما يؤلمه انكسار صورته كـ غول النجع القادم.

وقف وسط المقهى المحطم ونظراته تنهش جسد الشيخ مهران 

الملقى أرضاً تحت أقدام الغفر والصغيران أحفاد مهران كانا يرتجفان وعيونهما البريئة تشاهد قبح العالم 

عزام وهو يمسح دماء جرحه ببرود مرعب
اسمع يا مهران.. النجع ده مبيشيلش اتنين كبار

 وبدر اختار يلعب مع الكبار قدامك لحد ما الفجر يشقشق

 لو بدر مظهرش في ساحة النجع وسلم نفسه للغفر 

أوعدك إن العيال دول هيدفنوا في القبر الفاضي اللي فتحه صاحبك

مهران بأنفاس متقطعة 
بدر مش هييجي يا عزام.. بدر مش غبي

بدر هيفضل في الجبل لحد ما يخلص عليكم واحد ورا التاني

 اقتلني يا ولد العمدة الدم بيجيب دم والنهاية قربت

لم يرد عزام بل أشار لرجاله بحركة  من يده

سحب الغفر الطفلين بعنف نحو الخارج بينما ألقى عزام نظرة أخيرة على المقهى وأشعل فيها النار
 
ليزيد من وطأة النار في ليل النجع الطويل.

في المغارة كان بدر يجهز بندقيته و وضع الخنجر المنقوش في حزامه

ونظر إلى الخريطة المرسومة بالفحم على حائط المغارة

كان يعلم أن عزام لن ينتظر الصباح

 كان يعلم أن الغول سيحاول استدراج الذئب باستخدام الضعفاء.

بدر مخاطباً نفسه عاوز تلعب بالعيال يا ولد العمدة؟ يبقى إنت اللي حكمت على نفسك بالموت 

التفت إلى زينة التي كانت تراقبه برعب وتوجس.

بدر اسمعي يا زينة.. أنا هخرج دلوقت

 لو رجعت ومعايا مهران والعيال يبقى لسه فيه أمل في الدنيا دي

 ولو مرجعتش.. خدي ياسين واهربي من الممر اللي ورا المغارة

 الشيخ فراج مستنيكم هناك
زينة بلهفة

 بدر خلي بالك من نفسك عشان خاطر اللي كان بينا زمان

نظر إليها نظرة طويلة غابت فيها القسوة للحظة واحدة

 ثم لف لثامه الأسود وتلاشى في ظلام الليل متجهاً نحو ممر الفخاخ ليواجه عزام 

بينما كان بدر يهبط من المنحدرات الصخرية بخفة الشبح

سمع صوت رصاص متقطع يأتي من جهة النجع

كان عزام قد بدأ بالفعل في تنفيذ تهديده

 لكن ما لم يحسب له عزام حساباً هو أن مطاريد الجبل الذين جمعهم بدر

كانوا قد أحاطوا بالنجع بصمت ينتظرون إشارة العواء ليبدأوا الهجوم 

في تلك اللحظة ومن فوق أعلى صخرة تطل على ساحة النجع

 انطلق عواء ذئب طويل ومرعب شق سكون الفجر.

توقف عزام عن الحركة وتجمد الغفر في أماكنهم

 بينما همس الشيخ مهران بابتسامة دامية

الذيب نزل النجع يا عزام.. والوليمة بدأت

تعليقات