رواية اوركيديا الفصل الثامن
_ تيرارا !
دندن بها "غزال" و هو يدخل عليه غرفة مكتبه بدون طرق الباب أو إنتظار الإذن ، فهما قد بدءا معًا تدريبهما كمحاميين فى شركة "سمير الليثي" المحامي الشهير والد معاذ.
رفع "معاذ" عيونه عن الملفات التى أعطاها له والده كى يفهم طبيعة العمل ، و سأله مستغربًا :
_ مالك منشكح كدة؟!
لوح "غزال" بقصاصة ورق في ده و هو يوضح له بمزيج من مكر و نصر :
_ جبتلك رقم والدها.
هب "معاذ" من مقامه واقفًا و سأله بلا تصديق :
_ ده بجد و لا بتهزر؟!
_ أهزر إيه يابني؟ هى دي حاجة فيها هزار؟
اندفع "معاذ" نحوه يحركه حماسه و شوقه لها ، قائلاً بلهفة يتداخل معها الاستعجاب :
_ و جبته إزاي؟
قوس "غزال" شفاهه منكراً ، و قائلاً بنبرة ساخطة :
_ إنت اللى عايش إزاي؟
قلب "معاذ" عينيه ، ناطقًا بتأفف :
_ إيه السؤال السخيف ده؟
رد له "غزال" الصاع صاعين بعبارته الممتعضة :
_ مش اسخف من سؤالك.
رفع "معاذ" حاجبه بحدة و هو يقول بضيق :
_ بمعنى؟!
دفعه "غزال" من طريقه برفق داخلاً ، ثم جلس مكانه على الكرسي مريحًا ظهره و أخذ يتأرجح باستمتاع ، ليجيبه بعد ثواني :
_ عشان جنابك متعرفش أى حاجة فى دنيتك .
اشتعلت فتائل الغضب فى عيون "معاذ" البنية ، تزامنًا مع قوله الحانق :
_ إيه يلا ، انت جاى تهزقنى و لا إيه؟
و أردف بنبرة كلها كبرياء :
_ لو جاي عشان كدة ، اتفضل هويني عشان عندي شغل.
ثبت "غزال" قدميه فى الأرض ، ليلف المقعد فيدور به و ما إن توقف الدوران ، حدثه بنبرة مهادنة :
_ مالك يا عم عصبي كدة ، و روحك فى راس مناخيرك؟!
و سرعان ما اضاف بايجاز :
_ أخدت الرقم من والدك .
ظهر التفاجؤ على محياه و هو يردد بذهول عجيب :
_ بابا ؟! و بابا يعرف رقم والدها منين؟
ضحك "غزال" قليلاً ثم استرسل باسهاب يسأل و يجيب على نفسه :
_ مش قولتلك متعرفش حاجة ، والدك شغال إيه؟ .... محامي مشهور ، مش كدة؟ طيب و والدها شغال إيه؟ ...... قاضي فى محكمة ، إيه الغريب بقى لما والدك المحامى المشهور يبقى على معرفة بقاضي محكمة ؟!
_ آه!
كلمة واحدة قالها "معاذ" بإدراكٍ ، و أوقن أن نظرة صديقه عنه صائبة إلى حد ما ، فكيف لهذا الأمر أن يغيب عن عقله؟ فوالده محامى مشهور تأتيه قضايا شائكة من أنحاء الجمهورية و كان يكسبها بمهارته الفذة و خبراته فى هذا المجال.
أخرجه "غزال" من غمرة شروده معطيًا إياه الورقة و هو يردف باقتراحٍ و تفكير :
_ الرقم معاك أهو ، كدة عندك خيارين الأول إنك تتصل بوالدها و تحكيله كل حاجة من طقطق لسلامو عليكو ، أو تاخد الطريق الأسهل و الأضمن و تخلى والدك يكلمه و ياخد معاه معاد للمقابلة .
استمع إليه "معاذ" بتركيز و انصاتٍ و قد رجح الخيار الثاني بقوله المتمهلٍ به كثير من ترقبٍ ممزوج بوجس :
_ أنا هطلب من بابا يكلمه ، و نشوف فيه نصيب و لا لأ !
اطلع "غزال" على الملف المفتوح الذى كان يدرسه صديقه ، و كلمه بنبرة ملؤها الأمل :
_ تمام ، خير البر عاجله ، و إللى فيه الخير يقدمه ربنا.
.................☺💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
فى كلية الهندسة
فى المدرج
كانت "أثير" جالسة بقرب صديقتها و زرقاويها مثبتتان للأمام ترى الدكتور يشرح لهم و هو مندمج أما هى عقلها شارد فى آخر لقاء معها مع حب طفولتها و الذي لم يدم إلا لدقائق قليلاً ، لم يقل هو فيها إلا لقبهما العزيز على قلبيهما "أوركيديا" ثم بعدها لم تدري كيف حملتها قدماها و كيف ركضت ... لا بل طارت كعصفور جميل طال حبسه فى قفص.
هى أبداً لا ترغب فى لقياه إلا عندما يدخل البيت من بابه و يتقدم لها طالبًا يدها من والدها كالفتايات الغاليات .
لكزتها "روفان" فى كتفها كى توقظها من هذا الشرود الغير مناسب لا للمكان و لا للزمان و هى تهمس لها بحنقٍ :
_ ركزي يا زفتة ، الدكتور هياخد باله ، و إن سألك و مجوبتيش انا مش مسؤولة عن إللى هيحصلك .
و بعيونٍ لامعة كعيون الأطفال استعطفتها "أثير" بصوتٍ رقيق مازح:
_ و أهون عليكي بردو!
لم تؤثر نظراتها و لا كلماتها فى "روفان" القائلة بإباء :
_ و لا أعرفك!
فعلت "أثير" كل ما بوسعها كى تركز فى المحاضرة حتى لا تقع فى مأزق و يحرجها "الدكتور" أمام زملائها و الذين وقتها سيشبعونها سخرية منها و ضحكًا عليه.
و تحكمت قدر استطاعتها بإضطراباتها النفسية و قلقها الغير مسبوق ، و لا تنكر أن هناك جزء منها سعيد بلا مبرر أو سبب ملموس.
............❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣
بين بنانه فنجانًا من "النسكافيه" الساخن فهذا هو مشروبه المفضل و الذى اعتاد أن يحتسيه و هو يراجع أوراق قضاياه ، لا يكاد يأخذ قسطًا كافيًا من الراحة فمهنته ك "قاضي" محكمة تحتم عليه التأنى فى كل كلمة يقولها أو حكم يصدره ، فأرواح الناس و مستقبلهم يتعلق بحكمه هو ، و يجب أن يرضى الله فى كل أحكامه ، فهو الذي سيقف بين يدي الله و يحاسب على كل شئ بلا استثناء .
فماذا بأرواح الناس؟
هو يحفظ حديثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه : «القضاة ثلاثة، اثنان في النار، وواحد في الجنة : رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار 》
ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيره في المفتي ، كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكر عندها القضاة فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط }
و هو منذ أن سمع بهذا الحديث الشريف و قلبه يرتجف رعبًا ، رغم أنه يتقى الله فى عمله ، إلا أنه سيحاسب ككل البشر و حسابًا سيكون عظيمًا.
رن هتافه الخلوي الحديث فرفعه على أذنه يجيب بصوتٍ هادئ مريح :
_ ألو ، مين معايا؟
......💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝
و على الجانب الآخر كان "معاذ" يقف بقرب والده يكاد يلصق أذنه بالهاتف ليتبين أى حرف تلتقطه أشارة الهاتف .
و كاد "سمير" أن يضحك على تصرفاته الطفولية و هو يزجره بخفوت :
_ كدة مينفعش ، وسع عشان أعرف أكلم الراجل.
و بعنادٍ لذيذ رفض "معاذ" أن يبتعد و هو يقول له ببساطة :
_ كلمه و أنا كدة ، آسف يا بابا بس مش هتحرك.
هز "سمير" رأسه ليس راضيًا عما يفعل و لكنه يستشعر من أفعاله المندفعة و الغير عقلانية تلك حبًا نقيًا و طاهراً ، لذلك هو وافق على أن يحدث هذا القاضي الذي له معه علاقات سطحية لأنهما تعاملا معًا فى بضع قضايا فى الآونة الأخيرة.
و بعدما حياه تحية الإسلام ، تحدث معه بنبرة عملية يمتزج بها الود :
_ أنا سمير الليثي ، المحامي المشهور ، أرجو تكون حضرتك فاكرني!
اتته الإجابة أسرع مما تخيل بنبرة شديدة الترحيب و الحبور :
_ أيوة فاكرك يا سمير ، هو إنت بردو تتنسي ، دا إنت أكتر محامي شوفته بيراعي ربنا فى حقوق الناس و بيتقي ربنا فى شغله..
استراح "معاذ" و راق له رد والدها ، فيبدو أن مسألة زواجه ستكون يسيرة إن شاء الله.
بينما شقت الإبتسامة طريقها مزينة شفاه "سمير" خائضًا فى مراده الأساسي بهذه المقدمة :
_ شكراً لحضرتك ، ده شرف كبير ليا ، المهم كنت عايزك فى موضوع كدة و أتمنى يتم على خير.
استولت كلماته على إنتباه "نديم" ، حيث سأله بكل فضول :
_ أى موضوع ، عايز المفيد يا سمير و بلاش شغل التنطيط بتاع المحاميين دول.
قهقه "معاذ" بدون أن يشعر ، و لكنه تخشب فى مكانه عندما لاحظ تجهم والده ، فالحديث أخذ سياقًا غير محمود أبداً ، ابتلع ريقه متوجسًا خيفة من انتهاء زواجه قبل أن يبدأ.
تطلع إلى والده يرجوه بنظراته أن يرد ، فزفر "سمير" بقوةٍ و أكمل بهدوء ظاهري :
_ عايز أناسبك و أطلب أيد بنتك لأبني.
لم يصلهما شئ عبر الهاتف إلا صمت جعل من خفقات "معاذ" تضطرب و تسجل درجاتها القصوى .
تراه سيرفضه أم سيوافق مبدئيًا على هذه الزيجة؟
إن رفض طلبه فلن يندم فهو اتخذ فى طريقه لها كل سبل الحلال الممكنة ، أولها أنه تخلى عن رؤية قسماتها حفاظًا عليها ، ثم أفصح لوالدته بقصته معها منذ الطفولة و أخفى مشاعره التى تجيش بصدره عن والدته لها ، مروراً بصلاته صلاة الاستخارة ، و أخيراً إخبار والده بقراره فى الإرتباط بها.
و بعد أن احترق قلب "معاذ" بنيران الإنتظار الكريهة ، فاجأهما "نديم" برده الذى لم يظهر به أى تأثير لا إيجابي و لا سلبي :
_ تمام ، هقول لبنتي و هاخد رأيها حسب الشرع و لو قدر الله و وافقت هنحدد موعد للرؤية الشرعية.
توسم "سمير" خيراً و هو يردد قبل أن يغلق الخط :
_ إن شاء الله ، سلام !
و أما "معاذ" أصابته حالة من السرحان المفاجئ و هو يسترجع كل حرف وصله من والدها ، إذاً فهناك أمل فى موافقتهم ، هناك أمل كبير فى أن يصيرا معًا على سنة الله و رسوله.
قريبًا سيكون من حقه أن يطالع عينيها كيفما يشاء .
قريبًا سيسمح لنفسه أن يري كل ملامحها التى كل يوم يزداد بها تعلقًا.
قريبًا سيسمع أنغام صوتها الطبيعية و التى لم تزده الأيام لها إلا شوقًا.
قريبًا سيكون كل هذا متاحًا و حلالاً خالصًا ، فقط لو توافق هى ... كل شئ متوقف على كلمة منها ، و ما عليه إلا أن يتحلي بالصبر .
لم يشعر إلا و والده يضمه ضمًا شديداً و يبارك له بنبرة مستبشرة :
_ مبروك مقدمًا يا بني!
وضع "معاذ" يده على ظهر والده يابدله العناق قائلاً بيقين :
_ الله يبارك فيك يا بابا!
...................💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕
أمامها الحاسوب تنقر عليه كلماتها الخاصة بروايتها التى هى قيد الكتابة و هى تكتب خطر ببالها هذه الكلمات و كأنها تصف شعورها الآن :
☆ بعض الذكريات تبقى فى القلب كالنقش على الحجر ، لا يمكن التخلص منها إلا باستئصال الجيذ الذى تشغله ، و هذا يعنى فقدان جزء من القلب فلا يعود يصلح بعدها لا لضخ الدم أو النبض ، و لربما تخبط فى قفصه الصدري كطيرٍ ذبيح تسحب منه روحه سحبًا حتى يسكن و تسكن بعده الحياة☆
تنهدت بتعبين معنوى و مادى ، فماذا عساها تفعل حيال هذا القلب المشتاق ؟
ماذا تفعل فى دقاته التى تخونها و تزداد كلما تذكرته أو رأت صورته بملامحه الصغيرة آنذاك .
ثم روادها شعور غريب بمعرفة تفاصيل وجهه و هى تتسائل بخفوتٍ :
_ يا ترى شكله عامل إزاي؟ أكيد كبر دلوقتي و بقى عنده شنب و دقن.
ضحكت من سذاجة قولها ، هى تهز رأسها للجانبين و تكمل كتابتها بحروفها التى تتضافر مع كل أمنايتها
فالبطل فى قصتها كان يقول لمحبوبته :
☆☆☆☆ أنا لا أقف أتلفت يمينًا و شمالاً تحت الشرفات
حتى استرق من الحياة معكِ حلو اللحظات
و لا أختلس إلى بهاء وجهك النظرات
بل إنى أدخل البيوت من أبوابها
و سأظل أطرق بابكِ حتى تفتحين
اتظنيني سأكل عن ملاحقتكِ أينما تذهبين؟
لا ما حذرتي خلفكِ حتى تصفحين
فأنا العاشق المشتاق
و كل شئ بدونك لا يطاق
فأعطيني بسمة واحدة تنير وجهكِ
فينعكس نوركِ على وجهي
أم تظنيني لا استحق رؤيتك تضحكين؟
إنى على استعداد لدفع عمري
كاملاً فى سبيل فرحتكِ ، فهلا ترين؟☆☆☆
أغلقت حاسوبها لتغادر السرير و تأتى بالمصلاة و تتخذ القبلة ثم تكبر و تبدأ صلاتها و مع كل سجدة كانت تدعو الله أن يكون من نصيبها و أن يجمعهما معًا فى حلاله ، و أن يقيه شر هذا الحب و يدفع عنها أذاه و طلبت من ربها أن يبعده عنها إن كان فيه شراً لها و أن يوفقه له إن كان فيه خيراً لها.
فهى إعتادت أن تكون غالية الغاليات فلن ترخص نفسها ما حيت ، لهذا لم تتركه يحدثها رغم اشتياق قلبها له و الذى دومًا ما تقاومه و تعاقبه أغلظ العقاب....
يا تراه المستقبل ماذا يخبأ لها فى أيامه تلك؟!!!!!
