رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع
جلست جواهر على حافة سريرها، وقد انحنى جسدها قليلًا للأمام، بينما كانت يداها تضمان طرف الوسادة بقوة وكأنها تحاول التمسك بشيء يمنع قلبها من الانهيار. كانت الدموع تنساب على خديها بلا توقف، ساخنة وثقيلة، كأنها تحمل معها كل ما تشعر به من خيبة وألم.
كلما عادت إلى ذاكرتها تلك الصورة القاسية، صورة جواد في ذلك الوضع الذي رأته، ازداد اختناق صدرها، وكأن شيئًا حادًا يغوص في قلبها مع كل تذكر. لم تستطع أن تمحو المشهد من ذهنها مهما حاولت، فكل تفصيلة فيه كانت تعود لتطاردها بإلحاح مؤلم.
فجأة دوى صوت هاتفها معلنًا عن اتصال وارد.
انتفض قلبها داخل صدرها، ونظرت إلى الهاتف للحظة وكأنها تخشى معرفة صاحب الاتصال. مدت يدها ببطء والتقطته، وما إن وقع بصرها على الاسم الظاهر على الشاشة حتى اشتعل الغضب في عينيها.
جواد.
قبضت على الهاتف بقوة، وضغطت على زر الرفض بعنف، وكأنها بذلك ترفضه هو نفسه، ثم ألقت الهاتف بجوارها على السرير في حركة حادة. بعد لحظات رفعت يدها إلى وجهها وغطته بها، لتنفجر في بكاء أشد قسوة.
لم يمر سوى وقت قصير حتى أضاء الهاتف مجددًا معلنًا وصول رسالة.
نظرت إليه من بعيد بعينين دامعتين، وكأنها تخوض صراعًا داخليًا بين فضولها وغضبها. لكنها سرعان ما هزت رأسها برفض، وكأنها تحاول إقناع نفسها ألا تضعف.
استقامت فجأة من مكانها، وكأنها تبحث عن مهرب من تلك الأفكار التي تحاصرها، ثم اتجهت بخطوات متثاقلة نحو المرحاض.
نزعت ملابسها سريعًا، ووقفت تحت الماء المنهمر من الدش. انساب الماء الدافئ فوق جسدها، لكنها لم تشعر بأي راحة حقيقية. كانت تحاول تهدئة نفسها، محاولة أن يغسل الماء ذلك الألم الذي يعتصر قلبها، لكن دموعها انهمرت أكثر، واختلطت بالماء المتساقط على وجهها.
وقفت هناك وقتًا طويلًا، لا تدري كم مر من الوقت، وكل ما تعرفه أن صدرها ما زال يضيق بنفس الألم.
وأخيرًا أغلقت الماء بعد أن شعرت ببعض الإرهاق، ثم ارتدت برنس الاستحمام وخرجت من المرحاض ببطء.
للحظة قصيرة شعرت بتحسن طفيف، كأن الماء قد خفف شيئًا بسيطًا من ثقل قلبها، لكن تلك اللحظة لم تدم.
فقد سمعت صوت طرقات خفيفة على باب غرفتها.
توقفت مكانها، واعتقدت فورًا أن رنيم هي الطارقة، فتنفست بعمق واتجهت نحو الباب. لكنها ما إن فتحته حتى تجمدت في مكانها.
كان جواد يقف أمامها.
اشتعل الغضب في عينيها فور رؤيته، وضغطت على أسنانها بقوة وقالت:
"انت! جاي ليه؟ انا مش قولتلك ملكش دعوة بيا؟"
أغلق عينيه بضيق ثم تكلم بصوت مختنق:
"جواهر اسمعيني، بلاش غضبك ينهي كل حاجه من غير ما تسمعي الحقيقه."
لكن كلماته لم تهدئها، بل أشعلت غضبها أكثر. اندفعت نحوه تضرب صدره بيديها، بينما تنساب دموعها بغزارة على وجهها، وقالت بصراخ:
"انت أزاي كداب وبجح كده؟ حقيقية ايه دي اللي عايزني اسمعها؟ أنا شوفتك بعيني وانت واخد واحده فى حضنك وبتبوسها يا جواد، شوفتك بعيني وانت فى اوضة نومها وعريان، هتنكر الحقيقه دي ازاي وانا شيفاك بعيني؟ أنا بكرهك يا جواد ومش مسمحاك على وجع قلبي ده."
زفر بضيق، وقد بدت ملامح التوتر واضحة على وجهه، ثم اقترب منها محاولًا احتضانها ليهدئها وقال بصوت مختنق:
"طيب اهدي علشان خاطري."
لكنها دفعته بعيدًا عنها بعنف وكأن مجرد اقترابه منها يؤلمها، ثم صرخت:
"أبعد عني من اللحظه دي ملكش خاطر عندي يا جواد، ملكش دعوه بيا، مش عايزة اشوفك تاني."
اقترب منها مجددًا وكأنه يحاول السيطرة على الموقف قبل أن يزداد سوءًا، لكن في تلك اللحظة تدخلت رنيم.
وقفت أمام جواهر مباشرة وكأنها درع يحميها، ثم قالت بتحذير:
"عايز منها ايه تاني؟ مش كفايه الحالة اللي وصلتها ليها دي، أنا مش مستغربه اللي عملته، لأن ده الطبيعي فى عيلتكم حاجه مش جديدة عليك امك عملتها قبل كده كتير."
اشتدت ملامح الغضب على وجه جواد، وضغط على أسنانه وهو يقول بتحذير:
"رنيم، ملكيش دعوة باللي بيحصل ما بينا، كرهك لينا اركني على جنب، مش هتستفادي حاجه لما تولعيها ما بينا دلوقتي."
رفعت حاجبها باستهجان وقالت ببرود لاذع:
"انت لسه ليك عين تتكلم بعد اللي عملته؟ واحد غيرك يختشي على دمه، بعد ما كسر اكتر قلب حبه علشان شهواته، بني ادم ندل وواطي، دي كانت بتخسر الدنيا كلها علشانك، وانت بعتها مع أول لمسة بنت ليك، ابعد عن جواهر احسنلك، ولو فكرت تقرب ليها أنا اللي هقف ليك يا جواد."
نظر جواد إلى جواهر بعينين مشتعلتين بالغضب وقال:
"موافقه على كلامها ده يا جواهر؟ هتسمحي ليها تاخد فرصتها علشان تبعدنا عن بعض؟ ردي عليا هتبعدي من غير حتى ما تديني فرصه اقولك الحقيقه؟"
تمسكت جواهر بظهر رنيم وكأنها تستمد منها القوة، وأغلقت عينيها المبللتين بالدموع ثم قالت بصوت مكسور:
"اه يا جواد موافقة على كلامها، هي كان عندها حق، لما حذرتني منك وانا كنت بزعل من كلامها ومصدقهاش، مبقاش فيه كلام ما بينا تاني خلاص."
اقترب منها فجأة ودفع رنيم بقوة بعيدًا عنها، ثم قبض على ذراع جواهر بقسوة وقال من بين أسنانه:
"طيب أعملي حسابك، انتي مش هتكوني غير ليا يا جواهر، وكلمة بعد عني دي تمحيها من قاموسك، انا بحبك، وانتي بتاعتي، الحقيقه مش هقولها ليكي دلوقتي، عقابًا ليكي، لما تتعلمي الادب وتبطلي تسرعك ده، يبقى لينا كلام تاني."
ثم نظر إلى رنيم بنظرة غاضبة، ودفع جواهر بقوة فسقطت على الأريكة قبل أن يستدير ويغادر الغرفة.
ظلت جواهر تحدق في الباب الذي خرج منه، وكأنها لا تصدق ما حدث، ثم صرخت بمرارة:
"بكرهك يا جواد بكرهك، وبتحلم إن اكون ليك، يا كداب يا خاين."
وما إن أنهت كلماتها حتى ارتمت في أحضان رنيم، وتمسكت بها بقوة بينما كانت تبكي بحرقة.
ربتت رنيم على ظهرها بحنان وقالت محاولة تهدئتها:
"أهدي يا جواهر اهدي يا حبيبتي وغلاوتك عندي لاندمه على اللي عمله فيكي واخلي النار تولع فى قلبه، بس اصبري عليا بس."
قالت جواهر بين شهقاتها المؤلمة:
"أنا قلبي وجعني اوي يا رنيم، مش متخيله أن جواد قدر يعمل فيا كده، أنا فتحت عيوني على حبه، كنت واثقه فيه لابعد الحدود، أنا حاسه نفسي فى كابوس، أنا بحبه اوي وموجعه منه اوي."
ضمتها رنيم أكثر، وظلت تمرر يدها على شعرها بحنان حتى هدأت تدريجيًا، وغلبها التعب والبكاء لتغفو أخيرًا وكأنها تهرب من الواقع إلى عالم أقل قسوة.
حين شعرت رنيم بانتظام أنفاسها، تحركت بحذر شديد حتى لا توقظها. نهضت ببطء من الأريكة، ثم عدلت وضع رأسها برفق، وأحضرت وسادة من فوق السرير ووضعتها أسفل رأسها، ثم غطتها بالغطاء وقبلت مقدمة رأسها بحنان.
بعد ذلك اتجهت نحو الباب، أطفأت الضوء وأغلقته بهدوء خلفها.
عادت إلى غرفتها وجلست على الأريكة، ثم أرجعت شعرها إلى الخلف بتعب واضح. شعرت وكأن كل شيء من حولها يتداعى، وكأن الأعباء قد ثقلت فوق كتفيها فجأة.
لكنها هزت رأسها رافضة الاستسلام لذلك الضعف، فهذا ليس الوقت المناسب له.
رفعت رأسها نحو الأعلى وقالت بدعاء صادق خرج من قلبها:
"يارب الشيله بقت تقيله اوي عليا، قويني على اللي جاي وريح قلبي يا الله."
أطلقت تنهيدة طويلة مثقلة بالألم، ثم نهضت ببطء لتبدل ملابسها.
****************************
في صباح يوم جديد، كانت أجواء المنزل تبدو هادئة على غير عادتها، وكأن السكون الذي يلف المكان يخفي خلفه شيئًا غير مريح. أشعة الشمس تسللت عبر النوافذ الواسعة، وانعكست على أرضية الصالة اللامعة، لكنها لم تستطع أن تبدد ذلك الإحساس الثقيل الذي كان يخيم على الأجواء.
في تلك اللحظة، هبط جواد من أعلى الدرج بخطوات متثاقلة. كان وجهه متجهمًا، وملامحه مشدودة كأنها تحمل بداخلها غضبًا مكتومًا أو صراعًا لا يريد الإفصاح عنه. عيناه بدتا مرهقتين، وكأن الليل لم يمنحه لحظة راحة حقيقية.
اتجه نحو المقعد وجلس عليه بصمت ثقيل، تبادل الثلاثة الجالسين نظرات متعجبة، فقد اعتادوا عليه فى الأوان الأخيرة رؤيته مرحًا، ساخرًا، سريع الابتسام، لكن تلك الملامح القاسية التي عادت، ارتسمت على وجهه هذا الصباح بدت الأمر غريباً تمامًا.
كسرت أروى ذلك الصمت بنبرة مازحة محاولة تخفيف الأجواء، وقالت:
"انت عندك انفصام في الشخصيه يا جوجو؟ يعني يوم تكون بتضحك وتهزر ويوم تكون مكشر ودمك تقيل."
لكن كلماتها لم تلقي الاستجابة التي توقعتها. رفع جواد عينيه إليها ببطء، وكان الغضب واضحًا في نظرته، ثم قال بتحذير:
"بلاش أنا علشان مصبحش عليكي بطريقتي."
تبدلت ملامح أروى قليلًا من حدة نبرته، بينما تدخلت ترنيم بنبرة يملؤها الاستغراب وقالت بتساؤل:
"فيه أيه يا جواد على الصبح؟ اختك بتهزر معاك مقالتش حاجه يعني."
ضغط جواد على أسنانه بضيق، وكأن الكلمات تختنق داخل صدره، ثم قال بصوت مختنق:
"ماما محدش ليه دعوة بيا خالص، ممكن؟"
ساد الصمت للحظة قصيرة، قبل أن يتدخل غريب أخيرًا، وقد بدا الغضب واضحًا في نبرته وهو يقول:
"انت أزاي تتكلم مع امك كده؟ مش عامل حتى احترام ليا."
أطلق جواد زفرة ضيق حادة، ثم استقام بجسده كأن المكان كله أصبح يضيق عليه، وقال بنبرة غاضبة:
"أنا آسف عن اذنكم."
تحرك بسرعة نحو الباب وكأنه يريد الهرب من ذلك الجو الخانق، لكن صوت غريب الغاضب أوقفه في مكانه قائلا:
"انت يا حيوان انت مش بتكلم معاك."
استدار جواد بضيق واضح، وقد بدا أن أعصابه أصبحت على وشك الانفجار، ثم قال بصوت غاضب:
"انتوا فيه ايه النهاردة؟ عايزين مني ايه؟ سبوني فى الحالي بقى."
ثم خرج من الباب وأغلقه خلفه بعنف، فاهتز الباب قليلًا من شدة إغلاقه.
ساد الصمت في الصالة لثواني طويلة، وكأن الجميع يحاول استيعاب ما حدث للتو. نظرت أروى إلى ترنيم بصدمة واضحة وقالت:
"ايه ده؟ جواد اول مرة يعلى صوته على بابي ويتكلم معاه بالاسلوب ده."
بدت ملامح القلق واضحة على وجه ترنيم، فقد كانت تعرف ابنها جيدًا، وتدرك أن تلك الحالة التي ظهر بها لم تكن طبيعية أبدًا. نظرت إلى أروى بنظرات متوترة، ثم نهضت من مقعدها واتجهت نحو غريب وقالت:
"غريب، جواد فيه حاجة، أول مرة اشوفه كده، هو فيه حاجه حصلت فى الشغل وانا معرفهاش؟"
هز غريب رأسه بالرفض، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا محاولًا تفسير الأمر:
"لا طبعا، هو شكله متخانق مع جواهر، لانه امبارح كان عادي وفرحان أني وافقت على ارتباطه بيها، انتي ابقى اعرفي من جواهر ايه اللي حصل."
أومأت ترنيم برأسها ببطء، بينما تسللت إليها مشاعر القلق أكثر، ثم قالت:
"ربنا يستر، جواد ميوصلش للحالة دي الا لو كان فيه حاجه كبيره."
أكد غريب كلامها بإيماءة خفيفة، ثم اقترب منها وقبل رأسها بحنان وقال:
"اسألي انتي جواهر، وانا لما أروح الشركه ابقى اقعد اتكلم معاه."
ابتسمت له ابتسامة يملؤها القلق وقالت:
"ماشي يا حبيبي أن شاءالله خير، ربنا يهديه ويصلح حاله، ابقى طمني فى التليفون."
أومأ برأسه بهدوء قبل أن يغادر المكان.
بعد خروجه، التفتت ترنيم إلى أروى التي ما زالت جالسة تتابع ما حدث بملامح متوترة، وقالت باستغراب:
"وانتي مش رايحه الجامعه؟"
ارتبكت أروى قليلًا، وحركت رأسها بالرفض ثم قالت بتوتر:
"لا مش رايحه معنديش حاجه مهمة، أنا هروح عند خالو تامر، عايزه اقعد معاه شوية."
تسلل الشك إلى ملامح ترنيم وهي تنظر إليها بتفحص، ثم قالت بتساؤل:
"خير فيه أيه؟ موضوع خالك تامر ده فيه ان، اه كنت بتروحي ليه، بس مش على طول كده."
تنحنحت أروى محاولة إخفاء توترها، ثم رسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها وقالت:
"فيه أيه يا ست الكل، أيه شغل المخابرات ده؟ وبعدين انتي عارفه أنا بحب خالو تامر قد ايه وهو حضرته كل فين وفين لما بيجي هنا، وبيوحشني اوي، ها يارب اكون رضيت فضولك، همشي انا بقى، باااي يا توتا."
أنهت كلماتها بسرعة، ثم غادرت المكان قبل أن تمطرها والدتها بمزيد من الأسئلة التي لم تكن مستعدة للإجابة عنها.
وقفت ترنيم تتابع أثرها بعينيها للحظات، ثم هزت رأسها ببطء وكأنها تشعر أن هناك شيئًا ما يحدث حولها دون أن تعرف حقيقته.
تنهدت بعمق وقالت بصوت خافت:
"ربنا يهديكي يا بنت بطني، ويريح قلبك يا جواد قادر يا كريم."
ثم تحركت بخطوات هادئة نحو غرفتها، بينما ظل القلق يثقل قلبها أكثر مع كل لحظة تمر.
***************************
جلست رنيم خلف مكتبها الخشبي العريض، وقد انحنى جسدها قليلًا إلى الأمام وهي تقلب الأوراق المكدسة أمامها بعناية شديدة. كانت عيناها تتحركان بين السطور بتركيز حاد، كأنها تحاول اقتناص تفصيلة صغيرة، أو ثغرة خفية يمكن أن تعيد من خلالها شركتها إلى مكانتها التي تراجعت مؤخرًا.
كان الصمت يلف المكتب إلا من صوت الأوراق وهي تقلب ببطء، وأنفاسها التي تثقل شيئًا فشيئًا من شدة الإرهاق. لم تعد تعلم كم من الوقت مضى وهي على هذا الحال، غارقة في العمل والتفكير، وكأنها تحارب وحدها معركة لا مجال فيها للخطأ.
مدت يدها إلى الهاتف، وبدأت تتصل بهذا العميل وذاك الشريك، تحاول بكل ما تملك من إقناع أن تثنيهم عن قرار الانسحاب من الشركة. كانت كلماتها هادئة في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها استعطافًا خفيًا، وإصرارًا عنيدًا على عدم الاستسلام.
لكن الردود جاءت متشابهة، باردة، حاسمة.
رفض.
واحد تلو الآخر، كانت المكالمات تنتهي بالطريقة ذاتها، وكأن بابًا يغلق في وجهها في كل مرة.
أخيرًا وضعت الهاتف جانبًا، وأسندت رأسها على سطح المكتب، بينما ارتفعت يدها لتستقر فوق شعرها، وضغطت أصابعها عليه بقوة وكأنها تحاول كبح ذلك الضغط الذي يكاد يفتك برأسها. أطلقت زفرة طويلة مثقلة بالضيق والتعب، وقد شعرت للحظة أن كل شيء ينهار من حولها.
فجأة أعلن الهاتف عن اتصال جديد.
انتفضت في مكانها بسرعة، وكأن الأمل عاد ليطرق بابها مجددًا. التقطت الهاتف على الفور، وارتسمت على وجهها لمحة رجاء قصيرة، لكنها سرعان ما انطفأت عندما رأت الاسم الظاهر على الشاشة.
شاهين.
زفرت بضيق واضح، ثم أجابت على الاتصال بصوت مختنق قائلة:
"امم افندم، متصل ليه؟"
جاءها صوته هادئًا، لكنه يحمل ذلك الاستفزاز الذي كانت تكرهه بشدة، وقال:
"صعبانه عليا اوي، وانتي عماله تطلبي من ده وده يرجع تاني لشركتك، ويقولوا لا، صعبه صح؟ طيب وعليكي بكل ده أيه، ما قلتلك اسمعي كلامي، وانا بكلمة واحده مني، كله هيرجع تاني ليكي."
ظلت صامتة لبضع ثواني، وكأنها تحاول السيطرة على غضبها قبل أن ترد. ثم قالت بنبرة متعالية واثقة:
"وانا قلتلك، لو انت اخر راجل فى الدنيا مش هجيلك اطلب مساعدتك يا شاهين."
تعالت ضحكاته عبر الهاتف، ضحكات باردة تحمل في طياتها تهديدًا واضحًا، ثم قال بتوعد:
"هتجيلي، وأذلك واكسرك، مش مستعجل خالص، على الهااادي معاكي يا قلب شاهين."
لم تمنحه فرصة لمواصلة حديثه، فأغلقت الخط في وجهه بغضب، وألقت الهاتف على سطح المكتب بعنف. أرجعت شعرها إلى الخلف بحركة متوترة، وأطلقت زفرة قوية محاولة أن تطرد بها ما يعتصر داخلها من ألم وغضب وتوتر.
وبينما كانت تحاول استعادة هدوئها، ومضت في ذهنها فجأة فكرة كأنها شرارة أضاءت عتمة تفكيرها.
تسمرت للحظة، ثم لمعت عيناها ببريق أمل حقيقي.
نهضت بسرعة من مكانها، وكأنها تذكرت طوق النجاة الذي كانت تبحث عنه طوال الوقت، واتجهت بخطوات سريعة نحو مكتب حسام. فتحت الباب ودلفت إلى الداخل، ثم أغلقته خلفها بإحكام وكأنها تخشى أن يراها أحد.
اقتربت من المكتب وجلست على المقعد، ثم فتحت أحد الأدراج وأخرجت مفتاحًا صغيرًا كان مخبأ بعناية. نهضت بعد ذلك واتجهت نحو الحائط، حيث كان يتدلى بروز كبير معلق عليه. أزاحته بحذر، فظهرت خلفه خزانة صغيرة مغلقة بإحكام.
وضعت المفتاح في مكانه، ثم أدخلت كلمة السر.
بصوت خافت فتح الباب.
وقفت تنظر إلى ما بداخل الخزانة، وارتسمت على وجهها ابتسامة انتصار واضحة. مدت يدها وأخرجت مجموعة من المستندات المهمة، ثم نظرت إليها بعينين لامعتين وكأنها عثرت أخيرًا على السلاح الذي كانت تحتاجه.
قبلت الأوراق بخفة وقد غمرها شعور بالارتياح لم تعرفه منذ وقت طويل.
بعد ذلك، أغلقت الخزانة، ثم أعادت كل شيء كما كان حتى لا يلاحظ أحد ما حدث.
خرجت من المكتب سريعًا، واتجهت نحو المصعد الكهربائي. هبطت إلى الأسفل بخطوات سريعة، ثم صعدت إلى سيارتها وانطلقت بها بسرعة جنونية في الطريق.
كانت تلك الابتسامة الواثقة ما تزال تزين وجهها، وكأنها استعادت جزءًا من قوتها التي كادت تفقدها.
وبعد وقت، توقفت السيارة أمام مبنى مهيب شاهق. وقفت رنيم تنظر إليه للحظات، وقد بدت ملامح الإعجاب واضحة على وجهها. كان كل شيء فيه يوحي بعظمة صامتة، وكأنه يخفي وراء جدرانه قصة لم ترو بعد.
عاد إلى ذهنها حديث قديم دار بينها وبين حسام، حين أخبرها عن تلك الشركة الأم التي احترقت منذ زمن طويل. يومها قال لها إنهم أعادوا تجهيزها سرًا، وتركوا لها اسمًا زائفًا، لتكون البديل في الوقت المناسب، الوقت الذي لم يأتي إلا الآن.
تنهدت براحة، ثم اتجهت إلى الداخل وصعدت إلى الأعلى.
كانت تنظر حولها بإعجاب واضح، وعيناها تتفحصان المكان بعناية. في داخلها رفعت دعاء صامتًا بالرحمة لحسام ووالدها، وشعرت بفخر كبير بتلك العقول التي فكرت للمستقبل حتى في أصعب الظروف.
تقدمت نحو السكرتيرة وألقت التحية قائلة:
"أنا رنيم سلطان الدسوقي."
ثم وضعت أمامها بطاقة هويتها.
انتفضت السكرتيرة من مكانها، وارتسمت على وجهها ابتسامة ترحيب واسعة وقالت:
"اهلا وسهلا يا فندم، اتفضلي فى مكتب باشمهندس حسام."
أومأت رنيم برأسها وقالت بنبرة حازمة:
"هاتيلي الملفات كلها اللي تخص الحسابات وتخص الصفقات والطلبيات اللي مفروض تتسلم خلال الفترة الجايه، وابعتيلي المحامي ومدير الحسابات حالا."
أومأت السكرتيرة بطاعة، بينما تحركت رنيم نحو المكتب بخطوات ثابتة. كانت تسير بعزيمة امرأة قررت أن تكمل الطريق الذي بدأه والدها سلطان الدسوقي، وزوج عمتها حسام، مهما كانت الصعوبات.
بعد وقت قصير، دخلت السكرتيرة وهي تحمل الملفات التي طلبتها. جلست رنيم تقلبها بعناية شديدة، تراجع الأرقام والصفقات والبيانات، وكأنها تحلل خريطة معركة.
لم تكن تفوت أي تفصيلة مهما بدت صغيرة.
ثم سمعت طرقات خفيفة على الباب.
أذنت بالدخول، فدخل المحامي ومدير الحسابات. ابتسمت لهما بهدوء وقالت:
"اتفضلوا واقفلوا الباب وراكم."
أومآ برأسيهما بالموافقة، وأغلقا الباب خلفهما. رفعت رنيم نظرها إليهما بجدية واضحة، ثم قالت بصوت امرأة قوية اعتادت القيادة:
"الكلام اللي هقوله هنا ميخرجش من ما بينا احنا التلاته، فاهمين."
أومآ بالطاعة، فبدأت تشرح لهما خطة دقيقة ومحكمة لإنقاذ الشركة الأخرى دون أن يشعر أحد بما يجري خلف الكواليس.
وبعد أن أنهت شرحها قالت بحزم:
"الشغل اللي هيتم هنا، مش عايزه حد يعرف حاجه بي وفى الوقت المناسب هنخرجه، أنا طبعا مش هقدر اجي هنا على طول علشان مينكشفش أمر الشركة دي، بس هنتواصل على طول على الفون، مش عايزه ولا غلطه، الشركة التانيه مستقبلها كله واقف على اللي هيحصل هنا، عايزه الدنيا كلها تشهد أن بنت سلطان الدسوقي مش بتتكسر بسهولة."
ارتسمت على وجهيهما ابتسامة إعجاب واضحة، ورحبا بكل ما قالته بحماس وثقة.
وبعد أن تم الاتفاق على كل شيء، غادرا المكتب تاركين رنيم وحدها.
جلست تنظر أمامها بصمت، لكن في عينيها كان يلمع توعد خفي، نظرة فريسة صبورة تراقب خصمها بهدوء، وتنتظر اللحظة المناسبة لتنقض عليه بلا رحمة.
****************************
الشركة الخاصة بغريب، كان الهدوء يخيم على الطابق بأكمله، كأن المكان كله ينتظر شيئًا على وشك الحدوث. داخل المكتب الفخم، جلس غريب خلف مكتبه العريض المصنوع من الخشب الداكن، بهيبته المعتادة التي تفرض حضورها في المكان حتى في لحظات الصمت.
كان يمسك قلمًا بين أصابعه، يطرق به على سطح المكتب بإيقاع بطيء ومتكرر، وكأن تلك الطرقات تعكس ما يدور داخل رأسه من أفكار متشابكة. عيناه كانتا مثبتتين على الباب أمامه، لا تتحركان عنه، كأنه ينتظر لحظة دخوله منذ وقت طويل.
لم يطل الانتظار كثيرًا.
انفتح الباب أخيرًا، وظهر من خلفه جواد.
ما إن وقعت عينا غريب عليه حتى عاد بظهره إلى الخلف قليلًا في مقعده، واتخذ وضعًا أكثر هدوءًا، ثم قال بنبرة أبوية هادئة تحمل في طياتها قدرًا من الجدية:
"ادخل واقفل الباب وراك."
أغلق جواد عينيه للحظة بضيق واضح، كأنه يستعد لسماع ما لا يرغب في سماعه، ثم تحرك إلى الداخل وأغلق الباب خلفه بهدوء. تقدم نحو المكتب بخطوات بطيئة، ووقف أمام والده صامتًا تمامًا، وملامحه متعبة كأن ليلة كاملة من الصراع مرت عليه دون أن تمنحه لحظة راحة.
أشار له غريب برأسه أن يجلس، وقال بهدوء:
"اقعد يا جواد."
جلس جواد على المقعد المقابل، وأطلق تنهيدة طويلة خرجت مثقلة بالوجع قبل أن يقول:
"نعم يا بابا خير؟"
نظر إليه غريب بعينين هادئتين، لكنهما كانتا تحملان قلقًا خفيًا، ثم قال بنبرة حنونة:
"ايه اللي حصل ما بينك انت وجواهر؟"
أغلق جواد عينيه مرة أخرى بضيق، وكأن مجرد ذكر اسمها يعيد إليه كل ما يحاول الهروب منه، ثم قال:
"المكان اللي كنت فيه امبارح، عرفته وجاتلي فيه وشافتني مع البنت دي."
عقد غريب حاجبيه باستغراب واضح، ونظر إليه متسائلًا:
"وهي عرفت مكانك ازاي؟"
زفر جواد بضيق، ومال بجسده قليلًا إلى الأمام وهو يوضح:
"يا بابا ده كان فخ لينا، قلتلك بلاش أنا، واي واحد تاني يروح ليها، صممت أن انا اللي أروح علشان نكشف امرها ونعرف عايزة مننا ايه، وهما اللي بعتوا العنوان لجواهر، ومعرفتش هي مين وعايزين مننا ايه، وخسرت جواهر للابد، ليها حق تعمل كل ده، هي متعرفش حاجه وشافتني فى وضع وحش مع البنت دي، اي حد مكانها كانت هتعمل زيها واكتر."
ظل غريب ينظر إليه لثواني صامتًا، يستوعب كل كلمة قالها، ثم أومأ برأسه ببطء وقال بنبرة هادئة:
"أنا كده اتأكدت أن البنت دي حد زقهها علينا، ولازم نعرف مين فى أسرع وقت، علشان محدش يتعرض للخطر."
لكن جواد لم يكن يفكر في شيء آخر سوى جواهر. مرر يده على وجهه بغضب واضح وقال:
"يا بابا بقولك جواهر شافتني معاها فى وضع مش تمام، أنا خايف اخسرها، مقدرش اعيش من غيرها، ومتأكد أنها دلوقتي مجروحه جامد وعماله تعيط."
رفع غريب نظره إليه فجأة، وقد اشتدت نبرته قليلًا وهو يقول بحدة:
"طيب ما احنا لازم نعرف مين البنت دي علشان نحمي جواهر وامك واختك كويس، احنا بنتعامل مع عدو مجهول الهوية، يعني لا عارفين هو مين، ولا عايز مننا ايه، فهمت يا جواد؟"
أغمض جواد عينيه بضيق، وكأن الكلمات تثقل على صدره، ثم قال بصوت مختنق:
"فهمت يا بابا فهمت."
لانت ملامح غريب قليلًا بعد أن رأى ذلك الصراع الواضح على وجه ابنه، وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
"متقلقش كل حاجه هتتصلح، وترجع زي الاول، بس نفهم الاول اللي وراه البنت دي، عايزك تستمر معاها تحاول تعرف منها أي معلومة توصلنا لقصتها."
هز جواد رأسه بضيق واضح، وقال متذمرًا:
"تاني يا بابا، انا كده بكتب نهاية علاقتي مع جواهر بأيديا."
ضرب غريب بيده على سطح المكتب بضيق وقال بحدة:
"هو اللي هنعيده هنزيدة، ولا ايه يا جواد؟ ما قلتلك اللي فيها وبعد كده ابقى روح حتى لو هتبوس رجليها علشان تسامحك."
أطلق جواد زفرة طويلة، ثم أومأ برأسه أخيرًا وقال:
"حاضر يا بابا، عن اذنك هروح اشوف شغلي."
لكن غريب قال سريعًا قبل أن يتحرك:
"استنى هنا، انت هتروح دلوقتي للبنت دي انت ناسي انك بقيت الحارس الشخصي ليها."
اشتدت ملامح الغضب على وجه جواد، وضغط على أسنانه بقوة، لكنه في النهاية اكتفى بإيماءة صامتة قبل أن يستدير ويغادر المكتب دون أن ينطق بكلمة أخرى.
ظل غريب ينظر إلى الباب بعد خروجه بنفاد صبر واضح، ثم مال بجسده إلى الأمام وفتح أحد الملفات الموضوعة أمامه.
كانت بداخله صورة تلك الفتاة.
رفعها قليلًا بين أصابعه، وأخذ يتفحص ملامحها بعينين حادتين، كأنهما تحاولان اختراق الصورة نفسها. ظل يحدق في عينيها المرسومتين داخل الصورة طويلًا، وكأنه يبحث خلفهما عن سر خفي، عن حقيقةٍ ما زالت تختبئ في الظلام.
****************************
بشركة تامر…
كانت خطوات أروى مترددة قليلًا وهي تعبر بوابة الشركة، كأن قلبها يسبقها إلى الداخل قبل قدميها. لم يكن مجيئها مخططًا له تمامًا، بل جاء بدافع خفي دفعها إلى الحضور فجأة، وكأن شيئًا بداخلها أراد أن يطمئن، أو ربما أن يرى وجهًا اشتاق إليه دون أن تعترف بذلك حتى لنفسها.
اتجهت نحو المصعد الكهربائي بخطوات هادئة، وما إن دخلت إليه حتى ضغطت على الزر المؤدي إلى الطابق الذي يقع فيه مكتب تامر. انغلق الباب المعدني بصوت خافت، وبدأ المصعد في الصعود ببطء ثابت، بينما كانت هي تقف في الداخل شاردة قليلًا، تتقلب داخل صدرها مشاعر متضاربة؛ مزيج من شوق خفي وقلق غامض لم تستطع تفسيره.
وحين توقف المصعد أخيرًا وفتح بابه، خرجت منه وهي تحاول أن تبدو طبيعية قدر الإمكان، لكنها ما إن رفعت عينيها حتى تجمدت خطواتها للحظة.
كان أحمد يقف هناك، بجوار السكرتيرة، يبتسم لها وهو يتحدث معها في شيء ما. لم يكن المشهد استثنائيًا في ذاته، ولا يحمل أي معنى واضح، لكن قلب أروى لم ينظر إليه بهذه البساطة.
شعرت بشيء ضيق ينقبض داخل صدرها فجأة، كأن غيمة ثقيلة مرت فوق قلبها دون استئذان. لم تستطع أن تمنع تلك الغيرة الصغيرة التي تسللت إلى روحها، رغم محاولتها الدائمة أن تبدو أكثر هدوءًا ونضجًا.
اقتربت منه بخطوات أسرع قليلًا، وفي داخلها رغبة لا واعية في أن تقطع تلك اللحظة التي رأت فيها ابتسامته موجهة لغيرها. وما إن وقفت أمامه حتى تكلمت بصوت حاولت أن تجعله عاديًا، لكنه خرج مختنقًا بشيء من الضيق الذي لم تستطع إخفاءه:
"صباح الخير، هو أنا جيت فى وقت مش مناسب ولا حاجة؟"
استدار أحمد نحوها على الفور، وقد بدت الدهشة واضحة في عينيه، فلم يكن يتوقع حضورها هنا فجأة. انعقد حاجباه قليلًا وهو ينظر إليها متسائلًا:
"أروى! انتي بتعملي أيه هنا؟ وليه مقولتيش انك جايه؟"
نظرت أروى إلى السكرتيرة نظرة سريعة لم تستطع أن تخفي ما فيها من ضيق، ثم أعادت بصرها إليه وهي تقول بنبرة حاولت أن تجعلها عابرة، لكنها كانت تحمل بين طياتها نغمة خفية من العتاب:
"معلش المرة الجايه هبقى اقولك، علشان تعمل حسابك، وتاخد حذرك."
تغيرت ملامح أحمد قليلًا عند سماع تلك النبرة. لم تعجبه الطريقة التي خرجت بها كلماتها، خاصة أمام السكرتيرة، فاستأذن بهدوء مقتضب من الفتاة الواقفة بجواره، ثم التفت إلى أروى بنظرة أكثر جدية وقال بصوت غاضب خافت:
"امشي."
لكن أروى لم تتحرك. ظلت واقفة في مكانها، وعيناها لا تزالان معلقتين بالسكرتيرة بنظرة غاضبة صامتة، كأنها تتحدى نفسها قبل أن تتحدى أي شخص آخر.
زفر أحمد بضيق واضح، ثم قال من بين أسنانه محاولًا ضبط أعصابه:
"أمشي يا أروى، امشي قلتلك."
اضطرت أخيرًا أن تتحرك، لكنها فعلت ذلك بخطوات متوترة، متجهة نحو مكتب خالها. كان الغضب الصغير الذي اشتعل داخلها لا يزال يشتعل، ولم تستطع أن تطفئه بسهولة.
وقبل أن تفتح باب المكتب، لحق بها أحمد سريعًا وأوقفها بصوت يحمل انزعاجًا واضحًا:
"أستني هنا، ايه الطريقه اللي اتكلمتي معايا بيها دي قدام السكرتيرة؟"
استدارت نحوه، وعقدت ذراعيها على صدرها في حركة دفاعية طفولية، ثم قالت بضيق واضح:
"ايه اضايقت علشان جيت وقطعت عليك اللحظة الحلوة مع الست هانم؟"
أغلق أحمد عينيه للحظة، كأنه يمنح نفسه فرصة قصيرة حتى يهدأ. كان يدرك جيدًا أن أروى تغار وهذا أفقدها جزءًا من هدوئها المعتاد، لكنه لم يكن يتوقع أن تظهر غيرتها بهذه الطريقة العلنية.
فتح عينيه أخيرًا وتكلم بهدوء حذر، كأنه يحاول أن يوازن بين غضبه ورغبته في احتواء الموقف:
"انتي فاهمه انتي بتقولي ايه يا أروى؟"
أومأت برأسها بعناد واضح وقالت:
"اه فاهمه، أنا مش طفلة ولا بمص فى صوابعي، ولو كنت فاكر يعني، علشان سني ده هتقدر تستغفلني تبقى بتحلم."
لم يستطع أحمد أن يمنع ابتسامة ساخرة خفيفة ارتسمت على شفتيه وهو يرد بتهكم:
"لا واضح فعلا بكلامك ده أنك مش طفلة، وعقلك كبير اووي."
رفعت أروى أصابعها أمام عينيه بحركة غاضبة، ورفعت رأسها قليلًا وهي تنظر إليه بحدة:
"متتريقش على كلامي لو سمحت."
لكن تلك الحركة الطفولية جعلته يبتسم رغمًا عنه. حاول أن يحافظ على هدوئه وهو يقول بنبرة مازحة تخفف التوتر بينهما:
"طيب هقولك ايه؟ يا ام عقل كبير، السكرتيرة دي قصادي من قبل ما أشوفك، ولو كانت عجباني، كنت اخترتها هي، ايه هيغصبني اجي اعترفلك بحبي، وانا عيني على واحدة تانيه، كبري مخك يا أروى، وبلاش غيره عبيطه ملهاش أي معنى."
ورغم منطقه الواضح، إلا أن أروى لم تستطع أن تتخلص من ذلك الشعور الصغير الذي ظل يعبث بقلبها، فقالت بتذمر طفولي:
"عايزني يعني اعمل ايه وانا شيفاك فرحان اوي وعمال تتكلم وتضحك معاها؟"
هز أحمد رأسه قليلًا، ثم قال بنبرة هادئة مليئة بالصبر:
"ولا تعملي أي حاجه، غير انك تيجي وتتكلمي معايا بهدوء، وتعرفيني أنه ضايقك، وبعد كده نتناقش مع بعض بهدوء واللي هيكون فى مصلحتنا احنا الاتنين نقتنع بي و نعمله."
لكن أروى، بعنادها المعروف، عقدت ذراعيها مجددًا ونظرت إلى الاتجاه الآخر دون أن تجيبه، وكأنها ترفض أن تمنحه بسهولة شعور الانتصار في هذا الجدال الصغير.
نظر إليها أحمد للحظة، ثم قال بنبرة حنونة حاول بها أن يكسر عنادها:
"أروى، بلاش بقى شغل العيال ده، وأثبتي ليا انك فعلا كبيره وعقلك كبير."
وفي تلك اللحظة تحديدًا، جاء صوت تامر الهادئ من خلفهما، وهو يقول بنبرة خافتة مازحة:
"خلصتوا ولا لسه؟"
انتفضت أروى في مكانها كأن أحدهم ضبطها متلبسة بشيء ما، ثم ركضت بسرعة خلف ظهر أحمد تختبئ كطفلة صغيرة، وهي تقول بتوتر واضح:
"خالو! ا انت هنا من امتى؟"
ابتسم أحمد على تلك الحركة الطفولية التي لم تستطع أروى التخلص منها مهما حاولت، وقال مازحًا:
"ايه يا عم انت، طبت الحكومه دي؟ خضتنا."
رد تامر ضاحكًا:
"أنا تعبتلك والله يا عم، تجيبها كده تجيلها كده، وهي دماغها جزمه قديمه، ما الراجل قالك، مافيش حاجه ما بينه هو السكرتيرة."
اتسعت عينا أروى بصدمة حقيقية عندما أدركت أن خالها سمع كل شيء تقريبًا. أما أحمد، فلم يتمالك نفسه وانفجر ضاحكًا ضحكته الرجولية الواضحة وهو يقول:
"اطلع منها يا عم الحلو، بلاش تلميع اوكر، أنا وهي حرين متدخلش ما بينا."
رفع تامر حاجبه بمكر وقال:
"وحياة امك، بقى كده."
ثم أمسك يد أروى وسحبها معه نحو المكتب وهو يقول:
"طيب، انا بقى عايز بنت اختي، ليك شوق فى حاجه؟"
وقبل أن يترك لأحمد فرصة الرد، أدخل أروى إلى المكتب وأغلق الباب في وجهه، بينما تعالت ضحكات أحمد في الخارج على تلك المزحة المعتادة بينه وبين تامر، قبل أن يبتعد قليلًا ليمنحهما بعض الخصوصية.
داخل المكتب، أجلس تامر أروى أمامه، ثم جلس هو مقابلها ينظر إليها بعينين مليئتين بالمرح، وقال بغمزة واضحة:
"ايه الموضوع؟ ها! الواد حليوة، طول بعرض، كاريزما ويتاكل أكل."
انفجرت أروى ضاحكة وهي تقول بمزاح:
"ايه يا خال أنا كده هشك فى الأمر."
فضربها بخفة على رأسها وقال:
"يا بت بلاش لماضه، ولسانك اللي عايز قطعه ده، ردي عليا ايه الموضوع؟"
تغيرت ملامحها قليلًا، وبدت عليها مسحة توتر خفيف وهي تقول:
"م ما انت عارف يا خالو، ما جه كلمك قبل ما يكلمني."
اعتدل بجلسته وتكلم بنبرة جادة وقال:
"أروى حبيبتي مش عايزك تتسرعي، فكري الاول بهدوء، سيبي موضوع الانبهار ده على جنب فكري فى العلاقه من جميع الاتجاهات ولو لاقيتي نفسك مرتاحه للعلاقه دي اتكلي على الله لو لاقيتي نفسك مش مرتاحه حتى لو شعور بسيط يبقى بلاش منها العلاقه دي، لأن بيبقى الشعور ده هو الاصدق لانه جاي من أبعد مكان فى قلبك، ها قوليلي، حاسه بأي دلوقتي؟"
تنهدت بحب وقالت بصوت هادئ:
"أنا حاسه اني مرتاحه اوي يا خالو، حاسه أنه هو الشخص الصح اللي ينفع اكمل حياتي معاه، أنا اصلا من أول مرة قابلته حسيت نفسي بفكر فيه على طول وعايزة اشوفه بأي طريقه، عارفه أنا اتعلقت بأحمد ليه اكتر، لأن أنا أمنية حياتي اتجوز واحد شبهك انت وبابي، وده فعلا لاقيته فيه، يعني دمه خفيف وحنين وهادي وبيسمعني وبيتكلم معايا بهدوء شبهك، وكمان حلو اوي وكاريزما شبه بابي، علشان كده اعجبت بي من أول ما شفتوا، حاسه معاه أنه أبويا وخالي واخويا وحبيبي فى نفس الوقت، وبكده أنا متأكدة من مشاعري مليون فى المية."
ارتسمت ابتسامه جميله على وجه تامر، فتح ذراعه لها حتى تأتي لحضنه، وهي نفذت ما يريد وتمسكت به بقوة، ربت على ظهرها بحنو وقال:
"وانتي تستاهلي كل خير يا روح وقلب خالك، واحمد راجل بجد واكتر شخص مناسب ليكي وهيقدر يحميكي وهيحبك بصدق وأخلاص، بس خفي غيره شويه يا مضروبه هطفشي منك يا بت."
ابتعدت عنه سريعا وقالت:
"لا لا يطفش ايه ده انا اروح فيها."
تعالت ضحكات تامر وحرك شفتاه بطريقه كوميديه وقال:
"عليه العوض ومنه العوض، فى بنت اختي، يخربيت الدلقه اللي انتي فيها دي."
ضحكت أروى على كلام وحركات خالها تامر وظلوا يتحدثوا مع بعض حتى انتهى وقت العمل وغادرت الشركه معه إلى المنزل.
