رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثامن 8 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثامن 

كانت الغرفة ساكنة على غير عادتها، لكن السكون هذه المرة لم يكن مريحًا، بل كان ثقيلاً يطبق على صدر جواهر كأنه جدار غير مرئي يمنعها حتى من التنفس. منذ الأمس والدموع لا تفارق عينيها، تتسلل بصمت على خديها كأنها ترفض أن تجف، وكأن قلبها وجد في البكاء لغته الوحيدة للتعبير عن ذلك الألم الذي يمزقه ببطء.
جلست على طرف سريرها للحظات طويلة، تحدق في الفراغ أمامها بعينين حمراوين من كثرة الدموع والسهر. كانت تشعر وكأن العالم كله انكمش فجأة داخل صدرها، وتحول إلى عقدة خانقة لا تستطيع فكها. لم تكن تفكر بوضوح، بل كانت ذكريات الأمس تتدفق في رأسها بلا رحمة، تعيد إليها نفس المشهد، نفس الصدمة، نفس الشعور المرير الذي حطم شيئًا عميقًا داخلها.
نهضت أخيرًا ببطء، وكأن جسدها أصبح أثقل مما يحتمل. بدلت ملابسها بحركات آلية خالية من الروح، ثم جمعت شعرها من الخلف بعقدة مهملة دون أن تكترث لشكلها، وكأنها لم تعد تهتم بأي شيء حولها.
خرجت من غرفتها واتجهت نحو الطابق السفلي، وخطواتها بطيئة مثقلة بالحزن. توقفت أمام باب غرفة والدتها، طرقت عليه طرقات خفيفة ثم قالت بصوت موجوع خرج بالكاد من بين شفتيها:
"ماما أنا هروح اتمشى شوية."
لكنها لم تنتظر ردًا. كانت تعرف جيدًا أن والدتها ما زالت غارقة في عالمها الخاص، تحاول الهروب من واقع فقدان زوجها بالنوم الطويل الذي أصبح ملاذها الوحيد من الحزن.
تنهدت جواهر بعمق، ثم اتجهت نحو باب المنزل وفتحته، لكنها توقفت فجأة عندما وجدت ترنيم تقف أمامها.
أغمضت عينيها بضيق واضح، وكأن حضورها الآن هو آخر ما كانت تحتمله، ثم قالت بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية:
"خالتو! اتفضلي، ماما فى اوضتها نايمه كعادتها."
لكن ترنيم هزت رأسها رافضة، وعيناها تراقبان ملامح جواهر بدقة. كانت ترى بوضوح آثار السهر والبكاء على وجهها، فقالت بنبرة جادة تخفي خلفها قلقًا كبيرًا:
"أنا مش جايه لمامتك يا جواهر، أنا جايه علشانك انتي، عايزه اعرف فيه ايه بينك انتي وجواد، اللي يشوف شكلك النهاردة ما يشوف شكلكم امبارح الصبح."
ما إن سمعت اسمه حتى اهتز شيء عميق داخلها. تجمعت الدموع سريعًا في عينيها، كأن مجرد ذكره يكفي ليعيد إليها كل الألم دفعة واحدة. حاولت أن تتمالك نفسها، لكنها قالت بصوت منكسر بالكاد يخرج من صدرها:
"خالتو ارجوكي، بلاش نتكلم فى الموضوع ده، أنا وجواد خلاص مافيش ما بينا حاجه كل شئ انتهى."
اتسعت عينا ترنيم بصدمة حقيقية، وكأنها لم تستوعب ما سمعته. هزت رأسها بعدم تصديق وقالت بانفعال واضح:
"ايه اللي انتي بتقوليه ده يا جواهر، انتي اتجننتي، هو علشان شوية زعل تفرطوا فى حبكم كده بسهولة؟ انتوا طول عمركم مع بعض حبكم كبر معاكم قصاد عيونا، وجايه بسهولة كده تقولي كل حاجة انتهت، بلاش هبل وعبط، ازعلوا من بعض براحتكم اتخصموا شوية، لكن فراق لاااا، اسأليني، الفكرة أصعب مما تتخيلي."
لكن كلماتها لم تهدئ شيئًا في قلب جواهر. على العكس، كأنها فتحت جرحًا جديدًا داخلها. هزت رأسها بعنف، والدموع تتساقط بلا توقف، ثم صرخت بألم حقيقي خرج من أعماقها:
"مش انا اللي فرط فى حبه يا خالتو، ابنك اللي باعني وبالرخيص كمان، أنا لآخر لحظة كنت بعشق التراب اللي بيمشي عليه، إنما هو كسرني وجرح قلبي، بأبشع طريقه ممكن حد يتصورها، أنا موضوع جواد ده، انتهى خلاص بالنسبالي، عن اذنك يا خالتو."
لم تمنحها فرصة للرد. استدارت سريعًا وغادرت المكان بخطوات متعجلة، وكأن البقاء ثانية أخرى سيجعلها تنهار تمامًا.
خرجت إلى الشارع وبدأت تركض دون وعي. تركت السيارة خلفها دون أن تفكر حتى في استخدامها، وكأنها تريد أن تهرب، تهرب من البيت، من الذكريات، من نفسها.
كانت تمشي في الشوارع بلا هدف، تنظر حولها دون أن ترى شيئًا حقيقيًا. الوجوه تمر أمامها بلا ملامح، والأصوات تختلط في أذنها دون معنى. كل شيء كان يبدو باهتًا ومشوهًا، كأن العالم فقد ألوانه فجأة.
استمرت في السير طويلًا، والدموع تتسابق على خديها بلا توقف، حتى شعرت بأن قدميها لم تعودا تقويان على حملها أكثر. وجدت مقعدًا عامًا قريبًا، فجلست عليه منهكة، وأخفت وجهها بين يديها.
وفجأة، انفجرت شهقاتها.
كان المشهد يعود إليها بقسوة؛ صورة جواد وهو يقبل تلك الفتاة، ذلك المشهد الذي حطم قلبها في لحظة واحدة. شعرت كأن شيئًا حادًا يغرس في صدرها كلما تذكرته.
ظلت تبكي وتصرخ بألم مكتوم، حتى سمعت فجأة صوتًا رجوليًا غير مألوف يقول بهدوء:
"مافيش حاجه تستاهل دموعك دي."
رفعت رأسها بسرعة، تنظر إلى مصدر الصوت بعينين ممتلئتين بالدهشة والدموع، وقالت باستغراب واضح:
"انت مين؟!"
نظر إليها الرجل لحظة، وكأن شيئًا في حزنها أعاده إلى ذكرى بعيدة، ثم قال بنبرة مختنقة قليلاً:
"انا كنت زيك كده فى يوم من الايام، كنت شايفها سودا، حاسس ان مافيش حاجه تستاهل أن أعيش علشانها، لدرجة أن فكرت اتخلص من حياتي، بس لاقيت نفسي بقول: وانا ليه أعمل فى نفسي كده وعلشان مين؟ هموت واخسر كل حاجه، واللي عملت علشانها كده، هتعيش حياتها عادي ولا كأن فيه راجل حبها بصدق قبل كده، ومن يومها عايش لنفسي وبس."
كانت تستمع إليه بصمت، والدموع لا تزال تنساب على وجهها. هزت رأسها برفض مؤلم وقالت بصوت متقطع:
"بس انا مش هقدر اعيش من غيره، جواد، ده الحب اللي عاش جوايا وكبر معايا فى مراحل عمري، اول دقة قلب كانت ليه، اول مشاعر اتولدت جوايا كانت لجواد، ازاي هقدر اعيش واتقبل فكرة أنه مش موجود فى حياتي بسهولة كده، وفى نفس الوقت مش هقدر انسى جرحه ليا، انا بين نارين وكل نار احمى من التانيه."
نظر إليها الرجل بابتسامة هادئة تحمل شيئًا من التعاطف، ثم قال بصوت مطمئن:
"مش كل لهب تبقى نار ممكن يكون ضوء امل جاي من بعيد، قربي للي تحسي فيه راحتك، ووقتها هتبصي وراه وتضحكي على اللي انت كنتي فيه."
نظرت إليه بدهشة حقيقية وقالت:
"انت غريب اوي، ممكن تقولي انت مين؟"
استقام بجسده قليلًا وقال بنبرة رجولية واضحة:
"وحيد الاباصيري، وليا نصيبي من أسمي، اتشرفت بمعرفتك يا أنسه جواهر."
اتسعت عيناها بصدمة وقالت:
"انت عرفت اسمي منين ؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"أنا اشتغلت فترة عندكم فى الشركه، بس محصلش نصيب ولا مرة أننا اتكلمنا مع بعض."
أومأت برأسها بتفهم ثم قالت بلطف:
"اهلا وسهلا يا استاذ وحيد، اتشرفت بحضرتك."
ابتسم وقال بمزاح خفيف:
"بلاش حضرتك دي، عندي حساسيه من الكلمة دي."
ابتسمت جواهر لأول مرة منذ ساعات طويلة، ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت على شفتيها، واكتفت بأن أومأت برأسها.
أشار بيده نحو سيارته القريبة وقال:
"تحبي اوصلك؟ لأن واضح انك اخديها مشي والجو حر جدا."
نظرت إليه للحظة ثم قالت بامتنان صادق:
"ياريت، لأن مافيش حيل أرجع تاني مشي."
تحركا معًا نحو السيارة، فتح لها الباب الأمامي بأدب فصعدت، ثم أغلق الباب خلفها واستدار إلى المقود. أدار المحرك وانطلقت السيارة بهدوء في الشارع، متجهة نحو فيلا حسام.
مر الوقت سريعًا داخل السيارة، حتى توقفت أخيرًا أمام الفيلا. ترجلت جواهر من السيارة، وترجل وحيد هو الآخر، ثم وقف أمامها بابتسامة هادئة وقال:
"شكرا علشان اول مره ألاقي حد اتكلم معاه واخرج اللي جوايا من غير قيود."
نظرت إليه بامتنان صادق وهزت رأسها قائلة:
"بالعكس أنا اللي لازم اشكرك، سمعتني وادتني مساحتي أن أتكلم وأصدعك."
وقبل أن يجيبها وحيد على كلماتها، انقلب المشهد في لحظة خاطفة إلى عاصفة عاتية.
فجأة، ومن حيث لا يحتسب أحد، اندفع جواد نحوه كالثور الهائج، وقد اشتعلت عيناه بنار الغضب والغيرة، كأن الدم يفور في عروقه. لم يمنح نفسه لحظة واحدة للتفكير، ولم يترك لوحيد فرصة ليفهم ما يحدث.
في طرفة عين، كانت قبضته تهوي عليه بعنف.
تلقى وحيد الضربة الأولى بذهول، لكنه لم يكن ضعيفًا كما بدا في اللحظة الأولى، فاندفعت فيه غريزة الدفاع عن النفس، ورد الضربة بأخرى، لتتحول اللحظة في ثواني معدودة إلى اشتباك عنيف بين رجلين لا يسمع أحدهما الآخر.
تلاحقت اللكمات، وتعالت الأنفاس، وارتطم الجسدان ببعضهما في صراع جسدي صاخب، بينما ظلت جواهر واقفة لثواني معدودة مشلولة الصدمة، لا تصدق ما يحدث أمامها.
لكنها سرعان ما استعادت وعيها.
اندفعت بينهما بسرعة، وبكل ما أوتيت من قوة دفعت جواد بعيدًا عن وحيد، وقد اشتعل الغضب في عينيها هي الأخرى، وصرخت في وجهه:
"أبعد عنه يا حيوان، بأي حق تمد ايدك عليه؟ احنا فين هنا"
تصلب فك جواد بشدة، وبرزت عروقه من شدة الغضب، ثم مد يده فجأة وأمسك بذراعها بعنف حتى كاد أن يكسره، وهو يقول بحدة:
"اخرسي انتي خالص، ده انتي يومك مش معدي، جايلي مع راجل فى عربيه وواقفه تتكلمي معاه، ده انا هصورك قتيل دلوقتي يا جواهر."
وفي تلك اللحظة، خرجت ترنيم وسمية من داخل الفيلا بعد أن وصل إليهما صوت الشجار المرتفع، وقد ارتسمت الدهشة على وجهيهما.
تقدمت ترنيم بخطوات سريعة وهي تنظر إلى المشهد المرتبك أمامها وقالت بعدم فهم:
"فيه أيه يا ولاد ومين ده؟"
لم يكن جواد يسمع شيئًا مما يقال حوله.
كانت غيرته قد أغلقت أذنيه تمامًا.
حاول أن يندفع نحو وحيد مرة أخرى، لكن جواهر أسرعت لتقف أمامه كحاجز بشري، تحدق فيه بعينين مشتعلة بالتحدي، وقالت بقوة:
"ملكش دعوة بي، اطلع بره يا جواد."
توقف جواد للحظة.
ابتسم ابتسامة باردة تحمل من الغضب أكثر مما تحمل من السخرية، ثم أومأ برأسه ببطء، وفجأة، وبدون أي إنذار، مد يده وقبض على شعرها بقوة شديدة حتى انتزعت منها شهقة ألم، وهو يقول بوحشية:
"وحياة امك لكسرك يا جواهر، وانتي عرفاني، مبهزرش فى ام المواضيع دي، انتي بتاعتي أنا، ممنوع تتكلمي مع أي راجل غيري، بسببك هبقى مجرم، حالا."
شهقت سمية بصدمة عندما رأت يد جواد وهي تشد شعر ابنتها بذلك العنف.
اندفعت نحوه بسرعة محاولة أن تحررها من قبضته، لكنها لم تستطع بسهولة، فقد كان ممسكًا بها كمن يتمسك بشيء يخصه وحده ولا يقبل أن ينتزعه أحد منه.
ورغم الألم الذي كان يمزق فروة رأسها، رفعت جواهر رأسها بتحدي واضح، وقالت بصوت قوي:
"ده فى خيالك يا جواد، انت ورقه قطعتها من حياتي خلاص، وملكش أي حكم عليا."
اشتعلت عيناه أكثر.
شد شعرها بقوة أكبر، ثم التفت بنظره إلى وحيد نظرة مليئة بالتهديد القاتل، وقال ببطء خطير:
"هطلعها اوضتها وأقسم بالله لو نزلت ولاقيتك واقف لكون دفنك مكانك هنا فاهم."
ثم أجبر جواهر على التحرك معه نحو داخل الفيلا، وهو ما يزال يقبض على شعرها، غير عابئ بصرخاتها أو بمحاولات والدتها.
أما وحيد، فقد وقف في مكانه يراقب المشهد بعينين مظلمتين، وقد بدا الغضب واضحًا في قسمات وجهه، لكنه في النهاية التزم الصمت.
تقدمت ترنيم نحوه بخطوات مترددة وقالت باستفهام:
"انت مين يا أبني. تعرف جواهر منين؟"
تنفس وحيد ببطء، محاولًا كبح غضبه، ثم أجاب بنبرة غاضبة لكنها متماسكة:
"أنا كنت بتمشى فى الشارع عادي لاقيت الانسه جواهر قاعدة وعماله تعيط اتكلمنا شويه مع بعض لأن اعرفها من ايام ما كنت لسه شغل فى الشركه، عرض عليها اوصلها من باب الادب والرجولة، وجبتها، هو ده كل اللي حصل."
تنهدت سمية بأسف شديد وقالت معتذرة:
"معلش يا ابني، اصل خطيبها بيغير عليها جدا، ولما شافك معاها اتجنن."
أومأ وحيد برأسه بتفهم، رغم أن عينيه كانت لا تزالان مشتعلة.
ثم استأذن منهما وغادر المكان بهدوء.
بعد رحيله، نظرت ترنيم إلى سمية بحيرة وقالت:
"وبعدين يا بنت خالتي هنعمل ايه مع جوز المجانين دول؟"
هزت سمية رأسها بنفاد صبر وقالت:
"أنا مش عارفه هيعقلوا امتى الاتنين دول؟"
أما في غرفة جواهر…
كان الجو داخل الغرفة مشحونًا كأنه برميل بارود ينتظر شرارة.
فتح جواد الباب بعنف، ثم دفعها إلى الداخل بقوة حتى كادت تسقط، قبل أن يندفع خلفها ويغلق الباب.
التفت إليها بعينين مشتعلتين وقال بغضب شديد:
"شيفاني ايه يا روح امك، مركب قرون، ده انا أقطع رقبتك، يوم ما تستخدمي الأسلوب ده علشان تغظيني ولا تخديها ند لند، علشان تردي الوجع، انا راجل أعمل اللي انا عايزة، إنما انتي، أ**."
اتسعت عينا جواهر بصدمة وغضب، وردت فورًا:
"انت قليل الادب، ووقح كمان، ملكش دعوة بيا قولتلك حكايتنا خلاص خلصت، اطلع بررره يا جواد."
اقترب منها ببطء شديد، خطوة بعد خطوة، حتى التصق بها تقريبًا، ثم أحاطها بذراعه، وكأنه يحاصرها داخل دائرة من حضوره الطاغي، وهمس قرب شفتيها:
"حكايتنا تنتهي بموت واحد فينا يا جواهر، وطول ما احنا الاتنين عايشين على نفس الأرض، يبقى انتي بتاعتي أنا وبس، واللي يفكر يقربلك امحي من على وش الأرض، وبلاش تستفزيني بالطريقه دي، علشان وشي التاني مش هتستحملي فاااهمه."
ارتفعت دقات قلبها بشكل جنوني.
قربه منها كان يربكها رغم غضبها.
أغمضت عينيها بقوة، ثم قالت بصوت خرج بصعوبة:
"ا ابعد عني يا حيوان، أنا بكرهك يا جواد، قرفانه منك بعد ما شفتك بمنظرك ده، سيبني فى حالي بقى، عايز مني ايه؟"
مال برأسه أكثر، حتى أصبحت أنفاسه قريبة جدًا من شفتيها، وقال بهدوء خطير:
"انتي عارفه أنا بحبك قد ايه يا جواهر، ومافيش غيرك فى قلبي، واكيد فيه قصه تانيه خالص غير اللي انتي شفتيها، انا مش هقدر اقولك حاجه دلوقتي، بس عايزك تثقي فيا وفى حبي."
لكنها دفعته بعيدًا عنها بقوة، وصرخت من بين دموعها:
"كداااب، مافيش اي مبرر للخيانه يا جواد، أنا شفتك وانت فى حضنك واحدة، شفت خيانتك بعيني، وجاي بكل بساطه تقولي، بحبك ومافيش غيرك فى قلبي، وان كل اللي شفته ده مش زي ما مفكرة، خلاص يا جواد اروح أنا كمان اترمي فى حضن اي راجل واقولك مش زي ما انت مفكر."
وفجأة، دوى صوت الصفعة في الغرفة.
صفعها جواد على وجهها بغضب وقال:
"أخرسي، قلتلك بلاش تستخدمي اسلوب ند لند يا جواهر، أنا اقتلك لمجرد حتى التفكير فى الكلام ده، أنا مستعد استحمل أي حاجه منك عصبيه غضب خصام، لكن تحاولي تستفزيني براجل تاني، علشان تغظيني، مش هقبله وهتشوفي مني وش تاني خالص، مافيش خروج من اوضك، لحد ما أخلص اللي بعمله وبعد كده لينا كلام تاني خالص."
وضعت يدها على خدها المشتعل من أثر الصفعة، ونظرت إليه بصدمة ودموع وهي تقول:
"انت بتمد ايدك عليا يا جواد، انا بكرهك، اطلع بره يا حيوان مش طايقه اشوف وشك اطلع برررره."
نظر إليها نظرة طويلة، نظرة مليئة بالغضب، والوجع، والعناد.
ثم استدار وخرج بعنف، وأغلق الباب من الخارج.
هبط جواد الدرج بخطوات سريعة متوترة، وكأن الأرض نفسها تضيق تحت قدميه من شدة الغضب الذي يشتعل في صدره. كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وملامحه مشدودة كقوس على وشك الانفلات. وما إن وصل إلى الأسفل حتى وقعت عيناه على ترنيم وسمية اللتين وقفتا تراقبان ما يحدث بقلق شديد.
توقف أمامهما لحظة، ثم نظر إليهما نظرة حادة، وكأن كل ما في داخله من توتر وانفعال قد تجمع في تلك النظرة الواحدة. كان لا يزال ممسكًا بالمفتاح بين أصابعه بقوة، حتى كادت عروقه تبرز من شدة الضغط.
وقال بتحذير صارم، وصوته يحمل نبرة لا تقبل النقاش:
"محدش يفتحلها الباب، المفتاح هيفضل معايا أكلها وشربها أنا اللي هجيبه ليها."
ساد صمت ثقيل للحظة، ثم تقدمت ترنيم خطوة نحوه، وقد بدا الاضطراب واضحًا في عينيها. لم تكن تخاف من غضبه، لكنها كانت تخشى ما قد يفعله هذا الغضب.
تكلمت بنبرة حاولت أن تكون هادئة رغم القلق الذي يملأها:
"اهدا بس يا ابني مش كده، براحه عليها، وفهمنا فيه ايه، بدل ما احنا عاملين شبه الاطرش فى الزفه."
لكن كلماتها لم تخفف من حدته، بل بدا وكأنها زادت اشتعال النار بداخله. شد فكيه بقوة حتى سمع صرير أسنانه، ثم قال بحدة قاطعة:
"اللي ما بينا محدش يدخل فيه، واللي قلته يتنفذ بالحرف."
لم ينتظر ردًا بعدها. استدار بعنف، واتجه نحو الباب بخطوات سريعة، ثم خرج من المنزل كله كالإعصار، تاركًا خلفه جوًا مشحونًا بالتوتر والغضب.
انغلق الباب خلفه بصوت قوي، فتبادلت ترنيم وسمية النظرات في صمت ثقيل.
اتسعت عينا ترنيم ببطء، وكأن شيئًا قد ارتسم فجأة أمام عينيها من الماضي البعيد. كانت تنظر إلى الباب الذي خرج منه ابنها، لكن ما تراه لم يكن جواد وحده، بل صورة أخرى تشبهه إلى حد مرعب.
همست بصوت يكاد يكون غير مسموع، وكأنها تخاطب نفسها:
"سلطان بعينه، كأنه ابن سلطان مش ابن غريب."
ثم ارتجف صوتها قليلًا، وانهمرت الدموع في عينيها دون أن تشعر، وقالت بصوت مختنق بالألم والذكريات:
"نفس عصبيته، نفس غيرته عليا، سلطان مات، بس جالي ابني على هيئة سلطان."
كانت سمية تراقبها بصمت، وقد فهمت فورًا ما يدور في رأسها. فهذه المقارنة لم تكن مجرد تشابه عابر، بل كانت ذكرى لقصة قديمة، قصة لم تنتهي يومًا كما ينبغي.
أومأت سمية برأسها ببطء، ثم قالت بنبرة تفكير عميق:
"أنا شايفه قصة سلطان وترنيم بتتعاد تاني قصادي فى بنتي وابنك، بس مش لازم نسمح ليهم تكون نهاية قصتهم نفس نهاية قصتكم لازم نتصرف يا ترنيم، لازم ندخل حتى لو غصب عنهم."
رفعت ترنيم عينيها نحو الأعلى قليلًا، وكأنها تبحث عن إجابة في الفراغ، ثم أعادت نظرها نحو الباب الذي خرج منه جواد، وكأنها ترى أثر خطواته لا يزال على الأرض.
وقالت بحزم خافت، لكنه يحمل إصرارًا واضحًا:
"جواهر مش هتكون غير لجواد وجواد لجواهر حتى لو هنجوزهم بالعافيه."
ابتسمت سمية ابتسامة باهتة يملؤها الحزن، ثم قالت وهي تربت على كتفها بلطف:
"أيدي على كتفك يا ترنيم، أنا متأكده أن سعادة بنتي مع جواد، ومافيش حد هيحبها قده."
تنفست ترنيم بعمق، ثم قالت بنبرة أكثر جدية وكأنها تكشف سرًا كان مخفيًا:
"جواد كان ناوي يجي ويتقدم لجواهر، قبل ما تحصل المشكلة دي ما بينهم، احنا جايين يوم الجمعه نخطبها."
تجمدت سمية مكانها للحظة، واتسعت عيناها بصدمة حقيقية، وقالت بسرعة:
"طيب وهنقنعهم يعملوا كده ازاي؟"
أجابت ترنيم وهي تحاول أن تبدو واثقة رغم القلق الذي يسكنها:
"سيبي جواد عليا، وانتي حاولي مع جواهر، وخليها توافق بأي طريقة."
تنهدت سمية بعمق، وقد بدا التوتر واضحًا على ملامحها. فهي تعرف عناد ابنتها جيدًا، وتعرف أن الأمر لن يكون سهلًا أبدًا.
حركت رأسها بالموافقة وقالت:
"هحاول وربنا يستر."
ابتسمت ترنيم ابتسامة صغيرة تحمل شيئًا من التحدي، ثم اتجهت نحو الباب استعدادًا للمغادرة.
لكنها ما إن وصلت إلى المدخل حتى توقفت فجأة.
كانت رنيم تقف هناك.
وقفت أمامها بثبات، وعيناها تشتعلان بكره واضح لا تحاول حتى إخفاءه. كان الجو بينهما مشحونًا بصمت ثقيل، وكأن الماضي كله يقف بينهما في تلك اللحظة.
اقتربت رنيم منها ببطء، خطوة بعد خطوة، حتى أصبحت قريبة منها للغاية.
ثم انحنت قليلًا نحوها، وقالت بصوت هامس، لكنه يحمل قسوة جارحة:
"جواهر عمرها ما هتكون لابنك يا ترنيم، علشان ابنك طالع شبهك خاين وواطي."
رفعت رأسها بعدها ونظرت إليها نظرة احتقار صريحة، ثم استدارت ببساطة وكأنها لم تقل شيئًا يذكر، واتجهت إلى الداخل.
بقيت ترنيم واقفة في مكانها كأن الأرض قد ثبتتها.
كانت كلمات رنيم كالسهم الذي انغرس في صدرها مباشرة.
لم ترد، لم تتحرك، فقط ظلت تحدق في الفراغ للحظات طويلة.
ثم أخذت نفسًا عميقًا ببطء، وأخرجته بهدوء محاولة أن تستعيد تماسكها.
حركت رأسها قليلًا بضيق، وكأنها ترفض أن تسمح لتلك الكلمات بأن تهزمها، ثم استدارت أخيرًا وخرجت من المنزل.
توجهت إلى سيارتها، صعدت إليها في صمت، وأدارت المحرك.
وبعد لحظات قليلة، كانت السيارة تشق الطريق مبتعدة عن الفيلا، متجهة نحو العيادة الخاصة بها، بينما عقلها لا يزال غارقًا في دوامة من الذكريات والقرارات التي يبدو أنها ستغير الكثير مما هو قادم.
       **************************
مرت عدة أيام، لكن تلك الأيام لم تكن عادية على الإطلاق.
كانت الأيام تمر ظاهريًا بهدوء مخادع، بينما في الخفاء كانت خيوط كثيرة تنسج بصمت. علاقات تتشكل ببطء، وأخرى تقف على حافة الانهيار، وثالثة تتحفز كوحش يستعد للانقضاض في اللحظة المناسبة.
المشاعر نفسها لم تعد ثابتة كما كانت من قبل.
قلوب كانت ممتلئة باليقين أصبحت الآن تضطرب بالشكوك، وأخرى كانت مطمئنة صارت تتأهب للألم. وكأن الجميع يسير فوق أرض رخوة لا يعرف أحدهم متى ستنهار تحت قدميه.
أما على الصعيد المهني، فقد كانت الأمور أكثر خطورة مما تبدو عليه.
في مكتبها الفخم داخل الشركة، جلست رنيم خلف مكتبها الكبير بثبات يليق بمكانتها. كانت ملامحها هادئة، لكن تلك السكينة لم تكن بريئة، بل كانت تشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
لقد كانت تستعد لانفجار تلك القنبلة التي ظلت تعدها بصبر طوال الفترة الماضية، قنبلة إن انفجرت فلن تغير مجرى العمل فقط، بل قد تقلب موازين كثيرة في حياة أشخاص عدة.
جلست على مقعدها بكل هيبة وكبرياء، ظهرها مستقيم، ونظرتها ثابتة تحمل ذلك الغموض الذي لم ينجح شاهين يومًا في تفسيره بالكامل.
كانت تحرك المقعد يمينًا ويسارًا ببطء متعمد، بينما يدها تعبث بالقلم بين أصابعها في حركة توحي بالهدوء، لكنها في الحقيقة كانت مليئة بالترقب.
رفعت عينيها إليه أخيرًا وقالت بهدوء بارد:
"خير! شيفاك متعصب على غير عادتك، يا ترى بقى ايه معصب شاهين الرواي مرة واحده؟"
كان شاهين يقف أمام المكتب كبركان يغلي. ضرب بقبضته على سطح المكتب بقوة حتى اهتز قليلًا، ثم قال من بين أسنانه المطبقة بغضب:
"بتعملي أيه من ورايا، ايه اللي بتخططي ليه يا بنت سلطان الدسوقي؟"
لم تتغير ملامح رنيم، بل على العكس، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، ابتسامة تحمل ثقة امرأة تعرف جيدًا من تكون، وقالت بثبات:
"بعمل اللي يليق ببنت سلطان الدسوقي، لانه حتى وهو ميت هيفضل خيره وفضله على الكل."
تصلب وجه شاهين أكثر عند ذكر الاسم.
تحرك خطوة للأمام، ثم استقام بجسده واقترب منها ببطء شديد، وكأن كل خطوة منه كانت محسوبة بعناية.
انحنى قليلًا، وأسند يده على ذراع المقعد الذي تجلس عليه، حتى أصبح وجهه قريبًا جدًا من وجهها. كانت المسافة بينهما تكاد تختفي.
ثم قال بصوت منخفض يحمل تحذيرًا واضحًا:
"وانا لسه متخلقتش اللي تتحداني، يا رنيم."
لكنها لم تتراجع، لم يظهر على وجهها خوف، ولا حتى ارتباك بسيط.
بل على العكس، اقتربت أكثر قليلًا، وثبتت نظرها مباشرة في عينيه، وقالت بتحدي صريح:
"لا، أتخلقت وقصادك اهي يا شاهين."
هبطت عينا شاهين لحظة نحو شفتيها بنظرة تحمل شيئًا من الإغواء، ثم عاد ينظر إليها وقال بأنفاس ساخنة:
"لسه بدري عليك يا صغنن."
وفجأة، ودون أن يمنحها فرصة للرد، انحنى قليلًا ووضع قبلة صغيرة مباغتة، ثم قال بنبرة مليئة بالتحدي:
"بس هكبرك على أيدي، وهوريكي اللعب مع الكبار آخرته أيه."
تصلب جسد رنيم للحظة، ثم اشتعلت عيناها بالغضب.
دفعت شاهين بعيدًا عنها بقوة، حتى تراجع خطوة للخلف، ثم مسحت شفتيها بسرعة بكم ثيابها وقالت بحدة:
"بني ادم قليل الادب ووقح."
لكن رد فعله كان عكس ما توقعت.
تعالت ضحكات شاهين في المكتب بصوت واضح، وكأن غضبها لم يكن سوى أمر مسلي بالنسبة له.
تحرك مرة أخرى نحو المقعد المقابل، وجلس عليه براحة تامة، ثم وضع قدمًا فوق الأخرى وقال بنبرة ساخرة:
"طيب بما انك مستعجله تشوفي لعب الكبار، وشغاله من تحت لتحت، نعلي الليڤل شوية ونزود العيار عليكي حبتين."
ابتسمت له رنيم ابتسامة امرأة عنيدة لا تعرف التراجع، وقالت بثقة واضحة:
"علي زي ما أنت عايز، وهتلاقيني سد قوي مبيتهزمش بسهولة."
وقف شاهين ببطء، ثم عدل ملابسه وكأن الحوار كله لم يكن أكثر من لعبة بدأها للتو.
وقال وهو يتجه نحو الباب:
"امم، لما نشوف يا عصام يا حضري، اخرك ايه ومعاك على الهادي يا صغنن."
فتح الباب وكاد يخرج، لكن قبل أن يغادر سمع صوتها خلفه، حادًا ومتحديًا:
"مستعجله اوي، اشوف هزمتك يا شاهين وعلى أيدي."
توقف لحظة.
ثم استدار ببطء، ونظر إليها نظرة طويلة، واكتفى بابتسامة هادئة تخفي خلفها الكثير من النوايا والأفكار.
بعدها فتح الباب وغادر المكتب.
لكن خطواته في الممر كانت تحمل وعدًا واضحًا، وعدًا بأن المعركة بينهما لم تبدأ بعد، وأن القادم قد يكون أكثر خطورة مما يتخيل كلاهما.
    ***************************
جلست جواهر في غرفتها، وقد بدا التوتر واضحًا في كل حركة من حركاتها. كانت جالسة على طرف السرير تحرك قدميها بلا توقف، وكأنها تحاول الهروب من أفكار تطاردها منذ أيام.
منذ تلك المواجهة الأخيرة بينها وبين والدتها، لم يهدأ عقلها لحظة واحدة.
فحين أخبرتها سمية أن جواد قد تقدم لخطبتها رسميًا، اشتعل النقاش بينهما بعنف. رفضت جواهر الأمر رفضًا قاطعًا، وأصرت على موقفها مهما حاولت والدتها إقناعها. لكن الأمور لم تبقى مجرد جدال، فقد انتهت بسقوط سمية فجأة أرضًا فاقدة الوعي.
ذلك المشهد كان كفيلًا بأن يربك قلبها.
حتى وإن كان جزء منها يشعر أن والدتها تعمدت المبالغة لتضغط عليها، إلا أن خوفها عليها كان أقوى من أي شك.
وفي النهاية، رضخت.
لكن تلك الموافقة لم تكن عن اقتناع، بل كانت استسلامًا مؤقتًا.
فقد أقسمت في داخلها أنها ستجعل أيام جواد معها مريرة كـ قرن الخروب، حتى يصل بنفسه إلى النقطة التي يقرر فيها الابتعاد عنها.
وبينما كانت غارقة في تلك الأفكار، فتح باب الغرفة بهدوء، ودخلت سمية وهي تحمل فستانًا أنيقًا بيديها.
اقتربت منها ومدت الفستان إليها قائلة:
"خدي الفستان ده علشان تلبسي بكره فى الخطوبه."
نظرت جواهر إلى الجهة الأخرى رافضة حتى النظر إلى الفستان، ثم هزت رأسها قائلة ببرود:
"مش هلبس فساتين يا ماما أنا هلبس أي حاجه من الدولاب عندي."
اقتربت سمية أكثر، ووضعت يدها على مرفقها وقالت بنبرة تحمل شيئًا من التلاعب بمشاعرها:
"يا بنتي حرام عليكي هتخليني احصل ابوكي ليه؟"
انتفضت جواهر فورًا، واتسعت عيناها بقلق. نظرت إلى والدتها بدموع متجمعة وقالت بسرعة:
"بعد الشر عليكي يا ماما، متقوليش كده تاني."
أطلقت بعدها زفرة طويلة مثقلة بالضيق، ثم نظرت إلى الفستان للحظة وكأنه حمل ثقيل.
مدت يدها ببطء وأخذته منها وقالت بحزن واضح:
"حاضر يا ماما، هنفذ اللي انتي عايزاه لحد ما اشوف اخرتها ايه."
ابتسمت سمية لها بحنو وقالت:
"ربنا يهديكي ويصلح حالك يا حبيبتي."
ثم خرجت من الغرفة بهدوء.
ما إن أُغلق الباب حتى نظرت جواهر إلى الفستان في يدها نظرة طويلة موجوعة، ثم فجأة ألقت به أرضًا بعنف.
جلست على حافة السرير، وأسندت وجهها إلى يديها، ثم انفجرت بالبكاء.
بكاء مرير خرج من أعماق قلبها، حتى تقطعت أنفاسها من شدته.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب مرة أخرى.
دخل جواد إلى الغرفة، وتوقفت عيناه أولًا عند الفستان الملقى على الأرض، ثم انتقلت إلى جواهر التي كانت تبكي بحرقة.
اقترب منها بهدوء وجلس بجوارها، ثم وضع يده على ظهرها برفق وقال بصوت هادئ:
"جواهر، اهدي علشان خاطري، مش ده اللي كنا بنحلم بي من زمان؟ أخيراً هنتخطب رسمي."
لكنها أبعدت يده عنها بسرعة وكأن لمسته تؤلمها، وقالت بدموع:
"أبعد عني ملكش دعوة بيا يا جواد، أنا موافقه المهزلة دي تحصل علشان خاطر ماما وبس، إنما لو عليا أنا لا طايقك ولا عايزه اشوف وشك."
أغمض جواد عينيه للحظة ليهدئ نفسه، ثم اقترب منها مرة أخرى وقال بهدوء:
"جواهر علشان خاطري اهدي، أنا عارف انك بتعملي كل ده من وراه قلبك، لأن اللي ما بينا مش بسهوله كده نقدر ننساه."
لكن كلماته فجرت ما بداخلها.
صرخت فجأة وتعالت شهقاتها وهي تقول:
"واشمعنا انت قدرت تنساه بسهوله، قدرت تلمس واحده غيري، انا عمري ما هسامحك على وجعك ليا يا جواد."
نظر إليها جواد بحزن عميق.
مد يده برفق ومسح دموعها، ثم أمسك وجهها بين كفيه وقال بنبرة مليئة بالحنان:
"أقسم بالله بحبك، واللي حصل ده مش زي ما انت مفكره، عايزك تثقي فيا وفى حبي ليكي يا جواهر، خلينا نفرح أن اخيرا هنبقى لبعض، نعيش اللحظة اللي عشنا عمرنا كله مستنينها، طيب بذمتك انتي مش فرحانه من جوه قلبك؟"
نظرت إليه بعينين مكسورتين وقالت بصوت موجوع:
"ليه تعمل فيا كده يا جواد، ازاي هونت عليك توجعني بالشكل ده؟"
اقترب منها أكثر وهمس:
"حقك على قلبي، يا بنت قلبي."
وفي تلك اللحظة…
كانت ترنيم تقف عند الباب.
تجمدت في مكانها وكأن دوارًا ضرب جسدها فجأة. ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف.
حركت رأسها بعدم تصديق.
شعر جواد بحركتها، فالتفت بسرعة نحو الباب، ليجدها واقفة هناك.
نهض فورًا واقترب منها بقلق وقال:
"ماما! مالك؟"
لكنها رفعت يدها قليلًا وقالت بصوت مرتجف متوسل:
"اياك تقول الكلمه دي تاني، بترجاك يا ابني، الكلمه دي سكينه بتدبحني بيها."
عقد جواد حاجبيه وقال باستغراب:
"أنا مش فاهم حاجه يا ماما، كلمة ايه دي؟"
ارتعشت شفتاها وهي تقول بصعوبة:
"الكلمه اللي قولتها لجواهر، حقك على قلبي يا بنت قلبي، الكلمه دي سكينه باردة بتدبحني بيها."
هز رأسه بعدم فهم وقال:
"ليه يا ماما مالها الكلمة دي؟"
خفضت ترنيم نظرها إلى الأرض وقالت بتوتر:
"د دي كلمة غاليه عليا وخلاص، ولما بسمعها، بفتكر حاجات فات عليها زمن طويل، ارجوك يا ابني اسمع كلامي من غير ما تسأل كتير."
ظل ينظر إليها لحظة، ثم أومأ برأسه وقال بهدوء:
"حاضر يا ماما."
لكن في تلك اللحظة، وصل إليهما صوت شهقات عالية.
التفتا بسرعة نحو جواهر.
كانت تمسك هاتفها بيد مرتجفة، وتنظر إلى شاشته بينما الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف.
اقترب جواد بسرعة وأخذ الهاتف من يدها، لكن ما إن رأى ما عليه حتى أغمض عينيه بغضب وألم.
ثم نظر إليها بأسف وقال:
"أنا آسف."
تكلمت بين شهقاتها:
"اطلع بره يا جواد، مش طايقه اشوفك."
زفر بضيق، ووضع الهاتف بجوارها، ثم خرج من الغرفة سريعًا.
اقتربت ترنيم من جواهر ببطء.
نظرت إلى الهاتف، فرأت الصورة.
صورة جواد وهو يحتضن تلك الفتاة مرة أخرى.
شعرت بوخزة شفقة حقيقية في قلبها.
جلست بجوار جواهر واحتضنتها بحنان، وبدأت تربت على ظهرها برفق.
تمسكت جواهر بها بقوة وكأنها تتشبث بطوق نجاة، ثم صرخت بألم:
"اااه يا قلبي اللي ابنك داس عليه بجزمته يا خالتو، أنا بكرهوا، ليه يعمل فيا كده ليييه."
ظلت ترنيم صامتة.
لم تكن تعرف ماذا تقول، لأن جواهر معها الحق تمامًا.
لكن في داخلها كانت فكرة واحدة تتكرر بإصرار.
لن تسمح لهذه العلاقة أن تنتهي بهذه السهولة.
لن تسمح لهم أن يعيشوا نفس الألم الذي عاشته هي يومًا.
لن تسمح أن تتكرر القصة، بنفس النهاية الموجعة.
    **************************
حين وصل شاهين إلى الفيلا، كان الليل قد بدأ يمد عباءته الداكنة فوق المكان، فبدت الفيلا الضخمة أكثر هيبة وغموضًا في آنٍ واحد. دفع شاهين الباب ودخل بخطوات واثقة، كعادته دائمًا. كان يسير وكأن المكان بأكمله يتحرك وفق إيقاعه الخاص. وما إن وقعت عيناه على الصالون حتى لمح ثلاثة أشخاص يجلسون بالقرب من والدته.
فتاة أنيقة تجلس باسترخاء واضح، وإلى جوارها شاب يحمل ملامح ثقة لا تقل عن ثقة شاهين نفسه، بينما كان مروان يجلس بصمت كعادته، وكأنه جزء من الظلام لا من المكان.
ابتسامة واسعة ارتسمت على وجه شاهين فور رؤيتهم، تلك الابتسامة التي تجمع بين المزاح والغرور في آنٍ واحد. اقترب منهم بخطوات مريحة، وكأنه يدخل مجلسًا يعرف تمامًا أنه سيده.
وقال بمزاح:
"منورين يا عصابه توتو."
رفعت الفتاة عينيها نحوه فور سماع صوته، ولمعت في نظرتها لمعة مرح ممزوجة بمكر خفيف. بدا واضحًا أنها معتادة على هذا الجو العائلي المليء بالثقة الزائدة، وربما المؤامرات الصغيرة أيضًا.
ابتسمت له وقالت:
"وحشتيني يا أبن خالتي، سمعت انك عامل شغل جبار، اكتر واحد فينا اخد الموضوع بجديه جامده."
جلس شاهين بجوارها دون تردد، وكأن المسافة بينهما غير موجودة أصلًا. مد يده يداعب شعرها بخفة، تلك الحركة التي تحمل شيئًا من العفوية، لكنها في الوقت نفسه تعكس إحساسه الدائم بالسيطرة.
وقال بثقة لا تخلو من استعراض:
"عيب عليكي، أنا مش أي حد انا شاهين الرواي."
لم يكن هذا النوع من التفاخر غريبًا عليه، فشاهين كان دائمًا يرى نفسه مختلفًا عن الآخرين، وربما كان محقًا إلى حدٍ ما.
عندها تدخل الشاب الآخر، وقد مال قليلًا إلى الأمام وكأنه لا يريد أن يترك المسرح لشاهين وحده. كانت نظراته ثابتة، وصوته يحمل نفس القدر من الثقة التي تملأ المكان.
وقال:
"إذا كان انت شاهين الرواي، أنا وحيد الاباصيري، وبأقل مجهود مني بلفت جواهر، بس الولا اللي اسمه جواد ده رخم وملزق زي أبوه."
رفعت الفتاة قدمًا فوق الأخرى في حركة هادئة توحي بالاسترخاء، لكنها في الحقيقة كانت تنطق بثقة امرأة تعتقد أنها تمسك الخيوط بيدها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم قالت:
"اهو جواد ده بجلالة قادرة بقى زي الخاتم في صباعي، اه صحيح البت دي كل شويه تتسهوك عليه علشان يرجع ليها بس انا مش ساكته كل شويه ابعتلها صورة اصعب من اللي قبلها."
ارتفعت حاجبا شاهين قليلًا وهو يستمع، وكأن الأمر بالنسبة له مجرد لعبة ممتعة يتابعها بفضول.
لكن عينيه تحركتا بعد لحظة نحو الشخص الوحيد الذي لم يشارك في الحديث حتى الآن، مروان.
كان يجلس بصمت واضح، كتفيه متصلبتان قليلًا، وعيناه تحملان ضيقًا لم يحاول حتى إخفاءه. وكأن كل ما يقال حوله لا يزيده إلا توترًا.
مال شاهين قليلًا في جلسته، وحرك رأسه متسائلًا قبل أن يقول:
"وانت عملت ايه يا عم السايلنت؟ البت صعبه عليك ولا ايه النظام؟"
تنهد مروان بضيق واضح، وكأن السؤال أصاب موضعًا حساسًا بداخله. كانت نبرته عندما تكلم مشوبة بشيء من الاختناق، كأن الاعتراف نفسه يثقل صدره.
وقال:
"البت دي صعبه اوي حاولة معاها كتير بس شكلها كده بتحب واحد تاني."
في تلك اللحظة تحديدًا، كانت مريم تراقب كل ما يحدث بصمت تام.
جلست على مقعدها المتحرك بثبات، عيناها تتحركان بين وجوههم جميعًا، وكأنها تقرأ ما يدور في عقولهم لا ما يخرج من أفواههم.
كانت امرأة اعتادت السيطرة، اعتادت أن يكون الجميع قطعًا في لعبة أكبر تديرها هي وحدها.
وأخيرًا، كسرت الصمت.
خرج صوتها باردًا، لكنه يحمل نبرة شرانية كفيلة بأن تجعل الجو كله يتغير في لحظة.
"كل اللي فات ده كان لعب عيال، ومن دلوقتي هنبدأ الشغل الحقيقي."
ساد الصمت للحظة بعد كلماتها، وكأن الجميع يعرف أن ما ستقوله الآن ليس مجرد اقتراح، بل أوامر.
حولت نظرها إلى الفتاة أولًا وقالت:
"انتي يا رقيه حاولي تزودي العيار على الولا ده شويه ولو عرفتي تحملي منه يكون افضل."
ثم انتقلت بعينيها إلى وحيد، ونظرتها هذه المرة كانت أكثر حسابًا وبرودًا.
"وانت ده وقتك البت هتكون مجروحه من اللي عمله الولا ده يعني هتجيلك خلصانه مجروحه هتكون ضعيفه، تقدر تاخد منها اللي انت عايزه براحتك."
أما حين نظرت إلى مروان، فقد كانت نظرتها مختلفة تمامًا، قاسية، غاضبة، وكأنها لا ترى فيه إلا أداة يجب أن تنفذ ما يطلب منها.
وقالت بحدة:
"وانت يا خلفه سودا، حاول تاخد من البنت دي شرفها بأي طريقه حتى لو هتخطفها، المهم انك تخلص اللي قلتلك عليه."
وأخيرًا، توقفت عيناها عند شاهين.
في تلك اللحظة تغيرت ملامحها قليلًا، وتحولت القسوة إلى شيء يشبه الفخر.
وقالت:
"أما انت مش هقولك تعمل ايه علشان واثقه فى ابني حبيبي شاهين الرواي، هو اللي هينهي اللعبه دي كلها زي ما انا عايزة واكتر."
ارتسمت على شفتي شاهين ابتسامة متعالية، تلك الابتسامة التي تظهر عندما يشعر أنه يقف على قمة اللعبة.
وقال بثقة واضحة:
"وحياتك عندي النهاية قربت خلاص والكل هيعرف مين هي مريم، واولادها يقدروا يعملوا ايه."
عندها ابتسمت مريم ابتسامة غريبة، مزيج بين الشر والثقة المطلقة.
ثم جلست في مكانها، وبدأت تلقي تعليماتها على الجميع، وكأنها قائدة جيش يجهز جنوده لمعركة لا تعرف الرحمة.
   

تعليقات