رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والثمانون والاخير
قبل عدة اشهر
***
-طلقنى
كلمة خرجت كالسهم المسموم
بينما هو اختلج قلبه من رؤية عيناها التى تنضحان بقوة عن عاطفة ممزوجة بألم، تنفس بهدر وهو يحاول جمع
شتات عقله، وقلبه يستجدى كفى عذابًا
الصمت، صمت غير مقارن بدقات قلبه التى اشبه
بحلبة ماراثون، عادت كلمتها ثانية:
-طلقنى، طلقنى يا طاهر
حطمت صبره، لم تهتز عضلة واحدة فى وجه طاهر
سوى نبض نحره الذى ينبض بقوة، نكس رأسه بقهر
ثم رفع بصره يسألها بقهر:
-متعبتيش يا بيسان طلقنى طلقنى
ليه على طول محسسانى انى ماليش قيمة عندك
أسهل حاجة طلقنى، انت ولا حاجة يا طاهر أنا
مش واقفة عليك، طب لو انتِ مش بتحبينى
أعمل إيه فى قلبى اللى بقى بيعشقك يا بيسان
صمت يبتلع غصة مؤلمة فى حلقه، رفعت بصرها
إليه وجدت غشاوة رقيقة محيطة بمقلتيها ، أجهشت
فى البكاء بمرارة، ليس سهل ما تعيشه، كأنها تشاهد
فيلم من الذى كانت دومًا تسخر من بطلاته الضعيفة
أحتضنها بقوة وهو يزرعها بين ضلوعه يعتصرها أكثر
وأكثر، وهو يربت على شعرها قائلًا بوجع:
-ليه يابيسان بتعملى فينا كدا؟!
صاحت بنواح وهى تتشبث بقميصه:
-صدقنى هو أنا مش عايزة كدا بس دا الصح
يود سحقها الآن بين ذراعيه فهمس بنعومة:
-طب إهدى
إهدى وفهمينى إيه اللى حصل
-طنط نجاة على طول بتقول أنك حظك وحش، وإنك وقعت واقعة سودة، وإن حظك قليل مافيش معاك واحدة ست تعملك أكلة حلوة، أو حتى تدلعك
بس هى صح انهاردا روحت للبنات وكانوا كلهم جايبين
لبس وحاجات كدا، لبس يا طاهر انا ماقدرش ألبسه انا ماعرفش أعمل زيهم، يعنى فعلا أنت مظلوم معايا فى كل حاجة يا طاهر وأنت زى ما طنط نجاة قالت حقك تعيش
حياتك وحرام تتدفن معايا
صاح بها معنفًا بقوة:
-ايه الكلام دا انتِ أتجننتى
-لا حقيقة انا حتى مش بعرف أتدلع زيهم
أبتعد عدة خطوات عنها يلتقط أنفاسه، لكنه التهم تلك
المسافة بينهم ثانية وجذبها من خصرها هامسًا امام
عيناها:
-مش حقيقة يا بيسان، ومش باللبس خالص أنا بحبك
فاهمة، وآه لو تعرفى بس لما بتبقى متوترة وتدلكى رقبتك الحركة دي لوحدها بتجننى يا بيسان ولما بتعمليها قدام حد حرفيًا ببقى بموت، لما عينيك بتلمع بثقة ببقى نفسى أحطك فى حضنى وأخبيكِ من الدنيا، ومحدش يشوفهم غيرى، كل حاجة فيكِ بحبها وبتجننى مش لبس ولا أكل، أنا دايب فيك من غير مجهود وبعدين أنا أعقل من الهبل دا أنا راجل وعارف قيمة مراتى، والجواز مش أكل ومعاشرة زوجية بس حاجات تانية أكبر وأكتر وبحسها معاكِ
رفرفت بأهدابها وسألته بوجع:
-بجد مش متضايق؟! مش حاسس إنك مظلوم معايا
تقابلت عيناه بعيناها البريئتين، أغمض عيناه فهى
بهذه الحالة المغرية كأنه يراها لأول، ماذا تود أكثر
أن يقع صريعًا تحت قدميها، فهو لم يضعف ابدًا أمام
إمرأه وكانت تحمل كل مقومات الأنوثة، لكن تلك
البريئة ، تحمل النضج والطفولة، ثبت نظره على
شفتاها ثم هبط بنظره على عنقها المرمرى،
رفع بصره إلى عيناها، وهمس بصوت أجش
وأنامله تداعب عنقها:
-لأ لازم أثبتلك
أختلج قلبها حينما شعرت به يطبع قبل متفرقة على
عنقها مما جعلها فى حالة تشويش، ثم سرعان ما
أستعادت ثباتها هامسة:
-طاهر انا زعلانة بجد ومتأثرة وانت كدا بتشوش تفكيري
أسبلت عيونها فحملها بين ذراعيه لكنه تسمر مكانه
وهو يرى خلخالًا يزين قدميها فسألها باستنكار:
-انتِ لابسة خلخال
-كانت محاولة فاشلة
قشعريرة هزت جسدها حينما لامست لحيته عنقها وهو يهمس بنبرة لعوبة:
-سيبك واتفرجى على المحاولات العالمية بقى
*****
فى الوقت الحالى
شحب وجه تارا وسألته بإرتجاف وهى ممسكة الورقة:
-أيه دا؟!
إبتسم تامر بسخرية وكتم غصة الحزن بقلبه هاتفًا:
-مش مكتوب قدامك عقد شقة بإسمك فى كومباوند
ولا مش واضح، التلات سنين دول مش فرحان بوجودك
معايا وبس وماكنتش حابب نفضل كدا من غير مسمى
وكنت بعافر ليل ونهار يادوبك بعد ما جمعت كل اللى معايا
من شغلى عند طاهر وشغلى فى مكتبنا كانوا مقدم شقة فى مكان نضيف وكنت بحاول أسدد
الباقى وأوضب الشقة، بحاول أسابق الزمن، هو صحيح
عدى تلات سنين بس غصب عنى، أنا مش زى طاهر
ولا كرم ولا ساهر عشان أتجوز تانى يوم، نسيتى إنى
ماليش حد ماليش أهل يقفوا جنبى عشان أتجوز
بسرعة
قاطعته بصوت مختنق هامسة:
-وليه مقولتليش، وأنا ماكنتش عايزة شقة فى المكان
دا يكفينى إنك تقولى أنك بتفكر فى الجواز منى
همس بصوت أتعبه الشوق والفراق ممزوج بسخرية:
-بتفكر فى الجواز منى!! بس بفكر يا تارا؟!
هو فى تلت سنين دول معرفتيش انتِ بالنسبة ليا أيه؟!
إرتجاف صوته كإرتجاف قلبه ودموع هطلت رغمًا عنه
هاتفًا:
-بس هتعرفى إزاى وانتِ بقالك ست شهور متغيرة
ومعذبانى، أنا بقيت حياتى حاجة واحدة وبس هى
انتِ ومش عايز غيرك فجأة أتغيرتى، عارفة أنا كنت
بحس بأيه؟! عارفة لما قررتى فجأة تفصلى مكتبك
عنى حصل فيا أيه أنا حاولت ابان جامد لكن كنت
ببكى من جوايا، ودلوقتى بتعاقبينى بالبعد طب كنتِ
إتكلمتى معايا أسهل
قلبها يحترق بين ضلوعها ودموعها تحرق جفنيها تتأرجح
بين إتهامه وبين قلبها، وآه من قلوب لا سلطان عليها
همست:
-أنا بعدت عشان أعرف أفتح الموضوع وأعرف أكلمك
بس أنت كالعادة يا تامر وجعتنى وشكيت فيا
تبادل النظرات معذبة متألمة صارخة بالعشق، همس
بنبرة تدينها:
-فاكرة لما حذرتك أول مرة من الإرتباط بواحد زى وقولتى
موافقة، كان لازم تفهمى أنك بقيتى روح لروحى ومتحرم
تفارقى جسدى، أنا من غير أهل، من غير وطن،من غير حد
مش من حقك تبعدى بمزاجك ياتارا وتيجى تلومى أى
رد فعل منى
رفعت بصرها تسأله بقهر:
-ليه الشقة بإسمى مش بإسمك
-عشان هى عشانك أنا مش متعود على الشقق
الشقة ليكِ أنا هاسكن جوه قلبك
فتحت ثغرها للإعتراض قرأه فى عينيها فهمس بحزم
أطلعى دلوقتى ونتكلم بكرة فى المكتب
صمتت تسأله بقلق:
-هتروح فين وأنت كدا خليك هنا شوية
-هروح الملجأ محتاج أروح هناك، أطلعى
انهى كلماته بحزم فمدت يدها بالورقة فى صمت فحدجها
بنظرات نارية فهزت رأسها بالإيجاب لتعود مجددًا للداخل
★★★
فى اليوم التالى
وقف ينظر إليها بأعين مشتاقة وهى تجلس فى مكتبها شاردة حزينة لم يتحمل رؤيتها هكذا؛ نظرات الحزن
تندلع من عينيها البنية الجميلة القاتمة ك لون القهوة
أنفها الصغير المنمق، وثغرها الوردى الرفيع
انتبهت على وجوده رفعت رأسها تسأله بتلعثم:
-تامر انت هنا أنت جيت إمتا
حك مؤخرة رأسه وهو يقهقة على تلعثمها هاتفًا:
-أحلى لحظة فى حياتى لما تبقى بتقطعى كدا
فى الكلام
رمقته بصدمة هاتفة:
-والله بتضحك وأنا اللى طول الليل منمتش من إحساسى
بالذنب إللى يشوفك إمبارح ميعرفكش دلوقتى
-طبعًا مش انتِ قدامى يبقى أنا تمام وزى الفل
أنا كان همى الوحيد حاجة واحدة بعدك عنى وبعد كدا
مفيش شئ يضايقنى
فجأة تحولت ملامحها من حمل وديع لنمرة شرسة جعلته
يتوجس وهى تقترب منه قائلة:
-اغيب كام يوم آجى ألاقى الشغل كله بايظ والدنيا داخلة
فى بعض وبتحجز الأماكن على بعض أنت كنت شارب
أجابها بإقتضاب:
- محدش قالك تغيبِ انتِ السبب فى كل دا، ومن أتلف
شئ عليه اصلاحه
همست بدلال أنثوى ومن مثلها يليق به الدلال:
-تيمو أنا منمتش من إمبارح إنت تبعت تجيبلى فطار
وتخلص الشغل دا كله وأنا هتفرج عليك
أنتفض قلبه بقوة إثر طريقتها الناعمة فهمس:
-أنا ظبطت نفسى فرحنا يبقى بعد شهرين
هزت رأسها بنفى هاتفة:
-خليها بعد تلات شهور تكون بيسان ولدت
-طاهر لو ماضى شيكات مش هيخلف
عيل كل سنة كدا إحنا مش هنستنى حد
ضحكت بصوت عالى هاتفة:
-دا كويس إني مقولتش هاجر كمان
اصدر صوتًا ساخرًا:
-هاجر مين اللى استناها، اقسم بالله هاجر سبب كل
اللى حصل لا وتقول أبقى طمنى على تارا
حاولت كبح ضحكاتها ثم سألته بجدية زائفة:
-مالها هاجر بتكلم عليها كدا ليه
-تارا متجننيش طب أقسم بالله مش هشتغل حاجة
وخلى هاجر تنفعك أنا بقيت أتعصب بس من سيرتها
أولاها ظهره منصرفًا بعصبية لكنه فجأة توقف مكانه
وجحظت عيناه عندما وجد احدى التحف الكريستالية
تنصدم بالباب فاستدار لها يسألها:
-انت كنتِ هتموتينى
-لأ دا مجرد تهديد عشان متتكلمش على هاجر كدا
رمقهأ بذهول هاتفًا:
-كنتِ هتموتينى عشان هاجر
-تؤتؤ عشان لسانك الطويل
****
بعد مرور ثلاثة شهور
فى المشفى
رمشت بأهدابها ليتبين جرتين العسل خاصتها شمسه
التى تشرق بنور عيناها أقترب منها يطبع قبلة ناعمة
على جبتها هاتفًا
-حمدلله على السلامة يا بيسان
بللت شفتاها وهى تنظر لعيناه هامسة:
-الله يسلمك يا طاهر، البيبى أيه نوعه؟!
انهت كلماتها وهى تنظر فى عيناه، فحينما علمت بحملها
للمرة الثالثة رغبة فى إنجاب فتاة لتحقق أمنية طاهر
اصرت أن تظل مفاجأة وانها لن تخضع لمعرفة
جنس المولود إلا حين ولادته، انفلتت ضحكة خافتة
من كارما فلكزها كرم وهو يسيطر على تعابير وجهه
فنظرت لهما ثم نظرت لأختها تسألها:
-تارا هو أنا جيبت أيه؟!
ابتسمت تارا وهى تقول:
-جبتى أخ لأولادك يعنى هتعيشى وسط أربع رجالة
اغمضت عيناها بحزن طفيف كانت تتمنى فتاة ضمها
طاهر لصدره هاتفًا:
-يا قلبى تسع شهور بس عدى تسع شهور وتكون اختهم نورت الدنيا
لكزته وهى تهمس:
-ابعد يا طاهر وإياك اسمع الجملة دي تانى كل مرة
كدا وبتضحك عليا
قهقة كرم فاقترب منها طاهر هامسًا:
-كدا شمتى الأعداء فينا
ثم تابع
-هروح أجيب البيبى من الحضانة وآجى
أنصرف طاهر ومعاه كرم وما أن أغلقوا الباب خلفهما
رمقتها نجاة بغيظ هاتفة:
-والأسم دكتورة وتالت عيل فى تالت سنة دا لو واحدة
جاهلة مش هتعمل كدا، ولا هو نظام أربطيه بالعيال
توسعت عين تارا هذه هى المباركة على سلامة اختها
وقبل أن ترد عليها كانت بيسان تقبض على يدها تتوسلها
بعيناها توسعت عين تارا بصدمة أغمضت عيناها بوجع
فصمتت تارا إحترامًا لرغبة إختها لكن كانت تفرك فى مكانها كالثور المربوط الذى يود أن يحل رباطه
****
بعد مرور عدة أيام
ولج هاجد حجرته وجدها نائمة وقف يراقبها ثم جلس
بجوارها يتأمل ملامحها الناعمة التى يعشقها
أنزوى عقله فى ركن الذكريات وهو يتذكر ضحكها
ودلالها عليه الأيام الماضية أبتسم هو يسمع صدى
ضحكاتها تدوى فى أذنه، هو أمام ضحكتها وغنجها
يخر جاثيًا على ركبتيه، مد يده يتلمس بطنها المنتفخ
ثم أقترب يقبل شفتاها فتحت عيناها تحاوط عنقه
هاتفة:
-قفشتك متلبس قر وأعترف بتعمل أيه؟!
-هاعترف الصراحة مشتاق فجيت أسرق قبلة هل
حرام على المشتاق قبلة
-تؤتؤ طالما مشتاق يبقوا قبلتين
أستقامت تقبله ثم ضيقت عيناها وهى تسأله
-مالك يا هاجد
تنهد وهو يغلق عيناه هاتفًا
-هاجد تعبان
أقتربت مسرعة تضع يدها على ظهره تسأله بقلق:
-مالك يا حبيبى
-حاولى تفهمينى صح يا هاجر ارجوكِ
-قلقتنى يا هاجد
تناول يدها هاتفًا:
-إسمعينى خالتى للأسف تعبانة جامد اوى، وعمى مصطفى قرر أن يسافر معاها لبرا أمل فى ربنا
كبير، هى دلوقتى طالبة أنك انتِ واخواتك تتجمعوا
عندها على أساس إنك الكبيرة وتوصيكى عليهم
بصى أن مرضتش أتكلم خالص ونقلتلك اللى
أتقال قدامى من عمى مصطفى واصريت إنى أنا
اللى أبلغك وأشوف رد فعلك الأول لو موافقة
تمام يبقوا يجوا يقعدوا تحت مع ماما لو مش
كدا ماما هتروح هى هناك
سحبت يدها بهدوء ونهضت من مكانها وفكها يرتعش
وأثر كلماته يتردد بداخلها فهمست:
-ودا أسمه كلام بردوا يا هاجد الست تعبانة ودول
أخواتى هاتهم هنا يقعدوا معايا فى شقتى ويقعدوا
تحت ليه؟! دا إحنا هنتسلى أوى مع بعض ونتبسط
وهنسهر مع بعض
كان هاجد يرمقها بصمت وصدمة فصرخت بهيستريا
-دا الرد اللى مستنينه من هاجر صح، عشان عديت
وعيشت حياتى عشان قولت لازم أكون أقوى فاكرنى
مش بحس، لأ وكمان أبويا عايز يبلغنى عشان أطير
من الفرحة إن مراته قررت دلوقتى إني أشوف أخواتى
وأدخل فى جو العيلة دا أيه كرم الأخلاق دا
-إهدى يا هاجر إهدى عشان اللى فى بطنك إهدى عشان
خاطرى أقسملك بالله أن كنت هرفض نهائى والله بس عشان
عارف أنك نفسك يبقى ليكِ أخوات طول عمرك حبيت
أعرض الكلام عليكِ
كان ينثر الملح على جروح لما تشفى بعد فصرخت به
كالحمم هاتفة:
-أنا ماليش أخوات كل اللى حصل من خمس سنين
معرفوش محسوش، ولا عرفوا وحسوا وكبروا دماغهم
هما مكتفيين ببعض، كان نفسى فى أخوات صح بس
زى ساهر لما عرف أن عنده أخت جرى دور عليها
وراح يشوفها لكن دول لأ، وعلى فكرة هما اللى زى أمهم مش أنا
والنهارده أنا بقولها زى ماهى قالتها زمان أنا رافضة
وجودهم فى حياتى عشان ميخربوهاش أما خالتك
اللى طالبة السماح معنديش سماح بس هى صلة رحمك وسوسو أختها أنا اللى همشى من البيت دا وهااخد عيالى
عشان ارفع عنكم الحرج
زمجر بصوت مكتوم ثم اقترب يسحبها من يدها ووقف
أمامها قائلًا بأباء مجروح:
-انتِ رايحة فين هو أنا عملت ايه لكل دا أنا وصلتلك بس رسالة عشان لما
زمان خبيت عليكِ حاجة زى ديه زعلتى وقولتى كنت
عارفة أنا ليا اخوات ومخبى بس دلوقتى ممكن ترقضى
عادى، وكل اللى ليكِ هنا يا هاجر عيالك بس
تحدثت بإختناق شديد وهى تجاهد أن تظل واقفة:
-سبنى امشى من هنا يا هاجد حاسة أن المكان بيخنقنى
قاطعها باهتياج قائلًا:
-بيتنا بيتنا دا بيخنقك يا هاجر، عايزة تسبينى وتمشى يا هاجر ليه
ألم اسفل ظهرها تزامنًا مع أسفل بطنها مما جعلها تضع
يدها اسفل بطنها وتتنفس بصعوبة هامسة بتقطع:
-بطنى هتموتنى آه، مش قادرة
******
فى المشفى
انزلقت عبراته بكسر القدر يضعه فى نفس الموقف مرة
اخرى انفاسه تخنق صدره يشعر أن الدنيا بحالها تضيق
وضع راحة يده على قلبه الممزق كأنه يجبر جروحه
فربت كنان على كتفه هاتفًا:
-متقلقش هى بخير بإذن الله
دقائق وخرجت الطبيبة من الغرفة تحدثهم بعملية:
-هى الحمدلله بخير والبيبى دا كله بسبب الضغط
هى خترتاح شوية وممكن تمشوا
دون أى كلمة تحركت كيان تتدخل الغرفة وما أن نظرت
لهاجر شعرت بنصل حاد ينغرس فى قلبها؛ حالة هاجر
تجعلها تتلمس ندبات الماضى، فالماضى جزء لا يتجزأ
منهما رفعت هاجر عينيها لها هاتفة:
-عايزين اسامح لمجرد إنى سكت وكملت فى حياتى
حتى دا استكتروا عليا يا كيان محدش حاسس أنا
بحارب أيه كل يوم عشان أوصل لثبات دا
ابتلعت كيان غصتها نفس موقف والدتها التى طلبت مقابلتها مرارًا كى تطلب غفرانها، همست كيان بألم
وصوت متحشرج:
-بس خلاص أحنا نسينا كل حاجة ليه توصلى نفسك
لكدا عيالك عايزينك وجوزك كمان
-احنا مانسناش ولا عمرنا هننسى ياكيان احنا بنحاول
نعيش وهما مش سايبنا فى حالنا
ارهقها أن تكون عقلانية فى مداواة جروح الاخرين
جلست على المقعد أمامها تغطى وجهها براحتيها
وانفجرت من بكاء هاتفة:
-أنا كمان مش قادرة اسامح ولا اشوفها كانت قاسية
اوى طلبها مستحيل، طلبها دا انانية بتحملنى اكبر من
طاقتى، مش كفاية كنان اتحمل كل حاجة تخصها لكن
بردو لسه بتطلب بكل بجاحة
اغمضت هاجر عينيها بوجع ثم فتحت عينيها تبتسم
وتعالت ضحكتها وهى تضع يدها اسفل بطنها هاتفة:
-هو مفيش غيرك يدخلوا ليا دا انتِ لوحدك قنبلة
نكد دا كدا الحمل فى ذمة لله
تدراكت كيان نفسها سريعًا ومسحت دموعها ونهضت
تقترب منها هاتفة:
-آه معلش انتِ كويسة صح؟!
هزت رأسها ثم سألتها بندم:
-هاجد كويس؟!
-حالته صعبة اوى دا كان بيعيط يا هاجر من خوفه
عليكِ
-طب اخرجى حضرتك عشان هو يدخل
بعد دقائق كان يقف أمامها يشعر بغصة فمهما حاول
سيظل شبح الماضى يطارده اقترب يسألها عن حالها
-انتِ كويسة يا هاجر؟!
-لأ
اقترب ثم وضع كف يده خلف رأسها دفنها فى صدره
دون كلام لكنها انفجرت باكية حينما ربت على ظهرها
فهمس بنبرة حانية:
-اهدى يا هاجر وحقك عليا وعلى قلبى ورأسى
كان يحدثها وهو يقبل رأسها قبلات متتالية، حتى هدأت
وابتعدت عنه وهى تمسح وجهها هاتفة:
-أنا مش هعتذر على فكرة عشان كل اللى بيحصل
دا مش بسببى دا بسبب بنتك
-بنتى؟!
-ست وصال مخلينى عصبية
-بتكلمى جد يا هاجر انتِ عرفتى وتأكدتى
هزت رأسها بالإيجاب فاحتضان يدها بين راحتيه وكأنه بحتضن قلبها ثم مال يقبلها هاتفًا:
-أنا فدا وصال وهاجر بس عايزك تعرفى حاجة
أنا كنت متأكد من عدم موافقتك بس حبيت اديكى
حرية الرفض وماكنش بتكلم بلسانك أنا عايزك قوية
ومش ضعيفة وحابب أنك انتِ اللى تقررى عشان كدا
جيت كلمتك مش بفرض رأى خالص يا هاجر
رفعت عيناها ترمقه بصمت فهمس هو بقهر:
-كل اللى فى بيت عيالك بس؟!
ابتسمت تجيبه بخبث:
-أيوة ولادى بس سفيان ومؤيد وهاجد ابنى البكرى
حاوط خصرها وهو ينظر فى عينيها هاتفًا:
-أنا موافق أن اتثبت أنا بقول نروح بيتنا
قهقة وهى تهز رأسها هاتفة:
-ياريت اصلى مش بحب المستشفيات خلينا نشوف
حوار المشتاق دا
فى الجهة الاخرى
تسير فى الردهة تبحث عن زوجها فجأة سحبها من
يدها واغلق باب المكتب، حاصرها وهو ينظر فى عيناها خفق قلبها بقوة وتاهت فى عيناه دون حول ولا قوة منها حتى أستفاقت على نفسها تسأله
-كنان
كان يعلم أن ماحدث لهاجر سيقلب مواجعها فابتسم بمكر
-أنا عندى مشكلة ياكيان
-خير
ارتسم الحزن الزائف وهو يقول:
-الرجل اللى عمل المكتب بتاعى، كان عامل مكتب
هنا فى المستشفى تصورى امبارح المكتب اتكسر
مفيش ضميرى خالص
كانت تطالعه ببلاهة فتابع بجدية يحسد عليها:
-المهم أنا عايز أتاكد أن المكتب دا تمام
اجابته بتلقائية
-خلاص يا حبيبى شوف نجار تانى
تحمحم وهو يوسع لايقة قميصه واجابها بصوت أجش:
-بس أنا عندى طريقة تانية
شهقة وهى تبتعد عنه فابتسم فجذبها لترتطم بصدره
ويده الاخرى تفك دبوس حجابها ثم مال يقبل شفتاها
هامسًا:
-أنا شايف أننا محتاجين نجتهد شوية عيل واحد
فى تلات سنين شايفة اللى حوالينا
-كنان
جز على شفتاه هامسًا:
-هنقضيها كنان الواد يطلع وحيد زى
عضت على شفتاها وهى تقول:
-لأ احنا كدا لازم نروح ونتفق موضوع مهم
مال يقبلها بشغف ثم ابتعد يلتقط انفاسه هامسًا:
-عربون اتفاق لحد ما لحد ما نروح ونجتهد فى حوار
البيى دا
حبها ألتصق به كأنفاسه اصبحت هى بهجة أيامه
فصنع بداخله مهدًا لها ليخبأها عن العالم بين حنايا
روحه
*****
تجمع عائلى لطيف ليحتفلوا بعيد ميلاد ابنة كرم الصغيرة
ملكة عرش قلب والدها (رؤى) بدأت كارما فى رص المشروبات مع حماتها فاقتربت بيسان كى تساعدهما
فازاحة نجاة يدها هاتفة:
-معلش أنا بقرف عشان شغل المستشفيات
ما أن ألتقطت أذن تارا كلمات نجاة فقدت عقلها واقتربت
تصرب على الطاولة بكل قوتها هاتفة:
-عيدى تانى بتقرفى من مين؟! لا كدا كتير
أنا فاهمة كويس أنك مش عايزها
بس هى ليها احترامها اختى بنت ناس مش تبيع وتشترى فيها، افكرك ديه الدكتورة بيسان اللى اكبر شنب فى وزارة الصحة بيتهز ليها مالك مش طايقها ليه، بتلومى على اختى فى الخلفة مش بتلومى على ابنك ليه، لو انتِ معترضة عليناكنتِ رافضتى لكن مش كل مناسبة كدا تكسرى بخاطرها لو عندك بنت ترضى ليها كدا غير، وهى عمرها ماهتشتكى عشان بتحب ابنك وانتِ مش هتبطلى
بس كدا خلاص كفاية
حدثها كرم بعصبية:
-تارا خلاص ازاى تكلمى امى كدا؟!
-كرم خليك فى العسل اللى انت عايش فيه الله يكرمك
وعلى العموم احنا هنريحكم هاخد اختى وهمشى من
هنا
حدثها بقهر فهو لم يكن يعلم شئ عن تصرفات والدته
-أنا مراتى مش هتخرج من بيتى وأى كلمة تتقال لمراتى
تبقى ليا واللى يجي عليها يبقى يجى عليا، وأكيد
امى مش قاصدها أنها تثبت أنى مش راجل ومش
قادر احافظ على كرامة مراتى، أما خروج مراتى
من بيتها مستحيل واعرفى يا تارا انى استحالة اكون
عارف وقابل حاجة تكسر خاطر مراتى
كانت تقف فى الزواية تكتم شهقاتها بقهر فاقترب منها
يتناول كفها ويحمل صغيره على يدها ثم نظر لتارا:
-هاتى العيال وتعالى فوق يا تارا
ثم تابع وهو ينظر لأخيه:
-كل سنة ورؤى طيبة يا كرم
جلست نجاة على الأريكة تبكى بحسرة
-ماكنتش عايزة الأمور توصل لكدا أنا كنت متضايقة
أن ابنى مسمعش كلمتى وخدها بس والله كنت بقعد
مع نفسى احاسب نفسى، بس أنا مش عايزة خراب
بيت ابنى
تنهد كرم بضيق ثم جثى على ركبته يضم أمه لصدره
*****
بعد المواقف لا تنسى، تظل فارق فى حياتنا لحظة كنقطة
فاصلة، كان يدور فى كنمر حبيس فى مكانه ضاغطًا على
عظام فكه بقوة، وهو يحاول التحكم بغضبه، وتلك
الغصة التى تخنق انفاسه، توجه للغرفة وجدها منكمشة
على نفسها فوق الأريكة، جثى على ركبته أمامها هامسًا
-ليه خبيتى عليا يا بيسان كل دا يا بيسان
كتمت انفاسها بداخلها اطول فترة ممكنة حتى شهقت
بقوة مع نزول دمعة خانت عهدها هاتفة:
-عشان عشت طول عمرى فى عيلة مفككة ما كنتش
حابة ابقى سبب المشاكل بينك وبين مامتك ولا افرقكم
-ماكنتش فى حاجة هتفرقنا بس لازم تعرفى أنك
كرامتك من كرامتى وأنك تاج على رأسى يابيسان
أنا من يوم ما عرفتك وانتِ قوية واستحالة اقبل
أنك تضعفى بسببى، مهما كان وخليكِ واثقة فيا
إنى اعرف اجبلك حقك ومن غير ما الدنيا تبوظ
أنا وحقك عليا فى أى حاجة حصلت
-بحبك
قالتها والدموع تلوح بعينيها نهض يجلس بجوارها هاتفًا
-وأنا بموت فيكِ، أيه رأيك نجرب حظنا ويمكن
تسع شهور وتيجى بنوته قمر زيك
-حظنا أيه دا احنا عندنا بيبى مكملش ٣اسابيع
-عادى خير البر عاجلًا
فتح ازار قميصه وهو يقول مش هتقيسى الضغط
نهضت واقفة وهى تقول:
-ابعد عنى يا طاهر
حاوط خصرها ومال يمسح دموعها بشفتاه فذابت هى
كالحلوى بين يديه حتى طرق الباب فابتعدت عنه
تحك راقبتها بطريقتها المعتادة فتوجه هو ليفتح
الباب فوجد كلا من والدته وكرم وكارما ومعاهم
كعكة العيد ميلاد فابتسم وافسح الطريق فسألته
والدته عن زوجته ثم توجهت لها وولجت بعد أن
طرقت الباب فتحمحمت:
-بصى يا بيسان أنا ممكن تكون طريقتى كانت ناشفة
معاكِ بس أنا مش بكرهك يمكن يكون كان عندى تحفظات
بس أول مرة شفتك فيها اتمنيتك لأبنى، وصدقينى
استحالة اقبل بخراب بيت ابنى، وانتِ زى بنتى وحق..
قبل أن تكمل كلامها قاطعتها بيسان هاتفة:
-حصل خير يا طنط وانتِ زى ما مامتى وأنا اسفة
على اللى عملتوا تارا اختى
-غلبتينى بالأصول، خلينا نبدأ صفحة جديدة ويلا
بينا عشان عيد ميلاد رؤى
فى الخارج
مال كرم على طاهر هامسًا:
-اقفل القميص عدل يا مفضوح، سريع فى الصلح دايس فى أى مصيبة
رمق طاهر قميصه ثم اجابه:
-أنا كنت نايم عادى انت اللى دماغك وحشة
-احلف كدا أنك مقولتش جملة عدى تسع شهور
-طب وغلاوة عمتك ما حصل
قهقة كرم وضرب كفه بكف اخيه هاتفًا:
-طالما حلفت بعمتك تبقى صادق أتاخرت ليه؟!
تلك الجملة قالتها تارا لتامر وهى تقف مع على اعتاب
فاردف هو بابتسامة:
-متأخرتش انا جاى ساعة بدرى على فكرة
هزت رأسها وهى تنظر خلفه ثم سألته:
-هو انت جاى لوحدك
ضيق عينيه يسألها بتحفز:
-اه جاى لوحدى مينفعش امشى
صدمت من رده الخشن وزمت شفتاها هاتفة:
-أنت بتلكك عايز تمشى
تنهد وهو يقول بنبرة هادئة:
-كلهم كانوا مصريين يجوا معايا بس أنا اصريت اجاى لوحدى يا تارا حابب اهلك يشوفنى كدا ويوفقوا من غير
ضغط
تلاعبت بحاجبيها وهى تقول باصرار:
-ولا ضغط ولا حاجة بعينيك تهرب منى، مش بعيد
يروحنى معاك انا عملتلك حملة انتخابات عنب
بعد مرور نصف ساعة
وضع تامر كوب العصير امامه على الطاولة وهو يقول
-أنا جاى انهارده اطلب ايد تارا وأنا زى ما انتوا عارفين
اتربيت فى ملجأ
ابتسم والدها وهو ينفس دخان سيجارته هاتفًا:
-أنا طول عمرى راجل اوبن دماغى عالية وكل اللى
يهمنى الحاضر بتاعك وطالما عندك بيزنس وهتعيش
بنتى نفس المستوى اوكيه جووو
نظر تامر لتارا يسألها بإستنكار:
-جوو يعنى ايه اخدك وامشى مفيش اى حاجة
-جو، يعنى نقرأ الفاتحة
توسعت عين تامر بذهول هاتفًا:
-بسهولة ديه
تحمحم تامر ثم تابع:
-انا حابب الفرح يبقى بعد شهر لو تمام نقرا الفاتحة
هزت والدتها رأسها بالإيجاب هاتفة:
-حلو اوى عشان احنا هنرجع دبى تانى
رفعوا الجميع كفوفهم للأعلى يقرأوا الفاتحة وما أن انتهو
هتفوا فى نفس واحد
-امين
★★★★
أما بعد فقد حان موعد اللقاء بعد ليالى عذاب فذلك
الليل الذى لم يرحم قيس مجنون ليلى لم يرحمه
ادمانها أصبحت هى المأوى لروحه بعد أن لفظته
جميع القلوب، وهو اول من اقتحم عذرية قلبها
كانوا اجمل عروسين، اجمل لوحة للعاشقين
-أنا بقالى ساعتين ومش عارف أجيب اخر الخيوط ديه
تارا
تلك الجملة اردفها تامر بتذمر فعقبت تارا بغنج:
- أنا جبته مخصوص
كدا عشان تفكه واحدة واحدة عشان تتعذب
ابتسم بخبث ثم دس يده فى جيب بنطاله واخرج (المطواة) فى ثانية
واحدة كان الفستان يتكوم اسفل قدميها وبقت هى
بملابسها الداخلية فصرخت بحدة وهى تهرول من أمامه
وتغلق باب الغرفة خلفها فخبط على الباب هاتفًا:
-تارا افتحى
-مش هفتح مالكش كلام معايا بوظت طموحى وأمالى
-طموح وآمال ايه انتِ فرهدتينى هنقضى الليلة فك
خيوط العنكبوت ديه
اجابته بتذمر:
-وأنا كمان بقى تعبانة من الفرح ومفرهدة وهنام وانت
هتنام
-هتفتحى ولا أكسر الباب
-اكسر
فتح مطواة ثانية وحاول فتح الباب
ونجح ثم اقترب منها ينظر فى عينيها فحبها اهرم
قلبه مر بجميع مراحل الحب معاها الخوف والفراق
الجنون نظرت فى عينيه ولا تعلم متى وكيف وقعت
فى غرامه، شعرت بأنفاسه تلفح وجهها جعلتها
متوترة فهى لأول مرة معه فى مكان بمفردهما
رعشة تسرى بجسدها متوترة الانفاس مضطربة
قربها منها واسند جبينه على جبينها يتنفس
أنفاسها كانه مدمن حصل على ادمانه ثم همس
بمشاعر جياشة:
-هتفضلى طول عمرى اجمل حاجة حصلتى يا تارا
شهقت فجأة وهو يقبل عنقها ثم دفعها على الفراش
خلفها مما جعله يقع فوقها، اغمضت عينيها تشعر
وكأنها فى عالم غير العالم، عالمهما لايوجد به
سواهما، كان يشعر بعنان السماء تارا اصبحت
زوجته وملكه
*****
