رواية حتي يجمعنا القدر الفصل التاسع 9 بقلم رشا رومية



 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل التاسع بقلم رشا رومية 



لسنا متساوين فكلنا إختلاف، كالبحار تمامًا فهذا عذبٌ فُرات وهذا مِلح أُجاج، ليس كل جميل الشكل جميل المَعشر، ولا كل حلاوة البدايات هي ذاتها النهايات، ليس كل ما يَصدِق بوجودك هو نفسه بغيابك، لا يخدعُك ما يُظهِر وتغفل عن باطنِه، لكن إحذر من أن تسقط بهاوية المُقارنة، تلك التي تفتح أبواب من الجحيم لا تنتهي، حاذر من أن تُسقِط دفاعاتك بمقارنات محرمة وقت ضعفك، حُزنك وإن كان يملأك فلتتذكر أن الإنسان مأجور على حزن قلبه وأصبر على البلاء.

رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


يشفق المرء على نفسه حين يدرك أن تعاسته قد أتت من سوء إختياره، وأن حزنه إكتسبه وهو يبحث عن السعادة، كونك كنت حقيقيًا بكل شئ حتى مشاعرك هو سبب لذلك الأذى الذي يلحق بك، لا تبدل ذهبك الخالص بذرات التراب لتتجنب الأذى، واجه صارع إبحث عمن يستحق نقائك وإقتنص من الحياة أجملها.

رشا روميه 

السويس (بيت فرح الصعيدي)...

عيون ثابتة وتجهم واضح لتلك الشاردة بأفكارها بينما كانت والدتها تتابع إحدى حلقات مسلسلها المفضل، إلتفت "مديحة" نحو "فرح" التي تبدلت بين يوم وليلة لتصبح صامتة مستكينة باهتة لا تضج بالحيوية كما كانت، تنهدت "مديحة" برفق لتحاول إخراج "فرح" من شرودها:

- عارفه، أنا طول عمري بحب المسلسل ده، لو إتعاد كل يوم حتفرج عليه.


إنتبهت "فرح" لأمها دون إدراك عما تتحدث:

- هاه، كنتِ بتقولي حاجه يا ماما؟


تفوهها بكلمة (ماما) وليس (ديحه) كما تحب أكد لـ "مديحة" بأن "فرح" مازالت تتخبط بطريق حزنها على هذا الأناني الذي لا يستحق دقيقة واحدة تحزن بها على خروجه من حياتها:

- لأ يا "فرح" لأ، إنتِ لسه شاغله دماغك بالواد ده!! فوقي ومتعيشيش بالحزن، الحزن بيقتل كل طموح جواكِ، ويا ريته يستاهل الحزن ده، بكره تشوفي ربنا حيعوضك إزاي.


حتى قدرتها على التغاضي وإصطناع اللا مبالاة رحلت وتركتها، سقط قناع التقبل وتجلى وجه الحقيقة، لم تقدر "فرح" على إكمال هذا الحديث بعتابها طيلة الوقت:

- بالله عليكِ يا ماما قفلي على الحكايه دي، أنا عمري ما حفكر تاني في الموضوع ده خلاص.

بقلم رشا روميه 

تجهم وجه "مديحة" وهي تلتف بحدة وحنان بمزيج لا يكمن إلا بقلب أم تخشى على مصلحة إبنتها:

- ليه بقـــــى!! هو كان آخر واحد في الدنيا؟!


- بالله عليكِ يا ماما، أنا.....


قطعت حديثها حينما دق هاتفها لتجيبه بإمتعاض:

- ألو، أيوه يا "ريهام".


صوت متلعثم بصورة واضحة أجابها بتردد:

- اا، "فرح".. إنتِ كويسة؟


قوست "فرح" شفتيها للأسفل لتجيبها بتعجب:

- كويسه، خير مالك، عماله تتهتهي ليه؟


حاولت "ريهام" أن تنتقي أفضل الكلمات لتخبرها بالأمر لتجيبها بتردد:

- بصي، هو أنا مكنتش عايزه أقولك، بس اااا..!!


- "ريهام"، قولي وخلصيني.


قالتها "فرح" بنفاذ صبر، بينما ألقت صديقتها تلك الكارثة بوجهها دون إنتظار:

- أصل، "هاني" خطب.


تلك النبرة القوية التي كانت تمتعض بها منذ قليل تلاشت تمامًا، لتنعدم الكلمات بحلقها، أبت الحروف أن تنفلت من بين شفتيها لتجاهد نفسها بعد لحظات قائلة بنبرة منخفضة يملؤها الصدمة:

- خطب!!!!! خطب مين؟!


- بنت صاحب أبوه، ده اللي سمعته، قرايه فاتحتهم كانت النهاردة.


مالت "فرح" شفتيها ساخرة مما تستمع إليه:

- على طول كدة، ده ماخدش وقت!!!


لملمت "ريهام" شفتيها بضيق فلم تكن تريد أن تكون هي من تزيد جرحها:

- سامحيني يا "فرح"، بس أنا قولت أقولك أنا أحسن ما تعرفي من حد تاني.


إنتهت قدرتها على التجاوب لتنهي "فرح" المكالمة ببعض الحدة:

- شكرًا يا "ريهام"، سلام.


نظرت "مديحة" نحو "فرح" بإهتمام في إنتظار أن تخبرها فحوى المكالمة:

مديحه:مين اللي خطب؟!!


تهدلت ملامح "فرح" لتجيبها بكلمة واحدة مقتضبة:

- "هانى".


صاحت "مديحة" تهتف بغضب:

- الواطي، بقى ده حد يزعل عليه، ده عمره ما كان بيحبك، اللي بيحب حد ما يبعهوش بالساهل كدة.


بالكاد حاولت "فرح" التماسك لبضع دقائق تتظاهر بأن هذا الخبر لا يؤثر بها، لكنها بالنهاية لم تقدر على ذلك لتنفلت قدرتها بإنهيار، صوت مهتز ورجفة صدعت بقلبها، تساقطت دموعها الحارة فوق وجنتيها الصغيرتين وهي تخرج كلماتها المهشمة بتلاحق:

- أنا مش عارفه هو عمل معايا كده ليه؟! أنا عمرى ما زعلته، إستحملت عجرفته وعصبيته، إستحملت إنه يبص لي من فوق وكأنه بيمّن عليّا، إستحملت طريقته وكلامه اللي يوجع، وقولت هو أكيد بيحبني وده كفايه.


ضمت "مديحة" كفي إبنتها بمحبة، فهذا ليس وقت عتاب أو لوم، لن تظهر صحة ظنونها به، فقد تظن "فرح" أنها تتشمت بها وليست تؤازرها:

- لا يا بنتي، إنتِ فهمتي غلط، اللي يحب حد ميتعاملش معاه من فوق، دة بيبقى يتمنى له الرضا يرضى، بيبقى شايله على دماغه، مبيشوفش حد في الدنيا أحسن منه، عارفه، أنا مبسوطه.

بقلم رشا روميه 

نظرت "فرح" نحو والدتها تستنكر هذا الإحساس وسط أوجاعها:

- مبسوطه!!!


- أيوه مبسوطه، عارفه ليه؟! لأن واحد زي ده ميستاهلش قلبك الطيب، وكويس إنه ظهر على حقيقته دلوقتِ.


كيف تتحول المحبة من النقيض للنقيض، هو من كانت تتمنى ألا يغيب عنها، أن يجمعهما القدر ببيت صغير يملؤه التفاهم والتناغم، أن تستيقظ على وجوده وصوته، هو الذي تكره الآن سماع إسمه أو أي شئ يخصه، كما لو أن محبته نزعت بالكامل من قلبها، لتردف بغضب مكتوم:

- أنا بكرهه، مش عايزه أسمع إسمه ولا أعرف عنه حاجه تاني أبدًا.


ليست كل الضربات عقاب، بل هناك صفعات تفيقنا من غفلتنا، وها هي تتلقى صفعة جديدة تنبهها عن ورطة كانت ستنغمس بها، لكنها ستتعافى وتقوى، لتقابلها والدتها بصوت العقل والحكمة:

- يبقى تفوقي بقى لنفسك وتسيبك من المناحه اللي إنتِ عملاها دي، لو كان يستاهل كنا قولنا معلش، لكن إوعي تبكي على الناس البياعه.


بإيمائة إيجاب أخذت "فرح" تحرك رأسها:

- عندك حق، عندك حق.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


مستشفى الهلال المركزي..

بعض الديون لا يمكن سدادها، خاصة تلك التي تتطلب الغفران، تمامًا كالخطأ الطبي فلا ترد لك عافيتك المهدورة كلمة إعتذار، فأحمل حمولك ولا داعي لتركها فوق أكتاف الآخرين فقد لا يقوى سواك على حمل أوزارك.

رشا روميه 

سحبت "ليلى" ساقيها بآلية أثناء مغادرتها للمستشفى متذكرة حديث والدها وما أخبرها به، وهذا الحمل الثقيل الذي أُلقي على كاهلها وعليها دفع دين لم تدان به، لكن يتوجب عليها السداد.


دون وعي كامل وصلت "ليلى" للبيت وهي شاردة الذهن تفكر كيف ستعيد الحقوق لأصحابها، فتحت باب الشقة لتغلقه من خلفها وهي تتجه مباشرة نحو غرفة والدها.

بقلم رشا روميه 

ظنت لوهلة أنه ربما يكون والدها لم يخبرها بكل الحقيقة وقد بالغ بأمر سطوه على مال أخيه، لحظات بين التردد بالتصديق وبين ما سمعته بأذنيها، حتى إتجهت نحو خزانة الملابس الخاصة بـ"عزت"، ثم أخرجت مفتاح من جيب كنزتها قد أعطاه إليها والدها متذكرة كلماته بالمستشفى:

"خدي المفتاح ده وإفتحي بيه الدولاب، حتلاقي علبه خشب كبيرة عليها قفل، إفتحيها بالمفتاح الصغير وإنتِ حتعرفي كل حاجه."


مدت أصابعها المرتعشة بتردد كما لو أن شيئًا مفزعًا سيخرج من داخلها، فتحت الخزانة ببطء ثم الصندوق الخشبي، لتجد بداخله مُغلف كبير، سحبته برفق قبل أن تجلس بطرف الفراش وهي لا تثني مقلتيها عنه.


فتحت المُغلف بعد مرور بعض الوقت الذي تتأمله به، لتجد صورة تجمع والدها وعمها بصغرهما، كم كانا يشبهان بعضهما البعض كثيرًا.

بقلم رشا روميه 

لم تكن مجرد تذكارات وصور عائلية بل كان المغلف ممتلئ بأوراق مختلفة، بعضهم لكشف حساب تفصيلي لأحد البنوك يثبت وجود مبلغ كبير من المال، أخذت تتفحص كشف بعد الآخر لتجدهم جميعًا بنفس القيمة لم ينقصهم قرش واحد، لتتيقن أن والدها بالفعل لم يخص نفسه وهي معه بأي من تلك النقود، تمامًا كما أخبرها.


وضعت الورق عند يدها لتُحدث نفسها باندهاش:

- الفلوس زي ما هي، زي ما بابا قالي بالضبط، مأخدش منها حاجه، بس على الأقل دي حاجه مريحه شويه.


أفرغت بقية محتوى المُغلف لتبحث عن خيط واحد يدلها على عمها وعنوانه لإعادة الأمانة لأصحابها وتخلص والدها من الذنب، لم تجد سوى قصاصة ورق دون عليها عنوان عمها القديم لتهمس بحيِرة:

- معنديش حل إلا إني أروح العنوان القديم وأدور على عمي "عادل"، يمكن وقتها ألاقي طرف خيط من هنا أو من هنا.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


إن كنت في حياة أخرى وكان بإمكاني الإختيار، لاخترت أن أكون زهرة نادرة كلما نظرت إلي المحبطون لتفائلوا، لكنني مازالت أحيا بهذه الحياة، كُتب علي بها الصبر، لكني تمنيت أن تختبر الحياة صبري بشئ آخر إلا قلبي.

رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي (شقة أنور وزهرة)....

منذ أن عادت "زهرة" من المستشفى وهي تُمنى نفسها بقوة بحلمها الصغير، حلم سيعوضها بأمل جديد بالحياة من خلال طفل صغير، نعم حل المساء وما بقي للصباح إلا ساعات يمكنها بها الصبر لمعرفة نتيجة هذا التحليل.


بنظرة غريبة لهيئتها بالمرآة تعلقت عينيها ببطنها وهي تشدد من جلبابها محدثة نفسها:

- يا رب، كلها كام ساعه وأروح لـ "ليلى" المستشفى وأعرف إن كنت حامل ولا لأ، يا رب، يا رب، لو ليا نصيب فرحني بيه يا رب.


إنتبهت بفزع لصوت إغلاق الباب الذي صفق بقوة للتو، عادت ببصرها تجاه المرآة تناظر وجهها الذي بُهت تمامًا وسحبت منه الدماء، لحظة شعرت بقلبها هوى بمعدتها بقوة وإختناق تشبث بعنقها.

بقلم رشا روميه 

رغم عنها همست بفزع:

- هو "أنور" رجع بدري؟!!! رجع بدري ليه؟ ده عمره ما عملها، ربنا يستر.


تركت جلبابها الذي كانت تشده حول بطنها لتنفض يديها كما لو أنها كانت تفعل جرم ما، نظرت بأعين متسعه تجاه باب الغرفة قبل أن تحرك ساقيها نحو الخارج لتقابل زوجها الذي عاد للمنزل.


تقدمت نحو "أنور" الشارد وهو مازال يقف قبالة الباب، إبتلعت ريقها الجاف بتخوف وهي تجبر نفسها على الإبتسام تحاول الترحيب بقدومه:

- حمد الله على السلامه.


لو كانت لنظراته صوت لكان أشبه بزمجرة ذئب غاضب، فقبل أن تنطق شفتيه شعرت "زهرة" بأن غضبه يتوهج تجاهها، لحظة من الترقب دبت القلب بقلبها، فيما زجرها "أنور" قائلًا بإشمئزاز منها:

- عايزه إيه؟


رفعت كتفيها قليلًا ثم أهدلتهما لتجيبه بهدوء مرتبك:

- أبدًا، بقولك بس، حمد الله على السلامه.


تقدم خطوة مهتزة ثم توقف يطالعها بنفس النظرة، بينما ظهر غضبه بكلماته الحادة:

- إنتِ فاكره إيه؟ حتعلميني الأدب مثلًا..!!

بقلم رشا روميه 

حركت "زهرة" رأسها بدون فهم، فكلماته يبدو أنه يقصد بها أمر ما، لكنها لا تدرك ما يعنيه، تخوفت من أن تكون قد أغضبته بفعل دون أن تدركه، أو ربما هو لا يميز الأمور وسيصب غضبه عليها كما حدث من قبل.


حاولت التحلي بالهدوء حتى لا تستثير إنفعاله لتتسائل برفق:

- يعني إيه؟ مش فاهمه، هو حصل حاجه؟


مال "أنور" برقبته نحوها قليلًا قبل أن يهتف بها بحدة:

- إنت حتستعبطي عليا..؟!!!!


أحست "زهرة" بأن طريقته أَحَد عن المعتاد، وحين صرخ بها إنتفض قلبها بفزع بأنه غير مأمون الغضب، وسيؤذيها بالتأكيد، إحساس جعل نبرة صوتها تهتز بإرتجاف وهي تجيبه بثبات فقير كاد أن يتلاشى:

- والله أنا مش فاهمه حاجه بجد.


وما خشيته أصبح بعداد الحقيقة، حين تقدم نحوها بخطوات مترنحة وعيون تضئ بلهيب غاضب، حدة وإنفعال لا يمكن تحديد قوتهم وتحكمه بهم حين صارخ به بصوت هادر قوي:

- وأنا بقى إللي حيفهمك، مش أنا اللي يتلوي دراعه، فاهمه يا بلوه.


رجعت "زهرة" خطوة للخلف قائلة بتخوف:

- الله يسامحك، الله يسامحك.


كز "أنور" على أسنانه لتنفلت منه قدرته على ضبط النفس كافة وقد عميت عيناه ليهتف بصراخ:

- والله لأعلمك الأدب.


ركض تجاه المطبخ بتخبط هائج ليعود حاملًا قطعة حديدية غريبة يسرع بها تجاه "زهرة" رافعًا ذراعه للأعلى إستعدادًا لضربها بها.


حتى تلك اللحظة كانت "زهرة" تحاول أن تكون هادئة لا تحفز غضبه بأي صورة، لكنها حين وقعت عيناها على تلك القطعة الحديدية الغليظة أيقنت أنه بالتأكيد سيقتلها، ولن تستسلم، ستحارب لأجل نفسها وحياتها، لكن سلاحها الوحيد بتلك اللحظة هي الصراخ تستنجد بأهل هذا البيت.


أعلت من صوتها بأقصى قدرة تستطيعها:

- اااه، إبعد عني، أنا عملت لك إيه؟ إلحقونـــــــــي.


رفع حاجبه بقوة وهو يعقص أنفه بذات الزمجرة الشرسة أثناء هجومه عليها يضربها بالقطعة الحديدة ذات الصوت المخيف التي تلوح بالهواء قبل أن تسقط عليها قائلًا:

- ما أنا كنت عايش ملك، حتيجى تقرفيني إنتِ في عيشتي ليــــــه..!!!

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


سكون وهدوء وتلقائية، تلك هي أجواء هذا البيت المعتادة، لكنها اليوم تبدلت تمامًا، هرج وتخبط وتوجس ملأ أعين تلك السيدة التي أخذت تلتف حول نفسها بغرفة المعيشة وهي ترفع عينيها للأعلى تحبس أنفاسها بتخوف.

بقلم رشا روميه 

بخطوات ثقيلة لكنها متعجلة شارك "زاهر" زوجته غرفة المعيشة وهو يسألها بتعجب:

- إيه الصوت ده يا "فردوس"؟! مين إللي بيصوَّت كدة؟


تطلعت نحوه "فردوس" بوجه تعيس منكسر تضرب فمها بأطراف أصابعها بفزع:

- يا لهوي يا "أبو محمود"، "أنور" باين عليه إتجنن خلاص، مش عارفه بيعمل إيه في "زهرة"!!!!


هنا أدرك "زاهر" أن ما قد سمعه من صراخ هو قد أتى من شقة ولده الأصغر "أنور"، هذا الأرعن الذي لا يعي لتصرفاته، إقتضب وجه "زاهر" يسأل زوجته بإستفسار:

- هو إيه اللي حصل؟ هو "أنور" رجع؟


أومأت "فردوس" بأعين تتوسل لمساعدة تلك المسكينة وإنقاذها من أيدي ولدها الغاشمة، إمتلئت مقلتيها بدموع نادمة قائلة:

- أيوه رِجع، بالله عليك إلحق البت أحسن يموتها في إيده، أنا اللي غلطانه، أنا اللي غلطانه.


بقلة صبر هتف بها زوجها لتوضح له ما حدث بعجالة:

- إخلَصِي يا "فردوس" وقولي حصل إيه؟


- عَدىَ عليا وهو راجع، قولت له أنه لازم يلم نفسه ويفوق شويه، مراته كانت تعبانه وراحت تعمل تحليل حَمل، ومش معقول يجيب عيل يبقى أبوه بالشكل ده، إتعصب وراح طالع يفش غِله في البت الغلبانه.


ما كان يريد معرفته قد إتضح له ليسرع تجاه باب الشقة قائلًا بتحسر على حال ولده:

- طيب طيب، أنا طالع له، الله يهديك يا "أنور"، ليه بس كدة يا ابني!!!

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


سلام يتلاشي من داخل النفوس، ربما ذنوب أو كفارتها لا أحد يدري، لكن حينما يتفتقر المرء إلى السلام، ينشر الفوضي في حياة الآخرين، فحتى الصمت على البلاء له حد فلا تطغى بكراهيتك وأنت تأمن العواقب، فلكل حليم ثورة.

رشا روميه 


شقة محمود مكاوي...

لم تكن ساعات الليل قد أسدلت أغوارها بعد، فالجميع مازال متيقظ، تلك الصرخات التي قطعت سلام هذا البيت لم تنبه "زاهر" و"فردوس" فحسب، بل إنتفض إثرها "محمود" و"جميلة" أيضًا.


وقف "محمود" بإستغراب لصوت الإستغاثة الأنثوي:

- إيه الصويت ده، جاي منين؟


بملامح جادة أطرقت "جميلة" أذنيها قليلًا قبل أن تجيبه:

- دي باينها "زهرة".

بقلم رشا روميه 

لن ينتظر "محمود" توضيح أكثر من ذلك، فيبدو أن هناك ما يستدعي تَدَخُله لإنقاذ طالبة العون، أسرع راكضًا الدرج فما يفرق بين شقته وشقته أخيه سوي طابق واحد، صعوده بهذه السرعة أيقنه أنه بالفعل صوت "زهرة" يظهر بوضوح.


لم يكن صوت "زهرة" فقط بل كان هناك أصوات صراع وصراخ مستمرة داخل شقة "أنور"، أخذ "محمود" يطرق الباب بقوة مناديًا أخيه لعله ينبهه لسوء أفعاله:

- إفتح الباب يا "أنور"، ميصحش كده، لو مفتحتش الباب أنا حكسره!!!


لم يكن مجرد تهديد فـ"محمود" سيفعلها إن لم يسمح له أخيه بذلك، إنتظار للحظات كان أشبه بساعات وهو يستمع لصراخ تلك الضعيفة بالداخل، وطلبها للإستغاثة تهتز لها جدران البيت بأكمله، بجسارة وقوة لم يعد يتحمل الصبر لأكثر من ذلك فقد طالب أخيه السماح له بالدخول لكن لا حياة لمن تنادي.


إتخذ "محمود" وضعية جانبية لكسر الباب بكتفه ليتراجع لخطوة للوراء قبل أن يقدم بكل قوة يمتلكها لتحطيم هذا العازل بينه وبينهم، مُجبر على ذلك فأخيه غير واعٍ بتصرفاته.


قوة إندفاعه للداخل جعلته يتقدم بضع خطوات قبل أن يجول بعينيه بحثًا عن أخيه لإيقافه، لم يمهله كثيرًا حين وقعت عيناه عليه بالفعل.


إتسعت عيناه بتشدق وذهول مما رآه أمامه من مشهد يحبس الأنفاس وتهرب له الدماء من العروق، فقد كان "أنور" يمسك بعمود حديدي بكلتا قبضتيه يلوح به بقوة يمينًا ويسارًا كلاعب كرة تنس دون الحذر بأي شكل من الأشكال يريد الوصول لـ"زهرة" لضربها بها، بينما كانت تلك المسكينة تركض هنا وهناك تراوغه بأقصى ما يمكنها من حركة وإنتباه حتى لا يصيبها ببطشه.


كادت أن تعلن إستسلامها وإرهاقها أمام هذا الثور الهائج أمامها، فـ قوتها لا تسمح لها بهذه الحركات المُجهِدة كمحاولة للهرب منه، حتى أن عينيها أخذت تجفل بقوة وهي تسحب أنفاسها بصوت متحشرج واضح، بتلك اللحظة وجدت "محمود" يسحبها بسرعة من مرفقها يدفعها خلف ظهره يحميها من أخيه الذي تصدي له مدافعًا عن "زهرة".


أمسك "محمود" يد "أنور" بقوة قبل أن ينهال بقطعة الحديد فوقهم صارخًا به:

- بس يا "أنور"، إوعى تمد إيدك عليها، فوق لنفسك، فـــــــــوق.


بلسان ثقيل ومخارج حروف غير واضحة أخذ "أنور" ينهر "محمود" لتدخلهم بحياته وإرادته:

- فوق، فوق، فوق!!!!! كفاية بقى، سيبوني في حالي.


قالها "أنور" وهو يدفع بأخيه من صدره يزجه نحو الخلف، إحتدت نظرات "محمود" له قائلًا بتحذير:

- "أنـــــور"!!!! إنت إتجننت ولا إيه؟ 

بقلم رشا روميه 

إرتجفت "زهرة" من خلف ظهر "محمود" لتشاهق بالبكاء، تتوسل إليه ألا يتركها فهي لم تفعل له شيئًا يستحق غضبه:

- بالله عليك حوشه عني، أنا والله ما عملت له حاجه.


عقد "محمود" جبهته بقوة ليحذر "أنور" للمرة الثانية من التمادي بأفعاله:

- والله يا "أنور" لو مديت إيدك عليها تاني، لأنا اللي حتصدر لك، فاهم؟


دفع "أنور" بأنفه بإحتقار لتلك المختبئة خلف ظهر أخيه تظن أنه سيعصمها منه ثم هتف بإستنكار:

- تقف قصادي عشان واحده زي دي؟!


لم يتقبل "محمود" تلك الطريقة الوضيعة التي يعامل بها "أنور" زوجته، ليمتد كفه القوي يضغط بأصابعه بزند "أنور" حتى شعر الأخير بأن أصابعه قد غُرست بداخل زنده ليتأوه بألم، فيما كز "محمود" على أسنانه بحدة:

- مالها دي!!! مش عجباك؟! دي أحسن منك مليون مره.


أخذ "أنور" يكور ملامحه الغاضبة باحثًا عن كلمات تعبر عن غضبه من تصدي "محمود" له، ليهتف به بحنق:

- إشبع بيها يا أخويا، والله لا سايب لكم البيت.


بتلك اللحظة علىَ صوت آخر، صوت يهابهُ الجميع رغم حِلمه وطيبته، إلا أنه وقت الشدة يتحلى بالقوة لردع من يميل عن الإستقامة والحق، هو من يملك زمام تلك العائلة وإن حاول حل أزماتها برفق ولين من قبل، صرخ "زاهر" بولده المنفلت غاضبًا:

- "أنــــــــــــــــور"!!!!!


إنتفض "أنور" بتخوف من غضب والده، فقد شعر للتو بعظيم فِعله، هذا الشعور المثيل بكونه طفل يقف بحضرة والده ليعاقبه على أخطائه، إضطرب "أنور" لوهلة وهو ينكس رأسه ينظر للأرض في إرتباك واضح، شعور لم يتحمله كثيرًا ليتهرب بعدها متجهًا نحو غرفته بخطوات راكضة موصدًا الباب من خلفه ظنًا من عقله المحدود أنه أصبح داخل ملاذه الآمن، فهو لن ينتظر توبيخ ولوم من أبيه. 

بقلم رشا روميه 


تلك الفوضي التي زعزعت نفوسهم جعلت الجميع يصمت للحظات بعد إبتعاد "أنور"، بينما حاول "محمود" أن يُهدئ من غضبه بزفير قوي قبل أن يلتف تجاه "زهرة" المختبئة خلف ظهره يرتعد جسدها بهلع خشية من أخيه، لملم شفتيه محدثًا إياها بنبرته الرخيمة الهادئة:

- إهدي يا "زهرة"، خلاص حصل خير.


كم يشعر هذا الكهل بالخزي والحنق من تصرفات ولده الراعنة، تقدم "زاهر" بحرج شديد تجاه تلك المرتجفة خوفًا قائلًا بنبرة يملؤها الندم:

- حقك علينا يا بنتي، و اللي إنتِ عايزاه حنعملهولك والله، لو عايزه تروحي لأهلك إحنا محقوقين لك..و..


أيعتذر منها؟! هل يشعر بهذا الخزي والضيق لأجلها؟! إنه لشعور لم تعتاده من قبل، حنان لم تغترف منه وإهتمام لم تراه بوالدها الحقيقي، لهذا إنتفضت "زهرة" مقاطعة "زاهر"، فما رأته بهذا البيت من إحتواء ومحبة لم تراه بسنوات حياتها من قبل، هتفت "زهرة" مقاطعة إياه برفض مطلق:

- لا يا بابا"زاهر"، إنتوا أهلي، وأنا عمري ما أسيبكم أبدًا، وإن كان على "أنور"، أنا عندي إستعداد أستحمله العمر كله عشانكم.


تغاضت عن سلامتها وتحملها لهذا المدمن لأجل بضع لحظات من المحبة الخالصة بقلوب هؤلاء، عائلة جديدة تشتريها مقابل أب وزوجته لا يريدونها ولا يهتمون لها، لم تشعر بينهم بمحبة كما شعرت بها بقلوب "زاهر" و"فردوس"، فربما تفوهت بصدق بكلماتها البسيطة التي تقصدها تمامًا وتنبع من أعماق قلبها بالفعل.


هي رأتها مجرد كلمات بسيطة لتزيل هذا الحرج والندم من هذا الرجل الحنون الذي لا يستحق هذا الشعور، لكنها لم تدرك أن تلك الكلمات إقتحمت عدة أبواب بلحظة واحدة.


فحين رفع "زاهر" بصره تجاه "زهرة" شعر بأنهم قد أحسنوا إختيار بنت الأصول، فتاة تنضم كإبنة لهم وليست غريبة تطئ بقدمها داخل بيتهم، تحمُّلها لما حدث اليوم من تهور لتصرفات "أنور" الخارجة عن السيطرة، وإختيارها للبقاء دون إبلاغ أهلها بما حدث لهو جميل عُلق برقابهم تجاهها، فصنيعها هذا عظيم الشأن، فما فعله "أنور" لأمر مشين مخزي إن علم به الناس.


رد فعل مقبول ومفهوم من "زاهر" بالتأكيد، لكن هناك رد فعل آخر لم يكن بالحسبان، رد فعل مختلف أثرى مقارنة بداخل هذا المندهش أمامهم.


للحظة إهتزت كل المفاهيم بداخل "محمود" حينما رأى صبر وتحمُّل "زهرة"، تعجب بغرابة لتقبلها وجودها معهم بعد ما فعله "أنور"، إندهش كيف وضعت "أنور" المدمن المسئ لها بكل شئ بهذه المكانة التي لا يستحقها وأقرت بالصبر معه طوال عمرها، نظر نحوها بتمعن وكأنه يراها لأول مرة، إنقشعت تمامًا الضبابية عن إدراكه ليرى كم هي طيبة القلب رقيقة المعشر، لها حُسن ونعومة وأعين حزينة منكسرة، إنها مختلفة.


رغمًا عنه ودون إدراك منه وجد نفسه يقارن لا إراديًا بين "زهرة" و"جميلة"، وبغير مجهود يذكر ودون إطالة للوقت فازت "زهرة" بهذه المقارنة، مقارنة جعلته يهتز برجفة رافضًا ذلك تمامًا، إنها مقارنة مُحرمة.


زاغت عيناه قليلًا ليجبر نفسه على الهروب بلا تباطئ، أسرع "محمود" مغادرًا شقة "أنور" بخطوات متعجلة ليتقابل مع "جميلة" ووالدته اللاتي قد أتين للتو.


وقفت "جميلة" بهدوء مستفز تسأله ببرود:

- هو إيه اللي حصل؟


طريقتها اللا مبالية الباردة جعلته يستمر بمقارنته التي يرفضها، سؤالها جعله يجيبها بإضطراب:

- محصلش حاجه، عدت على خير، إنزلي إنتِ يا ماما متتعبيش نفسك، كفايه وجع رجليكي.


بنظرات مشفقة قلقة من "فردوس" لداخل الشقة أولًا أجابته بضيق:

- مش لما أطمن على "زهرة" الأول.


تعلقت نظرات "محمود" المندهشة بوالدته التي لم تفكر لوهلة بأن تطمئن على "أنور"، فقد كان كل تفكيرها الشاغل الإطمئنان على "زهرة" فقط.


كانت لنظراته حديث عميق لم يُفهم مطلقًا، لكن كان رد "جميلة" المستنكر مباغت لكلاهما:

- "زهرة"!!! مش تشوفي إبنك الأول يا مرات عمي، وبعد كده تبقي تطمني على الغريبه؟!


ترددت عينا "محمود" بين والدته وزوجته بشغف لمعرفة إجابة سؤال "جميلة" كما لو أنه متحفز بشكل غير عادي لسماع إجابتها حين قالت:

- إبني وعارفه عمايله، وهي خلاص مش غريبه، دي زي بنتي، وزيها زيك، ولا عايزاني أعتبرك إنتِ كمان غريبه ؟!


إستنكار ينبع من لين قلب ومحبة نطقت بهم "فردوس" لكن ما لاقته من "جميلة" كان أمر آخر، فقد عقدت ملامحها بقوة وهي تهتف بنبرة يملؤها الغضب والإنفعال:

- يعنى أنا اللي بقالي سنين معاكم، وأصلًا عمي"زاهر" يبقي عمي أخو أبويا لزم، وجايه بتساويني بإللي بقالها هنا شهرين؟!!


نهرها"محمود" بحدة لحديثها المنفعل على والدته دون داعي:

- "جميلة"، لمي نفسك ووطي صوتك.


قضمت "جميلة" شفتيها بتوتر وهي تهز جسدها بغضب مكتوم فقد تلجمت تمامًا عن الحديث.


تحمل ضعيف وأعصاب منلفتة جعلت "فردوس" تشعر بالضيق من هذا الحديث لتهتف بولدها بنفاذ صبر":

- خد مراتك و انزل يا "محمود"، أنا مش حمل وجع القلب ده.


إنصاع لها "محمود" على الفور لكن "جميلة" لم تنتظره بل هبطت للدور السابق دون أن تتفوه بكلمة، فهي غاضبة من مقارنتها بتلك الفتاة، فهي أرقى وأقرب وتستحق معاملة مختلفة كما ترى.


وجدها"محمود" فرصة جيدة ليبتعد عن هذا الإرتباك الذي حل به بصمت كما إعتاد، فهو قادر على إخفاء كل تلك الصراعات بداخل نفسه.


دلفت "فردوس" لتطمئن على "زهرة" وتحتوي خوفها مما حدث، لتصر "فردوس" على مبيت "زهرة" هذه الليلة بشقتهم بالدور الأول حتى تستطيع الراحة بقلب مطمئن، طلب لم ترفضه "زهرة" بل كانت تتمنى ذلك حقًا، لتنصاع لطلب أم زوجها وترافقهم للمبيت بغرفة "أنور" القديمة، ويهدأ الجميع بعد ليلة عاصفة.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


طرق مشتتة وحيوات مختلفة، بعضنا يتقابل وبعضنا يسعى كل بطريقه، تمر الساعات بالكاد على أحدهم، بينما يستمتع آخر براحة وسكينة، البعض يعيش صراعات، وآخرون ينتبهون فجأة بأن الوقت قد مر.


تلك هي الحياة، فيها من يعيش برخاء وفيها من يسعى بمشقة، والجميع تحت رحمة الله يعيش، فربما تظن أن لا أحد سواك يقاسي، فلا يخدعك ما تراه بحياة الآخرون فهناك جوانب خفية لا ترى بوضوح للجميع.

رشا روميه 


المستشفى الأهلية..

إنه أول يوم عمل لهذا الطبيب الماهر بهذه المستشفى إلى جانب عمله بمستشفى الهلال المركزي، بنشاط معتاد إتجه "سامح" نحو المستشفى الأهلية لبدء عمل جديد هناك.


إستقبله مدير المستشفى بحفاوة شديدة، فهو يستحق ذلك لما يُعرف عنه من سُمعة طيبة وتميز بمجال طب العيون.


بإبتسامة عملية قابل مدير المستشفى "سامح" بترحاب:

- إحنا سعداء جدًا يا دكتور "سامح" بوجودك معانا في المستشفى، وأتمنى إن إنت كمان تكون سعيد بده.


- الشرف ليا طبعًا يا دكتور.


رغم أن عمله بكلا المستشفيتين سيكون أمرًا مرهقًا للغاية، لكنه أحب إنتدابه هنا بالتأكيد ليساعد قدر كبير من المرضى الذين يحتاجون مساعدته، أشار مدير المستشفى تجاه ممر طويل قائلًا:

- إتفضل معايا عشان تشوف قسم العيون وعيادتك هنا.


- أيوه أكيد طبعًا.


قام "سامح" بمرافقة مدير المستشفى بجولة تفقدية بالمستشفى لحين وصوله إلى مكتبه بعيادة طب العيون ليبدأ عمله كأول يوم مميز له هنا.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


بين حماس لبدأ العمل وبين محاولة من الإنغماس به بدون تركيز، كانت تلك المقارنة بين الطبيبين، فـ"سامح" كان يملؤه التفاؤل والحماس، بينما كان "نور" يتهرب من هذا اللقاء الحتمي بنهاية اليوم مع "نسرين" كما إتفق معها.


مجرد تفكيره بهذا اللقاء كان يسبب له الضيق ليبحث عما يشغله بشكل يطغى على أفكاره حتى يخرج من تلك الحالة الغريبة التي أصابته منذ الصباح.


يتمنى من داخله أن تتباطئ الساعات فيتأخر اللقاء.


❈-❈-❈ــ


حماس وضيق وأيضًا ضبط نفس، كل تلك المشاعر المختلفة بذات الساعة، لكن لكل منهم طريق ووسيلة مختلفة لإشغال يومه وحياته عن التفكير، فحتى "فرح" أسرعت بتلك الساعات الصباحية بالذهاب لجامعة السويس لتقديم طلب لدراسة تكميلية حتى إيجاد عمل مناسب، فاليوم ستبدأ أولى خطواتها في الإرتقاء بنفسها بما يجعلها صعبة المنال.


بعد تقديم أوراقها خرجت بزهو من باب الجامعة تبث بنفسها روح متحمسة لتتناسى أمر هذا الحقير:

- ويبقى يوريني مين أحسن مني، أوعدك يا أنا إني مش حتنازل تاني وأكون ضعيفة قصاد أي وهم إسمه حب، لازم يكون ليا شخصيتي المستقلة، لازم أكون قوية، أنا مش محتاجة راجل في حياتي، أنا لوحدي كفاية لنفسي، وأكيد ماما.


بعض الأزمات تأتي من الصدمات، وتجاوزها أمر مرهق للنفس وليس بالسهولة التي تلقينها بها الصدمة، من قال ألا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها، فمن الأساس لم يكن مقدر لها النحر.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


ينجو الإنسان عندما يتحلى بالود والرأفة، بالرحمة والعطف والحنان، باللطف والرفق، ينجو الإنسان عندما يكون إنسان.


بيت عائلة مكاوي...

تجمع الجميع بهذا الصباح يتجاذبون الحديث الخافت حتى لا يوقظون تلك النائمة بعد ثورة "أنور" عليها بالأمس، فلولا رفقها ومحبتها للجميع ما كان إنتفض لها كل أصحاب البيت ليقفوا بصفها ويحمونها من بطش ولدهم.


وقفت "جميلة" بالمطبخ تجهز طعام الإفطار، بينما أردف"زاهر" بحنق من تصرفات "أنور" الغير مسؤولة:

- أنا تعبت من الواد ده!!! مش عارف هو طالع لمين كدة!! دة أكيد عقاب من ربنا.


طلت "فردوس" برأسها تجاه غرفة "أنور" المغلقة لتعود مرة أخرى تشاركهم الحديث قائلة بنبرتها المنخفضة وصوتها ذو البحة الحنونة:

- والله ما صعبان عليا غير البت الغلبانه اللي إتاخدت معاه في الرجلين دي. 


حرك "زاهر" رأسه بخزي فهي لا تستحق هذا الوضع مطلقًا:

- بنت أصيله بجد يا أم "محمود"، ده أنا مكنتش أتخيل اللي عملته، وكنت فاكرها حتفضح الدنيا باللي حصل.


- عندك حق، ربنا يهديك يا "أنور" يا إبني.


بقلم رشا روميه 

إلتزم "محمود" الصمت التام وهو يستمع لحديثهم، حتى نظراته كان يخص بها إبنته الجالسة فوق ساقيه، لكن عبارة والدته الأخيرة جعلته يناظرها بإنتباه مفاجئ وقد إتسعت عيناه بصدمة حين قالت:

- أنا مش عارفه حيبقى أب ازاي ده؟!


بينما عقب زوجها بتأكيد لذلك:

- عندك حق، ده إنسان عديم المسؤوليه.


ماذا حدث له ليضطرب لهذا الخبر!! وقع تلك الكلمات جعلته يشعر بغصة وغضب بذات الوقت، أمر جعله يتسائل ببطء وتوجس:

- هي ااا، "زهرة" حامل؟؟


أخفضت "فردوس" من صوتها حتى لا تنتبه "زهرة" إذا إستيقظت:

- لا لا، إحنا شاكين بس، هي راحت إمبارح تعمل التحليل ونتيجته النهارده.


أومأ رأسه بتشتت عدة مرات، شعور قاسي على قلبه حين يضطرب لمثل هذا الخبر، أليس من المفترض أن يسعد لأخيه؟!


إحساس بالإختناق لا يدري مبرره بعد، قطعه وصول "جميلة" بصوتها القوي:

- أنا حضرت الفطار أهو، تعالوا عشان تأكلوا.


نهض الجميع من جلستهم بينما قالت "فردوس":

- ما تصحي "زهرة" يا "جميلة" تفطر معانا ينوبك فيها ثواب، دي مأكلتش من إمبارح.


ضربت "جميلة" كفًا بكف وهي تهتف بإستنكار شديد ونبرة حادة عالية:

- أنا مش عارفه والله أنتوا المفروض تهتموا بمين أولى، بـ"أنور" إبنكم، ولا بـ"زهرة"؟!


دفعت "فردوس" الهواء من شفتيها بإستياء:

- وبعدين معاكِ يا "جميلة" بقى.


لوت "جميلة" شفتيها بقوة قائلة:

- خلاص، خلاص، رايحه أصحيها أهو.

بقلم رشا روميه 


قبل أن تتحرك "جميلة"، سُمع صوت باب الغرفة الموصود يفتح وتخرج منه تلك الرقيقة بوجهها البشوش ووجهها المشرق تلقي تحية الصباح:

- صباح الخير.


كنغمة موسيقية مبهجة رسمت الإبتسامة فوق ثغورهم جميعًا، وهمهمة مرددة التحية إليها.


لحظة تدارك بها "محمود" نفسه وهو يسلط مقلتيه تجاهها وقد إنفرجت شفتاه بتلك الإبتسامة، كما لو أن لصوتها ووجودها سحر قلب كيانه منذ الأمس، أسقط وجهه نحو الأسفل يهرب من نفسه التي إنزلقت بهاوية خاطئة كأنه إفتعل جرم لا يغتفر.


كل الإبتسامات لها معنى إلا تلك الإبتسامة المزيفة التي إحتلت شفتي "جميلة" وهي تدعو "زهرة" بكل ود لمشاركتهم:

- كويس أوي إنك صحيتِ ... تعالي إفطري بقى، يلا حماتك بتحبك.


إعتذرت منها "زهرة" بلطف، فإنتظارها المتلهف لمعرفة نتيجة التحليل لم يمهلها الإنتظار، لتجيب بهدوء:

- معلش يا "جميلة" مش حقدر أنا، بألف هنا ليكوا، أنا حطلع أغير هدومي وأروح المستشفى زى ما قلتلك يا ماما "فردوس".


أجابتها "فردوس" بتمني:

- بإذن الله ترجعي مجبورة يا بنتي.


دعاء سقط بأذني "محمود" كما لو كان كارثة ستقع به، إنتفض على الفور يقف في عجالة:

- أنا نسيت إني لازم أقابل صاحب شركة التوريد النهارده، معلش أعذروني لازم أنزل على طول.


دفعت "جميلة" بحاجبيها للأعلى بتعجب:

- طيب إفطر الأول!!!


- لا معلش، حأكل أي حاجه في الوكاله عشان متأخرش، سلام.


للمرة الثانية يتركهم هاربًا، يهرب من أفكاره الغريبة التي بدأت تسيطر على رأسه، يهرب من إحساس لا يمكن أن يتمادى به زار قلبه بغتة، لكن ذلك غير مقبول له مطلقًا، ليحدث نفسه بلوم شديد:

- ( هو فيه إيه؟!! مينفعش كده، إمسك نفسك أُمال يا "محمود"، دي مرات أخوك بلاش كده)

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


مستشفى الهلال المركزي...

فتحت حقيبتها لتتأكد لمرة أخيرة بأن الأوراق بحوزتها، دفعت "ليلى" الهواء من فمها دفعة واحدة فيكفيها حمل فوق آخر، وها هي حمولها تزداد بدين والدها.


أومأت رأسها كما لو كانت تتحدث لنفسها قائلة بداخلها:

-( بس أخلص مناوبتي وأروح العنوان إللي في الورقه وأسأل على عمي)


أغلقت حقيبتها وأعدلت من حجابها قبل أن تغلق الخزانة الخاصة بها، ثم إلتفت نحو غرفة التمريض قبل أن تبدأ يومها، فقد إطمئنت منذ قليل على والدها، والآن وقت العمل.


بطرقات خفيفة إنتبهت "ليلى" لوجود أحدهم لترفع وجهها تجاه من دلف للتو فباب الغرفة مفتوح.


لكنها قبل أن تعقب أسرعت الزائرة بسؤالها عن شرودها:

- صباح الخير يا "ليله"، إللي واخد عقلك؟!!


إنتبهت "ليلى" لصديقتها "زهرة" لترحب بها:

- "زوزو"، حبيبتي، تعالي إدخلي.


أقبلت "زهرة" ببسمة باهتة:

- سرحانه في إيه كده على الصبح؟


أجفلت "ليلى" عينيها قليلًا ثم أجابتها:

- بابا كل يوم يفاجئني بحاجه جديده وحِمل جديد، بس قوليلي الأول، مال وشك زعلان كده ليه؟


وإن أخفت على الجميع تخوفها وفزعها، فلن تخفي على رفيقة روحها، جلست "زهرة" أولًا ثم إستطردت بأريحيتها التي تشمل علاقتهما دون تزييف أو مجاملة، فكلتاهما مرآة للأخرى ومستودع أسرارها:

- إمبارح كان يوم صعب اوي، ده "أنور" كان خلاص حيموتني لولا ربنا ستر، حتى الأمل إللي كنت مستنياه النهارده، خلاص راح!!


اتسعت عيني "ليلى" بقلق متسائلة:

- يا خبر، عمل إيه تاني؟ وأمل إيه إللي بتحكي عليه؟


اجابتها "زهرة" ببعض الحزن:

- حيكون عمل إيه! واحد مش في وعيه دايمًا، بس الحمد لله أهله لحقوني، بجد الناس دي حنينين عليا اوي، بس شوفتي، تحليل الحمل نتيجته طلعت، لسه جايباها قبل ما آجي لك دلوقتِ.


شاركت "ليلى" بكل مشاعرها صديقتها المقربة، شفقة على حياتها مع زوجها وسعادة بأمر الطفل المنتظر، أحاسيس متناقضة لكنها تشاركها بها:

- زعلتيتي يا "زهرة"، خدي بالك من جوزك ده، بقى عنيف ويخوف، إيه بقى لقيتي إيه في التحليل، فرحيني؟


حركت "زهرة" رأسها بالنفي وهي تنكس عينيها بحزن لضياع أملها وحلمها بهذا الطفل، ثم أجابتها ببعض الضيق:

- للأسف، مفيش حمل (ثم أكملت ببعض الإنفعال لضياع هذا الحلم الجميل)، ده أنا عملت كل حاجه يا "ليلى"، مشيت على كل الوصفات عشان يبقى فيه حمل، ده أنا حتى أخدت الدوا طول الشهرين اللي فاتوا دول وبرضه مفيش حمل!!!


إمتعض وجه "ليلى" حين أتت "زهرة" على ذكر الدواء، لتتسائل بإستنكار:

- دوا .. دوا إيه؟! إنتِ بتاخدى دوا؟!!


مالت "زهرة" برأسها للأمام قليلًا بإستغراب من سؤال "ليلى"، فهي ممرضة وبالتأكيد تدرك أهمية هذه الأدوية المحفزة التي تساعد على الحمل:

- دوا، دوا يا "ليلى"، ما إنتِ فاهمه، عادي يعني، عشان أحمل بسرعه وكده، ده إنتِ بالذات المفروض متسأليش السؤال ده!!!


قوست "ليلى" شفتيها بعدم فهم لتعيد سؤالها:

- إسمه إيه طيب الدوا ده؟


أخذت "زهرة" تتذكر فهي ذات ذاكرة سمكية ضعيفة فيما يتعلق بأسماء الأدوية والمصطلحات الصعبة:

- مش عارفه، باين ااا، إستني كدة، يمكن أكون حطيت الشريط فى الشنطه أصله كان قرب يخلص وكنت عايزة أجيب زيه، ده دوا أجنبي مستورد حلو أوي.

بقلم رشا روميه 

أخرجت "زهرة" محتويات حقيبتها وهي تلتقط شريط الدواء ملوحة به بوجه "ليلى" بسعادة لإيجادها إياه معها:

- أهو الحمد لله، لقيته.


فغرت "ليلى" فاها بإندهاش لتهتف بصدمة:

- يا خبر!!! إنتِ عارفه ده إيه؟!!


عادت "زهرة" بجذعها للخلف بتوجس مرددة:

- إيه؟


- دى حبوب منع الحمل يا "زهرة"!! مين اللي قالك تاخديها؟!


تهدلت ملامح "زهرة" بصدمة وإحتلت سوداوتيها نظرة غير مصدقة حزينة للغاية وهي تعيد كلمة "ليلى" بصوت خافت:

- منع الحمل!!!!!


مالت "ليلى" برفق وهي تضع كفها على كتف "زهرة" بقلق:

- مين إدهولك ده؟


رفعت "زهرة" عينيها الغير مصدقة تجاه "ليلى" تطالعها بنظرات يملؤها الحيرة وعدم التصديق ليتهدج صدرها بقوة وتعلو صوت أنفاسها، وقد توقفت الكلمات بحلقها بغصة غريبة، فبيديها منعت حلمها من التحقق.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


بيت عائلة مكاوي...

بعد أن تركت "ليلى" وتخبطت بخطواتها الهائمة الحزينة لبعض الوقت، عادت "زهرة" لبيتها، لم تكن تحتاج لإيضاح فملامحها الباهتة ونظراتها الحزينة كانت تخبر من يراها دون سؤال.


إستقبال "فردوس" الحاني لها جعلها تدرك أنها وإن لم تحمل بطفل يؤنسها فيكفيها أن وجدت الحنان الذي إفتقدته بوجود أم كـ"فردوس"، تقدمت "زهرة" نحوها ثم جلست إلى جوارها في صمت.


تفحصت "فردوس" وجه "زهرة" المتجهم، ثم سألتها رغم انها تشككت بالجواب قبل أن تنطق به "زهرة":

- ها، طمنيني، إيه الأخبار؟!!


لملمت "زهرة" شفتيها بحزن:

- مفيش حاجه يا ماما، أنا مش حامل.


رغم تمنيها لذلك إلا أنها حاولت ألا تظهر ذلك أمام"زهرة"، لتهتف بتقبل الأمر بلطافة:

- مش مهم، عادي يا بنتي، العمر لسه قدامك، قومي قومي إغسلي وشك وإرتاحي من المشوار، "جميلة" عملت الأكل وخلصت كل حاجه قبل ما تطلع شقتها، مش عايزاكِ تزعلي ده نصيب، وإنتوا لسه في الأول.


دارت "زهرة" بعينيها بحيرة لا تدري هل تخبر "فردوس" بما قالته لها "ليلى" أم تصمت كما إعتادت.


نظرت بوجه تلك المرأة التي تمنت أن تكون أمها بالفعل، أن تشكو إليها حينما تحتاجها، أن تكون هي ملاذها واليد التي ترفق بها وتساعدها.


سحبت شهيقًا طويلًا قبل أن تعتدل بشكل جانبي حتى يصبح جسدها بمقابل "فردوس" مباشرة قائلة:

- فيه حاجه عايزه أقولك عليها يا ماما، بس محدش يعرف بيها أبدًا.


مالت "فردوس" بجذعها للأمام متسائلة:

- سر يعني؟!! قولى يا بنتي، سرك فى بير.


- بعد ما أخدت نتيجه التحليل وقعدت مع صاحبتي، وقولت لها اني كنت باخد دوا عشان الخِلفه وكده، وهي شافته معايا، لقيته اااا...


تشدقت عيني "فردوس" بفضول:

- لقيته إيه؟! إيه الدوا ده؟


أخفضت "زهرة" نبرتها للغاية ثم أجابتها:

-لقته حبوب منع الحمل!!


ضربت "فردوس" صدرها بكفها بقوة غير مصدقة لتهتف بصدمة:

- يالهوي، منع الحمل!!!! وبتاخديه ليه ده؟!!


نكست "زهرة" رأسها ثم أكملت:

- أنا أخدته عشان أحمل بسرعه، وأفرحكم وأجيب لكم الحفيد إللي نفسكم فيه، أنا والله ما أعرف إنه بتاع منع الحمل، اللي إداهوني قالي إنه حيخليني أحمل بسرعه، وأنا معرفش، أخدته.


- مين اللي إداهولك؟!!!


سؤال مباغت من "فردوس" لتجيبها "زهرة" بأعين مشتتة:

- ............ـ

الفصل العاشر من هنا


stories
stories
تعليقات