رواية الاخطبوط الفصل التاسع
مر اسبوعين والعمال حوالين الدار كانوا شغالين زى خليه النحل بيسابقوا الزمن حنان حاولت تفهم ايه بيحصل لكن ماكنش حد بيفدها وده خلى القلق يزيد عندها
فضلت حنان واقفه قدام الشباك، ملامحها متشنجة وهي شايفة اللودرات بتهد في التل اللي قصاد الدار، التراب ملى الجو وكأنه غيامة سوداء بتهجم عليهم. دخلت عليها عزة وهي ماسكة كباية ينسون، إيدها كانت بتترعش حاجة بسيطة.
— "الوضع بره مريحش يا ست حنان.. العمال وشوشهم مقلوبة، والنهاردة الصبح شفت اتنين منهم بيجروا وهما بيصوتوا، بيقولوا الأرض 'بتطلع' تعابين وعقارب من كتر الحفر في حضن الجبل."
حنان لفت لها بضيق:
— "والبشمهندس بتاعهم ده مالهوش قلب؟ الأرض بتهيج وهما مكملين، وكأنهم بيحفروا في جثث مش في رمل!"
بره على السور، كان عمار واقف زي الصنم، لابس نضارته السوداء اللي بتعكس صورة البلدوزر وهو بيخبط في صخر الجبل. جاله "جمعة" الريس بتاع العمال، ووشه أصفر زي الليمونة:
— "يا بشمهندس عمار، أبوس إيدك وقف الشغل ساعة واحدة.. الأرض هنا مسكونة بصحيح، العقارب طالعة من الشقوق بحجم كف الإيد، والرجالة ركبها بتخبط في بعضها، الجبل ده مابيرحمش حد بيقرب منه."
عمار بصله ببرود، وطلع سيجارة ولعها وهو بيقول بنبرة خالية من أي رحمة:
— "اللي يخاف من العقرب يقعد فى البيت يا جمعة.. رحيم بيه بايع الدنيا وشاري الأرض دي، ولو طلعت عفريت من تحت الأرض، هتتفرم تحت عجل اللودر. وزع مصل السموم على الرجالة، واللي يتصاب يتعالج ويرجع مكانه.. إحنا هنا بنبني 'إمبراطورية'، مش بنعمل جنينة أطفال."
في اللحظة دي، وقفت عربية محمد وعايدة قدام باب الدار. عايدة نزلت وهي بتنفض التراب عن طرحتها بقرف وتأفف:
— "يا ساتر يا رب.. إيه الغبرة دي! الواحد بييجي هنا بيطلع بروحين."
محمد عدل جرافتته وبص على عمار والعمال بنظرة سريعة فيها "فهم" خفي، وكأنه عارف السر اللي ورا الهدد ده، ودخلوا لزينب اللي كانت مستنياهم ورا الباب بلهفة.
محمد قعد مع زينب في الصالون، وعينه كانت بتلمع بلمعة غريبة وهو بيقول لها:
— "شفتي يا زينب؟ الدنيا بره بتتهد عشان تتبني من جديد.. زي حياتنا بالظبط، بنهد الوحدة عشان نبني البيت اللي هيجمعنا. هانت ، كلها كام يوم ونكتب الكتاب، وأخدك من الدوشة دي كلها لمملكتك الهادية."
زينب كانت بتسمع كلامه وهي حاسة إنها في حلم، بس صرخة عامل بره شافت تعبان "طريشة" طالع من الرمل، خلت قلبها ينقبض فجأة.. حست إن "الستر" اللي محمد بيوعدها بيه، طعمه مر زي السم اللي بيطلع من حضن الجبل ده.
دخلت عايدة مكتب حنان، قعدت وفردت عبايتها بتكلف، ورسمت على وشها ابتسامة صفراء وهي بتهوي بكلماتها:
ـ يا ست حنان، إحنا أهل وأصول، والبت زينب دخلت قلبي وبقت زي نور عيني.. وعشان كدة أنا جاية أقولك إننا خير البر عاجله، إحنا عايزين نكتب الكتاب والدخلة كمان شهر بالظبط."
ـ شهر يا ست عايدة؟ ده البت لسه ملحقتش تستوعب، وبعدين إجراءات الدار والورق والتحريات بتاخد وقتها.. إيه الاستعجال ده؟"
ـ استعجال؟ يا حبيبتي ده 'خير البر عاجله '! وبعدين محمد جاله عقد شغل في الساحل، وعايز مراته معاه في بيته ومطرحه. إنتي يرضيكي الولد يسافر ويسيب مراته لسه في دار أيتام والناس تاكل وشنا؟"
ـ محدش هياكل وش حد، زينب في بيتها ومع أهلها هنا. أنا بس شايفة إن شهر قليل قوي عشان يفرشوا ويجهزوا.. والجهاز بتاع الدار لسه مجاش."
ـ "جهاز إيه وشوار إيه! البيت عندي كامل من مجاميعه، ومحمد مش عايز من البت غير شنطة هدومها.. إحنا بنشتري 'جوهرة' يا ست حنان مش بنشتري عفش . وبعدين، هو إنتي خايفة من إيه؟ ده محمد مهندس قد الدنيا، يعني الأمان كله. ووحيد يعمى مش هتلاقى سلفه تضايقها او اخت جوز تغير منها
ـ "مش خايفة، بس 'حريصة'. الجوازة اللي بتيجي سلق بيض دي بتقلقني. ليه متبقاش خطوبة شهرين تلاتة، البت تفهم طبعه وهو يفهم طبعها؟"
عايدة (قامت وقفت ولعبت على الوتر الحساس): "طبع إيه ونبع إيه! العيال ارتاحوا لبعض، والبت زينب كل ما تشوف محمد وشها ينور.. إنتي عايزة تقطعي فرحتها ليه؟ ولا هو أنتم في الدار هنا بتحبوا 'الحبسة' للعيال؟ البت يتيمة يا حنان، وكسرة خاطر اليتيم وعطلة حاله دي عند ربنا كبيرة.. ولا إنتي عايزة تشيلي ذنبها؟"
حنان (اتنهدت بضيق وهي حاسة بالضغط)
ـ يا ست عايدة متبدليش الكلام، أنا مصلحة البت عندي فوق كل شيء."
عايدة (بصوت ناعم ومسموم): "
ـ ومصلحتها في الستر والبيت المفتوح. محمد ابني لو ضاع من إيدها، مش هتلاقي زيه تاني.. مهندس، وابن ناس، وشقة ملك،وعربيه وهيشيلها في عينه. قولي مبروك وخلينا نخلص الإجراءات، ولا إنتي ليكي رأي تاني يزعلنا من بعض؟"
حنان سكتت، وبصت من الشباك على اللودرات اللي بتهد في الجبل بره، حست إن عايدة هي كمان "لودر" بس من نوع تاني، بتهد دفاعاتها عشان تاخد زينب لمنطقة مجهولة
اتنهدت حنان وادت عايده موافقه مبدايه هى مش عارفه ايه اللى بيحصل حواليها ومعندهاش سبب او مبرر للتاجيل
خرجت عايده ومشيت مع محمد وبدات تجهز ازاى تسيطر سيطره كامله على زينب
فى اليوم التانى شافت حنان عربيه عمار وقررت انها تروح تكلمه بنفسها عشان تعرف ايه اللى بيحصل بالظبطت
فتحت حنان باب الدار الحديدي وهي بتعدل طرحتها بعصبية، وعزة ماشية وراها بخطوات سريعة وقلب مقبوض، وكأنها بتحاول تكون "ضهر" لحنان في مواجهة المجهول اللي بره السور. الغبار كان مالي الجو وصوت المكن يصم الاذان.
حنان قربت من عمار اللي كان واقف مدي ضهره للباب، وبصوت جهوري قدرت تغلب بيه صوت اللودرات:
— "يا بشمهندس! يا بشمهندس أنت يا اللي واقف!"
عمار لف ببطء، نزل نضارته الشمسية شوية وبص لحنان ببرود، وعينه جت في عين عزة اللي كانت واقفة بصلابة ورا حنان، لمحة الارتباك اللي حصلت المرة اللي فاتت اختفت ورا قناع "المهندس المحترف".
حنان (بنفس مقطوع):
— "أنا مديرة الدار، الست حنان. ممكن أفهم إيه اللي بيحصل ده؟، فجأة اتقلبت خلية نحل وهدد.. والعمال بتوعك بيقولوا فيه بلاوي بتطلع من تحت الأرض، والدار هنا فيها أطفال ومسؤولية. أنت مين، وبتبنوا إيه بالظبط؟"
عمار (بابتسامة رسمية باردة):
— "أهلاً يا مدام حنان. مفيش داعي للقلق خالص، إحنا شركة مقاولات وبننفذ مشروع استثماري مرخص. مجرد استصلاح وتجهيز بنية تحتية للأراضي اللي حواليكم."
حنان (بشك):
— "استصلاح إيه يا بشمهندس والجبل بيتهد فوق دماغنا؟ ومين صاحب المشروع ده؟ أنا بقالي سنين هنا وعارفة إن الأرض دي ملكية عامة، إزاي فجأة بقت 'مشروع استثماري'؟"
عمار (وهو بيبص في ساعته بتجاهل متعمد):
— "والله يا مدام حنان، دي تفاصيل قانونية وإدارية تخص الملاك والجهات الرسمية، أنا هنا مجرد مهندس تنفيذ. يعني بسلم وبستلم خرسانة وطوب.. ماليش في ورق الملكية."
عزة (تدخلت وصوتها كان فيه نبرة حادة):
— "بس ليك في 'السموم' اللي بتهيجوها علينا يا بشمهندس. العمال بيقولوا إن التعابين والعقارب بدأت تظهر بسبب الحفر الغلط في حضن الجبل. إزاي بتقول مفيش داعي للقلق وأنت بتهدد سلامة المكان اللي ورانا ده؟"
عمار بص لعزة نظرة طويلة، حاول فيها يحافظ على جموده:
— لكل بنا 'أساسات'، والأساسات أوقات بتطلع شوية كراكيب قديمة من الأرض. إحنا واخدين احتياطاتنا، والموضوع كله كام يوم والأرض هتتساوى."وماتقلقيش بعتنا لمراكز مختصه هتيج. ترش المكان كله وتجرده خالص وهنأمن المكان اللى انتوا فيه كويس اوى
حنان (بإصرار):
— "أنا مش هسكت يا بشمهندس. أنا لازم أعرف مين اللي باعتكم، والملجأ ده مش هيتأذي طول ما أنا فيّ نفس."
عمار (رجع لبس نضارته وكأنه بيقفل الكلام):
— "يا ست حنان، نصيحة مني.. ركزي في إدارة الدار وفي ولادك، وسيبي البنا لأصحابه. الدنيا بره بتتغير، واللي مابيمشيش مع التغيير هو اللي بيتعب. عن إذنك، عندي شغل لازم يخلص قبل الليل."
عمار سابهم ومشي ناحية الجبل بكل برود، وحنان وقفت مكانها وهي حاسة إنها بتخبط في حيطة سد. لفت لعزة وقالت بصوت واطي فيه قلق حقيقي:
— "الجدع ده مش سهل يا عزة.. وكلامه وراه 'حد' تقيل قوي. أنا قلبي واكلني إن الدار بقت في نص مصلحة كبيرة، وزينب في نص مصلحة تانية، وإحنا مش عارفين رأسنا من رجلينا."
عزة فضلت باصة لضهر عمار وهو بيبعد،
بغل وحزن، وحنان بدأت تتحرك ناحية باب الدار وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم من ضيقها. وفجأة، وسط الرمل الناعم اللي هج من الحفر، عزة حست بـ "سيخ نار" اتمكن من رجلها.. وجع مش طبيعي، خلى الدنيا تلف بيها وصوتها يخرج في صرخة شقت هدوء المكان:
ـ ااااه الحقونى
عمار، اللي كان لسه ممشي، جسمه اتنفض وكأن الصرخة دي لمست سلك عريان في قلبه. لف بسرعة البرق، وشاف عزة وهي بتقع على الأرض وماسكة رجلها بوجع هستيري.
جري عليها بقلب واكل صدره، وفي اللحظة اللي وصل فيها، لمح خيال "طريشة" صغيرة لونها من لون الرمل، كانت لسه بتتسحب بعيد عن رجل عزة. عمار من غير تفكير، ومن غير ما يستنى يدوّر على حجر أو عصاية، قلع جزمته التقيلة ونزل بيها بكل قوته على راس التعبان، فضِل يضرب فيه بغل وكأنه بينتقم
رمى الجزمة من إيده وارتمى على الأرض جنب عزة، اللي كان وشها بدأ يصفر وعرقها يسيل.
كان قاعد على الأرض قصادها، عينيه متركزة على مكان سنون التعبان في كاحلها بس كل حواسه معاها. مسك كعب رجلها بكفوفه اللي فيها خشونة الأيام بس لمستها كانت أرق من الحرير، كأنه بيمسك حتة إزاز خايف تتكسر. وبدون تردد، ميل براسه وحط شفايفه على ساقها عند مكان الجرح، وبدأ يسحب السم بكل قوته، كأنه بيمتص الوجع اللي بيجري في عروقها ويفتديه بنفسه.
بعد كل مرة، كان بيمسح طرف بقه بظهر إيده وعينيه متركزة في عينيها بنظرة ثابتة، لحد ما رفع عينيه ببطء في المرة الأخيرة والسكوت مالي المكان.. نظرة كان فيها ألف كلمة متقالتش؛ كأنه بيبصملها بالفعل ده إنه سندها، وإن الخطاوي اللي تعبت من شيل الهموم -وحتى الموت اللي قرب منها- هو اللي هيصده عنها، عشان تمشي من بعد النهاردة على حرير."
جريت حنان عليها وهى بتصوت وبعدها عمار شالها وركبها العربيه وجريت حنان وراهم
العربية طارت زي السهم، وعمار كان دايس بنزين لآخر نفس، عينه مش بتفارق المراية، بيبص على وش عزة اللي بقى لونه أبيض زي الورقة وهي نايمة ورا، وحنان جنبها بتبكي وتدعي بصوت مكتوم ومنهار.
صمت عمار كان مرعب، إيده اللي قابضة على الدريكسيون كانت بترتعش لأول مرة في حياته. وصلوا المستشفى في دقايق، وشالها تاني بين إيديه وهو بيصرخ في الممرضين: "ألحقونا بسرعة.. أي حد يلحقنا!"
بعد لحظات من التوتر والرعب في أوضة الطوارئ، خرج الدكتور وطمنهم إن "المصل" لحقها في الوقت المناسب وأنها عدت مرحلة الخطر. دخل عمار الأوضة بعد ما العاصفة هديت، كانت الإضاءة خافتة وعزة بدأت تفتح عينيها ببطء وبتسترد وعيها.
قرب من السرير، وقعد على طرف الكرسي اللي جنبها.. مكنش فيه أي أثر للمهندس القاسي اللي جاي يهد الجبال؛ كان فيه بس راجل مغلوب قدام نظرة عينين ذبلانة وتعبانة
