img { max-width: 100%; height: auto; display: block; } رواية اشباح المخابرات الفصل التاسع 9 بقلم اية محمد رفعت

رواية اشباح المخابرات الفصل التاسع 9 بقلم اية محمد رفعت


 رواية اشباح المخابرات الفصل التاسع 

اختفى ضوء الشمس، وأعلن الليل عن استيلائه على الحكم،  ليسطو بعتمته الاجواء، ومازال "تيام" يحاول الوصول إلى شقيقته، يهاتفها للمرة التاسعة ولم يأتيه منها ردًا على مكالماته، أغلق "تيام" الهاتف وهو يردد في قلقٍ وذعر: 
_أول مرة مترديش على مكالماتي يا تالا!! 

ازداد قلقه بشكلٍ كاد أن يقتله، فاذا به يتجه إلى غرفة شقيقته، يجذب النوت الصغير الخاص بأرقام صديقاتها، إستخرج منه رقم صديقتها "راندا"، ثم هاتفها ليطمئن عليها، وجُل ما يراوده أن شقيقته لربما قضت اليوم بأكمله رفقتها ومن الممكن أنها لم تنتبه إلى الهاتف ولم تر مكالماته. 

تدمرت كل الافتراضات الخاصة به، حينما ألح عليها بالحديث حينما علم بأنها ليست برفقتها، فأخبرته بجملة قسمت قلبه وظهره إلى شطرين: 
_أنا مكنتش حابة أقولك عشان ميحصلش مشاكل بس كده أنا قلقت لما قولتلي إنها لسه مرجعتش البيت، احنا لما خرجنا من الجامعة كان نوح واقف يستناها، ادتني حاجتها وراحت تكلمه، ولما اتاخرت روحت أشوفها ملقتهمش، فقولت أكيد راحوا مطعم أو كافيه يتكلموا فيه على راحتهم، وبعتلها كذه مرة مردتش!
                               ***** 
دقات متعصبة على باب الغرفة، صراخ، بكاء، توسلات ولم يهتز في هؤلاء الشياطين شعرة واحدة، يقف اثنان منهما أمام باب الغرفة الموصود، الذي تطرقه "تالا" من الداخل، ومازالت تردد: 
_افتحوا الباب، انتوا عايزين مني إيـــه حـــــــرام عليـــكم! 

دموعها انشقت على وجنتيها كالأمطار، وقوتها الواهية تلاشت وباتت كالسراب، مالت خلف باب الغرفة تضم ذاتها وهي تهمس من بين بكائها: 
_يا رب نجيني منهم يا رب! 

ومن ثم همست بضعف وخوفًا يكاد أن يوقف عضلة قلبها من مصيرها المجهول لها بين تلك الغرفة الصغيرة: 
_تيــــام! 
                             *****
حركة خافتة بين الأشجار، رشاقة، دقة، اتقان بكل خطوة تخطوها تلك الملثمة، تضع قبعة جاكيتها المفتوح من فوق خصلاتها، ومع ذلك يتدلى من خلف كتفيها كالحرير، طوله ليس بالقصير ولا الطويل، كشخصيتها المعتدلة، والتي تخفي غموضًا زرعه فيها قائدة، لتكن ابنة أبيها ولكنها لم تكن مُدللة قط! 

استلت أحد فروع الاشجار، ونزعت عن عينيها الزرقاء اللثام، ثم أخرجت من جيب بنطالها الشفرات الدائرية وبعض العملات ببسمةٍ تسلية، ثم بدأت تصوبها بشكلٍ متقن على الشجرة المقابلة لها. 

ضربة فأخرى، ثم قفزت تطالعها بابتسامةٍ نصر، فاذا بالفرع الضخم ينهزم أمام دهائها حينما استهدفت نقاط ضعفه. 

عادت "مرين" تكرر فعلتها باستمتاعٍ، وهي تخطو بسرعةٍ كبيرة بين الاغصان مستغلة ظلمة الليل الكحيل وسكونه الهائم. 

توقفت بجسدٍ مشدود، لا يتحرك فيها الا عينيها الساحرة، وفجأة استدارت في نفس لحظة انطلاق شفراتها المتحركة التي تشبه المروحية، ولكنها بأطرافٍ حادة، سددتها صوب ذلك الذي يتعقبها، فاذا به يقبض على الشفرة من مكانها الامن بالمنتصف، وحينما أزاح يده ببطءٍ اتضحت ملامحه التي جعلتها تهمس بدهشةٍ: 
_ياسين!! 

رفع يده يلف الشفرة وهو يتطلع لها ببسمةٍ ساخرة: 
_أوضة التدريب مش مكفية جنابك عنيدة هانم؟ 

ربعت يديها بغضبٍ بدى له طفوليًا للغاية، بينما تزفر بضيقٍ: 
_أوف بقى هو إنت أيه محدش يعرف يفلت منك أبدًا؟ 

وتابعت بعدم تصديق: 
_هموت وأعرف بتحس ازاي، أنا اساسًا مش خارجه من الباب اللي جنب أوضتك! 

اقترب منها ببطءٍ، وقال وهو يتأمل تحرك خصلاتها من حول وجهها بفعل الهواء البارد: 
_يمكن عشان كده الجوكر شافني الأجدر بحمايتك، وسلمني رحيم زيدان قيادة الفريق. 

تنهدت بسخطٍ وهي تتابع بانزعاجٍ: 
_وإيه أوامر سيادتك يا قائد؟ 

راق له هذا الاحترام المفاجئ، فرنا إليها يفتح كفه وعينيه تتطلع لما بيدها: 
_خطر على بنوتة رقيقة زيك تشيل سلاح زي ده! 

ضحكت  بسخرية وقالت: 
_لو خطر عليا مكنش بابي علمني إزاي أستخدمه وبمنتهى البراعة! 

أبقى على كفه مفتوحًا، وبنفس الثبات قال: 
_وقت الحرب كل شيء اتدربنا عليه مُباح، حتى لو كان في أذى لينا،  لكن حاليًا احنا لسه في هدنة السلام. 

ضمت شفتيها بانزعاج، فابتسم بجاذبية خاطفة، وأشار بعينيه لكفه المفتوح، فاذا بها تقترب وتضع ما تحمله بين كفيه، وابتعدت تربع يديها بانزعاجٍ، جعله يبتسم بعشقٍ لكل تفاصيلها. 

أخفى "ياسين" الشفرات جيدًا، ثم اقترب منها يسألها: 
_قوليلي بقى بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟ 

ردت ومازالت توليه ظهرها وتقيد ذراعيها أمامها بغضب: 
_مفيش زهقت فخرجت أتمشى شوية لوحدي، بس للاسف معرفش إنك هتخرج ورايا زي الشبح! 

منع ضحكة منه كادت بالانفلات على مظهرها الطفولي، فاستكمل مسافته حتى بدا أمامها وجهًا لوجه، وقال بصوته الرخيم الجذاب: 
_إيه اللي مضايقك يا مرين؟  

فكت قيد يديها وطالعته بدهشةٍ، فاسترسل بثقةٍ: 
_إنتِ مبتلجئيش للعنف ده الا لما يكون في غضب أو غيظ جواكِ وعايزة تطفيه.

وضحك وهو يمازحها:
_ أتمنى مكنش السبب اللي ورا حالتك دي، والا مصيري هيكون زي مصير فرع الشجرة المسكين، فخليني أمن نفسي يمكن يكون لسه في أسلحه تانية! 

ابتسمت رغمًا عنها على حديثه واستكملت طريقها حتى جلست على حجارة ضخمة موضوعة بين الحشائش، فاتبعها "ياسين" وجلس على مسافة فاصلة بينهما، ينتظر أن تفصح عما بها، فالتفتت له بعد فترة وقالت بتردد: 
_مامي ومارال وحشوني أوي. 

قرأ ما بزُرقتها، لقد اعتادت دفن مشاعرها الرهيفة كونها فتاة تمتلك ضعف عاطفة الرجل، خشية من أن يتهمها أحدٌ بالفتاة المُدللة، أو يقلل من شأنها بين أعضاء الفريق خاصة أن بالفريق أمهر من تم تعينهما بالجهاز بأكمله بالاونة الأخيرة الجنرال "ياسين عدي الجارحي"، والشبح الذي اشتق منه اسم الفريق "زين رحيم زيدان". 

أبدى تعاطفه معها، بل أراد أن يطمنها أنها مشاعر طبيعة تشعر بها الفتيات والرجال أيضًا، فاحتوى مشاعرها بذكاءٍ: 
_أنا كمان ماما ورحمة وعمر وكل ولاد عمي والعيلة كلها وحشتني أوي، وأولهم طبعًا ياسين الجارحي وبابا. 

لفت ساقيها تجاهها وسألته باهتمامٍ: 
_رحمة دي تؤامك صح؟ 

هز رأسه وهو يتحاشى التطلع لها من هذا المحل القريب بعض الشيء، فابتسمت ورددت: 
_أنا ومارال بردو شبه التؤام الفرق بينا مش كبير، بس مختلفين تمامًا. 

تلاشت ابتسامتها بحزنٍ، وقالت: 
_مارال عكسي تمامًا في كل شيء،  شخصيتها هادية وده ممكن يكون شيء كويس، بس الوحش إنها ضعيفة وبالاخص قدام زين وده بيخليني أكره أشوفها نسخة تانية من طنط شجن قدام أنكل رحيم.

فرح أنها تشاركه الآن ولأول مرة الحديث عن عائلتها، وكأنها بدأت تتقبل أنه سيكون جزءًا منها، فتنحنح قائلًا بحديثه الهادئ: 
_ممكن أختك تكون فعلًا شبهها من وجهة نظرك، بس اللي أنا واثق منه إن زين مش شبه رحيم زيدان، ولما بيكون شبهه بيكون بس في المهمات اللي بنطلعها، والمفروض انك عارفاه أكتر من مارال نفسها بحكم وجودنا مع بعض أغلب الوقت. 

شردت قليلًا تحلل آخر جملته، ورسمت بسمة صغيرة وهي تفوه: 
_عندك حق، زين فعلًا كوكتيل ما بين بابي وأنكل رحيم. 

وتطلعت له تخبره بمشاكسةٍ: 
_على فكرة انت على الرغم من إنك مغرور ومتكبر الا انك كلامك دايمًا موزون ويقنع المجنون! 

قهقه ضاحكًا، حتى ضحكت هي، بينما يهمس بعدم تصديق: 
_أنا متكبر!!! 

هزت رأسها وهي تؤكد له وتضيف: 
_ومستفز، بتحب تستفزني كل دقيقتين، وتخرجني عن شعوري، فلو خايف من الاسلحة اللي بستخدمها حاول تأخدلك مني ساتر يا قائد!! 

اعتدل بجلسته وقد تلاشت عنه ابتسامته: 
_طيب وأخد ساتر من عيونك إزاي؟! 

أعادت خصلتها خلف أذنيها بارتباكٍ، وراحت تتلعثم بحديثٍ تزرعه بينهما: 
_هو... إنت يعني بتحس بأختك التؤام زي ما بيقولوا؟ 

أبعد بصره عنها وأجابها: 
_بصراحة لا وبحمد ربنا من كل قلبي، لإني مكنتش هتعمل نفورة الهرمونات المتقلبة اللي عند البنات وعند رحمة أختي بالذات، زائد إني متمرمط بالتمارين فلو أخدنا على عدد الاصابات اللي أخدتها المفروض تكون دخلت العناية المركزة أربعين مرة! 

بدا الضيق يتخذ محله على وجهها، وكلما حاولت أن تبتلع حديثها فشلت، فألقته بوجهه: 
_على فكرة بقى البنات مش كلهم بالضعف اللي إنت متخيله، إنت فكرتك عن البنات سيئة جدًا! 

لم يبد عليه تأثرًا بحديثها، مازال يجلس نفس جلسته، يطالعها بنفس الثبات، ينتظر انتهائها حتى انتهت فقال: 
_اللي أنا كنت أعرفه ان شخصيات البنات بتختلف من بنت للتانية، لكن التكوين نفسه واحد، يمكن عشان اتربيت في بيت  البنات فيه دايمًا مرفهين، وليهم قدرة وطاقة معينة، اغلب الوقت لازم أكون موجود جنب والدتي وأختي أساعدهم مثلًا في شيل أبسط الاشياء، ولازم أخرج معاهم عشان أحميهم لو اتعرضوا لاي معاكسات أو لاي شيء.

وتابع ليكسر عنها الصورة التي تحملها له: 
_اتعودت مثلًا اننا كشباب مبنفرقش الجيم وأي رياضة بتلاقينا فيها، لكن بنات عيلتنا كانت ميولهم رايحة للعب البنات والميكب والفساتين والكلام ده. 

واسترسل وهو يتطلع لها: 
_لحد ما نجحتي توريني نوع نادر مش موجود في الصورة اللي كونتها في عقلي، عنيدة هانم إنتِ شقلبتي المعادلة اللي في دماغي كلها!

سحبت بصرها عنه باستحياءٍ وهي تخفي ابتسامتها، فقال بسخرية:
_عارف إن هيطلع عيني معاكِ، بس جاهز ومستعد، إنتِ مميزة وتستحقي معاملة مميزة، بس لو تتنازلي شوية وتكسري شوية بس من عنادك هتبقي قمراية. 

احتدت نظراتها تجاهه، فضحك وهو يشير باصبعيه: 
_شوية صغيرين مش العناد كله! 

ابتسمت وعادت للصمت مجددًا حتى شردت تمامًا، حتى هو احترم صمتها وتحلى بالسكون. 

افاقت من شرودها واستدارت صوبه بلهفةٍ، تتطلع له كمن وجد مفتاح لصندوق الكنز الذي وجده: 
_ياسين! 

تطلع لها باستغرابٍ، فقالت وهي تدعي رقة الحديث الذي جعله يخشى القادم: 
_لو طلبت منك طلب  ممكن توافق؟ 

رفع أحد حاجبيه فأصبح نسخة طبق الاصل من الدنجوان "ياسين الجارحي": 
_على حسب ناوية على أيه عنيدة هانم؟ 

أدلت شفتيها السفلية واستدارت عنه توليه ظهرها بغضب، جعله يضحك بشدةٍ، وهي تقول: 
_كده كده مش هتوافق، إنت بتعاملني كأني بنتك كل حاجة تأخدها مني كأنها هتعورني!!  ده بابي مكنش بيتعامل معايا كده. 

نهض عن محله واتجه لها: 
_طيب جربيني!  

رفعت عينيها الخبيثة له، وسلطتها صوب جزع الشجرة الصلب قائلة ببراءة مصطنعة: 
_بابي كان بيقولي إنه في فترة من الفترات اتعرض لظروف قاسية أوي، خليته في أضعف حالاته، فكان بيحاول يكسر فرع الشجرة ومكنش بيقدر، بس بعد ما اتخطى الظروف دي نجح يعمل كده وحس وقتها بفرحة وقوة عظيمة. 

ضيق عسليته بعدم فهم: 
_وإنتِ بتمري بظروف قاسية؟ 

هزت رأسها وهي تكبت ضحكتها: 
_لا، بس عايزة أقطع فرع الشجرة! 

برق بعينيه بدهشة: 
_إيـه؟! 

زمت شفتيها مجددًا، واستدارت توليه ظهرها للمرة الثالثة، فتمايل جسده ضاحكًا من طريقتها الغريبة، وقال من بين ضحكاته: 
_لو ده هيفك حالة الشوق والغرام لوالدتك وأختك تمام معنديش مشكلة. 

نهضت تصفق بيديها بحماسٍ، فباغتها بقوله الخبيث: 
_بس هنعملها مرة تانية لان معناش أي أدوات تساعدنا. 

أتاته شكوكه على طبق من ذهب، حينما قالت وهي تتجه أسفل الشجرة الضخمة، وتبدأ بالحفر بيدها حتى استخرجت ما تخفيه: 
_أنا عندي. 

ضم شفتيه ونواجذه القوية تتحرك في فكيه بشكلٍ جعلها تعترف دون أي كلمة منه: 
_آآ... أنا يعني حاولت قبل كده بس معرفتش. 

ونهضت تزيح خصلتها خلف أذنيها وهي تصيح: 
_ده مش ضعف مني، الشجر هنا غريب عن عندنا. 

وتطلعت لعضلات يديه البارزة بقوة وهي تستطرد: 
_ متفائلة إنك هتقدر، بس عند الجزء الاخير وتنسحب وهكمل أنا عشان أحس بلذة القوة والانتصار اللي الجوكر حكالي عنهم، موافق يا قائد؟ 

تبسم وهو يفتح قبضته، فقذفت له الفأس، الذي سدده بقوة للشجرة المجاورة له قائلًا: 
_هوافقك في جنانك ده عنيدة هانم!  
                              ******
وصل الشيطان الملعون للمكان السري الخاص بعائلة "التميمي"، قابله المسؤول عن رجاله، وهو يخبره: 
_كله تمام يا هارون باشا، خطفنا البت وحطيناها في الاوضة اللي فوق، ونوح ربطناه تحت. 

نزع نظاراته السوداء وقال بغموض مرعب: 
_ومفاجآة كِنان باشا حضرتها؟ 

أكد له بشرٍ لا ينطبق لعالم البشر: 
_جهزتها يا باشا، في القبر اللي بندكن فيه الجتت. 

لاح على وجهه ابتسامة شيطانية مخيفة، وهو يقول: 
_حرام يا صفوت، خلي عندك قلب وافتح نور القبر ، كده المفاجأة هتتشيع قبل وصوله. 

ضحك بصوت مسموع وقال وهو يغمز له: 
_عنيا يا باشا، بس لو النور اتفتح هتتشيع بردو من منظر الجثث والدم! 

مضى بطريقه وهو يشير له بقسوة ورغبة وضيعة تسوقه لانتقام لا يحق له: 
_ولع النور، ولو اتشيعت مصيرها كده!! 

واصل طريقه للداخل وبالاخص للطابق السفلي الكبير، الذي يتوسطه درج خشبي عتيق، يلتف من حوله سبعة رجال مسلحين، قابله أحد الرجال، فسأله "هارون": 
_كِنان وصل؟ 

أجابه سريعًا: 
_لسه يا باشا. 

هز رأسه بتسليةٍ، وقال وهو يمضي إلى احدى الغرف: 
_لما يوصل يدخلي هنا الأول. 

أشار في طاعةٍ بينما دخل "هارون" للغرفة واتجه إلى البار الضخم الخاص به، جلس يجذب كأسه وقد قدم له المدعو "صفوت" الخمر الذي إعتاد عليه كالمياه. 

تجرع كوبه، وتساءل وهو يتفحص باب الغرفة القريبة منه، المحتجز داخلها "نوح": 
_عرفت توصل للبت اللي قولتلك عليها يا صفوت؟ 

ابتلع ريقه بارتباكٍ مما سيخبره به، وهو الذي لم يفشل بمهمة كُلف بها قط: 
_أبدًا يا باشا، أنا حتى فضلت ماشي وراها لما خرجت من النايت كلوب، دخلت مول تجاري قريب من النايت وفجأة فص ملح وداب كأنها شبح! 

منحه نظرة ساخرة، تحط من قدره، وصاح غاضبًا: 
_شبح!!  شكلك كبرت ونظرك ضعف يا صفوت، أشرفلك تمشي وعينك متصفية أحسن من الحجج البايخة دي. 

جحظت عينيه في صدمةٍ وخوف، وراح يردد بتلعثمٍ: 
_حقك عليا يا باشا، يمكن بس عشان أول مرة أشوفها، لما تيجي تستلم الشغل مع حضرتك هجيبلك كل اللي يخصها من أول ما نزلت من بطن أمها لحد ما حضرتك شوفتها في النايت كلوب. 

ارتشف كأسه لأخره، وفاه بنزقٍ: 
_إدعي إنها تيجي وأقابلها للمرة التانية، لأن لو محصلش هصفهالك فعلًا يا صفوت! 

اهتز جسده من فرط الرعب، فتراجع خطوتين للخلف وهو يكاد أن يُقتل محله من شدة الخوف، حتى أشار له "هارون": 
_ادخل اطمن على نوح قبل ما كِنان يوصل، مش عايزه يحس إننا استخدمنا مع أخوه أي عنف يخليه يتعصب. 

وببسمة ساخرة استطرد: 
_وكِنان عصبيته وحشة. 

ردد وهو يحارب برودة جسده: 
_حاضر يا باشا. 

وهرول للغرفة بينما أبعد "هارون" الكوب، وسحب الزجاجة يرتشفها ويصفر بتلذذٍ واستمتاع مريض، حتى أتاه صوت غاضب من خلفه يناديه: 
_هــــــــارون!!! 

ابتسم وهو يردد دون أن يستدير له: 
_كنت عارف إنك هتوصل في سرعة البرق، اختراق قوانين الديزل مُباح عندك لو الضحية تخصك. 

أصبح أمامه في سرعة البرق، يختطف جسده بين يديه القوية، يصيح بخشونةٍ وغضب: 
_نـــوح فيــــــــــن؟ 

أبعد كفيه من حول رقبته، وهو يمنحه ابتسامة باردة: 
_لو عايز أضره مكنتش بعت أجيبك. 

وفع كفه للخلف وهو يستطرد: 
_أخوك جوه في الاوضة دي، عايزك تعقله وتخليه ينفذ اللي أنا عايزه والا هحرمه من الفرصة الذهبية دي وهوكلها لحد من رجالتي ينهيها. 

سدده "كِنان" بنظرة محتقرة، وبصق أرضًا وهو يهتف بتقززٍ: 
_هتعيش وتموت وانت أحقر خلق الله! 

                               *****
كان مقيدًا على مقعد خشبي بمنتصف الغرفة، يديه مربوطة من الخلف، وفمه وعينيه معصوبتان، يهتز بعنف وعروقه بارزة من شدة الغضب والخوف على من أحبها بكل ذرة بكيانه. 

مال "نوح" بجسده حتى تهاوى أرضًا، ينازع حتى يفك القيود التي تحاوطه، فاذا به يميل صوب صوت باب الغرفة الذي يتعالى صريره، ومن بعده صوت دعسات الأقدام التي استقرت من أسفله. 

رفع الرجلين المقعد به، وفكوا لثامه وما كُمم به فمه، وجسده، تفاجأ "نوح" من وجود أخيه قبالته، يقف صامتًا، ويراقب تحرير الرجال له بسكونٍ، فاذا به يهمس بدهشةٍ: 
_كِنان!! 

كان يستعد للقادم وهو يعلم أنه سيخوض أصعب معركة أمام عشق أخيه الذي يعلم مدى جديته حيالها، العلاقة التي دامت بحياته حتى بعدما افترق عنها. 

أخفض "كِنان" رأسه للأسفل بعجزٍ وحزن تام، وخاصة حينما تحرر "نوح" وما أن كاد أن يتساءل عما يحدث هنا حتى وجد "هارون" يقتحم الغرفة وهو يتجرع من كأس الخمر، فاتضحت الرؤيا كاملة أمامه، فأخذ يتطلع لأخيه بدهشةٍ جعلته ينسحب للمقعد القريب من الشرفة، جلس يوليه ظهره وهو يرتشف سيجارته بعنفوانٍ. 

سحب "نوح" بصره إلى "هارون" الذي رنا إليه يعدل من قميص "نوح" الغير مهندم وهو يهتف: 
_ها يا نوح هديت، ولا محتاج وقت أكتر من كده؟ 

انتزع يديه من حوله، وصاح بعصبية وغضب جامح: 
_تــالا فيـــن؟!!!! 

حافظ على ثباته وصلابته وقال: 
_اهدى عشان تفهم اللي هقوله. 

واجهه بقوةٍ وتحد: 
_مش ههدى الا لما أشوفها بعنيا، إنت عايـز منها إيـه؟ هي ملهاش علاقة بمشاكلك مع تيـام! 

ضحك بشكلٍ جعل "نوح" يرتعب خوفًا على حبيبته، وخاصة حينما دس "هارون" يده بجيب بنطاله وقال ببرود: 
_لا طبعًا ليها علاقة، دي نقطة ضعفه الوحيدة اللي هتكسره يا نوح! 

ومال بوجهه صوبه وهو يخفض نبرته: 
_دي اللي هتجيبه راكع وبيتوسل إني مفضحش أخته بالفيلم اللي هخرجه ليها بنفسي، وطول ما هو معايا هيعمل اللي أنا عايزه عشان مينزلش. 

جحظت عينيه صدمة، فاذا به يندفع نحوه بشراسة: 
_فيلم إيـــه!!  إنت عملت فيها إيـــه؟ 

وهرول صوب الباب المفتوح على مصرعيه وهو يصيـح بجنون: 
_تـــــــــــــالا... 

سد الرجلين الطريق من أمامه، ودفعاه للخلف برفق، سحب "هارون" رشفة من كأسه، وتمتم بخفوتٍ: 
_متخافش الفيلم مش هيبتدي من غيرك، لانك البطل يا بطل. 

أسبل في ذهولٍ ودهشة، فدفع الرجلين اللذان يقيدانه واقترب منه وهو يهتف بصعوبة من الحديث: 
_إنت تقصد إيــه؟! 

أشار "هارون" لاحد رجاله، فأسرع يحضر له زجاجة خمر بدلًا من الفارغة، ثم سكب في كأسه، ومازال يتطلع تجاه "نوح" الذي يرفض قراءة ما بعينيه الحقيرة،  إذا به يقول بعدما تجرع كأسه كاملًا: 
_يعني حبيبة القلب بانتظارك فوق، والكاميرا اللي هتشهد على قصة حبكم بردو بانتظار تسجيل فيلم الغرام. 

اهتز جسد "نوح" بمحله كأنه على وشك السقوط بين لحظةٍ، فضحك "هارون" باستهزاءٍ: 
_إيه مالك اترعبت ليه،  أوعى يكون مالكش غير في إلقاء قصايد الشعر بس أزعل! 

حرر "نوح" صوته المحتبس وهو يصرخ بعنف: 
_إنت مجنـــــون،عقلك مش فيك بسبب الزفت اللي بتشربه، أوعى تفكر إنك هتضغط عليا بأي شكل من الاشكال، ولا إني هسمحلك تقربلها أو تمس بس شعرة منها! 

توالت ضحكاته بشكلٍ أربك "نوح"، والآخر يجوب الغرفة كالشيطان المقيد قدميه بأساور تُوشك على التحرر، يتجرع كأسًا ويليه الآخر، ثم توقف فجأة وابتسامته تتلاشى بقوله الجحيمي: 
_مش بمزاجك!  لو معملتش كده هدي أمر لواحد من رجالتي يعملها، ويمكن يكونوا اتنين أو تلا... 

ابتلع حديثه حينما ركض "نوح" صوبه وسدد لكمة قوية رغم جسده الرفيع الذي يتناسق مع عمر سن الجامعة، وقبل أن يطول وجه "هارون" لكمة آخرى، انتقل "كِنان" من محله، يبعد أخاه للخلف بسرعةٍ مريبة. 

وقف "كِنان" أمام "هارون" يحيل بينه وبين أخيه وخاصة وهو يرى نظرة الشر تتفاقم منه تجاهه، وهو أحق العلم بأن أخاه لن يتمكن من مجاراة وحشية "هارون". 

نجح بدفعه للخلف وهو يصيح بوجهه ومازال يحتوي اخاه خلف ظهره: 
_سبني أتعامل معاه أنا يا هارون. 

أراد أن يقتلع عنقه على ما فعل، ولكن نظرات "كِنان" التهددية جعلته ينسحب للخارج وهو يهتف بجحود: 
_ربع ساعة ويكون فوق، والا هختار اللي يقوم بالليلة بداله. 

احتقنت الدماء بعروقه، فحاول تخطي أخيه وهو يصرخ بعنفوان: 
_بأحلامك، اللي هيقربلها هقتله وإنت قبلهم يا هارون. 

دفعه "كِنان" للخلف بقوةٍ، حتى تمكن من السيطرة عليه، وصاح بحزمٍ: 
_اخرس واسمعني. 

سدد له نظرة حادة، وقال: 
_إنت ازاي قابل بكده، دي مهما كان بنت عمك وأخت صاحبك، وفوق كل ده حبيبة أخوك واللي هتكون مراته في يوم من الايام! 

أغلق "كِنان" عينيه قهرًا، بينما يتابع "نوح" بمرارةٍ: 
_هو عاملك إيه عشان تكون قدامه بالضعف ده، قولي يا كِنان؟  لو أنا نقطة ضعفك اقتلني بايدك أهون عندي من اني أشوفك خاضع لكلب زي ده! 

فتح بنيتاه التي أصابها احمرار من شدة الوجع، وأحاط وجه أخيه بقوة: 
_أوعى تنطق كلامك ده تاني،  أنا عايش عشانك وعشان أحميك. 

أبعد يديه وهو يصرخ قهرًا: 
_مش عايز حمايتك دي. 

وأضاف وهو يترجاه بألمٍ: 
_خرج تالا من هنا يا كِنان، أرجوك. 

تنهد في سخطٍ، وقال بثبات: 
_تيام نفسه لو كان مكاني وخيروه بين حياتك وحياة أختك كان اختارها، فأنت عايزني أفضلها عليك!! 

أخفض رأسه بقلة حيلة، وعقله يكاد يجن من شدة التفكير، رنا إليه "كِنان" يخبره بهدوءٍ: 
_اسمعني يا نوح، إنت مجبور تعمل كده والا صدقني هارون هينفذ اللي قالك عليه. 

وتابع وهو يحاول أن يسيطر عليه: 
_يمكن ده يكون السبب اللي يرغم تيام يوافق على جوازك منها. 

رفع رأسه تدريجيًا إليه بأعين جاحظة، وصاح: 
_إنت بتقول إيــــه؟!!!  عايزني أعتدي على الانسانة الوحيدة اللي قلبي دق ليها، وأنا عارف كمان إن الوسـ* ده بيصورها!!  عايزني أصور عرضي!!!!  

وشمله بنظرةٍ أخيرة قبل أن يقول: 
_أنا بستحقرك يا كِنان! 
                             *****
بالأعلى. 
تورمت عينيها من كثرة البكاء، حنجرتها جُرحت وصوتها قد بح من كثرة الصراخ، وها هو السجان يفتح الباب، معلنًا عن قدوم أسوء ما تخشاه. 

تجمدت يدي "تالا" حول جسدها، وعينيها تراقب الباب بذعرٍ، فاذا بها تشهق فرحة حينما رأت من يقف أمامها. 

احتملت على الحائط حتى نهضت، وهرولت تناديه بلهفةٍ: 
_نــوح!!! 

بقى محله يتطلع للارض حتى لا يرى تلك النظرة التي ستصيبه في مقتلٍ، وقفت قبالته تردد بصوتها المبحوح: 
_نوح إحنا فين؟  أنا لازم أخرج من هنا، تيام زمانه قلقان عليا. 

وحينما وجدته على نفس وضعيته، ارتابت من أمره، فوضعت يدها على يده وهي تناديه بقلقٍ: 
_نوح! 

رفع رأسه لها ببطءٍ، فتهاوى قلبها منكسرًا حينما رأت دموع عينيه تنسدل في عجزٍ، همست ألمًا وفلقًا: 
_نوح مالك؟  

أتاته دقات عنيفة من الخارج وصوت "هارون" المُقيت: 
_انجز يا عريس، متطولش علينا. 

توسعت عينيها في صدمةٍ، وعادت تتعلق به، فهمس وهو يتطلع لها في عجز: 
_أنا آسف يا تالا. 

تراجعت للخلف وهي تتفحص باب الغرفة، ومن ثم تتطلع له بعدم استيعاب، اتبع "نوح" خطوتها وهو يتابع بدموع انهمرت على وجنته: 
_أنا مُجبر أعمل كده. 

سقطت أرضًا من شدة الفزع، ونهضت تتراجع للخلف وهي تشير برأسها ببكاءٍ: 
_لا، نوح إنت لا يمكن تعمل كده. 

تعرقلت ساقيها حتى سقطت على الفراش، فزحفت للخلف وهي تبكي بينما يقول هو : 
_غصب عني، أنا بحبك وهتجوزك يا تالا. 

وأضاف يبرر لها: 
_احنا كده كده بنحب بعض وهنتجوز. 

زوت حاجبيها بصدمةٍ من قوله، أيبرر ذبحه لها بما يقول، مال يحاول لمس حجابها، فأشارت له بصرامة رغم ضعفها وانهيارها: 
_هكرهك يا نوح. 

وأضافت وهي تترجاه رغم جمود ملامحها: 
_أوعى تعمل فيا كده، لو بتحبني بجد بلاش! 

أحنى رأسه باكيًا: 
_قولتلك غصب عني، لو معملتش كده هارون هيعمل الابشع. 

عاد باب الغرفة يطرق، فاضطر أن يجذبها صوبه، صرخت وهي تبعده عنها وتترجاه ببكاء: 
_نوح لاااا، متعملش فيا كده من فضلك، أنا مش عايزة أكرهك يا نوح. 

رفع وجهه القريب منها وقال باكيًا: 
_لو منفذتش مش هقدر أحميكِ من شر هارون. 

اعتدلت أمامه تتطلع له بنظرةٍ أشعلت النيران داخله وخاصة حينما رددت بانهيارٍ: 
_أنا عرفت ليه تيام مكنش موافق على جوازنا، إنت متنفعنيش يا نوح، مش إنت الراجل اللي يقدر يحميني!! 

أحنى رأسه خزيًا منها، ورعبًا من مصيرها القادم، مزق لين قلبه بقسوةٍ، فهو لن يحتمل أن يمسها رجلًا غيره، لقد وعده "هارون" أنه سيجعله يرى الأمر بنفسه، لذا جذبها بالقوة، ومال صوبها يهمس بألمٍ: 
_سامحيني يا تالا مش هتحمل أشوفه بينفذ تهديداته. 

صرخت ببكاءٍ وحاولت أن تتحرر منه، حتى أنها نادته قبل أن ينجرف بما يود فعله، فقالت: 
_نوح. 

رفع وجهه الباكي لها، فقالت: 
_إنت كده بتقتلني وبتقتل الحب اللي اتولد جوه قلبي ليك، بالله عليك ما تعمل معايا كده، أنا بحبك بلاش تحول الحب ده لكره، بلاش تقتلني يا نوح. 

كسرت ما تبقى داخله، فمال على كتفها يبكي بانهيارٍ، وهو يردد بصوتٍ مكتوم: 
_أنا مُجبر، صدقيني! 

وعاد يتطلع لها، ثم قال يوعدها: 
_أول ما هنطلع من هنا هتجوزك يا تالا، ده وعدي ليكِ. 

حاولت سحب يديها من يديه التي تقيدها وهي تصرخ بهمجيةٍ: 
_لو عملت فيا كده مش هتجوزك ولو كنت آخر راجل على وجه الأرض سامع!  

وأضافت لتستفزه وهي تصفعه بقوة على صدره بعدما تركها: 
_أنا بكرهك وندمانة إني  حبيت إنسان ندل زيك، إنت جبان وعمرك ما هتكون راجل!
وأضافت باكية بحسرةٍ: 
_اختياري ليك كان أكبر غلطة في حياتي يا نوح. 

تألم لما قالت، فاذا به يزيح دموعها، ويضمها إليه بقوةٍ، وهو يردد بانكسارٍ: 
_وإنتِ كنتِ ومازالتِ أعظم اختيار ليا،  متخافيش يا حبيبتي مش هخليه يأذيكِ مهما كان التمن. 

ارتسمت ابتسامة مرتعشة على شفتيها، فضمت يديه المحاطة لوجهها، ورددت: 
_أوعدني إنك مش هتتخلى عني؟ 

ردد بقوة وعشق: 
_بموتي يا تالا. 

تلاشت ابتسامة عشقهما فور أن تحرر الباب، وظهر "هارون" من أمامهما، ومن خلفه يتبعه الرجلين، ارتعبت "تالا" وانصاعت إلى يد "نوح" التي جذبتها لزواية بالغرفة، يضعها من خلفه، ويهتف بتحدٍ: 
_مش هنفذ اللي قولت عليه ولا هسمحلك تعمل كده، واللي عندك إعمله.
ضحك وهو يخبره بثقة: 
_لا عندي وكتير كمان. 

ثم أشار للرجلين باصبعه، فاتجها صوبهما، شددت "تالا" على قميص "نوح" من الخلف وببكاء نادته: 
_نوح! 

طمأنها بضمة يده، ثم جذب مصباح الزينة، وهوى على رأس أحدهما، بينما غرس الازاز في بطن الأخر. 

ارتشف "هارون" كأسه ببرودٍ، وأشار لثلاثة رجال من الخارج، قائلًا بجمود: 
_طلعوه بره. 

ولج ثلاثتهم يحاولون جذبه بعيًدا عنها، فظهر من الخارج "كِنان" الذي أصدر أمرًا صارمًا: 
_بـــره إنت وهو. 

راقب الثلاثة وجه سيدهم، فوجده يشير لهم بالذهاب مؤقتًا، تأمل "كِنان" أخاه بنظرة معاتبة، وما أن وجد "تالا" تتمسك فيه بضعف، حتى لانت تعابيره، واستدار صوب "هارون": 
_خلصنا يا هارون،  كفايا اللي حصل لحد كده. 

لوى شفتيه بتهكمٍ: 
_أممم،  كلامك ده تقوله قدام الديزل، وساعتها هنشوف مكافئتك منه هتكون إيه؟ 

وما أن كاد بالخروج حتى قذفه "كنان" على الحائط وصاح بخشونة: 
_الحل اللي في دماغك ده هيقيد العداوة بينك وبين تيام أكتر، إنت عايز تجبره يرجع الشغل والقصر، ده حلها إنه ينجبر يرجع يكون وسطينا غصب عنه، مش ينتقم مننا وينفر أكتر. 

راق له الحديث، وقال: 
_ودي نعملها ازاي وأخوك ضيع كل خططي؟ 

قال وهو يخطف نظرة لاخيه الذي يتابعهما وإلى "تالا" التي تظهر عينيها من خلف كتف "نوح"، وقال: 
_نجوزهم رسمي وحالا. 

ضحك ساخرًا: 
_إنت بنقول إيه؟ ما نعملهم زفة بالمرة؟ 

قال برزانة وعقلانية: 
ده اللي هيحصل، وده اللي هيخليه يرجع يعيش في القصر عشان يأمن أخته، اللي طبيعي مكانها هيكون مع جوزها في قصر التميمي. 

توسعت مُقلتيه بفكرته، بينما يتابع "كنان": 
_ووقتها هتلاقي ألف طريقة تجبره يرجع الشغل.

راقت له الفكرة وجعلته يبتسم بسمة شيطانية، فاستدار صوب نوح وتالا التي تكاد تموت من كثرة اليكاء لما قاله كنان، ولكنه كان أخف مما كان سيحدث لها هنا، عاد هارون برأسه صوب كنان الذي يتطلع له بغضب مكنون، وقال: 
_طيب والفيلم؟ 

تنهد كِنان بكراهية شديدة، وجذبه للخارج وهو يخبره ببرود: 
_اعمله إنت مع واحدة من الرخاص بتوعك يا هارون. 

هز رأسه وهو يضحك بانتشاء، وأشار لاحد من رجاله قائلًا: 
_اقفل الاوضة بالمفتاح وابعت هات المحامي. 

هرول من أمامه ينفذ أمره، بينما رنا هارون صوب كِنان وقال بغموض خبيث: 
_على ما المحامي يوصل، تعالى أوريك منظر هيعجبك أوي. 

ربع كنان يديه أمام صدره العريض وقال ببرود: 
_معتقدش عندي نفس أشوف شيء يقفل يومي أكتر من شوفة وشك يا هارون! 

انفجر ضاحكًا وهو يتجرع الكحول مجددًا: 
_جرب، صدقني هيعجبك. 

وأشار صوب الباب السري بالاسفل، فهبط من خلفه حتى وصل أمام باب القبو السفلي، زوى كنان حاجبيه باسترابةٍ، بينما يستخدم هارون الدرج الخشبي ليتعمق أسفل الارض لمسافة كبيرة، حيث خصصوا كهفًا ضخمًا للجثث التي يتم تصفيتها بأعمالهم المشبوهة. 

تعجب كِنان من اصرار هارون أن يهبط كلاهما للاسفل، ومع ذلك اتبعه حتى وصل للحافة، التي تطل على حفرة عمقها يصل للاسفل، حيث كان يتم قذف الجثث من مكانهما للاسفل. 

سحب هارون سلاحه وقال وهو يشير لرجاله باضاءة الكهف: 
_مسكنا العيال اللي عرفتنا على الكلب اللي كان هيسرق الالماظ، فقولت أسليك بهم وأنا بسلب أرواحهم، إنت عارف كيفي!! 

زم شفتيه بنفورٍ ودون أن يتطلع للاسفل، استكمل طريقه للاعلى، فاذا به يقف على جملته: 
_هو مش الديزل محرج عليك تكشف حقيقتك لأي حد، وقالك إن لو ده حصل اتخلص من شاهد العيان قبل ما السر يتفشى. 

استدار كنان صوبه بنظرة تحاول التلصص لما يود قوله، فتابع ببسمة خبيثة: 
_لو ضعفت قدام الشاهد المرادي، أنا مبضعفش قدام حد، هقوم بالمهمة دي بدالك. 

وصل له المشهد كاملًا، فهرول سريعًا للحافة، صعق كِنان حينما وجد معشوقته مقيدة تتمدد بين الجثث، بآعين مفزوعة، وفمًا يحبس صرخاتها خلف قطعة من القماش بينما فستانها الابيض تحول للون الأحمر من الدماءٍ المنسدلة من حولها

جوارها أربعة رجال مقيدون بنفس وضعيتها، وفي لحظة أطلق هارون الرصاص عليهم بشدة، فانطلقت الدماء على وجهها وفستانها، وهي تبكي وتحاول الصراخ أو الهرب، ولكن صوتها مكبوت! 

دفع كِنان يد هارون، وقد فاض به، فأصبح كالمجنون، انكب من فوقه يكيل له الكلمات وهو يصرخ بعصبية: 
_إنت أيه يا أخي شيطان، دي أختك يا عديظ الرحمة أختك!!!!! 

ضحك وهو يترك ذاته له بحرية: 
_مشاعرك دي اللي خلت عثمان يتخلى عنك، غبي يا كِنان. 

سحب كنان السلاح منه وصوبه على رأسه ثم قال بشرٍ: 
_موتك على ايدي أنا في يوم من الايام يا هارون، هتدفع تمن اللي عملته فيها ده غالي، أغلى من روحك يا كلب. 

ولوى يده بعنف ولم يتركه الا حينما استمع لصوت كسر العظام، بينما يطالعه هارون ببرود وبيده الاخرى يوقف رجاله عن قتله أو حتى التدخل. 

هبط كنان للاسفل راكضًا، يمر بين الاشلاء والدماء، حتى وصل لها، رفع جسدها إليه فوجد صرخاتها المكبوتة تئن بألمٍ، تبكي وترتجف دون توقف، برودة جسدها نقلت له الساعات الطويلة التي قضتها بهذا المكان المرعب، وما أن رفعها حتى أغلقت عينيها مستسلمة للظلام. 

ناداها كنان برعب: 
_رزان!!!! 

وضعها أرضًا وانتزع قميصه، يجفف الدماء عن وجهها، ثم حلق بها عاليًا حتى وصل للحافة، فوجد هارون يتابع شرب الخمر وهو يردد: 
_بتخالف الأوامر تاني، إنت شكلك عايز المرة الجاية أصفيها بالمختبر. 

حرر الوحش الكامن داخله، فترك حبيبته أرضًا ورنا صوبه بنظراتٍ وحشية، مرعبة، وقبل أن تطوله يده، أتاه صوتًا حازمًا: 
_المحامي معاه شيء يخصك، خلصه وترجعلي فورًا هنا! 

لف رأسه صوب الدرج فوجد الروبوت الخاص بعثمان يقف قبالته، يعرض شاشة تحمل انعكاس لصورة عثمان، ونظرة هلاك حملها لمن تجرأ وخالف قانون من قوانينه!!!!!! 


تعليقات