رواية لا ننسي الفصل التاسع بقلم ألين روز
_ مالك يا ليل، ومال شكلك وكإنك معيطه؟
_ يوسف يا بابا طلع متجوز عليا!
فضلت باصة ليه بدموع وحزن وهو ياما حذرني من الجوازة لكن بإصراري وافقت!، شاور للدخول فدخلت بحزن وكسوف منه وقعدت فقعد قدامي وقال بجمود
_ قوليلي كل حاجة!
بدأت أحكيله كل حاجة وكل شوية أوقف بسبب بكائي وأرجع أكمل لحد ما خلصت كلامي وأنا بنهي وبقول
_ وسيبته ومشيت وقابلت مراته التانيه وحاولت تدايقني بكلامها لكن رديت عليها.
بصيت ليه لما لقيته ساكت وكان باين عليه الضيق المتوقع، بلعت ريقي وقلت
_ هعمل إيه يا بابا؟
_ أنا اللي هعمل سيبتك مرة ومش هسيبك تاني.
كانت نبرة بابا حاسمة، نبرة عمري ما سمعتها منه قبل كدة، وكأنه كان مستني اللحظة دي علشان يثبت لنفسه وليّ إن حدسه كان صح من الأول. بص لي بهدوء مخيف وقال:
_ "هتطلقي يا ليل، وبكل حقوقك، والولاد هيفضلوا معاكي، وأنا اللي هقف ليوسف المرة دي."
مر أسبوع وأنا في بيت بابا، يوسف مبيبطّلش رن، وجه كذا مرة والباب مبيفتحش في وشه غير بكلمة واحدة من بابا:
_ ورقتها توصلها يا يوسف، غير كدة مفيش كلام.
كان يوسف بيحاول يستغل طنط سحر علشان تضغط عليا، وفعلاً جاتلي وحاولت تتكلم معايا بدموعها:
_ يا بنتي يوسف غلط، بس هو عمل كدة علشان يحافظ على البيت اللي بناه، علشان ميرجعش للصفر ويخليكي تحتاجي لحد.
رديت عليها وأنا قلبي واجعني:
_ يا ماما، اللي بيخاف على بيته بيحافظ على كرامة مراته، مش بيروح يتجوز واحدة تانية بفلوسها ويقول 'مصلحة'.
يوسف باعني في أول محطة صعبة، وأنا مش سلعة تتباع وتتشري في صفقات الشركات."
يوسف في الآخر استسلم لضغط بابا، وبعت ورقة الطلاق. يوم ما استلمتها، حسيت بجبل انزاح من على صدري، وفي نفس الوقت بفراغ مرعب. ست سنين وتلات أطفال، وانتهى كل ده بظرف ورق!
قررت مأقعدش وأندب حظي. رجعت شغلي في المستشفى بتركيز كامل، وبقيت بوزع وقتي بين بناتي روز وآلين ووجيد وبين شغلي. يوسف كان بييجي يشوف الولاد في أيام محددة، كنت بتجنب أشوفه فيها تماماً، بخلي بابا أو طنط سحر هما اللي يسلموه الولاد.
في يوم، كنت خارجة من المستشفى متأخر، ولقيته واقف بعربيته قدام الباب. مشيت بسرعة تجاه عربيتي، لكنه نزل ووقف قدامي:
_ "ليل، وحشتيني."
بصيت له ببرود وقلت:
_ "أستاذ يوسف، مفيش كلام يتقال بيننا بره حدود الولاد. اتفضل ابعد عن طريقي."
بص ليا يوسف بنظرة انكسار وعينه كانت مدمعة، حاول يقرب مني وهو بيمسك إيدي وقال بصوت واطي ومبحوح
_ والله يا ليل ما حبيت ولا هحب غيرك، ورد كانت مجرد وسيلة علشان الشركة متقعش، لكن إنتِ الحياة اللي بتنفسها.. مش قادر أتخيل بيتي من غيرك.
بصيت ليه، وفي اللحظة دي حسيت بوجع في قلبي، بس مش عليه، لا ده على "ليل" الهبلة اللي كانت بتصدقه!، كان قلبي بيتقطع بس خلاص الغدر لما بيجي من أقرب حد بيموت أي مشاعر، قلتله وأنا بحاول أثبت قدامه
_ يوسف، الحب اللي محتاج صفقات ومصالح ميبقاش حب، ده بيبقى بيع وشرا.. وإنت بعتني بأرخص ثمن!
سيبته ومشيت، مكنتش عاوزة أبص ورايا ولا أشوف دموعه اللي يمكن أثرت فيا ، ركبت عربيتي ومشيت وأنا حاسة بكسرة نفس مكنتش أتمنى أوصل ليها أبدآ.
مرت الأيام وبدأت أتعود على حياتي الجديدة، نزلت شغلي في المستشفى وبقيت بحاول أشغل نفسي بضحك ولادي روز وآلين ووجيد، يوسف بدأ يغير طريقته وبقي يطلب يشوف الولاد كتير، في الأول كنت برفض بس بابا اتكلم معايا وقال
_ يا بنتي مهما كان هو أبوهم، والولاد ملهمش ذنب، والبعد ده هيأثر عليهم.
وافقت علشان خاطر بابا، وبدأ يوسف يخرجهم كتير، كل إجازة وأحياناً وسط الأسبوع، كنت بشوف فرحتهم وهم بيلبسوا علشان يقابلوه وكنت بقول "يمكن فعلاً ندم"، لكن مستحيل كنت هرجع حتي لو عمل إيه…
وفي يوم جمعة، صحيت بدري وجهزت الفطار، رحت أوضة بابا علشان أصحي نشرب القهوة سوي زي كل يوم، خبطت بالراحة وقلت
_ بابا.. الفطار جاهز يا حبيبي.
مردش، خبطت تاني وصوتي علي شوية
_ بابا.. إنت نمت كتير النهاردة!
فتحت الباب ودخلت، كان نايم على ضهره وشكله هادي جداً، قربت منه وحطيت إيدي علي كتفه وقلت "بابا؟"، لمسته لقيت جسمه ساقع زي التلج!، صرخت صرخة هزت البيت كله، وقعت جنبه وأنا بهزه وبقول
_ "قوم يا بابا متمشيش وتكسرني!"
، لكنه كان خلاص.. سندي وظهري سابني في أكتر وقت كنت محتاجة ليه.
نقلناه المستشفى، والدكاترة قالوا إنها جلطة في القلب، نبضه كان ضعيف جداً ودخل العناية المركزة، كنت واقفة ورا الإزاز ممرضة مكسورة بتبص على أغلى حاجة في حياتها وهي بتضيع، يوسف كان موجود ومعايا في كل خطوة، بيخلص الورق وبيتحرك وأنا كنت في حالة ذهول وتعب مخلتنيش أمنعه.
بعد تلات أيام، رجعت بيت بابا أجيب لبس وحاجات، كنت ماشية في الشقة و فجأة سمعت خبط قوي على الباب.
فتحت، لقيت راجل لابس بدلة ومعاه شنطة جلد.
_ الأستاذة ليل؟
_ أيوه.. أنا.
_ اتفضلي أمضي هنا بالاستلام.
مضيت من غير ما أشوف ولا أقرأ، عقلي كله كان مع بابا اللي بين الحياة والموت، سألته بتعب
_ إيه ده؟
_ ده إعلان بقضية "ضم حضانة" والولاد مقدم من الأستاذ يوسف.. وعندك جلسة الأسبوع الجاي.
الورقة وقعت من إيدي وأنا مش مصدقة!، يوسف؟ يوسف اللي كان بيعيط تحت رجلي؟، فتحت الورقة وأنا بقرأ الكلام المكتوب، كاتب إني ممرضة وبشتغل وقت طويل ومش فاضية للولاد، وإن حالتي النفسية مش كويسة ومينفعش أربي ولاد!
في اللحظة دي، وسط بيتي الفاضي وبابا اللي بيموت، عرفت إن يوسف عمره ما هيتغير، وإنه كان بيخرج الولاد علشان يثبت إنهم متعلقين بيه، مسكت الورقة ب غل ودموعي نازلة ب قهر وقلت بصوت عالي
_ والله ما هتاخدهم يا يوسف.. لو كان ده آخر يوم في عمري!
