رواية حب غير حياتي ( كاملة جميع الفصول ) بقلم نور محمد


 رواية حب غير حياتي الفصل الاول 

صوت فرامل عربية فخمة جداً قطعت هدوء سرايا "عيلة الكيلاني" في قلب الصعيد، السرايا اللي بتبان زي قلعة حصينة محتفظة بأصالتها وهيبتها وسط مساحات خضرا ملهاش آخر.

نزل من العربية شاب طويل، عريض المنكبين، ملامحه خليط غريب بين الوسامة الشرقية الحادة، وبين البرود الغربي. شعره متسرح بطريقة عصرية جداً، ولابس هدوم كاجوال غالية بس متليقش أبداً بهيبة المكان اللي هو فيه.

كان ماسك في إيده سيجار، وفي الإيد التانية بنت شقرا، ملامحها أجنبية بحتة، لابسة فستان قصير جداً ومستفز لكل عين تبصلها في المكان ده.

"عصام الكيلاني".. الشاب اللي رجع مصر غصب عنه، بعد ما عاش عمره كله في أمريكا. أبوه "عامر الكيلاني" ساب البلد وهو شاب، واتجوز أمريكية، وعاش هناك لحد ما مات وساب وراه جبل من الديون.

وأم عصام طبعاً مالقتش حل غير إنها تضغط عليه ينزل مصر يطالب بحقه في ثروة عيلة أبوه اللي عرفت إنهم من أغنى وأقوى عيلات البلد.

عصام بص للسرايا بنظرة استعلاء ونفخ دخان السيجار وقال بضيق:"يا ريت العجوز ده يخلصنا بسرعة.. أنا مش طايق ريحة التراب دي، ولا طايق الجو ده كله. هاخد الفلوس ونطير على امريكا فوراً."

"جيسيكا"، صاحبته اللي أصرت تيجي معاه لما شمت ريحة الثروة، ضحكت بدلع ومسكت في دراعه أكتر:

  "أوه إيسام! المكان هنا ضخم أوي، كأنه قصر من العصور القديمة. عيلتك دي شكلها غنية جداً، اوعى تتنازل عن دولار واحد."

عصام ابتسم بسخرية: "متقلقيش.. أنا هنا عشان الفلوس وبس."

دخلوا من الباب الكبير، وكان في انتظارهم "الحاج كامل الكيلاني"، كبير العيلة وجد عصام. 

راجل في أواخر السبعينات، بس واقف زي الجبل، ماسك عكازه، ولابس جلبابه الصعيدي الفخم وعبايته اللي بتدي له هيبة ترعب أي حد.

بمجرد ما عين الحاج كامل وقعت على عصام، قلبه دق بسرعة.. شاف فيه ملامح ابنه "عامر" اللي هرب وسابه، بس الصدمة ألجمته لما شاف منظر حفيده. المنظر، الهدوم، البنت اللي معاه، والبرود اللي في عينيه. ده مش حفيد عيلة الكيلاني.. ده  أمريكي ميعرفش حاجة عن أصله ولا دينه!

عصام قرب منه ببرود، ومد إيده يسلم وهو بيقول بلكنة مصرية مكسرة شوية: "أنت أكيد جدي كامل.. أنا عصام، ابن عامر. ودي جيسيكا، الجيرل فريند بتاعتي."
الروايه بقلم.. نور محمد

الحاج كامل مبصلوش في إيده الممدودة، وبص للبنت اللي معاه بنظرة خليتها تكش في مكانها، وبعدين وجه كلامه لعصام بصوت جهوري هز أركان السرايا: "جيرل إيه يا ولد؟ أنت داخل سرايا الكيلاني، مش كبا*ريه! دي مين دي وازاي تدخل بيتي بالمنظر ده؟"

عصام كشر وسحب إيده، ورد بتحدي:"بقولك دي صاحبتي.. وبعدين أنا مش جاي أسمع مواعظ، أنا جاي في شغل. أبويا مات وسابلي ديون، وأنا عرفت إن ليا حق وورث هنا، جاي أخلصه وأرجع حياتي."

الحاج كامل قبض على عكازه بقوة لحد ما عروق إيده برزت. 

كان ممكن يطرده، كان ممكن يرميله فلوسه ويغور.. بس ده حتة من ابنه، وده دمه اللي بيجري في عروق الشاب الضايع ده. 

شاب مكتوب في بطاقته "مسلم" وهو ميعرفش عن الإسلام غير اسمه!

الحاج كامل بخبث وحكمة سنين: "ورث؟ حق؟ حقك محفوظ يا ولد عامر. بس الورث في عيلتنا مبيتوزعش في يوم وليلة. الأراضي والمصانع متداخلة، ولازم محامين، وجرد، وحسابات."

عصام بضيق: "يعني هياخد وقت قد إيه؟ يومين؟ تلاتة؟"

الحاج كامل ابتسم ابتسامة غامضة:"ممكن شهور. وعشان تاخد قرش واحد من هنا، شرطي الوحيد إنك تعيش وسطينا في السرايا لحد ما الورق يخلص. تتعرف على أهلك، وتعيش عيشتنا. غير كده، الباب اللي دخلك يخرجك، ومفيش عندي مليم أحمر ليك."

عصام اتصدم وكان لسه هيرفض ويزعق، بس جيسيكا قرصته في دراعه وهمست له بالإنجليزي: "وافق يا عصام! متضيعش الملايين دي عشان كام شهر.

عصام بلع ريقه بغضب مكتوم، وبص لجده:"موافق.. بس صاحبتي هتفضل معايا."

الحاج كامل بصرامة: "ضيفة في بيتي، تقعد في جناح الضيوف، وتلتزم بأدب البيت ده ولبسها يتعدل طول ما هي دايسة على أرضي. فاهم؟"

**بعد مرور ساعتين..
عصام كان حاسس إنه مخنوق. الجو، القوانين، نظرات الخدم ليه كأنه كائن فضائي. ساب جيسيكا في الجناح بتاعها بتنام، وقرر ينزل يتمشى في السرايا الكبيرة دي عشان يفك عن نفسه.

كان ماشي في ممر طويل بيطل على جنينة السرايا، بيبص في موبايله وبيشتم في حظه، ومش واخد باله من طريقه. وفي لحظة..

خبط بقوة في حد!

الخبطة وقعت الكتب والأوراق اللي كانت في إيد الشخص ده، وعصام موبايله وقع على الأرض.

عصام بضيق وغضب: "أنت مش تفتح يا متخلف أنت؟ إيه الغباء ده!"

نزل يجيب موبايله بعصبية، ولما رفع عينه عشان يزعق.. الكلمات وقفت في زوره. كأنه اتضرب بصاعقة كهربية ثبتته مكانه.

كانت بنت.. بس مش أي بنت.

بنت آية في الجمال، ملامحها هادية، صافية، بشرتها خمرية بتنور من النقاء، وعينيها واسعة بلون القهوة العميقة، متكحلة برموش تقيلة.

 كانت لابسة خمار طويل لونه كشمير هادي، ولبس فضفاض مبيوصفش تفصيلة من جسمها، بس رغم كده.. كان فيها أنوثة طاغية ورقة خطفت أنفاسه اللي متعود على الجمال الصاخب العر*يان.

"شغف الكيلاني".. بنت عمه، والملاك اللي عايش في السرايا. بنت متدينة بجد، قلبها متعلق بربنا في كل همسة وحركة، كلامها بحساب، وأخلاقها قرآن يمشي على الأرض.

شغف كانت موطية راسها في الأرض، مش بتبصله أصلاً، بتلم ورقها بهدوء وثبات، وردت بصوت ناعم بس فيه حزم وقوة: "أنا آسفة لو خبطت فيك بدون قصد، بس حضرتك اللي كنت ماشي باصص في التليفون."

عصام فضل باصص لها بذهول، نسي موبايله، نسي غضبه، ونسي هو فين أصلاً. في أمريكا شاف بنات أشكال وألوان، بس ولا واحدة فيهم كان ليها الهالة دي.. هالة من النور والسكينة بتجبرك تحترمها.

عصام حس إنه عاوز يقرب، مد إيده عشان يساعدها تلم الكتب وهو بيقول بنبرة اتغيرت تماماً وبقت أهدى:"أنا اللي سوري.. مكنتش واخد بالي. خليني أساعدك."

وهو بيمد إيده يمسك الكتاب، إيده كانت هتيجي على إيدها بالصدفة.

وفي ثانية، وبسرعة البرق، شغف سحبت إيدها كأنها اتلسعت بالنار، ورجعت خطوتين لورا بسرعة، ورفعت عينيها في عينيه لأول مرة.. نظرة فيها غضب واستنكار حاسم!

 "لو سمحت! متلمسنيش."قالتها بصوت حاد قاطع زي السيف.

عصام اتفاجئ، كرامته نقحت عليه شوية، هو مش متعود إن بنت ترفض قربه بالشكل ده، فابتسم بسخرية خفيفة عشان يداري إحراجه:"إيه يا بنتي في إيه؟ أنا بس بساعدك! هو أنا كنت هعضك ولا حاجة؟ وبعدين أنا ابن عامر يعني، مش غريب."

شغف ملامحها مفكتش، بالعكس زادت جدية، ولمت حاجتها من على الأرض بسرعة ووقفت بثبات، عينيها في الأرض مبتبصلوش، وقالت بهدوء وثقة: "أهلاً بيك يا ابن عمي.. بس كونك ابن عمي ميديلكش الحق إنك تلمسني. ديننا بيمنعنا من ده، (لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له). غض بصرك، والزم حدودك."

عصام فتح بقه بذهول. إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ دين إيه وحدود إيه؟ هو متعود على الأحضان والبو*س في السلام، إيه التعقيد ده؟
الروايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد

كان لسه هيتريق ويقولها "إحنا في القرن الكام؟"، بس قبل ما ينطق بحرف، شغف أدتله ضهرها وكملت طريقها بهدوء وسكينة، كأنها نسمة هوا عدت، بس سابت وراها إعصار جوا تفكيره.

عصام فضل واقف مكانه، عينه متعلقة بطيفها لحد ما اختفت في آخر الممر. قلبه كان بيدق بسرعة غريبة مش فاهم سببها. إحساس بالرفض، بالفضول، وبحاجة تانية أعمق بكتير.

همس لنفسه وهو بيبص على إيده اللي كانت هتلمسها: "مين دي؟ وازاي قدرت تحسسني إني نكرة كده من غير ما حتى ترفع صوتها؟"

من بعيد، كان الحاج كامل واقف بيراقب الموقف من شرفة مكتبه. ابتسم ابتسامة واسعة، ملامحها مليانة أمل، وهمس لنفسه:"جيت للي هتربيك يا ولد عامر.. جيت للي هتنضف قلبك وتردك لدينك وعيلتك. الظاهر إن أيامنا الجاية هتبقى كلها حكايات.


تعليقات