رواية جريمة الفيوم ( كاملة جميع الفصول ) بقلم محمود الأمين

 

رواية جريمة الفيوم كامله جميع الفصول بقلم محمود الأمين 



دي أول مرة في حياتي أقبض على قاتل من غير ما أدخل في قصص وحواديت.. المرة دي وصلت بعد ما البلد كلها عرفت إن في جريمة قتل حصلت في الفيوم. الفيديو اللي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، واللي حوّل القضية من بدايتها من جريمة قتل بتحصل كل يوم، لقضية رأي عام، والناس كلها بتطالب بإعدام القاتل.
لما وصلت المكان، كان شارع ضيق فيه بيوت مرصوصة جنب بعضها.. وعلى كرسي قدام بيت من دورين، جثة لراجل في التلاتينات من عمره.. الراجل كان مضروب بآلة حادة تسببت في قطع كل الأوتار اللي في رقبته، ولقيت على الأرض ست قاعدة لابسة خمار، وواضح عليها الصدمة والخوف، وعرفت إنها زوجة المجني عليه.
بس اللي أثر فيا في اللحظة دي، هو الطفل الصغير اللي كان قاعد حاطط إيديه على ودانه، ومبرق وساكت.. وبمجرد ما قربت منه وحطيت إيدي عليه، اتكهرب وبعد عني، وعرفت إنه ابن المجني عليه، اللي شاف أبوه بيتقتل قدام عينيه.. حاجة صعبة، ومشهد هيفضل فاكره طول عمره، مش هينساه.
بصيت ورايا، لقيت الناس ماسكة واحد في أوائل التلاتينات، جسمه جامد شوية، وعنده دقن، وجنبه على الأرض فاس، ومن الواضح إن دي هي أداة الجريمة.
...
يناير 2026
أنا الدكتور مصطفى سعيد، دكتور نفسي في مستشفى العباسية.. بحب شغلي أوي، وشايف إنه هو شغفي. بحب أسمع للمريض اللي قدامي، وأحلل شخصيته، وأفهم هو يقصد إيه؟!
ولكن في حالة عندي في المستشفى، والمفروض إني ماسك الملف اللي يخص الحالة دي. كل اللي أعرفه عنه إنه اسمه ياسر.. سنه دلوقتي 15 سنة، موجود في المستشفى من 2022. وقتها كان جاي وعنده توتر، واللي عرفته إن والده اتقتل قدام عينيه، ولكنه رافض يحكي أي حاجة، ومعظم الوقت كان ساكت.
لحد ما في يوم وصلت المستشفى، وكنت بمر على العنابر عشان أطمن على الحالات اللي عندي، وفجأة سمعت صوت جاي من العنبر اللي فيه ياسر.. الصوت كان عالي، وكان عبارة عن صراخ. اتحركت بسرعة ناحية العنبر، ووقتها لقيت شاب في العشرينات كان بيحاول يهديه، ولكن ياسر كان بيصرخ وبيطلب منه يطلع بره.
قربت من الشاب ده وسألته:
_ إنت مين، ودخلت هنا إزاي؟!
= أنا كنت جاي أسأل على ياسر.. بس ما كنتش أعرف إنه هيعمل كده.
_ إنت مين؟! حد من أهله أو من صحابه؟
= بعدين هاجي وأفهم حضرتك، بس أنا لازم أمشي دلوقتي.. أنا جيت هنا عشان حاسس إني متعاطف معاه. هو ملوش ذنب في كل حاجة حصلت، بس ما كنتش أعرف إني لما أفكره هينفعل بالشكل ده.
_ أنا برضه ما عرفتش إنت مين؟! وإيه اللي خلاك تفتح معاه السيرة دي؟! وعلى فكرة، أنا نفسي أفهم الموضوع أنا كمان. أنا كل اللي أعرفه إني رجعت من السفر واشتغلت هنا في المستشفى، ومن وقتها وأنا مستلم حالة ياسر، وكل اللي اتقال إنه شاف والده بيتقتل قدام عينيه، بس مش فاهم الحكاية إيه؟!
= افتح نت وابحث عن جريمة الفيوم، وإنت هتفهم إيه اللي جاب ياسر هنا.. وبعد ما تفهم، ده العنوان، ممكن حضرتك تيجي وأنا هحكيلك كل حاجة، لو ده هيساعد في علاج ياسر. ولو حضرتك مش هتعرف تيجي، نفس الورقة فيها رقم تليفوني، كلمني وأنا اللي هاجي.
_تمام يا أستاذ.. هو حضرتك اسمك إيه؟
= اسمي عزت يا دكتور.
...
خرج عزت ومشي، وأنا رجعت على مكتبي من تاني. كان عندي فضول أعرف إيه اللي حصل في جريمة الفيوم بالظبط.. مسكت تليفوني ودخلت على يوتيوب، وكتبت في البحث "جريمة الفيوم"، ولقيت قدامي فيديوهات كتير بتتكلم عن الجريمة.
فضلت أقلب لحد ما لقيت الفيديو بتاع الجريمة نفسه.. فتحت الفيديو، واللي كان بيبدأ بواحد قاعد على كرسي قدام بيته، وفي ست وطفل صغير قاعدين قصاده بيتكلموا.. فضلت مستني إيه اللي هيحصل، لحد ما شوفت.
شوفت اللي خلاني أخرس تمامًا.. حاجة في منتهى القسوة والوحشية، لدرجة إن التليفون وقع من إيدي، وقلبي وجعني.. وفهمت إن الولد الصغير اللي كان قاعد ده هو ياسر، وفهمت ليه هو اتحول لشخص ساكت على طول.. وفهمت ليه صرخ لما الموضوع اتفتح قدامه.
وكان عندي فضول أعرف الحكاية من أولها.. جايز، زي ما قال عزت، لما أعرف الحكاية، ألاقي علاج لياسر.
...
بعد ساعات، كنت واقف قدام العنوان اللي إداهولي عزت.. كان بيت في الفيوم، وتقريبًا في نفس الشارع اللي حصلت فيه الجريمة. خبطت على الباب، وبعد دقيقتين لقيت عزت قدامي بيرحب بيا وبيطلب مني أدخل.
كنت لسه ما فوقتش من الصدمة بتاعة الفيديو، وعاوز أفهم هو إيه علاقته بالموضوع، وليه اتكلم مع ياسر فيه.. بس قبل ما أسأل السؤال، كنت فهمت.
أول ما دخلت صالة البيت، لقيت صورة متعلقة لواحد لابس بدلة شيك.. وده كان نفس الشخص اللي ظهر في الفيديو، الشخص المجرم اللي قتل والد ياسر.
فضلت باصص للصورة ومش مصدق، فاتكلم عزت وقال:
_ ده أخويا معتز.. ربنا يرحمه ويسامحه. صدقني، أنا جيت المستشفى عشان حاسس بتأنيب ضمير، ورغم إني ما عملتش حاجة، بس إحساس إني عايز أقف جنب ياسر مش بيفارقني. بسبب أخويا، ياسر فقد أبوه، وبعدها أمه ماتت هي كمان، وهو عاش في المستشفى بقية عمره.. كان نفسي أجبر بخاطره بس.
= أنا ما توقعتش إنك تكون أخو المجرم اللي عمل كده.. بس بما إني عرفت، أنا عاوز أعرف الحقيقة كاملة. عاوز أعرف أخوك عمل كده ليه؟! أنا شوفت فيديو الجريمة، ويا ريتني ما شوفته.. البشاعة والوحشية اللي شوفتها تدخل أي حد في حالة اكتئاب، وتخليه يشوف الدنيا دي غابة.
_ مهما حكيت، أخويا في الآخر مجرم، ويستاهل الإعدام.. بس لازم تعرف إنه كان هو الضحية في البداية. أصلك لما تخسر كل حاجة عشان حد بتحبه، وتدخل في سكة مش سكتك، وتتجنن.. لازم تكون عارف إن دي النهاية.
اللي قدامك في الصورة ده الباشمهندس معتز.. كان من أحسن شباب الفيوم، والعيلة كلها كانت بتفتخر بيه.
...
لحد ما في يوم قرر إنه يكمل نص دينه ويتجوز.. زيه زي أي حد عاوز يختار شريكة حياته اللي هتكمل معاه بقية عمره. وفعلاً اختار ليلى، بنت كانت شغالة معاه في الشركة اللي هو كان شغال فيها.
وقسمًا بالله، أنا عمري ما ارتحت للبنت دي من أول يوم شوفتها فيه.. كنت عاوز أحذره وأقوله بلاش، بس خوفت يفهمني غلط أو يشوفني إني كارهله الخير، خصوصًا إن أخويا كانت دماغه ناشفة.
وبعد ما اتجوزوا بشهرين، جات لأخويا فرصة عمل بره مصر.. سافر، وكان بيشتغل ليل ونهار، وبيبعتلها فلوس كتير كل شهر. ما كنتش بشوف منها حاجة وحشة ولا حاجة حلوة.. كانت في حالها خالص، وكل يوم كنت بقول جايز أنا ظالمها.
لحد ما في يوم رجع من السفر وبعد أسبوع، واكتشف الكارثة...
اكتشف إن ليلى حامل.
وطبعًا هتسألني وتقول: فين الكارثة في كده؟!
هو وقتها ما كانش يعرف إنها كارثة.. كان فرحان ومش مصدق نفسه، لكن بعد أسبوع، صحي من النوم ما لاقاش مراته جنبه. الوقت كان متأخر، وما حدش عارف هي راحت فين؟!
اتصل على أهلها، وقالوا إنها ما راحتش عندهم.. كان هيتجنن. نزل يدور عليها في الشارع يوم، واتنين، وعشرة.. وليلى ملهاش أثر.
طبعًا عمل محضر باختفائها، ولكن اللي عرفه بعدها كان هو الكارثة الحقيقية.
معتز كان كاتب كل حاجة لمراته.. ده غير إنه حاطط في حسابها فلوس كتير، وجايبلها شقة إحنا ما نعرفش عنها حاجة. وكان متفق معاها إنها هتسافر له بره بعد شهرين، وهيستقروا هناك.
ولكن الغريب، إنه كان عاملها توكيل.. وبالتوكيل ده قدرت تسحب كل فلوسه اللي في البنك، وترجعه على الحديدة تاني.
كل اللي أنا بحكيه ده ما يجيش حاجة في اللي جاي.. بس أنا بعرفك إيه اللي وصل معتز أخويا لكده، إيه اللي خلاه يتحول من مهندس ناجح لقاتل بيتحكم عليه بالإعدام.
= أنا ما يهمنيش كل اللي إنت بتحكيه.. أنا عاوز أعرف هو ليه قتل الراجل ده؟! كل اللي إنت بتحكيه ده مجرد مبررات لأخوك. أنا شوفت فيديو الجريمة، ولحد دلوقتي مش مصدق اللي شوفته.. إذا كان أذاني أنا نفسيًا، أومال ابنه بقى يعمل إيه؟!
اللي شاف كل حاجة قدام عينيه!
_ لازم أكمل الحكاية.. لازم تفهم إيه اللي وصل أخويا لكده، عشان تفهم في الآخر إيه السبب في قتل الراجل اللي مات ده.
أخويا حبس نفسه شهور في البيت.. ما كانش مصدق اللي مراته عملته فيه. كان عاوز ابنه اللي اتحرم منه، ومش هيعرف يشوفه.
وكل يوم حالته النفسية كانت بتسوء أكتر.. لحد ما في يوم كان بيقلب في الصور، وبيعيط زي العيل الصغير.
دخلت عليه أنا وأمي، وبدأنا نهون عليه.. لكن في وسط الصور، كان في ورقة.
مسكتها عشان أقرأ اللي فيها.. وما كنتش مصدق إن في حد بالفُجر ده!
= ليه يعني؟! هي الورقة دي كان فيها إيه؟!
— اللي في الورقة دي كانت البداية في كل حاجة حصلت...
عشان كان مكتوب:

تعليقات