رواية عهد الذئاب كاملة جميع الفصول بقلم نون
الجبل لا ينسى وجوه قتلاه والدم الصعيدي لا يبرد وإن مر عليه ألف خريف فحين يعوي الذئب الذي ظنوا أنه هلك ترتجف العروش التي بُنيت
#عهد_الذئاب
#الفصل_الاول
لم يكن الليل في نجع الجبل مجرد وقت لراحة البشر
بل كان غطاءً ثقيلاً يطبق على الأنفاس
في تلك البقعة المنسية من صعيد مصر حيث تنتهي حدود الخريطة وتبدأ حدود القوة
كان الصمت يقطعه فقط صوت الرياح وهي تنحر في صخور الجبل
على حافة منحدر صخري وقف بدر كان جسده القوي يتدثر بـ عباءة سوداء غطت ملامحه التي غيّرها الزمن
مضى خمسة عشر عاماً منذ أن غادر هذا النجع مكبلاً بالحديد محكوماً عليه بالإعدام في جريمة قتل شقيقه
الجريمة التي لم يرتكبها لكنه ابتلع نيرانها ليحمي سراً أكبر
نظر بدر إلى الأسفل حيث تتلألأ أنوار سرايا الهواري البعيدة
كانت السرايا تبدو من فوق الجبل وكأنها قصر من الذهب وسط ركام من الفقر
هناك يسكن منصور الهواري الرجل الذي لم يسرق أرض بدر فحسب بل سرق عمره وسمعته
وأقنع الجميع أن بدر "قابيل" هذا الزمان
تمتم بدر بصوت مبحوح يشبه فحيح الأفاعي
الجبل مبيغيرش مكانه يا منصور والذئب لو غاب بيرجع بجوع كافر
في أسفل الجبل داخل السرايا كان منصور الهواري يحتفل بخطبة ابنته زينة على عزام ابن عمدة النجع المجاور
كانت الأنوار والذبائح والمزامير تملأ المكان لكن قلب زينة لم يكن معهم
كانت تقف في شرفتها تنظر إلى الجبل الأسود بانقباض لم تفهمه
دخل عليها والدها منصور رجل في الستين من عمره ذو شارب كثيف وعينين لا تعرفان الرحمة
قال بصوت جهوري إيه يا ست البنات؟ العريس تحت واكل الجو
وإنتي واقفه اهنه بتعدي نجوم الليل؟
التفتت إليه زينة كانت ملامحها تشبه أمها الراحلة
رقة ممزوجة بصلابة يا بوي قلبي مقبوض
الجبل الليلة دي عواه غريب كأن في روح محبوسة خرجت وبتمشى وسطنا
ضحك منصور ضحكة هزت أرجاء الغرفة لكن في أعماقه شعر بوخزة خوف قديم
خرافات يا بت الهواري الجبل ده أنا اللي روضته ومفيش روح تقدر تطلع فيه غير بإذني
انزلي لخطيبك وبطلي أوهام
بعيداً عن السرايا في قهوه مهجورة على أطراف النجع
كان الشيخ مهران يجلس وهو يرتشف شاياً ثقيلاً
مهران كان رفيق درب بدر القديم
والرجل الوحيد الذي كان يعرف الحقيقة
فجأة انفتح الباب الخشبي المتهالك بصرير مزعج و دخل رجل ملثم
لم يظهر منه سوى عينين تقدحان شرراً وحزناً
تجمد مهران في مكانه و سقط الكوب من يده ليتناثر زجاجاً على الأرض
قال مهران بصوت مرتعش
بدر؟ إنت.. إنت حي؟
خلع بدر لثامه وظهر وجهه الذي رسمت عليه الندوب قصة معاناة طويلة
اقترب من مهران وجلس أمامه بهدوء مرعب اللي بيموت في الجبل يا مهران الجبل بيبلعه
بس أنا الجبل خرجنى عشان آجي أخد حقي
قولي.. منصور الهواري لسه فاكر إنه ملك النجع
ارتجف مهران وهو ينظر إلى بدر
منصور بقى وحش يا بدر معاه الفلوس والسلاح والشرطة في جيبه.
إنت لوحدك.. وهما فاكرينك ميت
لو شافوك هيقتلوك قبل ما تنطق بكلمة
ابتسم بدر ابتسامة باردة وأخرج من تحت عباءته خنجراً قديماً منقوشاً على نصله صورة ذئب
أنا مش لوحدي يا مهران أنا معايا صمت السنين ومعايا الغل اللي كبر في قلبي لحد ما بقى أد الجبل ده
ومادام هما فاكرين إني ميت يبقى الميت هو اللي هيحاسبهم
لأن الميت مبيخافش من القبر
في تلك اللحظة ومن أعلى قمة في الجبل انطلق عواء ذئب وحيد
عواء طويل ومستمر شق سكون الليل ووصل مسمعه إلى كل ركن في النجع
انطفأت فجأة بعض أنوار السرايا وتوقف المزمار لثوانٍ معدودة
شعر منصور الهواري ببرودة تسري في جسده رغم حرارة الجو
بينما همس بدر في أذن مهران
الليلة دي يا مهران
هي أول ليلة في (عهد الذئاب)
بكره النجع كله هيعرف إن نار الجبل مابتحرقش المظلومين
