رواية ثمن الصبر كاملة جميع الفصول بقلم هاجر سلامه
كانت "ميادة" تقف في المطبخ، تعد العشاء المفضل لزوجها "حسام" بمناسبة ذكرى زواجهما الخامسة. وضعت يدها على بطنها بتنهيدة حزينة، وهي تتذكر نظرات حماتها "الحاجة فوزية" القاسية لها كلما رأت طفلاً في العائلة.
دخلت حماتها المطبخ فجأة وقالت بصوت مسموع: "يا ميادة، كفاية دلع.. حسام راجل وصبره له حدود، والبيت ده محتاج عيل يشيل اسمه. لو فضلتي كدة، ما تلوميش إلا نفسك لو شفتي ضرة داخلة عليكي."
ميادة بدموع محبوسة: "والله يا ماما أنا بعمل اللي عليا، والتحاليل بتقول إن كل شيء سليم بس محتاج وقت.."
ضحكت الحاجة فوزية بسخرية وخرجت، وهي تعرف في قرارة نفسها أن تحاليل ابنهما "حسام" هي التي أثبتت عقمه، لكنها أخفتها وأقنعته أن ميادة هي السبب لكي لا "ينكسر" رجل ابنهما، بل وشجعت ميادة على الاستمرار في أخذ أدوية ومنشطات لا تحتاجها.
في المساء، اتصلت "نادين"، أخت ميادة غير الشقيقة، لتقول بدلال: "ميادة حبيتي .. أنا جاية أببارك لك على عيد جوازك، هجيب التورتة وأجي."
لم تكن ميادة تعرف أن نادين ليست آتية للمباركة، بل آتية لترى "حسام" الذي تعيش معه قصة حب سرية منذ شهور. نادين التي كانت تغار من ميادة منذ الصغر، لم تجد انتقاماً أكبر من سرقة زوجها، وحسام الضعيف استسلم لها بعدما أقنعته نادين أن ميادة "ناقصة" ولن تمنحه الأبوة أبداً.
عندما وصل حسام، تبادل نظرة سريعة وخاطفة مع نادين بينما كانت ميادة في المطبخ.
همست نادين له: "وحشتني.. عرفت تخلص من الورقة اللي كانت في جيبك؟"
ارتبك حسام، فقد كانت "الورقة" هي تقرير الطبيب الحقيقي الذي يؤكد أن ميادة سليمة 100%، ولكنه لم يتخلص منها بل خبأها في درج مكتبه القديم بالبيت.
على مائدة العشاء، كان الصمت يلف المكان، لا يقطعه إلا صوت احتكاك الملاعق بالأطباق.
ميادة كانت تنظر لحسام بابتسامة باهتة، تحاول أن تستشف أي نظرة حب، لكنه كان يتجنب عينيها تماماً، بينما كانت نادين تجلس بجانبه، تتألق بفستان ضيق وتتبادل مع "الحاجة فوزية" نظرات ذات مغزى.
فجأة، وبدون مقدمات، ألقى حسام بملعقته بقوة في الطبق، ليحدث رنيناً مزعجاً جعل ميادة تنتفض.
"إيه القرف ده يا ميادة؟ الأكل ملوش طعم.. زي حياتي معاكي بالظبط!" قالها حسام بصوت جهوري.
ميادة بذهول: "حسام.. ده الأكل اللي بتحبه، في إيه مالك؟"
تدخلت الحاجة فوزية فوراً لتزيد النار اشتعالاً: "سيبيه يا ميادة، الراجل طهق! خمس سنين صابر على بيت فاضي، لا حس ولا خبر، وأنتِ قاعدة تقولي 'ملوش طعم'؟ العيب مش في الأكل، العيب في اللي بتقدمه."
نادين بتمثيلية رخيصة، وضعت يدها على كتف حسام: "اهدى يا حسام، ميادة أكيد مش قصدها.. هي بس مش حاسة بالنار اللي جواك."
انفجر حسام واقفاً، وأشار لـ ميادة بإصبعه: "أنا تعبت من التمثيل، تعبت من الوعود الكدابة والتحاليل اللي مابتخلصش. أنا مش عايز أشوف وشك في البيت ده النهاردة.. اطلعي بره! روحي بيت أبوكي فكري في خيبتك، يمكن تحسي على دمك."
ميادة بدموع منهارة: "تطردني يا حسام؟ في ليلة زي دي؟ وعشان إيه؟ أنا ذنبي إيه في حاجة بإيد ربنا؟"
حسام ببرود وقسوة: "ذنبي إنك مش مالية عيني ولا مكملاني. يلا.. بره!"
خرجت ميادة تجر أذيال خيبتها، تمشي في الشوارع المظلمة والدموع تحرق وجهها.
لكن بعد ساعة، توقفت فجأة. تذكرت أنها تركت حقيبة يدها وبها أدويتها وهويتها، والأهم أنها شعرت بغريزة غريبة تخبرها أن هناك شيئاً غير طبيعي حدث.
عادت للبيت، واستخدمت نسختها الاحتياطية من المفتاح لتدخل بهدوء من باب المطبخ. كان البيت هادئاً، لكن ضوء مكتب حسام كان مفتوحاً.
تسللت بخطوات مرتعشة، وقبل أن تدخل المكتب، سمعت صوت نادين يضحك بدلال من الداخل: "خلاص يا حبيبي، ميادة مشيت.. والبيت فضي لنا. والتحاليل دي لازم تتحرق، لو عرفت إنك أنت اللي مابتخلفش مش هتقدر تكسر عينها تاني."
حبست ميادة أنفاسها، وشعرت بأن الأرض تدور بها. انتظرت حتى خرجوا من المكتب لغرفة النوم، ثم دخلت كالمجنونة.
وجدت درج المكتب "المقفل دائماً" مفتوحاً بجزء بسيط.. سحبته بيد ترتجف، لتجد ملفاً طبياً يحمل اسم "حسام".
فتحت الملف، واتسعت عيناها وهي تقرأ الكلمات التي كانت كالصاعقة: "عقم كلي.. نسبة الإنجاب 0%". وتاريخ التقرير يعود لسنتين مضت!
سقطت الورقة من يدها وهي تهمس بذهول: "سنتين.. سنتين بيعذ.بوني وأنا سليمة؟ وأختي.. أختي عارفة؟"
