رواية جريمة فيلا سقارة ( كاملة جميع الفصول ) بقلم محمد ابراهيم عبد العظيم

 

رواية جريمة فيلا سقارة كامله جميع الفصول بقلم محمد ابراهيم عبد العظيم 

أنا المقدم صخر الجمّال، مقدم في المباحث الجنائية.

الجريمة حصلت يوم 14 يناير سنة ٢٠١٧ 
وقتها الساعة كانت بتقرب على ٣ الفجر، كنت لسه مروّح البيت، يدوب قلعت الجزمة وقعدت على الكنبة، لقيت التليفون رن بيرن، كان صلاح أمين الشرطة رديت وأنا مرهق: 
_أيوة يا ابني.. فيه إيه؟. 

-يا باشا آسف على الإزعاج، بس فيه بلاغ وفاة في فيلا رجل الأعمال شاهر الزيات في سقارة.

_وفاة؟ وفاة طبيعية ولا فيه شبهة؟. 

-والله يا باشا مراته اللي بلغت، وبتقول إنه مات وهو نايم، ومفتش الصحة وصل هناك وقال مفيش إصابات ظاهرية، بس عشان الراجل تقيل ومشهور، المأمور قال لازم حد من المباحث يعاين قبل ما يطلع تصريح الدفن.

_تمام.. مسافة السكة.

قفلت السكة وأنا بنفخ بضيق.
 شاهر الزيات الاسم مش غريب عليا، راجل أعمال كبير في مجال الاستيراد والتصدير، ثروته بالملايين، بس سمعته كانت دايماً غامضة، عايش بعيد عن دوشة القاهرة في فيلا وسط النخل والزراعة في سقارة.

لبست الجاكت الجلد بتاعي، ونزلت ركبت العربية، الطريق كان كئيب، ضلمة، ومفيش غير نور كشافات العربية. 
وصلت الفيلا بعد ساعة إلا ربع، بوابة حديد ضخمة، وحواليها سور عالي جداً، الغفير فتح البوابة لما شاف البوكس اللي كان سابقني.

دخلت الجنينة، كانت واسعة وهادية، ومنها للفيلا، الريسبيشن كان واسع، مفروش فرش كلاسيك غالي جداً، سجاد عجمي، وتحف، ونجف كريستال مطفي نوره.

كان فيه حركة هادية وسريعة لناس بتجري يمين وشمال، وشوش الخدم كانت مخطوفة، وفي ركن بعيد، قاعدة ست شابة، لابسة روب أسود ستان، وشعرها مفرود على كتافها، وماسكة منديل بتمسح دموع هادية جداً.

دي أكيد تيا الزوجة، قربت منها، وقفت احتراما ليا.
_ البقاء لله يا هانم.
 صوتها كان ناعم ومكسور، بس عينيها كانت بتلمع لمعة غريبة.. لمعة خوف مش حزن.

- ونعم بالله يا حضرة الضابط.. شاهر سابني بدري قوي.
_شدي حيلك.. ممكن تحكيلي إيه اللي حصل بالظبط؟
 
خدت نفس طويل وبصت في الأرض، وبدأت تحكي: 
-مفيش.. بعد المغرب كنا بنتعشا.. هو كان مرهق شوية من الشغل، قالي إنه هيطلع يريح.. وفضلت تحت أتفرج على التليفزيون شوية.. بعد حوالي ساعتين طلعت عشان أنام.. دخلت الأوضة لقيته نايم جيت أغطيه حسيت إن جسمه ساقع.. ندهت عليه مردش.. هزيت كتفه لقيته.. لقيته قاطع النفس!!. 

كلامها كان مرتب، مرتب زيادة عن اللزوم لواحدة جوزها لسه ميت من كام ساعة. سألتها وأنا عيني مركزة في عينها:
_كان بيشتكي من أي أمراض.. قلب ضغط سكر؟.
- كان عنده ضغط عالي شوية، وكان بياخد أدوية.. بس عمره ما اشتكى من قلبه.
_تمام. هو فين دلوقتي؟
- فوق.. في أوضة النوم.

طلعت الدور التاني، السلالم كانت واسعة، دخلت أوضة النوم. الأوضة كانت باردة جداً، التكييف كان شغال. 
استغربت، إحنا في طوبة، والجو تلج، مين يشغل تكييف بارد دلوقتي؟! 

شاهر موجود على السرير الواسع اللي في نص الأوضة، راجل في الستينات، شعره أبيض، جسمه مليان شوية.. لابس بيجامة حرير كحلي، نايم على ضهره، إيده جنبه، ومغطى بملاية ستان لحد صدره، وشه كان شاحب ومصفر، وعينه مقفولة كأنه في سابع نومة.

كان واقف جنب السرير دكتور شاب، باين عليه إنه لسه متخرج جديد، ده مفتش الصحة بتاع المنطقة.

_ ها يا دكتور إيه الأخبار؟
 الدكتور عدل نظارته وبصلي وقالي: 
- أهلاً يا صخر بيه.. مفيش أي حاجة.. هبوط حاد في الدورة الدموية أدى لتوقف عضلة القلب.. سكتة قلبية.. مفيش كدمات مفيش جروح.. مفيش أي علامة مقاومة.. الراجل مات في سلام.

قربت من السرير. بصيت على وش شاهر، كان هادي فعلاً، بس كان فيه حاجة مش مريحاني، قولت للدكتور: 
_ إنت كتبت التقرير؟

-أه يا باشا، والتصريح جاهز، عشان يلحقوا يدفنوا الصبح إكرام الميت دفنه.

لفيت حوالين السرير ببطء، بصيت على الكومودينو. كوباية ماية مليانة لنصها، وعلبة دواء ضغط، بصيت على الأرض، السجاد نضيف، مفيش أي حاجة واقعة.
رجعت بصيت للجثة تاني، شاهر كان نايم على ضهره. 
سألت الدكتور:
_هو مات بقاله قد إيه تقريباً؟
-من الفحص الظاهري وحرارة الجسم.. يعني نقدر نقول من 4 لـ 6 ساعات.. يعني مات حوالي الساعة 10 أو 11 بالليل. وده بيطابق كلام المدام.

مديت إيدي ولمست رقبة شاهر كانت متلجة، بصيت للدكتور وسألته سؤال طلع عفوي:
_هو التكييف كان شغال لما دخلت؟
 الدكتور استغرب السؤال:
- أه.. كان شغال. المدام قالت إنه بيحب ينام في الجو البارد.

هزيت راسي، وبدأت أبص على تفاصيل أدق، رفعت إيد شاهر الشمال، كانت تقيلة ومتخشبة، التيبس الرمي بدأ يشتغل.

قلبت كف إيده، نضيف، بصيت على ضوافره، نضيفة.
لكن لما عيني جت على رقبة البيجامة من عند الكتف، لاحظت حاجة بسيطة جداً، كسرة صغيرة في قماش البيجامة الحرير، كأن حد شد القماش سِنة صغيرة!! 

سرحت للحظة، لو واحد مات بسكتة قلبية وهو نايم، مش المفروض بيفضل زي ما هو؟ ولو اتوجع، بيحط إيده على صدره.. لكن ده إيده جنبه مفرودة.

قررت أعمل حاجة الدكتور معملهاش بضمير.
_ يا دكتور.. ساعدني نقلبه على جنبه كده.
- ليه يا باشا؟ ما خلاص..
_ اسمع الكلام يا دكتور.
قولتهاله بغضب، قلبنا الجثة على جنبها اليمين بصعوبة عشان التيبس، رفعت الملاية والبيجامة من على ضهره.

الظهر كان لونه بنفسجي غامق، ده اللي بنسميه في شغلنا الرسوب الدموي، الدم لما القلب بيقف، بينزل بفعل الجاذبية لأوطى نقطة في الجسم ويتجلط هناك. 

وبما إنه كان نايم على ضهره، فالدم اتجمع في ضهره، ده طبيعي، بس اللي مش طبيعي، واللي خلاني أقرب وشي من جسمه، كان عند منطقة اللوح بتاع الكتف، ومنطقة أعلى الدراع من ورا... 
كان فيه بقع بيضا! 

تعليقات