رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الاول
كانت تلفظ أنفاسها بصعوبة والدموع تنساب بقوة . قبضت على يد اختها بضعف وهمست بصوت مبحوح يقطر قهرا.....
ماتسيبيش ابني يا ملوك.. خلي بالك منه... ابني يا ملوك.. أوعي تفرطي فيه ليهم. دول جاحدين يا ملوك قلوبهم حجر صوان مابيلينش دول وحوش كافرة بالرحمة مابيعرفوش غير لغة الدم والقهر. هما الأسياد واحنا العبيد ليهم. . أنا حكتلك كل حاجة شفت غدرهم بعيني. شفت الجبروت وهو بيدوس على أي حاجه إنسانية عشان كبرياء عيلتهم ومنصبهم.
شهقت بقوة وهي بتحاول تسحب نفس أخير وعينيها متثبتة في عين توأمها كأنها بتستحلفها.....
خدي ابني وخليه في حضنك أوعي يا ملوك.. أوعي يا توأم روحي تسلميه للديابة دول هياكلوه حي و هيطلعوه مسخ زيهم.. أنا غلطت... غلطت وجبتلك العار وأنتي اللي طول عمرك رافعة راسك ومنورة اسمنا بشهادتك وعلمك بس غصب عني حبيت والله حبيت.... غصب عني حبيت احن خلق الله الحاجه الحنينه إللي عندهم ماكفرتش .. بس الحب عندهم عار والجريمة عندهم إن قلبك يدق لغير نسلهم.. وهما قضوا على الحب ده ودبحوني وأنا لسه بتنفس وحرقو قلبي علي حبيبي .
استندت برأسها للخلف وهي تهمس بكلماتها الأخيرة كأنها وصية من نار وصية
ستحول اختها لكتلة من الجمر...
الناس دي مش بشر يا ملوك دول غيلان لابسة لبس بني آدمين.. خليكي أذكى منهم خدي حقي وحق الواد بس أوعي تظهري ليهم ضعفك.. الوحوش مابتاكلش غير الضعيف. وخافي من كبيرهم خافي من سيد الكون يا ملوك دا لوحده غول صنم في الجحود.. لو تقدري ابعدي بس مش عارفه ساعتها إبني مصير إيه.. خايفه عالواد يبقي شكلهم.
بدأت أنفاسها تتقطع في حشرجة مريرة وكأن الروح تأبى الخروج من جسد لم يذق سوى الظلم. همست بحشرجه... .. ابن.. ني.. اب.. ني.. يا.. م.. لو... و.. ك.. منهم.. لله... عي يلة ال را وي..
تشنج جسدها واهتزت بعنف وهي تقاوم سكرات الموت بين يدي شقيقتها. صرخة ملوك شقت صمت الغرفة صرخة جريح.. لم تكن مجرد صوت بل كانت نداء استغاثة طال عنان السماء... لاااا لاااا هتعيشي لاااا لااا...ابنك تربيه لاااا.
لكن القدر كان أسرع.... في لحظة واحدة ارتخت اليد التي كانت تقبض على يد ملوك وسكنت تلك العيون التي كانت تفيض دمعا وارتقت الروح إلى بارئها تشكو جبروت الوحوش.
سكنت الحجره الا من انفاس الملوك لوهله صارت صنما بعيون جاحظه.. في تلك اللحظة حدث تحول في جسد الملوك.. في تلك اللحظه ماتت مع أختها. تحولت ملامحها إلى هشيم غضب جارف سيحرق الأخضر واليابس في طريقه. جفت الدموع في مقلتيها فجأة . تحجرت عيناها بدموع لم تسقط بل تحولت إلى نظرات حادة كالمشرط.
وضعت ملوك يدها فوق جبين أختها البارد وانحنت تهمس في أذنها بغل السنين.....
نامي وارتاحي يا نصي التاني.. وحياة وجعك ده.. وحياة كل دمعة نزلت منك قهر... وحق لا إله إلا الله وحق اللي خلقني و وصلني للي انا فيه.. لابنك ده لاخد حقه وحقك ولا حد فيهم هيحط فيه من قلبه خلقه. وهيفضل في حضني أنا.. حقك راجع يا حبيبتي حقك هجيبه. هعرفهم إن الله حق. وهربي ابنك أحسن تربية عشان يكسر عينيهم كلهم بأدبه وعلمه. وساعتها هيعرفو تربيه الملوك شكلها إيه وهيخفو علي طرفه .
وقفت ملوك ببطء غطت وجه توأمها برفق لكن يدها كانت ثابتة ثبات الموت. لم تكن تبكي بل كانت تغلي. لم تكن تنوي أن تصبح مسخا مثلهم بل قررت أن تكون حارسة الوصية. نظرت إلى الطفل الصغير الراقد بجوار جثمان أمه وقبضت على يدها بقوة وفي صمت مهيب وضعت يدها فوق قلب أختها الساكن وأخذت عهد موت على نفسها. وهي تقول لنفسها...
من النهاردة مفيش خوف.. ملوك ماتت معاكي يا توأم روحي كان فاضل فيها نفس وإنت كملتي عليها وانهارده جت واحدة تانية خالص. واحدة هتحمي ابنك بروحها وهتعلم الوحوش دي يعني إيه رحمة.. ويعني إيه حق مابيموتش.
مرت مراسم الدفن كأنها كابوس طويل . دفنت الأخت أختها فأصبح النص مفردا.. فقد دفن النصف الآخر وواراه التراب وبقي نصف كجثة تعيش فوق الأرض يتحرك بآلية باردة وقلب خاو إلا من عهد قطعه على نفسه.
دخلت ملوك الغرفة تلك الغرفة التي لا تزال تفوح برائحة الوجع . ارتمت فوق فراش أختها واحتضنت الصغير بقوة كأنها تستمد منه بقايا حياة. استسلمت لسرير الذكريات. تستعيد تلك الأيام التي أكلت من قلبها ونهشته حتى لم يعد لها قلب من الأساس.. رحلة شقاء بدأت منذ زمن حين كان للحكاية ملامح أخرى قبل أن يقتلها الجحود.
وكأن شريط العمر يرتد بها رغما عنها سهمت ملوك جاحظه العينين تقبض علي جسد الرضيع ليعبرها جسر الزمان نحو ماض كان يضج بالحياة قبل أن يغتاله القهر والخسة .
..............
فقد كانت البداية هناك خلف جدار السنين. حيث عاشت أسرة جميلة مكونة من أب وأم جمع بينهما بيت دافئ توجته أقدار الله بثلاث زهرات... كانت البداية مع التوأم ملوك وملك.. ثم أتت تلك الصغيرة مليكة التي اكتملت بها ضحكات البيت لتكون مسك الختام ودلوعة البيت.
كانت ملوك هي الكبرى ليس فقط في الترتيب بل في كل شيء في رجاحة عقلها وفي شخصيتها الفريدة التي جعلتها السند والاحتواء. علاقتها بوالدها كانت أعمق من مجرد رابطة أبوة بل كانت صداقة من نوع خاص. ثقة مطلقة تجعل منهما روحين في جسد واحد.
كانت داىما ماتلتصق بابيها تأخذ حيزا كبيرا من حضنه في سكون الليل تحادثه
تقول له دائما أن الناس تعتقد إن البنت سر أمها ولكن تختلف تلك المقوله عند ملوك وابيها فهو ليس سر فقط بل قطعه من روحه تمشي علي الارض.
وكان رده الدائم بابتسامة فخر وهو يربت على يدها...
أنتي مش بس بنتي يا ملوك أنتي عكازي اللي بتسند عليه وصاحبي اللي بحكيله همومي من غير ما أخاف. البيت ده كله في كفة وعقلك وحنيتك في كفة تانية خالص.
كان الجميع يعلم أن مفتاح قلب الأب هو ملوك من يريد طلبا أو يخشى عتابا يذهب أولا لملوك لتكون هي الشفيع والوسيط.
وعلى النقيض كانت ملك.. التوأم المشاكس.. طائشة قليلا ومندفعة.. لكنها كانت تملك قلبا يفيض حنانا على أخواتها وكأنها النسمة التي تكسر جدية الحياة بضحكتها.
ثم تأتي الصغيرة تلك الرقيقة التي أصبحت مدللة الجميع فكانت ملوك ترعاها كأنها ابنتها والأب يراها آخر العنقود الذي لا يرد له طلب.
عائلة كأي عائلة تتسم بسعادة طاغية .. لم تكن ملوك تدري حينها أن هذا الصرح العظيم من الثقة والأمان سيهتز يوما وأن صديقها وعكازها سيكون هو أول من يشرخ ذلك الجدار ليتركها تواجه وحوش العالم بقلب حطمته الخيانة قبل أن يحطمه الفقد.
مرت الأيام وسحابة الحزن تزحف علي البيت الدافئ. فالله إذا أحب عبدا صب عليه البلاء صبا ليختبر صبر قلبه. وهكذا بدأت المحنة بمرض الأم. تدهورت صحتها رويدا رويدا. وبدأت الأسرة تعاني الأمرين. هنا ظهر معدن ملوك الحقيقي. ففي سن الخامسة عشرة تحولت الطفلة المدللة إلى امرأة حازمة تتولى شؤون إخوتها وتدير البيت بيد من حديد.
لكن الوجع الحقيقي لم يكن في المرض وحده. بل في ذلك الشرخ الذي بدأ يظهر في جدار أمانها.. والدها وصديقها الصدوق بدأ ينسحب من حياتهم ببطء مؤلم.ويتغيب عن البيت بشكل مريب.
ذات يوم دخل الأب المنزل بعد غياب خمسة أيام متواصلة كانت ملوك تقف له كحارس للذكريات الجميلة التي بدأت تبهت.
ملوك بصوت يرتجف من القلق معا... بابا.. أنا عايزة أكلمك مش هينفع تدخل وتنام كأن مفيش حاجة بتحصل.
الأب بتأفف وضيق.... تاني يا ملوك؟ أنا راجع مش شايف قدامي وتعبان من الشغل هو كل يوم تحقيق؟
استدار ليدخل غرفته فهتفت بقلب يتقطع....
بابا.. أنت مابقتش معانا أنا حاسة إن فيك حاجة ولازم أعرفها. أنت ليه بعدت؟ أنا تعبانة وموجوعة.. أنت حبيبي وسندي والروح اللي بتنفس بيها والبيت ده من غيرك بقى ضلمة وأمي بتموت جوه.. أنا عارفاك وحاسة إن فيه حاجه كبيره مخبيه عني.
توقف الأب مكانه فحبه لها كان نقطة ضعفه الوحيدة. استدار واقترب منها ثم احتضنها بقوة وكأنه يحاول إخفاء عينيه عن نظراتها الثاقبة.
الأب بصوت منخفض.... يا قلب أبوكي مفيش غير الشغل ومشاكله.. الدنيا بقت صعبة ومصاريف علاج أمك والبيت محتاجة مجهود مضاعف. سامحيني لو قصرت بس غصب عني.
ملوك وهي تتشبث بقميصه.... يا بابا أنا مش عايزة فلوس. أنا عايزة الأب اللي كان بيحكيلي كل حاجة.. ليه حاسة إنك بتهرب من عيني... ليه ريحتك متغيرة وكلامك بقى قليل؟ الشغل عمره ما كان بياخدك مننا بالأيام وإحنا في أمس الحاجة ليك.
الأب وهو يبتعد برفق... بكرة الأمور تتحسن يا ملوك ادعي لأمك بس.
مرت الأيام والشك ينهش في صدر ملوك كالنار في الهشيم. حتى جاء ذلك اليوم الأسود. كانت تشتري بعض احتياجات البيت. حين اعترض طريقها أحد شباب المنطقة وبدأ يسخر منها بكلمات مسمومة. لم تصمت ملوك بل اندفعت توبخه بشراستها المعهودة فما كان منه إلا أن وجه طعنة لكرامتها في أعز ما تملك.. أبوها.
الشاب بضحكة صفراء.... عامله فيها جامده و مناخيرك في السما وأبوكي قاعد عند وآحده ياختي في طرف الموقف. ده ليل نهار هناك والناس كلها بتتفرج وأنتي نايمة على ودانك وكمان عامله بنت بارم ديله إللي اختشو ماتو .
هجمت عليه ملوك كاللبؤة التي تدافع عن عرينها. تشاجرت معه وسط ذهول المارة لكن الكلمات كانت قد استقرت في قلبها كالخنجر. تدخل الناس لفض الاشتباك. لكن الشاب نكاية فيها ورغبة في كسر كبريائها أخرج ورقة وكتب عليها عنوانا وبصق على الأرض قائلا....
لو مش مصدقة روحي شوفي أبوكي الحبيب بيعمل إيه في العنوان ده. روحي وشوفي ياختي الراجل الشايب بيعمل ايه في شقه مفروشه.
وقفت ملوك في منتصف الشارع الورقة ترتجف في يدها والعالم يدور من حولها في تلك اللحظة سقطت أول لبنة في صرح الأمان الذي بنته طوال عمرها.
استدارت بهياج وغل.. كان العنوان قريبا لكن كل خطوة كانت تخطوها ملوك كانت تشعر وكأنها تمشي على جمر يوقد في صدرها. وصلت إلى البناية وصعدت السلم وهناك تجمدت الدماء في عروقها حين رأت حذاء والده ملقىً بإهمال خارج أحد الأبواب.
دقت الباب بعنف ونار الجحيم تستعر في جوفها.. هذا الرجل هو روحها هو الصديق والسند فكيف يكون هنا؟
فتحت الباب فتاة شابة ملامحها مستفزة بفستان ضيق يبرز مفاتنها ونظرة عين تقطر استهتارا. هتفت الفتاة بضيق...
نعم.. مين أنتي وعايزة إيه؟
لم تنطق ملوك بحرف بل اندفعت كالإعصار للداخل عيناها تجوب المكان بحثا عن خيبتها الكبرى. صرخت الفتاة هستيريا...
أنتي يا زفتة أنتي.. حد يدخل يهجم كدة على بيوت الناس؟ عايزه ايه يا بت انت.
هنا انفجر بركان ملوك فقدت السيطرة وتحولت إلى وحش يدافع عن بقايا كرامة عائلتها. اندفعت نحو الفتاة وبقبضة حديدية أحكمت أصابعها علي شعرها وظلت تضربها بقوة وجنون لم تعهده في نفسها من قبل.
ملوك وهي تصرخ بصوت مبحوح من القهر...
هو فين يا زبالة.. يا خطافة الرجالة هو فين؟ قوليلي مخبياه فين لابسة كدة ليه يا اختي؟ أنتي مين يا بت وبتعملي هنا إيه في بيت مع راجل متجوز وعنده بنات أدك؟
كانت ملوك تطرحها أرضا تمزق ثيابها وتقتلع خصلات شعرها وهي تصرخ بكل الوجع الذي كتمته طوال شهور مرض والدتها وكأنها تفرغ قهرها في جسد هذه الفتاة.
وفجأة شعرت بجسدها يرتفع عن الأرض ويد قوية خشنة تجذبها من شعرها بعنف كاد يقتلع فروة رأسها وصوت جهوري يزلزل المكان بصرخة صدمة وغضب..
أنتي بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي جابك المكان ده يا ملوك؟
تصلبت ملوك في مكانها.. الصوت كان مألوفا لدرجة أنها تمنت لو انشقت الأرض وبلعتها قبل أن تسمعه. التفتت ببطء وعيناها اللتان كانت تشتعلان غضبا انطفأتا فجأة لتفسح المجال لانكسار لم تبرأ منه طوال حياتها.
ملوك بهمس مرير وهي تنظر في عين والدها...
بابا إنت بتعمل إيه هنا..... انت.. أنت بتسألني أنا إيه اللي جابني..
وقفت ملوك مكانها تتنفس بصعوبه. نظرت إلى والدها الروح التي كانت تسكن جسدها والصديق الذي لم تكن تخفي عنه سرا ورأت في عينيه غريبا لم تعرفه من قبل. أشارت بسبابتها المرتعشة نحو تلك الفتاة الصارخة على الأرض وهتفت بصوت يخرج من قهرها..
مين دي يا بابا.. بتعمل إيه هنا في شقق مشبوهة مع واحدة زي دي؟ واحدة ساقطة مالهاش أهل بتبيع نفسها للي يدفع.. أنت يا سندنا أنت اللي كنت بتكلمني ع الشرف. جايب وآحده مشبوهة في شقه مفروشة.
لم تكد ملوك تنهي كلماتها حتى بدأت الفتاه تولول وتدعي الانكسار.
وفي لحظة جنونية ارتفعت يد الأب.. اليد التي لم تمتد يوما إلا لتمسح دموع ملوك وهوت على وجهها بصفعة مدوية زلزلت كيانها قبل جسدها.
واندفع بصراخ هز أركان الغرفة...
اخرسي وحسك عينك تنطقي بكلمة. دي مراتي على سنة الله ورسوله ومراتي يعني كرامتها من كرامتي.. فاهمة يا ملوك؟
تجمدت الدماء في عروق ملوك لم يوجعها ألم الصفعة بقدر ما أوجعتها كلمة مراتي. رأت والدها يندفع نحو الفتاة بلهفة غريبة يحملها بين ذراعيه ويدللها بكلمات حانية وتناسى تماما تلك التي تقف أمام عينه بقلب ينهشه الوجع.
ملوك بضحكة هستيرية ممزوجة بالبكاء...
مراتك.... وأمي.... أمي اللي بتموت هناك.. والبيت وإحنا.. وانا... كل ده اتهد فوق دماغنا؟ بعتنا عشان دي.. بعتب بيتك يا بابا.. اتجوزت.. لا استحاله أبويا مايعملش كدة.. أنت مش أبويا.. أنت واحد تاني أنا معرفوش.. هو فين لا لا فين أبويا إنت مين.
استدار الأب إليها وبدلا من الندم اشتعلت عيناه بغضب أعمى وكأن وجود ملوك يذكره بخطيئته التي لا يريد مواجهتها. صرخ فيها وهو يدفعها نحو الباب بقسوة...
بره مش عايز أشوف وشك هنا روحي بدل ما أطلع روحك.
دفعت ملوك يده بحرقه وصرخت عند الباب... بتطردني انا بتطرد بنتك العروسه عشان بت زباله زي دي ضحكت عليك يا سيد الرجاله وبيعتك بيتك..
كان الناس تجمعت هنا انفعل الأب وصرخ.. بره يا حيوانه مش عايز أشوف وشك.
دفعها للخارج وأغلق الباب بعنف وكأن هذا الباب هو الستار الذي أسدل على حياتها القديمة.
تهالكت ملوك على درجات السلم الباردة. ضمت قدميها إلى صدرها وانفجرت في بكاء مرير ليس خوفا بل قهرا وهي تسمع من خلف الباب المغلق صوته وهو يداوي جراح تلك الغريبة ويهمس لها بكلمات الاعتذار مفضلا إياها على ابنته وتوأم روحه.
في تلك اللحظة على درجات ذلك السلم المظلم لم تبك ملوك كفتاة مراهقه بل بكت كمحاربة خسرت وطنها وكانت تلك قطرات دموعها الأخيرة . هناك ماتت ملوك الطفلة. وولد بداخلها ذلك الغل الذي سيجعلها لاحقا تقف أمام أعتي الرجال ولا تهتز.
ملوك بهمس وهي تمسح دمعتها بعنف...
بكرة هتدور بيك الأيام يا بابا.. وهتيجي تدور على الحضن اللي بعته بالرخيص ومش هتلاقي غير الندم.
عادت ملوك إلى بيتها . دخلت بخطوات ثقيلة تحمل جبالا فوق كتفيها. بمجرد أن رأت والدتها الراقدة فوق فراش المرض حاولت جاهدة أن ترسم قناعا من القوة لكن عينيها كانتا تفضحان انكسارا لا يداوى.
اقتربت ملوك من أمها وارتمت في حضنها تبحث عن الأمان الذي ضاع منها على تلك السلالم المظلمة. شعرت الأم بانتفاضة جسد ابنتها فمسحت على شعرها بوهن وهتفت بصوت مبحوح...
مالك يا قلب أمك؟ فيكي إيه يا ملوك؟ إيه اللي عمل في وشك كدة وأنفاسك مالها هربانة منك ليه؟
حاولت ملوك أن تبتلع غصتها وأجابت بصوت مرتجف....
مفيش يا أمي.. مفيش شوية تعب وضغط من المذاكرة والبيت متقلقيش عليا.
صمتت الأم طويلا ونظرت في عيني ابنتها بنظرة اخترقت كل دفاعاتها ثم قالت بمرارة...
أبوكي ماعدش بيجي يا ملوك.. أنا حاسة بيه حاجة. قلبي بيقولي إن أبوكي عند واحدة تانية صح؟
اندهشت ملوك وتجمدت الكلمات في حلقها كانت تظن أنها ستحمي أمها من هذه الحقيقة البشعة. لكن رادار الزوجة المكسورة كان أسرع . ابتسمت الأم ابتسامة باهتة تقطر وجعا وتابعت...
أنا بحس يا قلب أمك.. الأيام اللي عشتها معاه خلتني أعرف دقة قلبه قبل كلامه.
هتفت ملوك بقهر.. لا.. لا يا أمي مافيش كده.
همست الأم بوجع ونبرة تقطع نياط القلب.. لا فيه يا ملوك فيه. الست آكتر وآحده بتحس بست تانيه. أبوكي لما لقاني مرضت رماني وراح يدور على اللي تضحك له وتدلعه. ماكنتش متخيلة أبدا إنه يعمل كدة.. دي آخرتها دي مكافأة صبري وخدمتي له طول السنين دي؟
وضعت رأسها على صدر أمها وهتفت بمرارة...
ليه يا أمي؟ ليه الوجع بيجي من أقرب الناس لينا؟ ليه اللي كنا فاكرينه سد طلع هو اللي هيهد البيت فوق دماغنا. أنا مش مصدقه دا مش أبويا.
الأم بصوت يملؤه الرضا الممزوج الانكسار....
عشان الدنيا دي يا بنتي مابتديش كل حاجة. بس خليكي فاكرة يا ملوك الحق مابيموتش واللي بيبيع أصله عشان نزوة بكرة النزوة تبيعه وترميه.. أنا مش زعلانة عليه. أنا زعلانة على عمري اللي ضاع تحت رجلين واحد ما صانش العيش و الملح .
لم تكد الكلمات تخرج من فم الأم حتى زلزل البيت وقع خطوات غاشمة وانفتح الباب بعنف كاد يقتلعه من مفصلاته. اندفع الأب كالثور الهائج وبدون مقدمات. قبض على شعر ملوك وأنهال عليها ضربا مبرحا وهو يصرخ بصوت مغلول...
جاية تفضحيني يا بنت الكلب. جاية تفرجي عليا الناس وتخربي بيتي ؟ مخلف دكر بيستقوي على خلق الله ويقتحم بيوت الناس. أنا النهاردة هطلع روحك في ايدي.
تعالت صرخات الأم المكتومة وهي تحاول النهوض بجسدها المرتعشة... فيه إيه؟ عملت إيه سيبها يا راجل حرام عليك هتموت في إيدك.
نفضته ملوك عنها بقوة لم تعهدها ووقفت بصلابة غريبة وعيناها تلمعان بغل أحرق كل جسور الود القديمة. مسحت الدماء التي بدأت تسيل على وجهها وهتفت بفحيح مرعب...
بتضربني أنا عشان خاطر الزبالة دي؟ بقى ملوك اللي كانت روحك بتهون عليك عشان واحدة ساقطة مالهاش أصل؟ تموت بنتك عشان وآحده بايعه شرفها للي يدفع. أما أنت راجل صحيح.
جن جنونه واندفع يلطم وجهها بقوة أدت لشج رأسها وفي تلك اللحظة خرجت ملك من غرفتها مرعوبة من هول المنظر...
في إيه؟ بتعمل كدة ليه يا بابا؟ ملوك عملت إيه لكل ده؟
ضحكت ملوك ضحكة هستيرية والدماء تغطي ملامحها وأشارت إليه بإصبع يرتجف..
بيعمل كدة ليه... عشان فضحته.. تعالي يا قلب اختك تعالي يا سنيوره افرحي وإلا اقولك اتحزمي هنزف ابوكي. أبوكي مرافق عيلة صغيرة قد عياله. سايب مراته اللي بتموت وقاعد يتدلع في شقق مفروشة.. شفتي قهر أكتر من كدة.
صرخ الأب وهو يحاول كتم صوتها... اخرسي قطع لسانك دي مراتي على سنة الله ورسوله وأي كلمة تانيه هموتك بأيدي.
شهقت الأم شهقة قطعت نياط القلب وسقطت برأسها للخلف وهي تهمس بذهول... اتجوزت؟ بعتني يا أبو البنات؟
اقتربت ملوك وعيناها تخترق عينه ببرود قاتل...
اتجوز علىكي يا أمي؟ جاب عيلة من دور عياله يصرف عليها وتدلعه؟ أصل أمي بعد عمر القهر معاك مرضت وشاخت فقلت تدور على الفرفشة.. أنت متخيل إن دي هتحبك؟ دي لفت عليك عشان قرشك وزي ما أنت سيبت أصلك وعرضك. هي بكرة هتسيبك لما تخلص على صحتك وفلوسك وتتجوز عليك اللي من سنها.
جن جنونه وصفعها بجنون وهو يصيح..
اخرسي أنا عايز أعيش حياتي كفاية نكد ومرض.. من حقي ألاقي ست تفتح نفسي على الدنيا أمك خلاص انتهت وأنا لسه راجل بصحتي.
صرخت ملوك بقهر هز أركان البيت... واحنا حياتنا ذنبها إيه.. داحنا مالناش غيرك. ذنبنا إيه نتحرم من أبونا عشان واحدة لمتها من الشارع؟ فين الأصول اللي علمتهالي كت بتعلمهالي ليه وإنت ماتعرفش عنها حاجه.
هتف بجمود كالحجر والتفت ليرحل وهو يلقي بكلماته كالقذائف..
أنتم ملزومين مني صرف وبس.. الأكل والشرب هيوصلكم غير كدة ماليش دعوة بحد وماشوفش وشك في بيتي تاني يا ملوك وإلا قسما بالله هحبسك.
بمجرد أن استدار ليغادر لم تتركه ملوك يرحل وفي صدرها غصة بل اندفعت كالسهم لتقف سدا منيعا أمام الباب وعيناها تلمعان ببريق لم يعرفه فيها من قبل بريق الغل الذي أحرق ملامح الابنة المطيعة.
ملوك بصراخ يقطر قهرا وكبرياء...
ماشي روح فاكر إننا هنبكي عليك ونبوس ايدك عشان ترجع؟ روح.. امشي وادلع وفرفش بس وحياة كل لحظة وجع عشناها. افتكر وقفتك دي قدامنا وأنت بايع دمك وعرضك عشان عيلة من الشارع. افتكر ذلنا ليك وكسرة نفسنا عشان تروح للي بتضحك عليك بكلمتين.
حاول دفعها ليمر لكنها تشبثت بمكانها وهتفت بفحيحٍ كالسكين..
بيع وامشي.. والزمن هيلف يا بابا. بس حسك عينك تفكر ترجع لينا لما الدنيا تلطش فيك. حسك عينك تقول ليا عيال وتدور على السند. السند خدته السنيورة بتاعتك وشبعت بيه.. روح بس كلها كام سنة وهتسند طولك بالعافية وتعرف إنك كنت واهم. وافتكر كلمتي دي كويس ابقى خلي بالك لتدخل عليك حد من سنها أصل الحق يتقال.. اللي خان يتخان وزي ما سيبت أمي اللي صانتك اللي أنت رايح لها هتسيبك لأول واحد يملى جيبها.
جن جنونه من كلماتها التي أصابت عين الحقيقة فرفع يده وهوى بها على وجهها بصفعة قوية أرجعت رأسها للخلف...
ضحكت بجنون... اضرب كمان الحقيقه بتوجع والبطخه عاليه.. الواد قالي في الشارع روحي شوفي ابوكي الشايب بينام
مع عيله... هتتجوزك ليه قولي دا بينكو عمر إنت معدي الخمسين وهيا تحت العشرين قولي هتتجوزك علي إيه.. ضحكت.. اتكل علي الله بس وحق لا إله إلا الله لهفضل مستنيه اليوم إللي تقع وتعوز خدمه وبدل مانشيلك ونبقي مداس تحت رجلك هنشمت فيك يوم ماترميك بالرخيص.. مستنياك يوم ما تعوز حد يحميك وينضف تحتك وماتلاقيش حد حتي يرميلك لقمه.
إلا أنه دفعها بكل قوته لتسقط أرضا وخرج من الباب وهو يرزعه خلفه بعنف زلزل أركان البيت وكأنه يغلق صفحة حياتهم وإلى الأبد.خرج السند ورزع الباب خلفه لتسود حالة من الصمت الجنائزي ملوك تقف عيونها قطعه من الجحيم. الغل يملأ صدرها.
سقطت ملوك على الأرض لكنها لم تبك هذه المرة دموعها تركتها علي سلم القهر هناك . ظلت جالسه تنهج والغل يطيح بقلبها.. مسحت الدماء التي سالت من فمها بطرف ثوبها ونظرت إلى الباب المغلق ببرود مخيف ثم تمتمت بصوت خفيض لم تسمعه إلا هي وأختها المذعورة...
اللي خان يتخان يا ابن الهاشمي.. واليوم اللي هتدق فيه الباب ده وأنت مكسور مش هتلاقي اللي يفتح لك.
التفتت إلى أمها التي كانت تنهج بصعوبة وإلى أختها ملك التي انكمشت في زاوية الغرفة وتلك الصغيره التي تبكي بهستيريه .
علمت ملوك في تلك اللحظة أن البيت قد انهار وأن عليها أن تبنيه من جديد...
هنا دفنت ملوك نفسها وانوثتها وخلق مسخ لا يشعر بأي شيء سوا إنقاذ عائلتها . مرت الأيام والبيت الذي كان يضج بالضحكات استحال إلى مقبرة للصمت والوجع. لم يعد الأب ذلك السند الذي تهرع إليه ملوك بل صار غريبا يلقي بفتات المال من بعيد وزياراته التي كانت تتسم بالحب انقلبت إلى معارك حامية . كانت ملوك لا تفوت فرصة إلا ووبخته فيها تتهكم على رجولته التي ضاعت في أحضان الغريبة حتى ضاق ذرعا بكلماتها فقرر قطع الزيارات تماما مكتفيا ببعث حفنة من المال لا تسمن ولا تغني من جوع.
ومع تدهور حالة الأم التي ذبلت كزهرة في مهب الريح بدأت المصاريف تقل رويدا رويدا. وكأن ملوك وأخواتها أصبحوا عبئا ثقيلا يريد التخلص منه إلى أن انقطعت تماما.
هنا وجدت ملوك نفسها ذو السادسة عشرة على أعتاب الثانوية العامة المرحلة التي كانت تحلم فيها ببالطو الطب. لكنها اليوم لا تملك ثمن الخبز أو دواء أمها المريضة. ابتلعت كرامتها وذهبت إلى عنوانه طرقت الباب لكن الفاجعة كانت بانتظارها.
الباب مغلق.. والشقة خالية.. والجيران يخبرونها ببرود... الناس دي عزلوا يا بنتي ومحدش يعرف لهم طريق.
وقفت ملوك في منتصف البيت تنظر إلى الباب المغلق وشعرت لأول مرة أن الأرض تميد تحت قدميها. لقد تركهم.. رحل تاركا إياهم بلا سند وبلا عائل وبلا رحمة ليواجهوا وحوش الدنيا بصدور عارية.
ملوك وهي تمسح دمعة حرقت وجنتها وتهتف في سرها...
مشيت يا ابن الهاشمي؟ هربت من مسؤوليتك وسيبت تلات بنات لوحوش الدنيا؟ وحياة كل ليلة أمي بكت فيها دم وكل لحظة جوع هنشوفها بسببك لأكبر وأبقى أهم دكتورة في البلد دي.. وساعتها لما الدنيا تدور بيك وتيجي تشحت نظرة مني هكون أنا اللي قفلت الباب في وشك.
عادت ملوك إلى البيت لا تحمل مالا ولا أملا من أبيها لكنها تحمل وحشا ولد في صدرها. قرارا بأنها من اليوم فصاعدا هي الأب وهي الأم وهي السند الذي لن ينكسر أبدا.
عادت ملوك في ذلك اليوم وقد انسلخت من ثوب الطفولة تماما تحولت إلى كائن آخر يشع حقدا على الرجل الذي كان يوما صنمها المعبود. ومات في عينيها صنف الرجال أجمعين فقد زرعت فيها خيانة أبيها عقدة الفقد والتجبر وقررت بقلب من حديد أن تكون هي السند وهي الجدار وهي الحصن لنفسها ولأختيها.
اتجهت لأحد وجهاء المنطقة حكت له مرارة الخذلان. تجمع أهل الخير وخصصوا لهم جزءا من المصاريف لكن ملوك لم تكن لتقبل العيش على الصدقات وحدها فقررت خوض معركة البقاء بنفسها. نزلت للعمل كعاملة نظافة في إحدى المستشفيات الخاصة تمسك الممسحة وتطهر الممرات لكنها كانت صلبة كالصخر تعمل وتدرس وتراعي شؤون بيتها متقمصة دور الأب الذي غدر والأم التي تهالكت تحت وطأة المرض.
التصقت الأختان بها كظلها ملك التوأم تلك الفتاة التي تعشق الحياة والعيش الرغد والتي كانت دائما ما تجنح نحو الطيش فتجد ملوك لها بالمرصاد تردعها بقسوة الخوف عليها. أما الصغيرة مليكة. النسمة الرقيقة فكانت كالندى أصيبت بخلل وضعف لا تتحرك إلا في جناح أختها الكبرى وعيبها الوحيد هو ذلك الخوف المرضي من الدنيا الذي جعلها تلتصق بملوك كأنها طوق نجاتها الوحيد.
مرت الأيام بشعة ينهشهم العوز والمرض وملوك لا تكل ولا تمل تذاكر وسط غبار المستشفيات وأنين والدتها حتى أتى يوم النتيجة.. يوم كان من المفترض أن تشرق فيه الشمس أخيرا.
ملوك وهي تندفع لغرفة أمها والدموع تسبقها...
يا أمي.. يا حبيبتي فوقي وافرحي.. بنتك جابت مجموع الطب. هبقى دكتورة يا أمي هعالجك بإيدي وهرفع راسك لفوق مش هنحتاج لحد بعد النهاردة.. الدكتوره ملوك الهاشمي.
كانت ملوك تشع نورا وهي تلوح بشهادتها بينما مليكة التوأم تجلس في الزاوية تبكي بصمت لدرجاتها المنخفضة التي لم تسعف طموحها. اندفعت ملوك لتطبع قبلة على جبين أمها لكن الفرح لم يكن مكتوبا في قدر تلك العائلة..
دخلت ملوك والغرفة تضيق بأنفاس الفرح تزف لأمها البشرى التي نحتت الصخر لأجلها فإذا بالقدر يزف لها ابتلاء جديدا خلع ما تبقى من قلبها كان مشهدا لتسليم الراية راية القهر التي يجب أن تتحول لنصر يوما ما....
