رواية فلتر زائف ( كاملة جميع الفصول ) بقلم نرمين قدري


 رواية فلتر زائف الفصل الاول 

خرجت وسام مسرعة من باب غرفتها وهي تهتف بصوت عالٍ:
ياهوووو يا أهل البيت يا أهل ال ال ديار يا ماما يا عالم يا اللي عايشين معايا هنااااا
خرجت الأم مسرعة من مطبخها وهي تمسك بيدها معلقتها الخشبية:
خير يا وسام؟ إنتي مش هتبطلي طريقتك دي؟ كل شوية تخضيني وتقعدي ساعة تصوّتي كده زي الهبلة، وفي الآخر يطلع الموضوع عبيط
قالت وسام وهي تقفز فوق الكنبة:
لاء بس المرة دي غير، حدث تاريخي هيغير حياتي، فين بس الناس اللي هنا
ورجعت تصيح مرة أخرى، وكان من في المنزل اعتادوا على صياحها. خرج الأب من غرفته وقال بتأفف:
= في إيه يا آخرة صبري؟ إنتي مبتعرفيش تقعدي من غير دوشة
قالت وسام وهي تنزل من فوق الكنبة:
لاء خالص يا بابتي، مش بعرف أسكت، بس المرة دي حدث قنبلة
قالت الأم بتهكم:
أقسم بالله لو ما نطقتي وقلتي في إيه، لأكون نازلة بالمعلقة الخشب دي على دماغك! انطقي يا بت، الأكل على النار
قالت وسام مبتسمة:
أخيرًا الحظ ضحكلي، أخيرًا اتصلوا بيا، وهروح بكرة أعمل إنترفيو في أكبر شركة برمجة، وأخيرًا الحظ ضحكلي
ضحكت أختها بسخرية وقالت وهي تتصفح هاتفها بصوت ساخر:
يعني هيسيبوا كل الخبرات دي، وهياخدوا واحدة مجنونة عقلها مفوّت زيك ليه
نرمين قدري 
نظرت لها وسام ولم تجب، ولكن ظلت كلمتها ترن في أذنيها، وانطفأ وهج حماسها، وقالت بصوت منخفض فيه قليل من اليأس:
أهو أجرب، ميجرّاش حاجة، مش يمكن تضرب معايا وأشتغل بدل القعدة دي
ابتسمت أختها وكأنها تعلن انتصارها على إحباطها
وفي صباح اليوم التالي، ارتدت وسام طقمًا رسميًا واستعدت للمقابلة، ولكن دائمًا سوء الحظ يحالفها؛ إذ ارتطمت بها سيارة من الخلف وتسببت في تعطّل سيارتها. نزلت وسام من السيارة وهي في قمة غضبها، وتلعن السائق وتلعن حظها معه
ثم نظرت في ساعة يدها وأطلقت شهقة، لقد تأخرت بالفعل على موعدها
تركت سيارتها المعطلة أمام سيارته ولم تُبالِ، لقد كان كل ما يهمها هو اللحاق بموعدها، ولحسن الحظ أن الحادث كان أمام الصرح الكبير، الشركة التي سيتم فيها المقابلة
نظر لها سائق السيارة الفارهة من تحت نظارته السوداء وقال بصوت غاضب:
إنتي مجنونة؟ تعالي هنا وشيلي علبة السردين بتاعتك من قدام عربيتي، عندي مواعيد مهمة
لم تلتفت له، ولكنها جرت مسرعة داخل الشركة تسأل عن مكان المقابلة. ولكنها تنفست الصعداء عندما علمت أن المدير أخّر المقابلة ساعة
نرمين قدري 
جلست على أقرب مقعد تلتقط أنفاسها وتنظمها، ثم قامت واقفة فجأة، لقد تذكرت سيارتها، وأنها تركتها في منتصف الطريق دون أن تصفها. جرت مسرعة، ولكنها وقفت مصدومة حين رأت خمس أفراد من أمن الشركة يقومون بدفع السيارة لأقرب مكان بعيدًا عن منتصف الطريق، وكان سائق السيارة الفارهة يتصاعد الغضب من وجهه. ابتلعت وسام ريقها بصوت مسموع، وجرت تعتذر بعينيها وهي تدخل سيارتها وتديرها وتصفها في أقرب مكان. نزلت تجر قدميها بعد أن لاحظت تتبع نظرات الرجل لها، والغضب الذي يكسو ملامح وجهه
اقتربت منه وقالت بصوت متقطع:
آسفة لحضرتك، معلش كان عندي معاد وكنت متأخرة، ثم علت نبرة صوتها دون إرادة منها وقالت:
+بس برضه إنت كمان غلطان، إنت خبط العربية من ورا، ونازل تزعق بدل ما تعتذر، ولكنها سحبت كلامها فجأة، وبدأ صوتها في الاختفاء حين لاحظت الغضب يشتد في نظراته، أشارت بيدها وسحبت نفسها من أمامه متجهة إلى بهو الشركة تنتظر وصول المدير
جلست وسام وتصفحت هاتفها في انتظار موعد المقابلة، وغفلت عن عيون تنظر لها وتضحك في سخرية
أفاقت وسام على صوت عاملة الاستقبال وهي تسمح لها بالصعود لمكتب المدير
دخلت وسام على استحياء لتقوم بمقابلتها مديرة مكتب المدير، التي كان يجلس حولها معظم المتقدمين، والذين كان عددهم كبيرًا
أطلقت وسام تأففًا وقالت في نفسها:
يا لهوي، إيه كل دول؟ شكل الشغلانة كده بح، طارت خلاص، ولكن فجأة سمعت مديرة المكتب تقول بصوت صارم:
بعتذر منكم، حضرتكم شرفتونا، ولكن المدير فعلاً اختار من بينكم الآنسة اللي تقوم بفكرة تسويق إلكتروني والبرمجيات
قالت إحدى المتقدمات وهي تسخر:
= وهو اختارها بقى على أساس إيه علشان نفهم بس؟ ثم أكملت وهي تغادر:
= يارب عقبالنا لما نمشي بالواسطة مش بالشطارة
وبدأ كل المتقدمين في الانصراف، ولكن أوقف وسام صوت مديرة المكتب وهي تقول بصوت صارم:
آنسة وسام، من فضلك حضرتك استني
التفتت وسام لها وقالت باستفسار:
استنى ليه؟ الكل بيمشي
ابتسمت السيدة بوقار وقالت:
ما حضرتك اللي تم اختيارك في الوظيفة
شهقت وسام وقالت بحماس:
بجد والله؟ إنتي بتتكلمي جد؟ أنا فعلاً هشتغل هنا
جاء صوت من خلفها أجش:
= تحت التمرين، هتشتغلي تحت التمرين
التفتت وسام لصاحب الصوت ثم شهقت وخفضت نظرتها
قال وهو يبتسم وكأنه قرأ أفكارها:
= اتفضلي يا آنسة معايا على المكتب علشان أشوف معاكي أساسيات الشغل
دخلت وسام خلفه، ولكنه تبدلت ملامحه للجدية، وقال دون أن يلمّح بما حدث في الخارج وكأن الموضوع لم يكن:
= حضرتك عارفة طبيعة شغلك هنا إيه
قالت وسام بحماس
أه طبعًا، أنا marketing
بس ممكن سؤال أو استفسار بس
قطع كلامها وقال:
= اخترتك إنتي بالذات علشان، جنانك، حركتك الزائدة، رد فعلك اللي غير متوقع، تصميمك على تحقيق هدفك رغم أي صعوبة ممكن تقابلك
وأظن التسويق الإلكتروني عاوز خفة، عاوز روح، عاوز تصميم، ومجازفة، وكل ده أنا لاحظته فيكي
تعجبت أنه قرأ أفكارها وقالت بصوت متقطع:
أنا بس حابة أعتذر للموقف اللي حصل من شوية، أنا كده لما بتأخر بتوتر، وخصوصًا لما يكون عندي لقاء، مش بحب إن انطباع يتاخد عني إني مش بحترم مواعيدي
قال بحزم وهو يقطع الكلام نهائيًا فيما حدث:
طالما أنا ما اتكلمتش عن اللي حصل، اعتبريه ما حصلش أصلًا
ودي أول ملاحظة حابب ألفت نظرك ليها، طالما أنا ما اتكلمتش في أي حاجة عدّت، يبقى الموضوع انتهى للأبد، ومش مسموح ليكي فتحه نهائي
هزت رأسها دون أن تتكلم
ثم أكمل كلامه وهو يجلس على مقعده أمام مكتبه الفخم، ثم أشار لها بالجلوس
تاني حاجة حابب أفهم حيثيات الشغل عندنا
طبيعة شغلك من الآخر هي عمود الشركة، علشان إنتي اللي بتظهري شغلنا للعميل، طريقتك وأسلوبك في عرض المنتج، وعرض شعار الشركة عليه عامل أساسي في تسويق منتجاتنا، ثم فتح ملفًا أمامه، وأطلق صافرة إعجاب، وقال وهو ينظر لها مبتسمًا
معقول دي إنتي؟ أخدتي كل الشهادات دي، مع إن جنانك ومنظرك ما يقولش كده أبدًا
خريجة حاسبات ومعلومات قسم برمجة وتطوير بتقدير امتياز
عاملة ماجستير في فاعليات السوق المفتوح
واخدة كورس تقفيل ميزانيات، واخدة كورس في التسويق الإلكتروني
وهو إنتي عمرك كام سنة؟ على كم الشهادات دي كلها
واحدة بكل الخبرات دي ما اشتغلتيش ليه لحد دلوقتي؟ إنتي اعتبري لقطة لأي شركة، أيًّا كان تخصصها
احمر وجهها من الخجل وقالت وهي تحاول أن تنظم أنفاسها المتسارعة
أي شغل كنت بقدم فيه كان محتاج واسطة، وطبعًا ما عرفش، اللي كانت بتتعيّن يا أجمل وأشيك واحدة من المتقدمين، يا والدها صاحب المدير، أو خالها معرفش مين، من الآخر كله بالمحسوبية بيمشي


تعليقات