![]() |
رواية محامي الشيطان الفصل الاول بقلم كوابيس الرعب
"الخيط الأسود"
كانت الساعة داخل مكتب "أستاذ مراد الجارحي" تشير لمنتصف الليل، لكن في مكاتب المحامين الكبار في وسط البلد، مفيش حاجة اسمها وقت
الدخان في الغرفة كان تقيل لدرجة إنك تحسه مادة ملموسة بتخنق الأنفاس، ميكس بين سيجار "مراد" الغالي وسجاير المحامين المساعدين اللي مخلصتش من الصبح
مراد الجارحي، الراجل اللي ملامحه محفورة بصرامة، شعره الشايب اللي ملموم لورا بدقة، وعينيه اللي زي الصقر اللي بتدور في وسط كومة الورق على "ثغرة" الثغرة اللي هتخرج "عاصم بيه المنياوي" من قضية قتل بشعة، قضية الكل عارف إن عاصم فيها دابح مراته وبنتها بدم بارد، بس مراد مبيشوفش "دم"، مراد بيشوف "مستندات"
"يا فندم، التقرير الجنائي فيه تضارب في توقيت الوفاة، ده مفتاحنا"، قالها "هاني" المساعد الشاب وهو بيمسح العرق من على جبينه برعشة خفيفة
مراد بص له ببرود وقال بصوت رخيم :
— "التضارب ده مش مفتاح يا هاني .. ده (خرم إبرة) أنا هعدي منه جمل
عاصم بيه مش هيبات ليلة كمان في التخشيبة جهزلي مرافعة (الجنون المؤقت)، واضغط على الشاهد بتاع المعمل الجنائي، أنا عاوزه ينسى اسمه وهو واقف قدام المنصة"
مراد كان عارف إنه بيبيع روحه بالقطعة مع كل قضية زي دي، بس النجاح في مصر "جنايات" يعني سلطة وفلوس بتجري في الإيد زي المية لكن الليلة دي، كان فيه حاجة مختلفة
ريحة في المكتب غريبة، مش ريحة سجاير ولا ورق قديم لا ديه كانت ريحة "زفرة"، زي ريحة لحم ناي مركون في الشمس
فجأة، الباب خبط خبطات تقيلة ومنتظمة السكرتير كان مشي من بدري، ومفيش حد المفروض يجي في الوقت ده. مراد أخد نفس طويل من سيجاره وشاور لهاني يفتح
دخل راجل طويل جداً، لابس بالطو أسود طويل رغم حر الصيف، ووشه كان شاحب لدرجة البياض الثلجي، عينيه كانت مطفية تماماً مفيش فيها أي لمعة
حتى الراجل محطش عينه في عين حد، مشي بخطوات تقيلة وحط "شنطة جلد" قديمة على مكتب مراد
— "مين حضرتك؟" سأل مراد بلهجة فيها حذر وكبرياء
الراجل رد بصوت عامل زي احتكاك المعدن ببعضه :
— "أنا اللي بخلص اللي إنت بتبدأه يا أستاذ مراد
عاصم المنياوي أمانة في رقبتك، والبراءة المرة دي مش بس عشان الفلوس .. البراءة عشان (العهد)"
مراد استغرب الكلمة، بس لما فتح الشنطة، عينه وسعت
الشنطة مكنش فيها فلوس، كان فيها "عقود ملكية" لأراضي ومصانع، وصور لمراد نفسه وهو في أوضاع مريبة، وصور تانية لأشخاص مراد خرجهم براءة قبل كدة .. بس الصور كانت غريبة، الأشخاص اللى فيها ملامحهم ممسوحة، كأن حد كب مية نار على وشوشهم في الصورة
الراجل مکنش مستنى رد، اختفى زي ما دخل، مسبش وراه غير ريحة "الزفر" اللي زادت
بعد أسبوع، وفي قاعة المحكمة اللي كانت بتغلي، مراد عمل المعجزة بلسانه اللي بينقط سم وعسل، قلب الطاولة على النيابة لبس القتيل قضية انتحار، وشكك في نزاهة الضباط، وقدر يخلي القاضي يرفع الجلسة وينطق بالحكم :
"براءة المتهم عاصم المنياوي مما نُسب إليه"
الناس في القاعة صرخت، وأهل الضحية كانوا بيصوتوا وبيدعوا عليه، وعاصم المنياوي كان بيضحك ضحكة صفراء وهو بيحضن مراد وبيهمس في ودنه :
"كنت عارف إنك الوحيد اللي هتقدر ترجعني لـ (أصحابي)"
مراد روح بيته، الفيلا الكبيرة في التجمع كان حاسس بانتصار، بس فيه غصة في حلقه دخل الحمام يغسل وشه، ولما بص في المراية، ملقاش وشه المراية كانت عاكسة الحمام، وعاكسة الهدوم، بس مكان وشه كان فيه
"فراغ أسود"
فرك عينيه بعنف وبص تاني، لقى وشه رجع طبيعي، بس فيه خيط أسود رفيع خارج من طرف عينه وداخل في ودنه حاول يشده، لقى نفسه بيتألم ألم بشع كأن الخيط ده مربوط في أعصابه
تليفونه رن .. كان هاني المساعد، صوته كان مرعوب وبيترعش :
— "أستاذ مراد .. ألحقني .. عاصم بيه المنياوي .. أنا رحت ليه الفيلا عشان يوقع على باقي الأوراق .. لقيت الفيلا مفتوحة .. ولقيت .."
— "لقيت إيه يا زفت انطق؟" صرخ مراد
— "لقيت عاصم بيه متعلق في النجفة، بس مش مشنوق هو مسلوخ يا فندم .. جلده كله متشال ومحطوط على الكرسي كأنه (بدلة)، ومكتوب بدمه على الحيطة :
(تم استرداد الأمانة .. الدور على اللي قبض التمن)"
مراد وقع من إيده الموبايل، وبص على الشنطة الجلد اللي الراجل الغريب سابهاله .. لقاها بدأت تنزف دم أسود لزج، والدم بدأ يرسم على أرضية المكتب خريطة لبيوت كل الناس اللي مراد خرجهم براءة .. والخطوط كلها كانت بتتقابل في نقطة واحدة :
غرفة نوم مراد الجارحي
